← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

لقي، وبما أعطاهم من الكفر، فأبى النبي ﷺ أن يتولّاه، فأنزل الله تعالى فيه وفي جبر (١)، وفي ابن أبي سرح (٢): ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾: (٣) يعني: عبد الله بن أبي سرح الآية (٤). ثم رجع عبد الله إلى الإسلام قبل فتح مكة، إذ نزل النبي ﷺ بمر الظهران (٥) (٦). ﴿وَلَوْ تَرَيَ﴾: يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾: وهم الذين ذكرهم الله (٧) ووصفهم قبل ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: سكراته، وهي جمع غمرة، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه، وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطِّيها، ثم وُضِعت في معنى الشدائد والمكاره (٨). ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾: بالعذاب والضرب، يضربون

стр. 6162

وجوههم وأدبارهم، كما يقال: بسط إليه يده بالمكروه ﴿أَخْرِجُوا﴾: أي: يقولون أخرجوا ﴿أَنفُسَكُمْ﴾: أرواحكم كرهًا؛ لأنَّ نفس المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه، والجواب محذوف، يعني: ولو تراهم في هذِه الحال (١)، لرأيت عجبًا. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾: تثابون ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: الهوان ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ والقرآن (٢) ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾: تتعظمون. قال النبي ﷺ : "من سجد لله سجدة، فقد برئ من الكبر" (٣). ٩٤ - قوله ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾: هذا خبر من الله أنه (٤) يقول للكفار (٥) يوم القيامة: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾: وحدانا لا مال معكم، ولا زوج، ولا ولد (٦)، ولا خدم، ولا حشم. وقال الحسن: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾: كل واحد على حدة (٧).

стр. 6163

وقال ابن كيسان: مفردين من المعبودين (١)، وفرادى جمع فردان (٢) مثل سكران وسكارى، وكسلان وكسالي (٣). ويقال أيضًا: فرد بجزم الراء، وفرِد بكسرها، وفرَد با لفتح، وأفرد وجمعها أفراد، مثل: آحاد، وفريد وفُرْدَان: بضم الفاء، مثل (٤) قضيب وقضبان، وكثيب وكثبان (٥). وقرأ الأعرج: (فردى) بغير ألف مثل سكرى وكسلي (٦). ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: عراة حفاة غرلًا بهمًا ﴿وَتَرَكْتُمْ﴾: وخلفتم ﴿مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾: أعطيناكم وملكناكم من الأموال والأولاد والخدم ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾: خلف ظهوركم في الدنيا. روى محمد بن كعب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يُنْفَخُ نفخة البعث، فتخرج الأرواح، كأنها النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الجبار: وعزّتي وجلالي لترجعن كلل روح إلى جسده. فتدخل الأرواح في الأجساد، وإنما تدخل في الخياشيم، كما يدخل

стр. 6164

السُّمُّ في اللديغ، ثم تنشق عنكم الأرض، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، فتنسلون سراعًا إلى ربكم على سن الثلاثين، مهطعين إلى الداعي، فتوقفون في موقف واحد سبعين عامًا، حفاة عراة غرلًا بهمًا، لا يُنْظَرُ إليكم، ولا يقضى بينكم، فتبكي الخلائق، حتى ينقطع الدمع، وبلجمهم العرق" (١).

стр. 6165

وقال القرطبي: قرأت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، فقالت عائشة (١): يا رسول الله، واسوأتاه، إن الرجال والنساء يحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول الله ﷺ "لكلِّ امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه، لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، فشُغِل (٢) بعضهم عن بعض" (٣). ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾: وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام؛ لأنهم شركاء الله، وشفعاؤهم عنده. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾

стр. 6166

قرأ أهل المدينة، والحسن، ومجاهد، وأبو رجاء، والكسائي: (بينكم) (١) نصبًا (٢)، وهي قراءة أبي موسى الأشعري، على معنى: لقد تقطَّع ما بينكم، وكذلك هو في قراءة عبد الله، وقرأ الباقون بالرفع على معنى: لقد تقطَّع وصلكم (٣)، والبين من الأضداد: يكون وصلًا وهجرًا. ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٩٥ - قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ (٤): أي: شاق الحب عن النبات، ومخرجٌ مِنْهَا الزرع، وشَاقُّ النوى من الشجر والنخل، ومخرجها منها. وقال مجاهد: يعني: الشِّقَّيْن اللذيْن فيهما (٥).

