← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

١٣٢ - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾: يعني: في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أشد عذابًا، ومنهم من هو أجزل ثوابًا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. ١٣٣ - ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾: عن خلقه ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾: بهم ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾: يمتكم ويهلككم ﴿وَيَسْتَخْلِفْ﴾: ويخلق ﴿مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾: خلقًا غيركم أمثل وأطوع. قال عطاء: يريد: الصحابة والتابعين (١). ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ﴾: خلقكم ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾: قرنًا بعد قرن. وقال مقاتل: يعني أهل سفينة نوح (٢). وقرأ زيد بن ثابت: (ذرية) بكسر الذال مشدَّدة (٣). وقرأ (٤) أبان بن عثمان: (ذَرِية) بفتح الذال وكسر الراء خفيفة على وزن فعيلة (٥).

стр. 6232

الباقون: بضم الذال مشددًا، وهي لغات صحيحة (١). وقال ثعلب: الذرية بالكسر: الأصل، والذرية بالضم: الولد (٢). ١٣٤ - ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾: لَجَاءٍ كائن ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتين سابقين، أي: يدرككم حيث كنتم. والإعجاز أن يأتي بشيء يعجز عنه خصمه ويقصر دونه، فيكون قد قهره وجعله عاجزًا عنه. ١٣٥ - ﴿قُلْ﴾: يا محمد لهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. قال ابن عباس ﵄: على ناحيتكم (٣). وقال ابن زيد: على حيالكم (٤). وقال يمان: على مذاهبكم (٥). وقال عطاء: على حالاتكم التي أنتم عليها (٦). وقال مقاتل: على جديلتكم (٧).

стр. 6233

وقال مجاهد: على وتيرتكم (١). وقال الكلبي: على منازلكم (٢). وقرأ السلمي وعاصم: (عَلَى مَكَانَاتِكُمْ) على الجمع في كل القرآن (٣). ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾: يقول: اعملوا ما أنتم عاملون فإني عامل ما أمرني ربي، وهذا أمر وعيد وتهديد لا أمر إباحة وإطلاق كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٤). وقال الكلبي: معناه: اعملوا ما أمكنكم في أمري فإني عامل في أمركم بالهلاك (٥). ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ﴾: قرأ مجاهد وأهل الكوفة: (يكون) بالياء، وقرأ (٦) الباقون بالتاء (٧)، ﴿لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: يعني: الجنة ﴿إِنَّهُ

стр. 6234

لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: لا يأمن الكافرون. وقال عطاء: لا يسعد (١). وقال الضحاك: لا يفوز (٢). وقال عكرمة: لا يبقى في الثواب. ١٣٦ - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ قال المفسرون (٣): كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبًا، وللأوثان نصيبًا فما كان للصنم أُنفِق عليه، وما كان لله أُطعِم الضيفان والمساكين ولا يأكلون من ذلك كله شيئًا، فما سقط مما جعلوا لله في نصيب الأوثان تركوه، وقالوا: إن الله تعالى غني عن هذا، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله، التقطوه وردُّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير. وكانوا إذا نذروا فما وقع من نذر الله في حصة الصنم تركوه، وما وقع من حصَّة الصنم في حصَّة الله ردُّوه، وإن انفجر من سَقْي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدُّوه، وإن انفجر من سَقْي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه. وإذا هلك الذي سموا لشركائهم أو أجدب

стр. 6235

وكثر الذي لله قالوا: ليس لآلهتنا بدٌّ من نفقة، فأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا: لو شاء الله لأزكى الذي له، فلا يردون عليه شيئًا مما للآلهة، وإذا أصابتهم السنة استعانوا بما جزءوا (١) لله، ووفروا ما جزءوا لشركائهم، فذلك قوله : ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ أي: (٢) خلق ﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ﴾. ﴿نَصِيبًا﴾: فيه إضمار واختصار، مجازه: جعلوالله نصيبًا ولشركائهم نصيبًا. ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾. قرأ يحيى بن وثاب والسلمي والأعمش والكسائي بضم الزاي (٣). والباقون: بالفتح. وهما لغتان، وهو القول من غير حقيقة (٤). [١٣٥٦] سمعت الحبيبي (٥) يقول: سمعت العنبري (٦) يحكي عن أبي العباس الأزهري (٧)، عن أبي حاتم (٨) أنه قال: قال شريح

