← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

تَفْدِ كل فداء ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾. وقال أبو عبيدة: وإن تقسط كل قسط لا يقبل منها (١)، لأن التوبة في الحياة. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٢). ٧١ - قوله : ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (٣) حين دعا أباه إلى الكفر، فأنزل الله تعالى (٤): ﴿قُلْ أَنَدْعُو﴾: أنعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا﴾: إن عبدناه ﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾: إن تركناه ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾: إلى الشرك ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي﴾ (٥).

стр. 6127

تقول العرب لكل راجع خائب لم يظفر بحاجته: ردَّ على عقبيه (١)، ونكص على عقبيه (٢). فيكون مَثَلُنَا (٣) كمثل الذي ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ أي: أضلته. ﴿فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾. قال ابن عباس ﵁: كالذي استفزته الغيلان في المهامه فأضلوه،

стр. 6128

فهو حائر بائر (١) (٢)، و (حيران) نصب على الحال. وقرأ الأعمش وحمزة: (كالذي استهويه) بالياء (٣). وقرأ طلحة: (استهواه) بالألف. وقرأ الحسن: (استهوته الشياطون) (٤). وفي مصحف عبد الله وأُبي ﵄: (اسْتَهْوَاهُ الشَّيْطَانُ) على واحد (٥). ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ يعني: أبويه (٦)، وقيل: أصحاب محمد ﷺ . ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ أي: (وقل: أمرنا) (٧) لنسلم -أي: أن نسلم ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 6129

٧٢ - ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾ ٧٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ قال أبو عبيدة: هو جمع: صورة، مثل: سورة وسور (١). قال العجاج: وربَّ ذي سُرَادقٍ مَحْجورِ ... سِرْتُ إليه، في أَعَالِي السُّورِ (٢) وقال الآخرون: هو قرن ينفخ فيه بلغة أهل اليمن (٣). وأنشد: نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الجَمْعَيْن بالصابحات في غبار النَّقْعْين

стр. 6130

نطحًا شديدًا لا كنطح الصوريْن (١) يدل على هذا القول: الخبر المروي عن النبي ﷺ : "كيف أنعمُ، وصاحبُ القَرْنِ قد التَقَمَ القرن، وحنى جبهته، وأصغى بسمعه؛ ينتظر متى يؤمر، فَيَنْفُخُ" (٢). ثم قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٧٤ - قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ قال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي: آزر: هو (٣) أبو إبراهيم (٤)، وهو: تارخ، مثل إسرائيل ويعقوب، وكان من

стр. 6131

كَوْثَى (١): قريةٌ من سواد الكوفة. وقال مقاتل بن حيان: هو لقب لأبي إبراهيم ﵇ (٢). وقال سليمان التيمي: هو سبٌّ وعيب (٣). ومعناه، في كلامهم: المعوج. وقيل: معناه الشيخ الهيم بالفارسية (٤)، وهو على هذِه الأقاويل في محل الخفض، على البدل، أو الصفة، ولكنه نصب؛ لأنه لا ينصرف (٥). وقال سعيد بن المسيب، ومجاهد، ويمان: آزر اسم صنم (٦)، وهو -على هذا التأويل- في موضع نصب. وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: أتتخذ آزرَ أصنامًا آلهة (٧).

стр. 6132

وقرأ الحسن وأبو يزيد المدني ويعقوب الحضرمي: (آزرُ) بالرفع على النداء المفرد (١)، يعني: يا آزر ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ من دون الله ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ٧٥ - ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: وكما أريناه البصيرة في دينه، والحق في خلافه قومه، نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ملكهما، والملكوت: الملك، زيدت فيه التاء، كما زيدت في: الجبروت والرهبوت والرحموت (٢) وحُكِيَ عن العرب، سماعًا: له ملكوت اليمن والعراق (٣). قال الكسائي: زِيدت فيه التاء؛ للمبالغة (٤). وأنشد: وشر الرجال الخالب الخلبوتُ (٥)

стр. 6133

وقال عكرمة: هو الملك، غير أنها بالنبطية ملكوت (١). وقرأها بالتاء المعجمة (٢). وقال ابن عباس ﵁: يعني: خلق السماوات والأرض (٣). وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني: آيات السماوات والأرض (٤)، وذلك؛ أنه أُقِيم على صخرة، وكُشِف له (٥) عن السماوات والأرض، حتى العرش وأسفل الأرضين، ونظر إلى مكانه في الجنة. فذلك قوله : ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني: أريناه مكانه في الجنة. قال قَسَّامَة (٦): إن إبراهيم ﵇ حدَّث نفسه أنه أرحم الخلق، فرفعه الله حتى أشرف على أهل الأرض، وأبصر أعمالهم، فلما رآهم يعملون المعاصي (٧) قال: اللهم دمِّر عليهم، وجعل يلعنهم.