стр. 6167

وقال الضحاك: يعني: خالق الحب والنوى (١). والحب: جمع الحبة: وهي كل ما لم يكن له نوى، مثل البر والشعير والذرة والحبوب كلها. ﴿وَالنوَى﴾: جمع نواة: وهي كل (٢) ما لم يكن له حب مثل الخوخ والمشمش والتمر والأجاص ونحوها. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: تُصرفون عن الحق. * * *

стр. 6168

٩٦ - قوله (١): ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: شَاقُّ عمود الصبح عن (٢) ظلمة الليل وكاشفه. وقال الضحاك: خالق النهار (٣). والإصباح: مصدر كالإقبال والإدبار، وهو الإضاءة. وقرأ الحسن وعيسى (بن عمر) (٤) (٥): (فَالِقُ الأَصْبَاحِ) بفتح الهمزة جعله جمع صبح، مثل: قرص وأقراص. ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ (٦): يسكن فيه خَلْقُه. وقرأ النخعي: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ (٧). وقرأ أهل الكوفة: (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الليْلَ سَكَنًا): على الفعل، اتِّباعًا للمصحف (٨).

стр. 6169

وقرأ الباقون: كلاهما بالألف على الاسم. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: جعل الشمس والقمر بحساب، لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما. وقرأ أبو البرهسم: (وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ) بالخفض نسقًا على اللفظ (١). والحسبان: مصدر كالرجحان والنقصان، وقد يكون جمع حساب (٢)، مثل: شهاب وشُهْبَان، وركابٍ وَرُكْبَان (٣). ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٩٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ أي: خلقها ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. ٩٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾: خلقكم وابتدأكم ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ عني: آدم ﵇. ﴿فَسُتَقَرٌّ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (فمستقِر): بكسر القاف على الفاعل، يعني: فمنكم مستقر (٤).

стр. 6170

وقرأ الباقون: بفتح القاف، على معنى: فلكم مستقر (١). ﴿وَمُستَوعٌ﴾: واختلف المفسرون في المستقر والمستودع: فقال عبد الله بن مسعود ﵁: مستقر في الرحم إلى أن يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث (٢). وقال مقسم: مستقر حيث يأوي إليه، ومستودع حيث يموت (٣). وقال سعيد بن جبير: فمستقر في بطون الأمهات، ومستودع في أصلاب الآباء (٤)، وقال: قال لي ابن عباس ﵄: أتزوجت يا ابن جبير؟ قلت: لا، وما أريد ذلك يومي هذا. قال: فضرب ظهري، وقال: أما إنه مع ذاك (٥) ما كان من مستودع في ظهرك فسيخرج (٦). وقال عكرمة عن ابن عباس ﵄: المستقر الذي قد خُلِقَ واستقر في الرحم، والمستودع الذي قد استودع في الصلب

стр. 6171

مما لم يخلق بعد وهو خالقه (١). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: المستقر: في الرحم، والمستودع: ما استودع في أصلاب الرجال والدواب (٢). وقال مجاهد: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾: على ظهر الأرض في الدنيا ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: عند الله في الآخرة (٣) (٤). وقال أبو العالية: مستقرها أيام حياتها، ومستودعها حيث تموت وحيث تبعث (٥). وقال كريب: دعاني ابن عباس ﵄ وقال: اكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله بن عباس إلى فلان حبر تيماء (٦)، أما بعد؛ فحدثني عن مستقر ومستودع. قال: ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي، فأعطيته إياه. فلما نظر إليه قال: مرحبًا بكتاب خليلي من المسلمين فذهب بي

стр. 6172

إلى بيته، ففتح أسفاطًا (١) له كثيرة، فجعل يطرح تلك الأشياء، لا يلتفت إليها. قال: قلت له (٢): ما شأنك؟ قال: هذِه أشياء كتبتها اليهود، حتى أخرج سفر (٣) موسى، فنظر إليه مرَّتيْن فقال: مستقر في الرحم، ومستقر فوق الأرض، ومستقر تحت الأرض، ومستقر حيث يصير إلى الجنة أو إلى النار (٤). ثم قرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٥) وقرأ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. وقال الحسن: المستقر في القبر، والمستودع في الدنيا (٦). وكان يقول: يا ابن آدم، أنت وديعة في أهلك، وتوشك أن تلحق بصاحبك (٧). وأنشد قول لبيد:

стр. 6173

وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بدَّ يومًا أن تردَّ الودائع (١) وقال سليمان بن يزيد العدوي (٢) في هذا المعني: فُجُجِعَ الأَحِبَّةُ بالأحِبَّةِ قبلنا ... فالناس مفجوع به وَمُفَجِّعُ مستودَع أو مستقر قد خلا ... فالمستقر يزوره المستودَع (٣) ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ٩٩ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أي: (٤) بالماء ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾: من الماء (٥)، وقيل: من النبات (٦) ﴿خَضِرًا﴾: يعني: أخضر، وهو رطب البقول، يقول: هو لك خضرًا مضرًا، أي: هنيئًا مريئًا.

стр. 6174

ويقال: نخلة خضرة، إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن يَنْضَجَ، وقد اختُضر الرجل، واعتُضر أي: مات شابًّا مُصَحَّحًا (١). ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾: يعني: سنابل البُّر والشعير والأرز والذرة وسائر الحبوب، يركب بعضه بعضًا. ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا﴾ أي: ثمرها وكفراها وما يطلع منها ﴿قِنْوَانٌ﴾ جمع قنو، وهو العِذْقُ، مثل: صنو وصنوان. قال أبو عبيدة: ولا نظير لهما في كلام العرب (٢). وقرأ الأعرج: (قُنْوَانٌ) بضم القاف (٣)، وهي لغة قريش (٤)، مثل قضبان. ولغة تميم: قُنيان. وجمعه القليل أقناء، مثل: حنو وأحناء. ﴿دَانِيَةٌ﴾: قريبة ينالها القائم والقاعد. وقال مجاهد: متدلِّية (٥). وقال قتادة: متهدِّلة (٦). وقال الضحاك: قِصَارٌ ملتزقة بالأرض (٧).

стр. 6175

ومعنى الآية: ومن النخل ما قنوانها دانية، ومنها ما هي بعيدة، فاكتفي بذكر القريبة بالقريبة عن البعيدة كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (١): يعني: الحر والبرد. ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ يعني: وأخرجنا منه جنات. وقرأ يحيى بن يعمر والأعمش وعاصم: (وجَنَّاتٌ) رفعًا (٢) نسقًا على قنوان لفظًا، وإن لم يكن في المعني من جنسها. ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾: يعني: وشجر الزيتون والرمان، (فاكتفي بذكر الثمرة) (٣) عن الشجرة، كقوله: ﴿وَسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ (٤). ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. قال قتادة: متشابةٌ وَرقه، مختلفٌ ثمره (٥). وقيل: مشتبهًا في المنظر، غير متشابه في الطعم (٦). وقال الحسين بن الفضل: منها ما يشبه بعضه بعضًا، ومنها ما يخالف (٧).

стр. 6176

وقيل: مشتبهًا في الخلقة، غير متشابهٍ في الحكمة. ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾. قرأ أهل الكوفة: (ثُمُره): بضم الثاء والميم على جمع الثمار (١). وقرأ الباقون بفتحهما على جمع الثمرة، مثل بقرة وبقر (٢). ﴿إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾: ونضجه وإدراكه. وقرأ أبو رجاء ومحمد بن السميفع و (يانعه) بالألف (٣) على الاسم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ١٠٠ - ﴿وَجَعَلُوا﴾: يعني: الكافرين ﴿لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾: يعني: وجعلوا لله الجن شركاء، وإن شئت نصبته على التفسير ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ يعني: وهو خلقهم وخلق الجن. وقرأ يحيى بن يعمر: (وخلْقَهم) بسكون اللام وفتح القاف (٤)، أراد إفكهم وافتراءهم وما اختلقوه من الأصنام؛ حيث جعلوها شركاء لله ، يعني: وجعلوا له خلقهم. وقرأ يحيى بن وثاب: (وخلْقِهم) بسكون اللام وكسر القاف، يعني: وجعلوا لله شركاء وخلقهم، يعني: أشركوهم مع الله في خلقه إياهم.