стр. 6236

القاضي (١): إن لكل شيء كنية، وكنية الكذب: زعموا (٢). والزعم - أيضًا: الطمع. ﴿وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ يعني: الأوثان ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: أي: بئس ما يقضون. ١٣٧ - ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ﴾: أي: وكما زين لهم تحريم الحرث والأنعام، كذلك زين ﴿لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ يعني: شياطينهم؛ زيَّنوا وحسَّنوا لهم وأد البنات خيفة العَيْلَة. وقال الكلبي: شركاؤهم: سدنة آلهتهم الذين (٣) كانوا يزينون للكفار قتل أولادهم. وكان الرجل في الجاهلية يحلف بالله لئن وُلِد

стр. 6237

له كذا غلامًا لينحرنَّ أحدهم، كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله (١). وقرأ أهل الشام: (زُيِّنَ) بالضم (قَتْلُ): رفع (أَوْلادَهُمْ) نصب، (شُرَكَآئهِمْ): بالخفض؛ على التقديم (٢)، كأنه قال: زُّين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم. فرَّقوا بين الفعل وفاعله. كقول الشاعر: تمر عَلَى ما تستمر وقد شفت ... غلائل عبد القيس منها صُدورهَا (٣) يريد: شفت عبد القيس غلائل صدورها. فزججته متمكنَّا ... زَجَّ القَلُوْصَ أبي مَزَادَهْ (٤)

стр. 6238

أي: زج أبي مزادة القلوص. وقرأ أبو عبد الرحمن: (زُّينَ) بضم الزاي، (قَتْلُ) بالرفع، (أولادِهم) خفضًا، (شُرَكَاؤُهُمْ) رفعًا (١)، على التوهم والتكرير (٢). كأنه لَمّا (٣) قال: زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادِهم، تمَّ الكلام. ثم قيل: مَنْ زَيَّنه؟ فقال: شركاؤهم، أي: زيَّنه شركاؤهم، وهذا كما تقول؟ قد أُكِلَ طَعَامُكَ، فلا يُدْرى من الآكل فتبينه، فتقول: زيد (٤). قال الشاعر: لِيُبْكَ يَزِيْدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... ومُحتبِطٌ قد طوحته الطوائح (٥)

стр. 6239

فيزيد مفعول مستقل بنفسه، غير مسمَّى فاعله، ثم بيَّن فقال: ضارع. أي: لِيَبكه ضارع. وقوله (١): ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾: أي: ليهلكوهم ﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾: أي: ليخلطوا ويشبهوا ﴿عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾: وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: لهداهم ووفَّقهم وعصمهم حتى ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾: أي: (٢) ذلك من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد ﴿فَذَرْهُمْ﴾: يا محمد ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾: يختلقون على الله الكذب، فإن الله لهم بالمرصاد، ولا يخلف الميعاد. ١٣٨ - ﴿وَقَالُوا﴾: يعني: المشركين ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: يعني: ما كانوا جعلوه لله ولآلهتهم، وقد مضى ذكرها. وقال مجاهد: يعني بالأنعام: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام (٣)، والحِجْر: الحرام (٤). قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾: (٥) أي: حرامًا محرمًا. وقال المتلمس:

стр. 6240

حَنّت إِلَيَّ النخلةُ القُصوى فقلت لها ... حِجْرٌ حرامٌ أَلا تلك الدهاريسُ (١) وأصله من الحَجْر: وهو المنع والحظر (٢)، ومنه: حَجْرُ القاضي على المفلس (٣). وقرأ الحسن وقتادة: (وَحَرْثٌ حُجْرٌ) بضم الحاء: وهما لغتان (٤). وقرأ أُبي بن كعب وابن عباس وابن الزبير وطلحة والأعمش: (وَحَرْثٌ حِرِجٌ) بكسر الحاء والراء، وهي لغة أيضًا مثل جَذَبَ وجَبَذَ (٥). وأنشد أبو عمرو: ألم تقتلوا الحِرْجين إذا أصحرا لكم ... يُمِرَّان بالأيدي لِحَاءً مُضَفَّرا؟ ! (٦)

