← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

١١٢ - قوله (١): ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا﴾: يعزِّي نبيه ﷺ ، يعني: كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾: قبلك ﴿عَدُوًّا﴾ وأعداء (٢)، ثم ذكرهم وفسَّرهم، فقال: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. قال عكرمة والضحاك والسدي والكلبي: معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، وليس للإنس (٣) شياطين (٤). وذلك أن إبليس قَسَّمَ جنده فريقين: فبعث منهم فريقًا إلى الإنس، وفريقًا إلى الجن، فشياطين الجن والإنس أعداء لرسول الله ﷺ

стр. 6197

ولأوليائه، فهم يلتقون في كل حين، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن: أضللت صاحبي بكذا، فأضل صاحبك بمثله، ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس كذلك، فذلك وحي بعضهم إلى بعض. وقال الآخرون: إنَّ من الجن شياطين ومن الإنس شياطين (١)، والشيطان: العاتي المتمرِّد من كل شيء. قالوا: إن الشيطان إذا أعياه المؤمن، وعجز عن إغوائه، ذهب إلى مُتمرِّد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن؛ ليفتنه. يدلُّ عليه ما روى عوف بن مالك عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس؟ " قال: قلت: يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن" (٢).

стр. 6198

وقال النبي ﷺ : "ما منكم من أحد إلاَّ وقد وُكل به قرينه من الجن". قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلاَّ أن الله تعالى قد (١) أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلاَّ بخير" (٢).

стр. 6199

وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد عليَّ من شيطان الجن، وذلك أنَّي إذا تعوذت بالله، ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني، فيجرَّني إلى المعاصي عيانًا (١). ﴿يُوحِي﴾ أي: يلقي. ﴿بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٢) وهو القول المموَّه المزَّين بالباطل، وكل شيء حسَّنته وزيَّنته فقد زخرفته. ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. ١١٣ - ﴿وَلِتَصْغَى﴾ أي (٣): ولكي تميل. وقال ابن عباس ﵁: ترجع (٤). يقال: صغى يصغَى صَغًا، وصَغاء يصغَى ويصغُو صُغوًا وصَغوًا: إذا مال. يقال: صِغْوُ فلان معك، وصغاه -أي: ميله وهواه (٥).

стр. 6200

وقرأ النخعي: (وَلتُصغِيَ) بضم التاء، وكسر الغين -أي: تميل (١)، والإصغاء: الإمالة. ومنه الحديث أن رسول الله ﷺ كان يُصْغِي الإناء للهرة (٢). قال القطامي: أصغت إليه هجائن، بخدودها ... آذانهن إلى الحدَاةِ السوَّقِ (٣) ﴿إِلَيْهِ﴾: أي: إلى الزخرف والغرور. ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: والأفئدة: جمع فؤاد - مثل:

стр. 6201

غراب وأغربة (١). ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ أي: وليكتسبوا ما هم مكتسبون. وقال ابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون (٢). ويقال: اقترف فلان مالاً -أي (٣): اكتسبه. وقارفت الأمر- أي: واقعته (٤). قال الله. تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ (٥). وقال لبيد: وإني لآتي ما أتيت، وإنني ... لما اقتَرَفَتْ نَفْسي إليَّ لراهبُ (٦). وقيل: هو (٧) التهمة؛ يقال: قرفه بسوء إذا اتهمه به (٨). وقال رؤبة: أَعْيَا اقتِرَافُ الكذبِ المَقْروف ... تَقْوى التقي، وعفَّةَ العفيفِ (٩)

стр. 6202

١١٤ - (قوله ) (١): ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾: فيه إضمار، أي: قل لهم يا محمد: أفغير الله ﴿أَبْتَغِي﴾: أطلب ﴿حَكَمًا﴾: قاضيًا بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾: مبيَّنًا، يعني: القرآن. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: يعني: التوراة والإنجيل، وهم مؤمنو أهل الكتاب. وقال عطاء: هم رءوس أصحاب النبي ﷺ : أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وأشباههم، والكتاب: هو القرآن (٢). ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾: يعني: القرآن. ﴿مُنَزَّلٌ﴾ قرأ الحسن والأعمش وابن عامر وحفص بالتشديد، من التنزيل؛ لأنه أُنزل نجومًا مرة بعد مرة (٣). وقرأ الباقون: بالتخفيف من الإنزال (٤)، لقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾

стр. 6203

١١٥ - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ قرأ أهل الكوفة: ﴿كَلِمَةٍ﴾ على الواحد (١)، والباقون: (كَلِمَاتُ) بالجمع (٢). واختلفوا في الكلمات: فقال قتادة: هي القرآن: لا مُبدِّل له لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون (٣). وقال بعضهم: هي أقضيته وعداته ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: (٤) لا مغير لها (٥). ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦).

стр. 6204

١١٦ - ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: الكفار ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن (١) دين الله. ثم قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: يَكْذِبُون. ١١٧ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال بعضهم: موضع (٢) ﴿مَن﴾ نصبٌ؛ بنزع حرف الصفة، أي: بمن (٣). وقيل: موضعه رفع؛ لأنه بمعنى: أي، والرافع له ﴿يَضِلُّ﴾ (٤) وقيل: محله نصب، بوقوع العلم عليه، وأعلم بمعنى: يعلم (٥). كقول حاتم الطائي: فَحَالَفَتْ طَيِّئٌ من دوننا حلفا ... والله أعلم ما كنا لهم خُذُلا (٦) وقالت خنساء: القوم أعلم إنَّ جَفْنَتَهُ ... تغدو غداة الريح أو تَسْرِي (٧)

стр. 6205

﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١١٨ - قوله : ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس ﵄: قال المشركون للمؤمنين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتل الله لكم أحق أن تأكلوا مما قتلتم بسكاكينكم، فنزل (١): ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: وقت الذبح، يعني: المذكى ببسم الله (٢) ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾: وذلك أنهم كانوا يحرمون أصنافًا من النعم، ويحلون الأموات، فقيل لهم: أحلُّوا ما أحلَّ الله، وحَرِّموا ما حَرَّم الله. ١١٩ - قوله ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ يعني (٣): وأي شيء لكم في ﴿أَلَّا تَأْكُلُوا﴾: وما يمنعكم من أن

стр. 6206

تأكلوا ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: من الذبائح ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾. قرأ الحسن وأبو رجاء والأعرج وقتادة والجحدري وطلحة ومجاهد وحميد وأهل المدينة: بالفتح فيهما (١) على معنى: فصَّل الله ما حرَّمه عليكم لقوله: ﴿اسْمُ اللَّهِ﴾ جرى ذكره تعالى. وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو: بضمهما؛ على غير تسمية الفاعل لقوله: ﴿ذُكِرَ﴾ (٢). وقرأ أصحاب عبد الله وأهل الكوفة: ﴿فَصَلَ﴾ هو بالفتح، ﴿حَرَّمَ﴾ بالضم (٣). وقرأ عطية العوفي: (فَصَلَ) مفتوحًا خفيفًا، يعني: قطع الحكم فيما حرم عليكم (٤)، وهو ما ذكر في سورة المائدة (٥) قوله (٦): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾: الآية ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾: من هذِه الأشياء، فإنه حلال لكم (٧) عند

стр. 6207

الاضطرار. ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾: قرأ الحسن وأهل الكوفة: بضم الياء (١) لقوله: ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقرأ (٢) الباقون: بالفتح كقوله: ﴿مَن يَضِلُّ﴾ و ﴿من ضَلَّ﴾ (٣). ﴿بِأَهْوَائِهِمْ﴾: بمرادهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: حين دعوا إلى أكل الميتة ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾: المجاوزين الحلال إلى الحرام. ١٢٠ - قوله (٤): ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: يعني: الذنوب كلها، لأنها لا تخلو من هذيْن الوجهين. واختلفوا فيهما: فقال قتادة: سرَّه وعلانيته (٥). وقال عطاء: قليله وكثيره (٦). وقال مجاهد: ما ينوي، وما هو عامله (٧). قال الكلبي: ظاهر الإثم: الزنا، وباطنه: المُخَالة (٨).