стр. 6177

قال الكلبي: نزلت في الزنادقة قالوا: إن الله تعالى وإبليس شريكان، فالله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيَّات والعقارب (١). وهذا كقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (٢) وإبليس من الجِنَّة، وهم صِنْفٌ من الملائكة خُزَّان الجنان، اشْتُقَّ لهم اسم من الجنة. ﴿وَخَرَقُوا﴾ أي: اختلقوا وخرصوا. وقرأ أهل المدينة بتشديد الراء على التكثير (٣). ﴿لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وهم كفار العرب، قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، واليهود قالوا: عُزَيْرٌ ابن الله، والنصارى قالوا (٤): المسيح ابن الله (٥). ثم نزَّه نفسه فقال: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾. * * *

стр. 6178

١٠١ - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾: زوجة. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١٠٢ - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ١٠٣ - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: أجراه بعضهم على العموم، فقال: معناه: لا تحيط به الأبصار، بل تراه ولا تحيط به، كما نعرفه في الدنيا، ولا نحيط به، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (١) فكما نعرفه في الدنيا لا كالمعروفين، كذلك نراه في العقبي لا كالمرئيين. قالوا: وقد يرى الشيء الشيء ولا يدركه، كما أخبر الله عن قول (٢) أصحاب موسى له حين قرب منهم قوم فرعون: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (٣) وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى، ولم يدركوهم؛ لأن الله تعالى قد كان وعد نبيه موسى ﵇ أنهم لا يدركون، بقوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ (٤). وكذلك قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار (٥).

стр. 6179

وقال عطاء: كلَّت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به (١) (٢). وقال الحسن: لا تقع عليه الأبصار، ولا تهجم عليه العقول، ولا تدركه الأذهان. يدلُّ عليه: [١٣٥٥] ما أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الله الحمشاذي (٣)، قال: ثنا أبو جعفر محمد بن صالح الورّاق (٤)، قال: ثنا أبو عبد الله محمد بن عقيل البَلْخِي (٥)، قال: ثنا أبو زُرْعَة عبيد الله بن عبد الكريم (٦)، قال: ثنا منجاب بن الحارث التميمي (٧)، قال (٨): ثنا بشر بن عمارة (٩)، عن أبي روق (١٠) عن عطية العوفي (١١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ (١٢) عن النبي ﷺ في قول الله (١٣):

стр. 6180

﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. قال: "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة مذ خُلِقوا إلى أن فنوا (١) صفُّوا صَفًّا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدًا" (٢). وأجراه بعضهم على الخصوص: فقال ابن عباس ومقاتل: معناه: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يُرى في الآخرة ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لا يخفى عليه شيء ولا يفوته (٣). وقيل: معناه: لا تدركه أبصار الكافرين، فأما المؤمنون فيرونه (٤). والله أعلم. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾: قال أبو العالية: لطيف باستخراج الأشياء خبير بمكانها (٥).

стр. 6181

وقد أكثر العلماء في معنى اللطيف: فقال الجنيد: اللطيف: من نوَّر قلبك بالهدى، وربَّى جسمك بالغذاء، وجعل لك (١) الولاية في البلوى، ويحرسك وأنت في لظي، ويدخلك جنة المأوى (٢). وقيل: اللطيف: الذي يُنسي العباد ذنوبهم؛ لئلَّا يخجلوا (٣). وقيل: اللطيف: الذي ركَّب من النطفة، ثم أَهَّلَ للوصلة. وقيل: اللطيف: الذي يستقل الكثير من نعمه، ويستكثر القليل من طاعة عباده. وقيل: اللطيف: الذي يُغِيِّر ولا يُغَيَّر. وقيل: اللطيف: الذي إن دعوته لبَّاك، وإن قصدته آواك، وإن أحببته أدناك، وإن أطعته كافاك، وإن عصيته عافاك، وإن أعرضت عنه دعاك، وإن أقبلت إليه هداك. وقيل: اللطيف: الذي لا يطلب من الأحباب الأسباب والأنساب. وقيل: اللطيف: الغني (٤): الذي يغني المُفتَقِر إليه ويعز المفتخر به. وقيل: اللطيف: من يكافئ الوافي، ويعفو عن الجافي.

стр. 6182

وقيل: اللطيف: من أمرُه تقريب ونهيُه تأديب. وقيل: اللطيف: الذي يكون عطاؤه خيرة وَمَنْعُهُ ذخيرة. وأصل اللطف: دقة النظر في الأشياء. ١٠٤ - ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: الحجج البينة (التي تبصرون) (١) بها الهدى من الضلال، والحق من الباطل. قال الكلبي: يعني: بينات القرآن (٢). ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾: يعني: فمن عرفها وآمن بها ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾: عَمِلَ؛ وحظَّه أصابَ وإياها بغى الخير ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ عنها فلم يعرفها ولم يصدقها. وقرأ طلحة بن مصرف: (ومن عُمِّي) بضم العين وتشديد الميم، على المجهول (٣). ﴿فَعَلَيْهَا﴾: فنفسه ضَرَّ، وإليها أساء، لا إلى غيرها. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾: رقيب، أحصي عليكم أعمالكم، وإنما أنا رسول، أبلغكم رسالات ربي، وهو. الحفيظ عليكم، الذي لا يخفى عليه شيء من أفعالكم.