стр. 6134

فقال له ربه: أنا أرحم بعبادي منك، أهبط؛ فلعلَّهم يتوبوا (١). [١٣٥٤] أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد (بن محمد) (٢) الروذباري (٣)، قال: ثنا أبو بكر محمد بن هارون بن إبراهيم الخطيب (٤)، بِعَبَّادَانْ (٥)، قال: ثنا أبو بكر العطار أحمد بن محمد الآبلي (٦). قال: حدثنا سليمان بن داود العَتَكي (٧)، ثنا سوار بن مصعب (٨)، عن إسماعيل بن أبي خالد (٩)، عن قيس بن أبي حازم (١٠)،

стр. 6135

عن علي ﵁ (عن النبي ﷺ ) (١) قال: "لما أرى الله تعالى إبراهيم ﵇ ملكوت السماوات والأرض، فأشرف على رجل على معصية من معاصي الله، فدعا الله عليه فهلك، [ثم أشرف على آخر فدعا الله عليه فهلك] (٢)، ثم أشرف على آخر فدعا الله عليه فهلك، ثم أشرف على آخر، فلما أراد أن يدعو عليه أوحى الله إليه أن: يا إبراهيم، إنك رجل مستجاب الدعوة؛ فلا تدعوَنَّ على عبادي، فإنهم مني على ثلاث خصال: إما أن يتوب إليَّ (٣)، فأتوبَ عليه، وإما أن أُخرِج منه نسمة تسبحني (٤). وإما أن يُبْعَثَ إليَّ، فإن شئتُ عَفَوْتُ عنه، وإن شئتُ عَاقبته" (٥). وقال الضحاك: ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الشمس والقمر والنجوم (٦).

стр. 6136

وقال قتادة: خُبِّئ إبراهيم ﵇ من جبار من الجبابرة، فَجُعِلَ له رزقٌ في أصابعه، فإذا مصَّ إصبعًا من أصابعه، وجد فيها رزقًا، فلما خرج أراه الله تعالى ملكوت السماوات والأرض، فكان ملكوت السماوات (١): الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض: الجبال والشجر والبحار (٢). ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. ٧٦ - ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى آخر القصة. قال المفسرون: إنَّ إبراهيم ﵇ وُلِد في زمن نمرود بن كَنْعَان، وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه، ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهَّان ومنجِّمون. فقالوا له: إنه يولد في بلدك هذِه السنة غلام يغيِّر دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك، على يديه (٣). ويقال: إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء. وقال السدي: رأى نمرود في منامه كأن كوكبًا طلع، فذهب بضوء الشمس والقمر، حتى لم يبقَ لهما ضوء، ففزع من ذلك فزعًا شديدًا، ودعا السحرةَ والكهنةَ والجازَّةَ والقافة، فسألهم عن ذلك، فقالوا: هو

стр. 6137

مولود يولد في ناحيتك، في هذِه السنة، يكون هلاك ملكك وأهل بيتك على يديه. قالوا: فأمر بذبح كل غلام يُولد في ناحيته تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل عشر رجلا. فإذا حاضت امرأة خلي بينها وبينه، فإذا طهرت عزل عنها. فرجع آزر أبو إبراهيم، فوجد امرأته قد طهرت من الحيض، فوقع عليها في طهرها، فتلَّقت، فحملت بإبراهيم ﵇ (١). وقال محمد بن إسحاق: بعث نمرود إلى كل امرأة حبلي بقريته، فحبسها عنده، إلَّا ما كان من أم إبراهيم، فإنه (٢) لم يعلم بِحَبَلها، وذلك؛ أنها كانت جارية حديثة، لم يُعْرَف الحبَلُ في بطنها. وقال السدي: خرج نمرود بالرجال إلى المعسكر، ونحاهم عن النساء؛ تخوُّفًا من ذلك المولود (٣) أن يكون، فمكث بذلك ما شاء الله، ثم بدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأتمن عليها أحدًا من قومه، إلَّا آزر، فبعث إليه ودعاه، وقال له: إن لي إليك حاجة أحبُّ أن أوصيك بها، ولا أبعثك إلَّا لثقتي بك، فأقسمت عليك أن لا