стр. 6241

يعني: المجرمين. ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾: يعنون: الرجال دون النساء ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾: يعني: الحامي إذا ركب ولد ولده قالوا: حمى ظهره، فلا يُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عليه ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. قال مجاهد: كانت لهم من أنعامهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن نتجوا ولا إن حلبوا (١) ولا إن باعوا ولا إن حملوا (٢). وقال عاصم: قال لي أبو وائل: أتدري ما ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾؟ قلت: لا. قال: كانوا لا يحجُّون عليها (٣). وقال الضحاك: هي التي إذا ذكَّوْها أَهَلُّوا عليها بأصنامهم، ولا يذكرون (٤) اسم الله عليها. ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾: يعني: أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويزعمون أن الله أمرهم به. ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾

стр. 6242

١٣٩ - ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ قال ابن عباس ﵄ والشعبي وقتادة: يعني: ألبان البحائر كانت للذكور دون النساء، فإذا ماتت اشترك في لحمها ذكورهم وإناثهم (١). وقال الشعبي: يعني أجنة البحائر والسُّيب: ما ولد منها حيًّا فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولدت ميتًا أكله الرجال والنساء (٢)، وأدخل الهاء في ﴿خَالِصَةٌ﴾؛ (على التأكيد) (٣) والمبالغة، كهاء الخاصة والعامة والكافة والراوية والنسابة والعلامة (٤). وقال الفراء: أُدخلت الهاء؛ لتأنيث الأنعام؛ لأن ما في بطونها مثلها، فأنث؛ لتأنيثها (٥) (٦). قال: وقد تكون الخالصة مصدرًا (كالعاقبة والعافية) (٧)، ومنه قوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (٨).

стр. 6243

وقرأ عبد الله والأعمش: (خَالِصٌ لِذُكُورِنَا) بغير هاء، ردَّاه إلى ما (١). وقرأ ابن عبَّاس ﵄: (خالصة) بالإضافة (٢). والخالص والخالصة والخَلِيْصَة والخلصان واحد (٣). قال الشاعر: كُنْتَ أميني وكنْتَ خَالِصتِي ... وليس كل امرئ بمؤتَمَن (٤) ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ يعني: النساء ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾: قرأ أهل المدينة (٥): (تكن) بالتاء، (ميتةٌ) بالرفع (٦). على معنى:

стр. 6244

وإن تقع (الأنعام ميتةً) (١). وقرأ أهل مكَّة: (يَكُن) بالياء، (ميتةٌ) بالرفع (٢)، على معنى: وإن يقع ما في بطون الأنعام ميتةً. وقرأ الأعمش (٣): (وإن يكُن) بالتاء، (ميتةً) نصبًا، على معنى: وإن تكن النسمة أو الأجنة ميتة. وقوأ الباقون: ﴿يَكُنْ﴾ بالياء، ﴿مَيْتَةً﴾ بالنصب، ردَّوه إلى ﴿مَا﴾ (٤). ويؤيِّد ذلك قوله: ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ ولم يقل: فيها. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ أي: بوصفهم، على وصفهم الكذب على الله، كقوله : ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ (٥) والوصف والصفة واحد، كالوزن والزنة، والوعد والعدة، ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. ١٤٠ - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. نزلت في ربيعة ومضر وأفناء العرب، الذين كانوا يدفنون بناتهم أحياء؛ مخافة السبي والفقر، إلاَّ ما كان من بني كنانة، فإنَّهم كانوا

стр. 6245

لا يفعلون ذلك (١). وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي (٢) والحسن وأهل مكَّة والشام: (قتَّلوا) مشددًا، على التكثير، والباقون بالتخفيف (٣). ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ حيث قالوا: إنَّ الله أمرهم بها ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ١٤١ - (قوله ) (٤): ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾: اخترع وابتدأ (٥) ﴿جَنَّاتٍ﴾: بساتين ﴿مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: مسموكات مرفوعات، وغير مرفوعات. قال ابن عباس ﵄: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾: ما انبسط على وجه الأرض وانتشر، ممَّا يُعرش، مثل: الكروم والقرع والبطيخ وغيرها (٦). ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: ما قام على ساق وبسق، مثل: النخل والزرع