стр. 6208

وقال السدي: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: الزنا في الحوانيت، وهم أصحاب الرايات ﴿وَبَاطِنَهُ﴾: الصديقة يزني بها سرًّا (١). وقال مرّة الهَمْداني: كانت العرب يحبون الزنا، وكان الشريف يتشرف أن يزني فَيُسِرُّ ذلك، وغيره لا يبالي إذا زنى، ومتى زنى، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢). وقال الضحاك: كان أهل الجاهلية يَسْتَسِرُّوْنَ (٣) بالزنا، ويرون ذلك حلالاً، ما كان سرًّا، فحرَّم الله تعالى بهذِه الآية السرَّ منه والعلانية (٤). وروى حبان عن الكلبي: ظاهر الإثم: طواف الرجال بالبيت نهارًا عراة، وباطنه: طواف النساء بالليل عراة (٥). وقال سعيد بن جبير: الظاهر ما حرَّم الله جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٦) الآية، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ (٧): والباطن منه: الزنا (٨).

стр. 6209

وقال ابن زيد: ظاهر الإثم: التعرِّي والتجرُّد من الثياب في الطواف، والباطن: الزنا (١). ﴿الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ﴾: في الآخرة ﴿بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾: يكتسبون في الدنيا. ١٢١ - قوله (٢): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: مما قد مات، ولم يُدْرَك ذكاته، أو ذبح لغير الله ﴿وَإِنَّهُ﴾: يعني: الأكل ﴿لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ ليوسوسون ﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ من المشركين. ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد، أخبرنا عن الشاة إذا ماتت، مَنْ قتلها؟ فقال: "الله قتلها" (٣). قالوا (٤): فتزعم أنَّ ما قتلت أنت وأصحابك حلالٌ، وما قتل الصقرُ والكلب حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٥). وقال عكرمة: معناه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ﴾: يعني: مردة المجوس (٦) ﴿لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾: من مشركي قريش، وذلك أن المجوس من

стр. 6210

أهل فارس (١) لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة، كتبوا إلى مشركي قريش، وكانوا أولياءَهُمْ في الجاهلية، وكانت بينهم مكاتبة: إن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال، وما ذبح الله فهو حرام، ولا يأكلونه، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢). ثم قال: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾: في أكل الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. ١٢٢ - ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾: هو ألف الاستفهام والتقرير، دخلت على واو النسق فبقيت على فتحها، يعني أومَنْ كان كافرًا ميتًا بالضلالة، فهديناه واجتبيناه بالإيمان ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ﴾: يستضيء به ويمشي ﴿فِي النَّاسِ﴾: على قصد السبيل ومنهج الطريق (٣).

стр. 6211

قال ابن زيد: يعني: هذا النور: الإسلام (١)، بيانه قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٢). وقال قتادة: هو كتاب الله، بينة من الله مع المؤمن، بها يعمل، وبها يأخذ، وإليها ينتهي (٣). ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾: قال بعضهم: المثل زائد، تقديره: كمن في الظلمات (٤). وقال بعضهم: معناه: كمن لو شُبِّه بشيءكان شبيهه من في الظلمات، يعني: ظلمة الكفر والضلالة والحيرة (٥). ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾: لا يبصر رشدًا، ولا يعرف حقًّا، كالذي ضلَّ طريقه في ظلمة الليل، فهو لا يجد مخرجًا، ولا يهتدي طريقًا. وقيل: إن هذِه الآية نزلت في رجليْن بأعيانهما، ثم اختلفوا فيهما: فقال ابن عباس ﵄: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾: يريد: حمزة بن عبد المطلب ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾: أبو جهل بن هشام، وذلك أن أبا جهل رمى

стр. 6212

رسول الله ﷺ بفرث (١)، وحمزة لمَّا يؤمن بعد، فَأُخْبِرَ حمزة ﵁ بما فعل أبو جهل، وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان، حتى علا أبا جهل بالقوس، وهو يتضرع إليه ويستكين، ويقول: يا أبا يعلى، أما ترى ما جاء به، سفَّه عقولنا، وسبَّ آلهتنا، وخالف آباءنا؟ فقال حمزة ﵁: ومن أَسْفَهُ منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢). وقال الضحاك ويمان: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل (ابن هشام) (٣) (٤). وقال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل (٥).