стр. 6138

تدنو من أهلك، ولا تواقعها. فقال آزر: أنا أشحُّ على ديني من ذاك. فأوصاه بحاجته، ثم بعثه، فدخل المدينة، وقضى حاجته. ثم قال: لو دخلتُ على أهلي، فنظرت إليهم، فلما نظر إلى أم إبراهيم لم يتمالك [نفسه] (١) حتى وقع عليها، فَحَمَلت بإبراهيم ﵇ (٢). قال ابن عباس ﵄: لمَّا حملت أم إبراهيم، قال الكهَّان لنمرود: إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملته أمه الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان، فلما دنت ولادة أم إبراهيم، وأخذها المخاض، خرجت هاربة؛ مخافة أن يطَّلع عليها، فيقتل ولدها، فوضعته في نهر يابس، ثم لفَّته في خرقة، ووضعته في حلفاء، فرجعت، فأخبرت زوجها بأنها ولدت، وأن الولد في موضع كذا، فانطلق أبوه، فأخذه من ذلك المكان، وحفر له سربًا عند نهر، فواراه فيه، وسدَّ عليه بابه بصخرةٍ (٣)، مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه (٤). وقال السدي: لما عظُم بطن أم إبراهيم، خشي آزرُ أن يُذْبحَ، فانطلق بها إلى أرض بين الكوفة والبصرة، يقال لها: أَوَّر، فأنزلها في سَرَب من الأرض، وجعل عندها ما يصلحها، وجعل يتعهَّدها،

стр. 6139

ويكتم ذلك من أصحابه، فولدت إبراهيمَ في ذلك السرب، وشبَّ، وكان -وهو ابن سنة- كابن ثلاث سنين، وصار من الشباب بحالة أَسْقَطَتْ عنه طمع الذباحين، ثم ذكر آزر لأصحابه: إن لي ابنا كبيرًا، فانطلق به إليهم (١). وقال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم المطلق، خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبًا منها، فولدت فيها إبراهيم ﵇, وأصلحت من شأنه ما يُصْنَعُ بالمولود، ثم سدَّت عليه المغارة، فرجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة؛ لتنظر ما فعل، فتجده حيًّا يمصُّ إبهامه (٢). قال أبو روق: كانت أم إبراهيم كلما دخلت على إبراهيم، وجدته يمصُّ أصابعه، فقالت ذات يوم: لأنظرنَّ إلى أصابعه، فوجدته يمصُّ من إصبعٍ ماءً ومن إصبعٍ لبنًا ومن إصبعٍ عسلا ومن إصبعٍ تمرًا ومن إصبعٍ سمنًا (٣). قال محمد بن إسحاق [بن يسار] (٤): وكان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل (٥)؟ فقالت: وَلَدَتُ غلامًا، فمات، فصدَّقها، فسكت عنها، وكان اليوم على إبراهيم ﵇ في الشباب كالشهر،

стр. 6140

والشهر كالسنة، فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلَّا خمسة عشر يومًا، حتى رجع إلى أبيه آزر، فأخبره أنه ابنه، وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه، وأخبرته بما كانت صنعت في شأنه، فسُرَّ بذلك آزر، وفرح (١) فرحًا شديدًا. قالوا: فلما شبَّ إبراهيم ﵇ وهو في السرب بعدُ قال لأمه: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن ربّ أبي؟ قالت له: أسكت، فسكت (٢). ثم رجعت إلى زوجها، فقالت: أرأيت الغلام الذي كنّا نُحَدَّثُ أنه يُغَيِّر دين أهل الأرض؟ فإنه ابنك، ثم أخْبَرتهُ بما قال لها. فأتاه أبوه آزر، فقال له إبراهيم: يا أبتاه، من ربي؟ قال: أمك، قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربك؟ قال: نمرود، قال: فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة، وقال له: أسكت، ثم قال لأبويه: أخرجاني، فأخرجاه من السرب، وانطلقا (٣) به حين غابت الشمس، فنظر إبراهيم ﵇ إلى الإبل، والخيل، والغنيم. فسأل أباه: ما هذِ؟ ؛ فقال: إبل وخيل وغنم، فقال: ما لهذِه بدٌّ (٤) من أن يكون لها ربٌّ، وخالق، ثم نظر وتفكَّر في خلق السماوات والأرض، وقال: إن الذي خلقني (٥) ورزقني