стр. 6246

وسائر الأشجار. وقال الضحاك: ﴿مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: الكرم خاصة منها ما عرش، ومنها ما لم يعرش (١). وروي عن ابن عباس ﵄ أيضًا: إنَّ المعروشات: ما أنبته ورفعه (٢) الناس، وغير معروشات: ما خَرَجَ في البراري والجبال من الثمار (٣). يدلُّ عليه قراءة علي بن أبي طالب ﵁: (مغروسات وغير مغروسات) بالغين والسين (٤). ﴿وَالنَّخْلَ﴾ يعني: وأنشأ النخل ﴿وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾: ثمره، وطعمه: الحامض والمرُّ والحلو، والجيِّد والرديء، وارتفع الأكل بالابتداء، و ﴿مُخْتَلِفًا﴾ نعته، إلاَّ إنَّه لمَّا تقدَّم النعت على الاسم، وولي منصوبًا (٥)، نُصِبَ، كما تقول: عندي طبَّاخًا غلام وأنشد: الشر منتشر يلقاك عن عُرُضٍ ... والصالحات عليها مغلقًا بَابُ (٦)

стр. 6247

﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا﴾ في المنظر ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطعم (١)، مثل الرمانتين لونهما واحد، إحداهما حلوة، والأخرى حامضة. وقد مرَّ القول فيه. ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾: ولا تحرِّموه، كفعل أهل الجاهلية. ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قرأ أهل مكِّة والمدينة والكوفة (إلَّا عاصماً) (٢) (حِصَادِه) بكسر الحاء. الباقون بالفتح، وهما واحد، كالجِزار والجَزار والصِّرام والصَّرام (٣). واختلف العلماء في حكم هذِه الآية: فقال ابن عباس وطاووس والحسن وجابر بن زيد ومحمد ابن الحنفية وسعيد بن المسيب والضحاك وابن زيد: هي الزكاة المفروضة: العُشْر (ونصف العُشْر) (٤) (٥).

стр. 6248

وقال عليُّ بن الحسين وعطاء وحمَّاد والحكم: هو حق في المال، سوى الزكاة (١). قال مجاهد: إذا حصدت، فحضرك المساكين، فاطرح لهم منه، وإذا دسْتَهُ وذَرَّيتَهَ، فاطرح لهم منه، وإذا أكدسته فاطرح لهم منه، وإذَا عَرفْتَ كَيْلَهُ، فاعزل زكاته (٢). وقال إبراهيم: هو الضِّغْث (٣). وقال الربيع: لقاط السنبل (٤). وقال مجاهد: كانوا يعلِّقون العِذْقَ عند الصرام، فيأكل منه الضيف، ومَنْ مرَّ (٥). وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعِذْقِ، فيُعلِّقونه في جانب المسجد، فيجيء المسكين، فيضربه بعصاه، فيسقط منه، فيأخذه (٦).

стр. 6249

وقال سعيد بن جبير وعطيَّة: كان هذا قبل الزكاة، فلمَّا فرضت الزكاة نسخ هذا (١). وقال سفيان: سألت السدي عن هذِه الآية؟ فقال: نسخها العُشْر ونصف العُشْر، قلت: عمَّن؟ قال: عن العلماء (٢). وقال مقسم عن ابن عباس ﵄: نَسَخَتِ الزكاةُ كلَّ نفقة في القرآن (٣). ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: قال ابن عباس ﵄: كان رجال يتبرعون عند الصِّرام، فيقول الرجل: لا أمنع سائلا، حتَّى أمسي. فعمد ثابت بن قيس بن شمَّاس ﵁ إلى خمسمائة نخلة فجذها، ثمَّ قسَّمها في يوم واحد، ولم يترك لأهله شيْئًا، فنزلت: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أي: لا تعطوه (٤) كلّه (٥).