стр. 6213

﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: من الكفر والمعصية. ١٢٣ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾: أي: وكما زيَّنا للكافرين أعمالهم، كذلك ﴿جَعَلْنَا﴾. وقيل: معناه: وكما جعلنا فسَّاق مكة أكابرها، كذلك ﴿جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ﴾ أي: عظماء، جمع أكبر مثل أفضل وأفاضل، وأحمر وأحامر، وأسود وأساود (١). ﴿مُجْرِمِيهَا﴾: إن شئت نصبته؛ على التقديم تقديره: وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، كما تقول: جعلت زيدًا رئيسها، وإن شئت خفضته؛ على الإضافة ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ لأن وبال مكرهم وجزاءَه راجع إليهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: أنه كذلك. ١٢٤ - ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ من النبوة، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة حقًّا، لكنت أولى بها منك؛ لأني أكبر منك سنًّا وأكثر منك مالاً، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢). وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي

стр. 6214

يُوْحَى إليه، والله لا نرضى (١) (٢) به ولا نتبعه أبدًا، إلاَّ أن يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾: حجة على صدق محمد ﷺ وصحة نبوته: ﴿قَالُوا﴾ يعني: أبا جهل: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾: يعني: محمدًا ﷺ . ثم قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾: فخصَّ بها محمدًا ﷺ (٣). ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ﴾: ذل وهوان ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: من عند الله، نصب بنزع حرف الصفة (٤). ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ قال أبو روق: صَغَار في الدنيا وعذاب شديد في الآخرة (٥).

стр. 6215

١٢٥ - ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ أي: يوسِّع قلبه وينوِّره؛ ليقبل الإسلام. ولمَّا نزلت هذِه الآية سُئِل رسول الله ﷺ عن شرح الصدر، ما هو؟ فقال: "نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح". قالوا: فهل لذلك من أمارة يُعرَف بها؟ قال: "نعم: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت" (١).

стр. 6216

﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾. قرأ ابن كثير: (ضيقًا) بالتخفيف (١). الباقون: بالتشديد، وهما لغتان مثل هيْن وهيَّن، وليْن وليَّن. (حَرِجًا): كسر أهل المدينة راءه، وفتحها الباقون (٢)، وهما لغتان مثل: الدَّنِف والدَّنَف، والفَرِد والفَرَد، والوَحِد والوَحَد (٣). وقال سيبويه: الحرج (٤)، بالفتح (٥): كالطلب والحلب، ومعناه: ذا حرج، والحرج بالكسر الاسم: وهو أشد الضيق (٦)، يعني: يجعل قلبه ضيقًا، حتى لا يدخله الإيمان. وقيل: أثيمًا، تقول العرب: حرج عليك ظلمي، أي: ضيق وإثم (٧). وقال السدي: ﴿حَرَجًا﴾: شاكًّا (٨). وقال قتادة: ملتبساً (٩).

стр. 6217

وقال النضر بن شميل: قلقًا (١). وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ (٢). وقال عبيد بن عمير: قرأ ابن عباس ﵄ هذِه الآية فقال: هل هاهنا أحد من بني بكر؟ قال رجل: نعم. قال: ما الحَرَجَة فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشجر المشتبك (٣) الذي لا طريق فيه. فقال ابن عباس ﵄: كذلك قلب الكافر (٤). وقال أبو الصلت الثقفي (٥): قرأ عمر بن الخطاب ﵁ هذِه الآية: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بنصب الراء. وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله ﷺ : (حَرِجًا) بالكسر.

стр. 6218

فقال عمر ﵁: ابغوني (١) رجلا من كنانة واجعلوه راعيًا، فأتوه به (٢) فقال له عمر ﵁: يا فتى، ما الحرِجة فيكم؟ قال: الحرِجة فينا: الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء. فقال عمر ﵁: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير (٣). ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾: يعني: يَشُقُّ عليه الإيمان، ويمتنع ويعجز عنه، كما يشق عليه صعود السماء. واختلفت القراءة في ذلك: فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿يَصَّعَّدُ﴾ بتشديد الصاد والعين بغير ألف (٤)، أي: يتصعد، فأدغمت التاء في الصاد (٥). واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارًا بقراءة عبد الله ﵁: (كأنما يَتَصَّعَّدُ في السماء) (٦).