стр. 6141

وأطعمني وسقاني لَرَبِّي، ما لي إله غيره. ثم نظر، فإذا المشتري قد طلع، ويقال: الزهرة، وكانت تلك الليلة في آخر الشهر، فرأى الكوكب قبل القمر، فقال: هذا ربي، فذلك قوله : ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي: دخل (١). يقال: جنَّ الليل وأجنَّ، وَجنَّهُ الليل، وأجَنَّه، وجَنَّ عليه الليل يَجُنُّ جُنُونًا وجَنَانًا: إذا أظلم وغطَّي كُلَّ شيء (٢)، وإنما سُمِّيت الجن، لاجتنانها، فلا تُرى. قال أبو عبيدة: جنون الليل: سواده (٣)، وأنشد:

стр. 6142

ولولا جنونُ الليل (١)، أدرك رَكضُنَا ... بذي الرِّمث والأرطَي، عِيَاضَ بنَ نَاشِبِ (٢) ﴿رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ اختلفوا فيه: فأجراه (٣) بعضهم على الظاهر، وقالوا: إنما كان إبراهيم ﵇ مسترشدًا متحيرًا؛ طالبًا للتوحيد، حتى وفَّقه الله، وآتاه رشده، وإنما كان هذا منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجّة عليه، وفي تلك الحال لا يكون كفر، ولا إيمان (٤).

стр. 6143

يدل عليه ما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾: فعبده حتى غاب، فلما غاب قال ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾: فعبده حتى غاب، فلما غاب ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾: فعبدها حتى غابت، فلما غابت ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (١). وأنكر الآخرون هذا القول (٢)، وقالوا: غير جائز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موِّحد، وبه عارف، ومن كلّ معبود سواه بريء. قالوا: وكيف يُتَوَهَّم هذا على من عصمه الله، وطهره في مستقره ومستودعه، وآتاه رشده من قبل، وأخبر عنه، فقال: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ (٣)، وقال (٤): ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ أفتراه أراه الملكوت ليوقن، فلما أيقن رأى كوكبًا، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ على الاعتقاد؟ !

стр. 6144

والحقيقة هذا ما لا يكون أبدًا. ثم (١) قالوا: فيه أربعة أوجه من التأويل الصحيح: الوجه الأول (٢): أن إبراهيم ﵇ أراد أن يستدرجهم بهذا القول، ويعرِّفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظَّموا، ويقيم عليهم الحجة، فأراهم أنه معظِّم ما عظَّموا، وملتمس الهدى من حيث ما (٣) التمسوه، فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم؛ ليتبيَّن خطأ ما يَدَّعُون، وكانوا يعظِّمون النجوم، ويَحْكُمَون بها، ويعبدونها (٤). قالوا: ومثل هذا مَثَلُ الحواري الذي ورد على قوم يعبدون ندًّا لهم، وهو الصنم، فأظهر تعظيمه، وأراهم الآجتهاد في دينهم، فأكرموه، وصَدَرُوا في كثير من الأمور عن رأيه، إلى أن دهمهم عدو لهم خافه الملك على مملكته، فشاور الحواري في أمره. فقال: الرأي أن ندعو إلهنا -يعني: الندَّ- حتى يكشف ما قد أظلَّنا، فإنا لمثل هذا اليوم كنا نُوَشِّحُه (٥)، فاجتمعوا حوله يجأرون