стр. 6250

وقال السدي: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أي: ولا تعطوا أموالكم؛ فتقعدوا فقراء (١). وقال سعيد بن المسيّب: لا تمنعوا الصدقة (٢). وقال يمان بن رئاب: ولا تُبذِّروا تبذيرًا. وقال مقاتل وعطية العوفي: لا تشركوا الأصنام (٣) في الحرث والأنعام (٤). وقال الزهري: لا تنفقوا في المعصية (٥). وقال مجاهد: لو كان أبو قُبيس ذهبًا لرجل فأنفقه في طاعة الله، لم يكن مسرفًا، أو مدًّا في معصية الله، كان (٦) مسرفًا (٧). وفي هذا المعنى قيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف، فقال: لا سَرَف في الخير (٨).

стр. 6251

وقال محمد بن كعب: السرف: أن لا تعطي (١) في حق (٢). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الإسراف: ما لا يقدر على ردِّه إلى الصلاح، والفساد: ما يقدر على ردِّه إلى الصلاح (٣). وقال النضر بن شميل: الإسراف: التبذير والإفراط، والسرف: الغفلة والجهل (٤). وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف (٥). وروى ابن وهب (٦) عن (ابن زيد) (٧) قال: الخِطَابُ للسلاطين، يقول: لا تأخذوا فوق حقِّكم (٨) (٩).

стр. 6252

١٤٢ - قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾ يعني: وأنشأ من الأنعام ﴿حَمُولَةً﴾ وهي: كلُّ ما يُحمل عليها وُيركب، مثل: كبار الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، وسمِّيت بذلك؛ لإنَّها تَحْمِل. قال عنترة: ما رَاعَنِي إلَّا حَمُولةُ أهلها ... وسط الركاب، تَسِفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ (١) والحمولة: الأحمال (٢). قال أهل اللغة: (الفَعُولة) بفتح الفاء إذا كانت بمعنى الفاعل، استوى فيها المذكَّر والمؤنّث، نحو قولك: رجل فَروقة، وامرأة فروقة: للجبان الخائف، ورجل صَرورة وامرأة صرورة: إذا لم يحجَّا (٣). وإذا كانت بمعنى (المفعول) فُرِّقَ بين الذكر والأُنثى بالهاء، كالحَلوبة والرَكوبة.

стр. 6253

﴿وَفَرْشًا﴾: الفرش (١): ما يؤكل ويحلب، ولا يُحمل عليه، مثل: الغنم والفُصْلان والعجاجيل، سمِّيت فَرْشًا؛ لِلَطَافة أجسامها، وقُرْبها من الفريش، وهي الأرض المستوية (٢). وأصل الفردش: الخفة واللطافة، ومنه فراشة القُفْل، وفراش العظام، وفرالش الطائر، والفرش - أيضًا: نبت ملتصق بالأرض، يرعاه الإبل (٣). قال الراجز: كَمِشْفَرِ النَّابِ يَلُوْكُ الفَرْشَا (٤) والفرلش: الصغار والأولاد من الأنعام (٥). قال الراجز (٦): أورثتني حمولة وفرشا أَمَشُّهَا في كلّ يوم مَشا

стр. 6254

وقال: وحوينا الفَرشَ من أنعامكم ... والحمولاتِ ورَبّاتِ الحجَل (١) ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: في تحريم الحرث والأنعام. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. ثمَّ بيَّن الحمولة والفرش، فقال: ١٤٣ - ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ نصبها على البدل من الحمولة (٢) والفرش -يعني: وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج، أي: أصناف ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾: فالذكر زوج، والأُنثى زوج، والضأن: النعاج، وجمعه: ضئين، وواحده: ضائن، والأُنثى: ضائنة، والجمع: ضوائنا (٣).