стр. 6219

وقرأ طلحة وعاصم وأبو عبد الرحمن (١) والنخعي: (يَصَّاعد) بالألف مشددًا بمعنى: يتصاعد (٢). وقرأ ابن كثير وابن محيصن، والأعرج وأبو رجاء وشبل: (يَصْعَدُ) خفيفة (٣). ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال مجاهد: الرجس: ما لا خير فيه (٤). وقال ابن زيد: الرجس: العذابُ مثل الرجز (٥). وقال ابن عباس ﵄: هو الشيطان، أي: يسلطه عليه (٦). وقال الكلبي: هو المأثم (٧). وقيل: هو النجس (٨). يقال: رَجَسَ رَجاسة ونَجُسَ نجاسة. وكان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من

стр. 6220

الرجس النجس الخبيث (١) المخبث الشيطان الرجيم" (٢). ١٢٦ - ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾: أي: هذا الذي بيَّنا طريق ربِّك، ودينه الذي ارتضاه لنفسه دينًا، وجعله مستقيمًا لا عوج فيه، وهو الإسلام. وقال ابن مسعود ﵁: هو القرآن. وقال: إن الصراط محتضر

стр. 6221

يحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله، هلمَّ هذا الطريق؛ ليصدُّوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله، وهو كتاب الله (١). ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ١٢٧ - ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: يعني: الجنة في الآخرة. قال أكثر المفسرين: السلام هو الله، وداره: الجنة (٢). وقيل: سميت الجنة دار السلام؛ لسلامتها من الآفات

стр. 6222

والعاهات (١). وقيل: لأن من دخلها سَلِم من الرزايا والبلايا أجمع (٢). وقيل: لأنها سَلِمت من دخول أعداء الله؛ كيلا يتنغص عيش أولياء الله فيها، كما تُنغص بمجاورتهم في الدنيا. وقيل (٣): سميت بذلك؛ لأن كل حالة من حالات أهلها مقرونة بالسلام، فأما ابتداء دخولها فقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ (٤). وبعد ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ (٥). وبعده قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ (٦) وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ (٧) وبعده قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (٨)، ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (٩) ثم بعد ذلك قوله (١٠):

стр. 6223

﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ (١). فلمَّا كانت حالات أهل الجنة مقرونة بالسلام؛ إمَّا من الخلق، وإمَّا من الحق سمَّاها الله دار السلام ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ ناصرهم ومعينهم ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال الحسين بن الفضل: يعني يتولاَّهم في الدنيا بالتوفيق، وفي الآخرة بالجزاء (٢). ١٢٨ - (قوله (٣): ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ الجن والإنس، فيجمعهم (٤) في موقف القيامة (٥) فيقول: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾: أي: من إضلال الناس وإغوائهم ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾: يعني: الذين أطاعوهم ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. قال الكلبي (٦): استمتاع الإنس بالجن: هو أن الرجل كان إذا سافر

стр. 6224

أو خرج فأمسى بأرض قفرة أو أصاب (١) صيدًا من صيدهم، فخاف على نفسه منهم. قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم. واستمتاع الجن بالإنس هو أن قالوا: قد سُدْنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفًا في قومهم، وعِظمًا في أنفسهم، وهذا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ (٢). وقال محمد بن كعب وعبد العزيز بن يحيى: هو طاعة بعضهم بعضًا (٣) وموافقة بعضهم لبعض (٤). وقيل (٥): استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة، واستمتاع الجن بالإنس إغواء الجن والإنس، واتباع الإنس (٦) إياهم ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾: يعني: الموت والبعث. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ يعني: قدّر ومُدَّةِ ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم.