стр. 6145

ويتضرعون وأَمْرُ عدوهم يستفحل، ويتوكَّد، فلما تبيَّن لهم أن ندَّهم لا يدفع ولا ينفع (١) ولا يسمع، قال: هاهنا إله ندعوه فيستجيب، ونستجيره فيجير، فهلموا ندعوه، فدعوا الله تعالى، فصرف عنهم ما كانوا يحذرون، وأسلموا (٢). والجواب الثاني: أن إبراهيم ﵇ رآهم يعبدون الشمس والقمر والنجوم، فقال لهم؛ على جهة الاستفهام والتوبيخ، منكرًا لفعلهم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ يعني: أهذا ربي؟ ومثل هذا يكون ربًّا؟ ! أي: ليس هذا ربي؛ كقول الله : ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٣) أي: أَفَهُم؟ . وكقول موسى ﵇ لفرعون: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ﴾ (٤) أي: أَوَ تلك نعمة؟ . وقال الهذلي (٥): رفوني، وقالوا: يا خويلد، لم تُرَع ... فقلت، وأنكرتُ الوجوه: هُمُ هُمُ (٦)؟ !

стр. 6146

أي: أهم هم (١)؟ . وقال آخر: لعمرك، ما أدري، وإن كنت داريًا ... بسبعٍ رَمَيْتُ الجَمْرَ، أم بثمانٍ (٢)؟ ! والجواب الثالث (٣): أن إبراهيم ﵇ قال هذا (٤)، على وجه الاحتجاج على قومه، لا على معنى الشك في ربه، كأنه قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ عندكم، وفيما تظنون، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ﴾: لو كان إلهًا، لما غاب. وهذا كقوله : ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ (٥) يعني: عندك، وقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ (٦): يقوله خزنة النار لأبي جهل -يعني: إنك كذا عند نفسك، فأمَّا عندنا، فلست عزيزًا ولا كريمًا.

стр. 6147

والجواب الرابع (١): أن في الآية اختصارًا وإضمارًا (٢)، ومعناها قال: يقولون: هذا ربي (٣)، كقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا﴾ (٤) أي: ويقولان: ربنا تقبَّل منا. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾: غاب وزال ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾: ربًّا لا يدوم. ٧٧ - ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾: طالعًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾: عن الهدى. ٧٨ - ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾. قال محمد بن مقاتل الرازي: إنما قال: ﴿هَذَا﴾ ولم يقل: هذِه؛ لأنه رأى ضوء الشمس، ولم يرَ عين الشمس، فرده إلى الشعاع (٥). وقال الأخفش: أراد هذا الطالع ربي، أو هذا الذي أراه ربي (٦)،

стр. 6148

لأنه رآه أضوأ وأعظم. ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾: غربت ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. ٧٩ - ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وكان آزر يصنع الأصنام، فلما ضمَّ إبراهيمَ ﵇ إلى نفسه، جعل يصنع الأصنام، ويعطيها إبراهيم ﵇ ليبيعها، فيذهب بها إبراهيم (١)، فينادي: من يشتري ما يضره ولا ينفعه؛ فلا يشتريها أحد. فإذا بارت (٢) عليه، ذهب بها إلى نهر، فصوَّب فيه (٣) رؤوسها، وقال: اشربي؛ استهزاءً بقومه، وبما هم عليه من الضلالة، حتى فشا عيبه إياها، واستهزاؤه بها في قومه، وأهل قريته (٤). ٨٠ - ﴿وَحَاجَّهُ﴾ أي: خاصمه ﴿قَومِهِ﴾: في دينه ﴿قَالَ﴾: لهم ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾: عرَّفني التوحيد والحق ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾: وذلك أنهم قالوا له: (أما تخاف) (٥) أن يمسَّك آلهتنا بسوء، من

стр. 6149

برص أو خبل؛ لعيبك إيَّاها؟ فقال لهم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾: من الأصنام ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾: بي (١) سوءًا، فيكون ما شاء ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يعني: أحاط علمه بكل شيء ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٨١ - ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ يعني: الأصنام، وهي لا تبصر، ولا تسمع، ولا تضر، ولا تنفع ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾: حجةً وبرهانًا، وهو القادر القاهر (٢) على كل شيء. ثم قال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ﴾: أولي ﴿بِالْأَمْنِ﴾ أنا وأهل ديني أم أنتم؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فقال الله تعالى؛ قاضيًا وحاكمًا بينهما: ٨٢ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: ولم يخلطوا إيمانهم بشرك ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال عبد الله بن مسعود ﵁: لما نزلت هذِه الآية، شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليس ما تظنون، إنما هو ما قال لقمان لابنه: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: إنما هو الشرك" (٣).