стр. 6255

وقرأ طلحة والحسن وعيسى: (مِنَ الضَّأَنِ) مفتوحة الهمزة (١). والباقون ساكنة الهمزة (٢)، وتميم تهمزه، وسائر العرب لا تهمزه. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾: والمَعْزُ والمِعْزى جمع لا واحد له من لفظه، فأمَّا الماعز فجمعه: مَعِيز، وجمع الماعزة: مَواعِز (٣). وقرأ أهل المدينة والكوفة: (مِنَ المِعْزِ) ساكنة العين، والباقون بالفتح (٤). وفي مصحف أُبيٍّ: (مِنَ المِعزى) (٥). وقرأ أبان بن عثمان: (مِنَ الضَّأنِ اثنانِ وَمِنَ المعز اثنان) (٦). ﴿قُلْ﴾: يا محمد ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ الله عليكم، ذكر (٧) الضأن

стр. 6256

والمعز ﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: أم أُنثييهما (١)، وانتصب قوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ بالتحريم ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ منهما ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ١٤٤ - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وذلك؛ إنَّهم كانوا يقولون: هذِه أنعام وحرث حجر، وقالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا * وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾، فحرَّموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي (٢). فلما قام الإسلام (٣)، وثبتت الأحكام، جادلوا النبيَّ ﷺ ، وكان خطيبهم يومئذٍ مالك بن عوف أبو الأحوص الجُشَمِي، فقال: يا محمد، بلغنا أنَّك تحرِّم ما كان آباؤنا يفعلونه؟ فقال له رسول الله ﷺ : "لأنكم قد حرَّمتم أصنافًا من النعم على غير أصل ولا قياس، وإنما خلق الله تعالى هذِه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها، فمن أين حُرِّمت ذكران هذِه النعم على نسائكم دون رجالكم؟ أمن جهة الذكران أم من جهة الإناث، فإن زعمتم أن تحريمه (٤) من أجل الذكر (٥)، وجب أن تحرموا الأنثى؛ لأن للذكور فيه حظًّا، وإن

стр. 6257

زعمتم إنَّ تحريمه من جهة الأنثى، وجب أن تحرموا الذكر (١)؛ لأن للإناث فيه حظًّا، (وإن زعمتم أن تحريمه) (٢) لاجتماع ماء الذكر والأنثى فيه واشتمال الرَّحِم عليه، وجب أن تحرِّموا الذكر والأنثى والحي والميِّت، لأنَّه لا يكون ولد إلاَّ من ذكر وأنثى، ولا تشتمل الرحم إلاَّ على ذكر أو أنثى، فَلِمَ تحرمون بعضًا وتحلِّون بعضًا؟ " فسكت مالك وتحيَّر، فلما لزمَتْه الحجَّة، أخذ في الافتراء على الله فقال: كذا أمر الله (٣). فقال الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ حضوراً (٤) ﴿إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ثمَّ بيَّن المحرمات، فقال: ١٤٥ - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ أي: شيئًا محرّمًا ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾: آكلٍ يأكله. وقرأ علي بن أبي طالب ﵁: (يطَّعمه) مُثَقَّل الطاء، أراد: يتطعَّمه، فأدغم (٥).

стр. 6258

وقرأت عائشة ﵂: (عَلَى طَاعِمٍ طَعِمَه) (١). ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾: مُهراقًا سائلاً. قال عمران بن حدير: سألت أبا مِجْلَزْ عمّا يتلطَّخ باللحم من الدم، وعن القِدر يُرى فيها حُمرةُ الدم؟ فقال: لا بأس به؛ إنَّما نهى الله عن الدم المسفوح (٢). وقال إبراهيم: لا بأس في الدم (٣)، في عرق أو مخ، إلاَّ المسفوح الذي يعمد ذلك (٤). قال عكرمة: لولا هذِه الآية لاتَّبع المسلمون من العُروق ما يتبع اليهود (٥). ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾: خبيث حرام ﴿أَوْ فِسْقًا﴾: معصية ﴿أُهِلَّ﴾: ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦).

стр. 6259

١٤٦ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني: اليهود ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: وهو ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير؛ مثل: الإبل والنعام والأوز والبط (١). وقال ابن زيد: هو الإبل فقط (٢). وقال القتيبي: هو (٣) كلُّ ذي مخلب من الطيور (٤)، وكل ذي حافر من الدواب، وحكاه عن (٥) بعض المفسِّرين (٦). وقيل (٧): سمّي الحافر ظُفُرًا؛ على الاستعارة (٨).