стр. 6225

وقال ابن عباس ﵄: هذا الاستثناء هو أنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارًا (١). وقال الكلبي: إلا ما شاء الله، فكان ما شاء الله أبدًا (٢). وقيل: معناه: النار مثواكم سوى ما شاء الله. من أنواع العذاب (٣). وقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: من إخراج أهل التوحيد من النار (٤). وقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: أن يزيدهم من العذاب فيها (٥). وقيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: من كونهم في الدنيا بغير عذاب (٦). وقال عطاء: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: مَن سبق في علمه أنه يؤمن، فمنهم من آمن قبل الفتح، ومنهم من آمن بعده (٧).

стр. 6226

﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. ١٢٩ - ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾. قال سعيد عن قتادة: يجعل بعضهم أولياء بعض. فالمؤمن وليُّ المؤمن أين كان، والكافر وليُّ الكافر حيث (١) كان (٢). وروى معمر عن قتادة: يتبع بعضهم بعضًا في النار؛ من الموالاة (٣). وقيل: معناه: نُوليِّ ظلمة الإنس ظَلَمَة الجن، ونُولِّي ظَلَمَة الجن ظَلَمَة الإنس (٤)، يعني: نَكِلُ بعضَهم إلى بعض (كقوله تعالى) (٥): ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (٦). وقال ابن زيد: معناه: نسلِّط بعضهم على بعض (٧). يدل عليه قوله

стр. 6227

- ﷺ : "من أعان ظالمًا سلَّطه الله عليه" (١). وقال مالك بن دينار ﵀ (٢): قرأت في كتب الله المنزلة: إن الله تعالى قال: أُفني أعدائي بأعدائي، ثم أُفنيهم بأوليائي (٣). وروى حبان (٤) عن الكلبي (٥) عن أبي صالح (٦) عن ابن عباس ﵄ قال (٧): تفسيرها: هو أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرًا وَلَّى أَمْرَهُم خِيارهم، وإذا أراد بقوم شرًّا وَلَّى أَمْرَهُم شِرارهم (٨). وفي الخبر: يقول الله تعالى: "إني أنا الله لا إله إلاّ أنا، مالك الملوك، قلوبهم ونواصيهم بيدي، فمن أطاعني جعلتُهم عليه (٩) رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسبّ الملوك،

стр. 6228

ولكن توبوا إليَّ أُعَطِّفهم عليكم" (١). ١٣٠ - ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ وقرأ الأعرج وابن أبي إسحاق: (تَأْتِكُمْ) بالتاء (٢) كقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ (٣). والباقون: بالياء لقوله: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ (٤). ﴿يَقُصُّونَ﴾: يقرءون ﴿عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾: وهو يوم القيامة. واختلف العلماء في الجن هل أُرسل إليهم منهم رسول أم لا؟ فقال عبيد بن سليمان: سُئِلَ الضحاك عن الجن: هل كان فيهم مؤمن قبل أن يُبعثَ النبي ﷺ ؟ فقال: ألم تسمع اللهَ يقول: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؟ يعني بذلك: رسلاً من الإنس

стр. 6229

ورسلاً من الجن (١). وقال الكلبي: كانت الرسل قبل أن يُبعَث محمد ﷺ يُبْعثون إلى الجن والإنس جميعًا (٢). وقال مجاهد (٣): الرسل من الإنس، والنذر من الجن، ثم قرأ: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٤). وقال ابن عباس ﵄: هم الذين استمعوا القرآن فأبلغوه قومهم (٥).

стр. 6230

وقال أهل المعاني: لم يكن من الجن رسول، وإنما الرسل من الإنس خاصة، وهذا كقوله تعالى (١): ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ (٢): وإنما يخرج من الملح دون العذب (٣)، وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾: (٤) وهي أيام العشر، وإنما الذبح في يوم واحد من العشر، وهو يوم النحر، وقوله (٥): ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ (٦) وإنما هو في سماء واحدة (٧). ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا﴾: أقروا (٨) ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾. ١٣١ - ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾: أي: بشرك مَن أشرك ﴿وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾: حتى يبعث إليهم رسلاً تنذرهم. وقيل: معناه: لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات، فيكون قد ظلمهم (٩).