стр. 6150

٨٣ - ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾: حتى خصمهم وغلبهم بالحجة. قال مجاهد: هي قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (١). ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾: بالعلم. وقرأ أهل الكوفة (٢) ويحيى بن يعمر وابن محيصن: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ بالتنوين -يعني: نردع من نشاء درجات، ومثله في سورة يوسف (٣). ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٨٤ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾: وفَقنا وأرشدنا. ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إبراهيم ﵇ وولده ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ يعني: ومن أولاد نوح ﵇ (٤)، لأن لوطًا ﵇ لم يكن من ذرية إبراهيم ﵇ (داوود): وهو " ود بن إيشا ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ يعني: ابنه ﴿وَأَيُّوبَ﴾ وهو: أيوب بن أموض بن رازح بن روم بن عيصا

стр. 6151

بن إسحاق بن إبراهيم (١) ﴿وَيُوسُفَ﴾: وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، الذي قال رسول الله ﷺ : "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" (٢). ﴿وَمُوسَى﴾ وهو: موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي ابن يعقوب (٣). ﴿وَهَارُونَ﴾ وهو: أخو موسى ﵉ أكبر منه بسنة. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما جزينا إبراهيم، على توحيده وثباته على دينه؛ بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولادًا أنبياء أتقياء كذلك (٤) ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم. ٨٥ - ﴿وَزَكَرِيَّا﴾ وهو: زكريا بن آذن (٥) بن بركيا (٦) ﴿وَيَحْيَى﴾ وهو: ابنه ﴿وَعِيسَى﴾ وهو: ابن مريم بنت عمران بن ياشهم بن أمون بن حزقيا (٧).

стр. 6152

﴿وَإِلْيَاسَ﴾: واختلفوا فيه: فقال عبد الله بن مسعود ﵁: هو إدريس، مثل: يعقوب وإسرائيل (١). وقال غيره: هو: إلياس بن يسى (٢) بن فنحاص بن العيزار ابن هارون بن عمران، نبي الله ﵇ (٣)، وهو الصحيح؛ لأن الله تعالى نسب إلياس ﵇، في هذِه الآية إلى نوح ﵇، وجعله من ذريته، ونوح هو؛ ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ (٤)، وهو: إدريس، فمحال أن يكون جدُّ أبيه منسوبًا إلى أنه من ذريته. ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: الأنبياء والمؤمنين.

стр. 6153

٨٦ - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ وهو: ابن إبراهيم ﵉ ﴿وَالْيَسَعَ﴾ وهو: اليسع بن أُخطوب بن العجوز (١) ﴿وَيُونُسَ﴾ وهو: يونس بن متى (٢) ﴿وَلُوطًا﴾ وهو: لوط بن هاران بن أخي إبراهيم ﵇ (٣)، ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني: عالمي زمانهم. ٨٧ - ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾: اخترناهم واصطفيناهم ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ سدَّدناهم وأرشدناهم ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ٨٨ - ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ يعني: ولو أشرك هؤلاء الأنبياء (٤) الذين سماهم الله (٥)، فعبدوا غيره ﴿لَحَبِطَ﴾: بطل وذهب ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

стр. 6154

٨٩ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: الكتب ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾: يعني: قريشًا ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ يعني: الأنصار وأهل المدينة (١). وقال قتادة: يعني الأنبياء الثانية عشر (٢)، الذين قال الله تعالى: ٩٠ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ﴾: فبسنَّتهم وسيرتهم ﴿اقْتَدِهْ﴾ الهاء فيه هاء الوقف ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي (٣): جُعْلًا ورزقًا ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو -يعني: محمدًا ﷺ ﴿إِلَّا ذِكْرَى﴾: عظة ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾. ٩١ - قوله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: أي: ما عظموا الله حق عظمته. وما وصفوه حق صفته ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال سعيد بن جبير: جاء رجل من اليهود، يقال له: مالك بن الصيف، يخاصم النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : "أنشدك بالذي أنزل