стр. 6260

وأنشد قول طرفة [يصف سارقاً] (١): فما رَقَد الوِلْدانُ حتّى رأيتُهُ ... عَلَى البَكْرِ يَمْرِيهِ بِسَاقٍ وحَافِرِ (٢) فجعل الحافر موضع القدم. وقرأ الحسن: (كُلَّ ذِي ظِفْر) مكسورة الظاء مسكنة الفاء (٣). وقرأ أبو السمال: (ظِفِر) بكسر الظاء والفاء، وهي لغة (٤). ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ يعني: الثروب، وشحم الكليتين ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾: ما عَلِقَ بالظهر والجنْب، أراد من داخل بطونهما ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ يعني: المباعر ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: مثل شحم الألية ﴿ذَلِكَ﴾: التحريم ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾: بظلمهم؛ (عقوبة لهم) (٥)، بقتلهم الأنبياء، وصدِّهم عن سبيل الله،

стр. 6261

وأخذهم الربا، واستحلالهم أموال الناس بالباطل ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: في إخبارنا عن هؤلاء اليهود، وعمّا حرَّمنا عليهم من الشحوم واللحوم. ١٤٧ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ (١). ١٤٨ - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: لمَّا ألزمتهم (٢) الحجَّة، وتبيَّنوا، وتيقنوا باطل ما كانوا عليه: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ نحن ﴿وَلَا آبَاؤُنَا﴾ من قبل ﴿وَلَا حَرَّمْنَا﴾: ما حرَّمنا ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: من البحائر والسوائب وغير ذلك؛ لأنَّه قادر على أن (٣) يحول بيننا وبين ذلك؛ حتَّى لا نفعله، ولكنَّه رضي منا ما نحن عليه، من: عبادة الأصنام، وتحريم الحرث والأنعام، وأراده منَّا، وأمرنا به، فلم يَحُلْ بيننا وبين ذلك. فقال الله تعالى (٤)، تكذيبًا لهم، وردًّا عليهم: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من كفار الأمم الخالية ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾

стр. 6262

عذابنا، فكذبهم في قولهم: إن الله رضي منا ما نحن عليه؛ لأنه لو لم يرضه وأراد غيره، لحال بيننا وبينه. والدليل على أن التكذيب ورد في هذا، لا في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾. قوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من التكذيب، ولو كان ذلك خبرا من الله جل ثناؤه عن كذبهم في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ لقال: كذلك كذَب الذين من قبلهم (١) بتخفيف الذال، فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب. وقال الحسين بن الفضل: لو أخبروا بهذِه المقالة تعظيمًا وإجلالاً لله تعالى (٢) ومحرفة منهم به، لما عابهم ذلك؛ لأن الله تعالى (٣). قال: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ (٤) وقال: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥) وقال: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٦) والمؤمنون يقولون هذا، ولكنَّهم قالوا ذلك تكذيبًا وتخرصًا وجدلاً، من غير معرفة بالله وبما يقولون (٧). نظيره قوله : ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ قال الله

стр. 6263

تعالى: (١) ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (٢) فقولهم هذا من غير علم منهم بالله تعالى (٣)، والمؤمنون يقولونه بعلم منهم بالله، ثمَّ قال: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾: من حظ وحجَّة، على ما تقولون ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: من غير علم ويقين ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾: تكذِّبون.

стр. 6264

١٤٩ - ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ التامة الكافية على خلقه ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ١٥٠ - ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ أي: أحضروهم وأتوا بهم. فقالوا: نحن نشهد، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: يشركون. ١٥١ - ثمَّ قال: ﴿قُلْ﴾: لهم، يا محمد ﴿تَعَالَوْا أَتْلُ﴾: أقرأ ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾: حقًّا يقينا كما أوحى إليَّ ربِّي، وأمرني به، لا ظنًّا وكذبًا (١)، كما تزعمون. ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ اختلفوا في محل (أن): فقال بعضهم: محلُّه نصب (٢). ثمَّ اختلفوا في وجه انتصابه: فقيل: معناه: حرَّم أن تشركوا، و (لَّا) صلة (٣)، كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٤). وقيل: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ (٥).