стр. 6231

١٣٢ - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾: يعني: في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أشد عذابًا، ومنهم من هو أجزل ثوابًا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. ١٣٣ - ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾: عن خلقه ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾: بهم ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾: يمتكم ويهلككم ﴿وَيَسْتَخْلِفْ﴾: ويخلق ﴿مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾: خلقًا غيركم أمثل وأطوع. قال عطاء: يريد: الصحابة والتابعين (١). ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ﴾: خلقكم ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾: قرنًا بعد قرن. وقال مقاتل: يعني أهل سفينة نوح (٢). وقرأ زيد بن ثابت: (ذرية) بكسر الذال مشدَّدة (٣). وقرأ (٤) أبان بن عثمان: (ذَرِية) بفتح الذال وكسر الراء خفيفة على وزن فعيلة (٥).

стр. 6232

الباقون: بضم الذال مشددًا، وهي لغات صحيحة (١). وقال ثعلب: الذرية بالكسر: الأصل، والذرية بالضم: الولد (٢). ١٣٤ - ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾: لَجَاءٍ كائن ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتين سابقين، أي: يدرككم حيث كنتم. والإعجاز أن يأتي بشيء يعجز عنه خصمه ويقصر دونه، فيكون قد قهره وجعله عاجزًا عنه. ١٣٥ - ﴿قُلْ﴾: يا محمد لهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. قال ابن عباس ﵄: على ناحيتكم (٣). وقال ابن زيد: على حيالكم (٤). وقال يمان: على مذاهبكم (٥). وقال عطاء: على حالاتكم التي أنتم عليها (٦). وقال مقاتل: على جديلتكم (٧).

стр. 6233

وقال مجاهد: على وتيرتكم (١). وقال الكلبي: على منازلكم (٢). وقرأ السلمي وعاصم: (عَلَى مَكَانَاتِكُمْ) على الجمع في كل القرآن (٣). ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾: يقول: اعملوا ما أنتم عاملون فإني عامل ما أمرني ربي، وهذا أمر وعيد وتهديد لا أمر إباحة وإطلاق كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٤). وقال الكلبي: معناه: اعملوا ما أمكنكم في أمري فإني عامل في أمركم بالهلاك (٥). ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ﴾: قرأ مجاهد وأهل الكوفة: (يكون) بالياء، وقرأ (٦) الباقون بالتاء (٧)، ﴿لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: يعني: الجنة ﴿إِنَّهُ

стр. 6234

لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: لا يأمن الكافرون. وقال عطاء: لا يسعد (١). وقال الضحاك: لا يفوز (٢). وقال عكرمة: لا يبقى في الثواب. ١٣٦ - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ قال المفسرون (٣): كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبًا، وللأوثان نصيبًا فما كان للصنم أُنفِق عليه، وما كان لله أُطعِم الضيفان والمساكين ولا يأكلون من ذلك كله شيئًا، فما سقط مما جعلوا لله في نصيب الأوثان تركوه، وقالوا: إن الله تعالى غني عن هذا، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله، التقطوه وردُّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير. وكانوا إذا نذروا فما وقع من نذر الله في حصة الصنم تركوه، وما وقع من حصَّة الصنم في حصَّة الله ردُّوه، وإن انفجر من سَقْي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدُّوه، وإن انفجر من سَقْي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه. وإذا هلك الذي سموا لشركائهم أو أجدب

стр. 6235

وكثر الذي لله قالوا: ليس لآلهتنا بدٌّ من نفقة، فأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا: لو شاء الله لأزكى الذي له، فلا يردون عليه شيئًا مما للآلهة، وإذا أصابتهم السنة استعانوا بما جزءوا (١) لله، ووفروا ما جزءوا لشركائهم، فذلك قوله : ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ أي: (٢) خلق ﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ﴾. ﴿نَصِيبًا﴾: فيه إضمار واختصار، مجازه: جعلوالله نصيبًا ولشركائهم نصيبًا. ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾. قرأ يحيى بن وثاب والسلمي والأعمش والكسائي بضم الزاي (٣). والباقون: بالفتح. وهما لغتان، وهو القول من غير حقيقة (٤). [١٣٥٦] سمعت الحبيبي (٥) يقول: سمعت العنبري (٦) يحكي عن أبي العباس الأزهري (٧)، عن أبي حاتم (٨) أنه قال: قال شريح
следующие страницы →