стр. 6155

التوراة علي موسى: أما تجد في التوراة: أن الله يبغض الحبر السمين"؟ وكان حبرًا سمينًا، فغضب فقال: والله ما أنزل الله علي بشر من شئ، فقال له أصحابه الذين معه: ويحك! ولا موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله علي بشر من شيء، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١). وقال السدي: نزلت فى فنحاص بن عازورا، وهو قائل هذِه المقالة (٢). وقال محمد بن كعب: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ وهو محتب (٣)، فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء، كما جاء به موسى ألواحًا يحملها من عند الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ الآية (٤). فجثا رجل من يهود فقال: ما أنزل الله عليك ولا علي موسى ولا علي عيسى ولا علي أحد شيئًا، فأنزل الله تعالى (هذِه الآية (٥)، وقال

стр. 6156

ابن عباس ﵄: قالت اليهود: يا محمد، أنزل الله تعالى عليك كتابًا؟ قال: "نعم"، قال: والله ما أنزل الله من السماء كتابًا فأنزل الله تعالى) (١): ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت في الكفار، أنكروا قدرة الله عليهم فمن أقرَّ (٣) أن الله على كل شيء قدير، فقد قَدَرَ (٤) الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك لم يقدر الله حق قدره (٥). وقال مجاهد: نزلت في مشركي قريش، قالوا: ما أنزل الله على بشر من شئ (٦). وقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ قال: هم اليهود (٧). وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾: قال: هذِه للمسلمين. وهكذا روى أيوب (٨) عنه أنه قرأ: (وعلمتم معشر العرب ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم).

стр. 6157

وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾: أي: دفاتر وكتبًا، جمع قرطاس، أي: تفرقونها، وتكتبونها في دفاتر مقطعة، حتى لا تكون مجموعة؛ لتخفوا منها ما شئتم، ولا يشعر بها العوام. ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾: من ذكر محمد وآية الرجم ونحوهما مما كتموه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) كلها بالياء على الإخبار عنهم (١)، وقرأ الباقون: بالتاء على الخطاب. ودليلهم قوله فيما قبله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾. وفيما بعده: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾: فإن أجابوك، وإلَّا فقُل أنت: الله فعل ذلك ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾: حال، وليس بجواب الأمر، تقديره: ذرهم في خوضهم لاعبين. ٩٢ - قوله (٢): ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ يعني: القرآن ﴿أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ أي: وهذا كتاب مبارك أنزلناه ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ﴾: يا محمد. وقرأ عاصم: بالياء (٣)، يعني: (وَييُنذِر): الكتاب. ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: يعني: مكة، سمَّاها أم القرى؛ لأن الأرض دحيت

стр. 6158

من تحتها ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: أهل الأرض كلها شرقًا وغربًا ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: بالكتاب ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾: يعني: الصلوات الخمس ﴿يُحَافِظُونَ﴾: يداومون.

стр. 6159

٩٣ - قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: أي: أخْطَأُ قولا، وأجْهَلُ فِعْلا ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾ اختلق ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فزعم أنه بعثه نبيًّا ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾: نزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي، وكان يسجع ويتكهَّن، ويدِّعي النبوة، ويزعم أن الله أوحى إليه (١). وكان قد أرسل إلى رسول الله ﷺ رسولين، فقال النبي ﷺ لهما (٢): "أتشهدان أنَّ مسيلمة نبي؟ ". فقالا: نعم. فقال النبي ﷺ : "لولا أنَّ الرسل لا تَقْتُلُ، لضَرَبْتُ أعناقكما" (٣). وقال رسول الله ﷺ : "رأيت فيما يرى النائم كأنَّ في يدي سواريْن من ذهب، فَكَبُرَا عليَّ وأهماني، فأُوحي إليَّ أن انْفُخهُمَا فنفختهما،

стр. 6160

فطارا، فأوّلتهما: الكذَّابين اللَّذيْن (١) أنا بينهما: كذاب اليمامة مسيلمة، وكذاب صنعاء الأسود العنسي" (٢). ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي، وكان يكتب للنبي ﷺ ، وكان إذا أملي عليه: سميعًا عليمًا كتب هو: عليمًا حكيمًا، وإذا قال: عليمًا حكيمًا، كتب: غفورًا رحيمًا، وأشباه ذلك. فلما نزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ الآية (٣) (٤) أملاها رسول الله ﷺ فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله ﷺ : "اكتبها فهكذا نزلت". فشك عبد الله، وقال: لئن كان محمد صادقًا، لقد أوحي إليَّ كما أُوحِي إليه، ولئن كان كاذبًا، لقد قلت كما قال، فارتدَّ عن الإسلام، ولحق بالمشركين. وقال لهم: أنا أعلِمكم بمحمد؛ لقد كان يملي عليّ فأغيِّره، وأكتب كما شئت. ووشى بعمَّار وجبر عبد لبني الحضرمي (٥)، فأخذوهما وعذبوهما حتى أعطياهم الكفر، وَجُدِعَ أذن عمار يومئذٍ، فأخبر عمار ﷺ بما