стр. 6265

وقيل: أوحى وأوصى ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ (١). وقيل: بدل مما حرَّم (٢). وقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ قال: ﴿عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ على الإغراء (٣). وقال بعضهم (٤): موضع أن رفع، معناه: هو أن لا تشركوا، خبر ابتداء مضمر، وما بعده يجوز أن يكون في محل النصب؛ عطفًا على قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ وأن لا (٥)، ويجوز أن يكون جزمًا؛ على النهي، كقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦): فعطف بالنهي على الخبر (٧)، كما قال الشاعر (٨): حجَّ وأوصى بسُلَيْمى الأعبُدا ... ألا تُرى ولا تُكلِّم أحدا

стр. 6266

ولا يَزل شرابُها مُبَرّدا ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أي: لا تئدوا بناتكم خشية العيلة فإني رازقكم وإياهم. والإملاق: الفقر، ونفاد الزاد (١). ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني: علانية ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ يعني: السرَّ. وقال المفسِّرون: كانوا في الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسًا في السرِّ، فحرَّم الله تعالى (٢) الزنا في العلانية والسر (٣). وقال الضحاك: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: الخمر (٤) ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنا (٥). ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾: قتلها، وهي نفس مؤمن أو معاهد ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني: بما أباح قتلها، وهي: الارتداد والقصاص والرجم.

стр. 6267

[١٣٥٧] (أخبرنا أبو بكر الجوزقي (١) قال) (٢) أخبرنا أبو العباس الدغولي (٣)، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم (٤)، قال: ثنا إسحاق (٥) بن سليمان (٦)، قال: ثنا مغيرة بن مسلم (٧)، عن مطر الورّاق (٨) عن نافع (٩) عن ابن عمر أن عثمان أشرف على أصحابه فقال: علام تقتلونني؟ فإنَّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلُّ دم امرئ مُسلم إلاَّ بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدًا فعليه القَوَد، أو ارتدَّ بعد إسلامه، فعليه القتل"، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت (١٠)

стр. 6268

أحدًا، فأقيد نفسي به (١)، ولا ارتددت منذ أسلمت، إنَّي أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا عبده ورسوله (٢). ﴿ذَلِكُمْ﴾: الذي ذكرت ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١٥٢ - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: يعني: بما فيه صلاحه وتثميره. قال مجاهد: هو التجارة فيه (٣). وقال الضحاك: هو أن يبتغي له فيه، ولا يأخذ من ربحه شيئًا (٤). وقال ابن زيد: هو أن يأكل بالمعروف، إن افتقر، وإن استغنى فلا يأكل (٥).

стр. 6269

وقال الشعبي: مَنْ خالط مال اليتيم حتَّى يُفْضِل عليه، فليخالطه، ومَنْ خالطه؛ ليأكل منه فليَدَعْه ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (١) قال يحيى بن يعمر: حتى يحتلم (٢). قال الشعبي: الأشُد: الحلم حيث يكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات (٣). وقال أبو العالية: حتَّى يعقل وتجتمع قوَّته (٤). وقال الكلبي: الأَشُد: ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين سنة (٥). وقال السدِّي: هو ثلاثون (٦) سنة، ثمَّ جاء بعدها حتّى إذا بلغوا النكاح (٧). والأَشُدْ: جمع شَدٍّ، مثل: قَدَّ وأقُدَّ، وسَدَّ وأَسَدُّ، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه، يقال: أتيته شدّ [النهار ومد النهار] (٨) (٩).

стр. 6270

وكان المُفَضَّلُ بن محمد الضبي ينشد بيت عنترة: عهدي به شدُّ النهار كأنَّمَا ... خُضِبَ البنان ورأسه بالعظلم (١) وقال آخر: تطيف به شد النهار ظعينةٌ ... طويلة أنقاء اليدين سَحُوقُ (٢) وليس بلوغ الأشد مما يبيح قرب ماله بغير الأحسن، وتقدير الكلام: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلا بالتي هي أَحْسَنُ على الأمد حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، فادفعوا إليه ماله إن كان رشيدًا. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: طاقتها في إيفاء الكيل والوزن.
следующие страницы →