стр. 6183

١٠٥ - ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نبينها في كل وجه؛ ليدعوكم بها ﴿وَلِيَقُولُوا﴾: يعني: ولئلا يقولوا إذا قرأت القرآن عليهم (١): ﴿دَرَسْتَ﴾: أي: تلوت وقرأت يا محمد، تزعم أنه من عند الله. وهي قراءة أبي رجاء وأبي وائل والأعرج ومعظم أهل الحجاز والعراق (٢). وكان عبد الله بن الزبير ﵄ يقول: إن صبيانًا يقرأونها دارست وإنما هو دَرَسْتَ (٣). وقرأ على ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: (دَارَسْتَ) بالألف (٤)، يعني: قارأت أهل الكتاب، وتعلمت منهم وقرأت عليهم، وقرءوا عليك. وقال ابن عباس ﵄: يعني: جاذبت وخاصمت، وكذلك كان يقرؤها (٥).

стр. 6184

وقرأ قتادة: دُرِسَت بمعنى: قُرِئَت وتلِيَت (١). وقرأ الحسن وابن عامر ويعقوب: (دَرَستْ): بفتح الدال والراء وجزم التاء (٢)، يعني: تقادَمَتْ وانْمَحَتْ. وقرأ ابن مسعود وأبيٌّ وطلحةُ والأعمشُ: (درس) بفتحها (٣)، يعنون: النبي ﷺ (٤) درس الآيات. ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾: يعني: القول والتصريف أو القرآن (٥) ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. ١٠٦ - ﴿اتَّبِعْ﴾: يا محمد (٦) ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: القرآن، أي: اعمل به. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: (فلا تجادلهم ولا تعاقبهم (٧).

стр. 6185

١٠٧ - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ : رقيبًا. ويقال: ربًّا. وقال عطاء: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: تمنعهم مني (١) ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾: والإعراض منسوخ بآية السيف (٢) وهذِه الآية نزلت حين قال المشركون لرسول الله ﷺ : ارجع إلى دين آبائك. ١٠٨ - (قوله ) (٣): ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس ﵄: لما نزلت هذِه الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: الآية (٤). قال المشركون: يا

стр. 6186

محمد، لتنتهينَّ عن سبَّ آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم الله تعالى أن يسبُّوا أوثانهم (١). وقال قتادة: كان المسلمون يسبُّون أصنام الكفار، فنهاهم الله عن ذلك؛ لئلاَّ يسبُّوا الله؛ فإنهم قوم جهلة (٢). وقال السدي: لما حضرت أبا طالب الوفاة (٣)، قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمرنّه أن ينهى عنَّا ابن أخيه، فإنَّا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب: كان يمنعه، فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبيٌّ ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود ابن البختري، إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا

стр. 6187

وسيدنا، وإن محمدًا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعنَّه وإلهه، فدعاه، فجاء النبي ﷺ ، فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول الله ﷺ : "ما يريدون؟ " قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك: وقد أنصفك قومك، فاقبل منهم، فقال النبي ﷺ : "أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ (١) كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم". قال أبو جهل: نعم. وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي؟ قال: "قولوا: لا إله إلاّ الله" فأبوا واشمأزّوا. وقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فإن قومك قد فزعوا منها. فقال: "يا عم، ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها". فقالوا: لتكفَّنَّ عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: الأوثان ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ (٢). وقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة ويعقوب: (عُدُوًّا): بضم العين والدال وتشديد الواو أي: اعتداءً وظلمًا (٣). ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: فلما نزلت هذِه الآية، قال رسول الله ﷺ لأصحابه:

стр. 6188

"لا تسبُّوا (١) ربكم" فأمسك المسلمون عن سبِّ آلهتهم (٢). ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا﴾: شبَّهنا ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ يعني: كما زَّينا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان، كذلك زيَّنا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ﴾: يخبرهم ويجازيهم ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ١٠٩ - قوله (٣): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ الآية (٤). قال محمد بن كعب القرظي والكلبي: قالت قريش: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصًا يضرب بها الحجر، فتنفجر منه اثنتا عشرة عينًا، وتخبرنا أن عيسى كان يُحيِي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدِّقك. فقال رسول الله ﷺ : "أيُّ شيءٍ تحبون أن آتيكم به؟ ". قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبًا أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك (٥) أحقٌّ ما تقول أم باطل؟ وأرنا الملائكة يشهدون لك، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً. فقال رسول الله ﷺ "فإن فَعَلتُ بعض (٦) ما تقولون أتصدقونني؟ "

стр. 6189

قالوا: نعم. والله لئن فعلت، لنتبعنك أجمعين. وسأل المسلمون رسول الله ﷺ أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول الله ﷺ يدعو الله أن يجعل الصفا ذهبًا، فجاء جبريل ﵇، فقال له: ما شئت؟ إن شئت أصبح ذهبًا ولكن إن لم يصدقوا (١) عذَّبتهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله ﷺ : "بل يتوب تائبهم" (٢)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي: وحلفوا بالله ﴿جَهْدَ﴾ أي: بجهد ﴿أَيْمَانِهِمْ﴾ يعني: أوكد ما قدروا عليه من الإيمان وأَشَدَّهَا. قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله، فهو جَهْدُ يَمينه (٣). ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾: كما جاء مَنْ قبلهم مِنَ الأمم ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ﴾:

стр. 6190

يا محمد، ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهو القادر على إتيانها دوني ودون كل أحد من خلقه. ثم قال: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ أي: وما يدريكم. وفي حرف أُبي: (وما أدريكم) (١). ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ واختلفوا في المخاطبين، بقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ حسب اختلافهم في قراءة قوله: ﴿أَنَّهَا﴾. فقال بعضهم: الخطاب للمشركين الذين أقسموا، وتمّ الكلام عند قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ ثم استأنف فقال: ﴿أَنَّهَا﴾ يعني: الآيات ﴿إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون (٢). وقرءوا: ﴿وإنها﴾ بالكسر؛ على الابتداء، وهي قراءة مجاهد وقتادة وابن محيصن وابن كثير وشِبْل وأبي عمرو والجحدري (٣). وقال الآخرون: الخطاب لرسول الله ﷺ وأصحابه (٤)، وقرءوا: ﴿أَنَّهَا﴾ بالفتح، وجعلوا ﴿لا﴾ صلة، يعني: وما يدريكم يا معشر

стр. 6191

المؤمنين (١) أنها إذا جاءت المشركين يؤمنون، كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٢) عني: أن تسجد، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ (٣) أي: أنهم يرجعون. وقيل: معنى ﴿أَنَّهَا﴾: لعلها (٤)، وكذلك هو (٥) في قراءة أُبيٍّ ﵁ تقول العرب: اذهب إلى السوق، أنك تشتري شيئًا؛ بمعنى: لعلك. وقال عَدِيُّ بن زيد: أعاذِل، ما يدريك أن منيتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد (٦) يعنى: لعلَّ منيَّتي. وقال دريد بن الصِّمَّة: أريني جوادًا مات هُزْلاً، لأنَّني ... أرى ما ترين أو بخيلاً مُخلَّدا (٧)

стр. 6192

يعني: لعلَّني. وقال أبو النجم: قلت لشيبان: ادنُ من لقائه ... إنَّا نغذي القوم من شوائه (١) (٢). يعني: لعلنا نغذي. وقرأ ابن عامر والجحدري وحمزة: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: بالتاء على خطاب الكفار (٣)، لقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ واعتبروا بقراءة أُبيٍّ: (لعلكم إذا جاءتكم لا تؤمنون) (٤). وقرأ الباقون بالياء على الخبر، وتصديقها قراءة الأعمش: (أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون) (٥).

стр. 6193

١١٠ - ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال ابن عباس ﵄ وابن زيد: يعني: وَنَحولُ بينهم وبين الإيمان، فلو جئناهم بالآيات التي سألوا، ما آمنوا بها، كما لم يؤمنوا بما (١) قبلها مثل انشقاق القمر وغيره، عقوبة لهم على ذلك (٢) (٣). وقيل: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: يعني: معجزات موسى وسائر الأنبياء (٤). دليله (قوله ) (٥): ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ (٦). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: المرة الأولى دار الدنيا، يعني: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ عن الإيمان لو رُدُّوا من الآخرة إلى الدنيا، فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم (٧).