стр. 6161

لقي، وبما أعطاهم من الكفر، فأبى النبي ﷺ أن يتولّاه، فأنزل الله تعالى فيه وفي جبر (١)، وفي ابن أبي سرح (٢): ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾: (٣) يعني: عبد الله بن أبي سرح الآية (٤). ثم رجع عبد الله إلى الإسلام قبل فتح مكة، إذ نزل النبي ﷺ بمر الظهران (٥) (٦). ﴿وَلَوْ تَرَيَ﴾: يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾: وهم الذين ذكرهم الله (٧) ووصفهم قبل ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: سكراته، وهي جمع غمرة، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه، وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطِّيها، ثم وُضِعت في معنى الشدائد والمكاره (٨). ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾: بالعذاب والضرب، يضربون

стр. 6162

وجوههم وأدبارهم، كما يقال: بسط إليه يده بالمكروه ﴿أَخْرِجُوا﴾: أي: يقولون أخرجوا ﴿أَنفُسَكُمْ﴾: أرواحكم كرهًا؛ لأنَّ نفس المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه، والجواب محذوف، يعني: ولو تراهم في هذِه الحال (١)، لرأيت عجبًا. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾: تثابون ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: الهوان ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ والقرآن (٢) ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾: تتعظمون. قال النبي ﷺ : "من سجد لله سجدة، فقد برئ من الكبر" (٣). ٩٤ - قوله ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾: هذا خبر من الله أنه (٤) يقول للكفار (٥) يوم القيامة: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾: وحدانا لا مال معكم، ولا زوج، ولا ولد (٦)، ولا خدم، ولا حشم. وقال الحسن: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾: كل واحد على حدة (٧).

стр. 6163

وقال ابن كيسان: مفردين من المعبودين (١)، وفرادى جمع فردان (٢) مثل سكران وسكارى، وكسلان وكسالي (٣). ويقال أيضًا: فرد بجزم الراء، وفرِد بكسرها، وفرَد با لفتح، وأفرد وجمعها أفراد، مثل: آحاد، وفريد وفُرْدَان: بضم الفاء، مثل (٤) قضيب وقضبان، وكثيب وكثبان (٥). وقرأ الأعرج: (فردى) بغير ألف مثل سكرى وكسلي (٦). ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: عراة حفاة غرلًا بهمًا ﴿وَتَرَكْتُمْ﴾: وخلفتم ﴿مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾: أعطيناكم وملكناكم من الأموال والأولاد والخدم ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾: خلف ظهوركم في الدنيا. روى محمد بن كعب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يُنْفَخُ نفخة البعث، فتخرج الأرواح، كأنها النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الجبار: وعزّتي وجلالي لترجعن كلل روح إلى جسده. فتدخل الأرواح في الأجساد، وإنما تدخل في الخياشيم، كما يدخل

стр. 6164

السُّمُّ في اللديغ، ثم تنشق عنكم الأرض، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، فتنسلون سراعًا إلى ربكم على سن الثلاثين، مهطعين إلى الداعي، فتوقفون في موقف واحد سبعين عامًا، حفاة عراة غرلًا بهمًا، لا يُنْظَرُ إليكم، ولا يقضى بينكم، فتبكي الخلائق، حتى ينقطع الدمع، وبلجمهم العرق" (١).

стр. 6165

وقال القرطبي: قرأت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، فقالت عائشة (١): يا رسول الله، واسوأتاه، إن الرجال والنساء يحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول الله ﷺ "لكلِّ امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه، لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، فشُغِل (٢) بعضهم عن بعض" (٣). ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾: وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام؛ لأنهم شركاء الله، وشفعاؤهم عنده. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾
следующие страницы →