стр. 6194

نظيره قوله : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ قرأ أبو رجاء: (وَيَذَرُهُمْ) بالياء (١)، وقرأ النخعي: (وَيُقَلِّبُ)، (وَيَذَرُهُمْ) كلاهما بالياء (٢). ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣). ١١١ - قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾: فرأوهم عيانًا ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾: بإحيائنا إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا ﴿وَحَشَرْنَا﴾: وجمعنا (عليهم كل شيء قِبَلا) بكسر القاف وفتح الباء، أي: معاينة، وهي قراءة أكثر القراء (٤). وقرأ أهل الكوفة: ﴿قُبُلًا﴾، بضم القاف والباء (٥). ولها ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون جمع قبيل وهو الكفيل، أي: ضمناء وكفلاء، والقَبَالة: الكفالة، يقال: قبيل وقُبُل، مثل رغيف ورُغُف، وقضيب وقُضُب (٦).

стр. 6195

والثاني: أن يكون جمع قبيل: وهو القبيلة، يعني: فوجًا فوجًا وصِنْفُا صِنْفُا (١). والثالث: أن يكون بمعنى المقابلة والمواجهة، من قول القائل: أتيتك قبلاً لا دبرًا، إذا أتاه من قبل وجهه (٢). ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: ذلك لهم. وقيل: الاستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في حكم (٣) الله الإيمان ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾: أن ذلك كذلك.

стр. 6196

١١٢ - قوله (١): ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا﴾: يعزِّي نبيه ﷺ ، يعني: كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾: قبلك ﴿عَدُوًّا﴾ وأعداء (٢)، ثم ذكرهم وفسَّرهم، فقال: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. قال عكرمة والضحاك والسدي والكلبي: معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، وليس للإنس (٣) شياطين (٤). وذلك أن إبليس قَسَّمَ جنده فريقين: فبعث منهم فريقًا إلى الإنس، وفريقًا إلى الجن، فشياطين الجن والإنس أعداء لرسول الله ﷺ

стр. 6197

ولأوليائه، فهم يلتقون في كل حين، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن: أضللت صاحبي بكذا، فأضل صاحبك بمثله، ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس كذلك، فذلك وحي بعضهم إلى بعض. وقال الآخرون: إنَّ من الجن شياطين ومن الإنس شياطين (١)، والشيطان: العاتي المتمرِّد من كل شيء. قالوا: إن الشيطان إذا أعياه المؤمن، وعجز عن إغوائه، ذهب إلى مُتمرِّد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن؛ ليفتنه. يدلُّ عليه ما روى عوف بن مالك عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس؟ " قال: قلت: يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن" (٢).

стр. 6198

وقال النبي ﷺ : "ما منكم من أحد إلاَّ وقد وُكل به قرينه من الجن". قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلاَّ أن الله تعالى قد (١) أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلاَّ بخير" (٢).

стр. 6199

وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد عليَّ من شيطان الجن، وذلك أنَّي إذا تعوذت بالله، ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني، فيجرَّني إلى المعاصي عيانًا (١). ﴿يُوحِي﴾ أي: يلقي. ﴿بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٢) وهو القول المموَّه المزَّين بالباطل، وكل شيء حسَّنته وزيَّنته فقد زخرفته. ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. ١١٣ - ﴿وَلِتَصْغَى﴾ أي (٣): ولكي تميل. وقال ابن عباس ﵁: ترجع (٤). يقال: صغى يصغَى صَغًا، وصَغاء يصغَى ويصغُو صُغوًا وصَغوًا: إذا مال. يقال: صِغْوُ فلان معك، وصغاه -أي: ميله وهواه (٥).

стр. 6200

وقرأ النخعي: (وَلتُصغِيَ) بضم التاء، وكسر الغين -أي: تميل (١)، والإصغاء: الإمالة. ومنه الحديث أن رسول الله ﷺ كان يُصْغِي الإناء للهرة (٢). قال القطامي: أصغت إليه هجائن، بخدودها ... آذانهن إلى الحدَاةِ السوَّقِ (٣) ﴿إِلَيْهِ﴾: أي: إلى الزخرف والغرور. ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: والأفئدة: جمع فؤاد - مثل:
следующие страницы →