← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

ولا يَزل شرابُها مُبَرّدا ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أي: لا تئدوا بناتكم خشية العيلة فإني رازقكم وإياهم. والإملاق: الفقر، ونفاد الزاد (١). ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني: علانية ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ يعني: السرَّ. وقال المفسِّرون: كانوا في الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسًا في السرِّ، فحرَّم الله تعالى (٢) الزنا في العلانية والسر (٣). وقال الضحاك: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: الخمر (٤) ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنا (٥). ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾: قتلها، وهي نفس مؤمن أو معاهد ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني: بما أباح قتلها، وهي: الارتداد والقصاص والرجم.

стр. 6267

[١٣٥٧] (أخبرنا أبو بكر الجوزقي (١) قال) (٢) أخبرنا أبو العباس الدغولي (٣)، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم (٤)، قال: ثنا إسحاق (٥) بن سليمان (٦)، قال: ثنا مغيرة بن مسلم (٧)، عن مطر الورّاق (٨) عن نافع (٩) عن ابن عمر أن عثمان أشرف على أصحابه فقال: علام تقتلونني؟ فإنَّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلُّ دم امرئ مُسلم إلاَّ بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدًا فعليه القَوَد، أو ارتدَّ بعد إسلامه، فعليه القتل"، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت (١٠)

стр. 6268

أحدًا، فأقيد نفسي به (١)، ولا ارتددت منذ أسلمت، إنَّي أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا عبده ورسوله (٢). ﴿ذَلِكُمْ﴾: الذي ذكرت ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١٥٢ - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: يعني: بما فيه صلاحه وتثميره. قال مجاهد: هو التجارة فيه (٣). وقال الضحاك: هو أن يبتغي له فيه، ولا يأخذ من ربحه شيئًا (٤). وقال ابن زيد: هو أن يأكل بالمعروف، إن افتقر، وإن استغنى فلا يأكل (٥).

стр. 6269

وقال الشعبي: مَنْ خالط مال اليتيم حتَّى يُفْضِل عليه، فليخالطه، ومَنْ خالطه؛ ليأكل منه فليَدَعْه ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (١) قال يحيى بن يعمر: حتى يحتلم (٢). قال الشعبي: الأشُد: الحلم حيث يكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات (٣). وقال أبو العالية: حتَّى يعقل وتجتمع قوَّته (٤). وقال الكلبي: الأَشُد: ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين سنة (٥). وقال السدِّي: هو ثلاثون (٦) سنة، ثمَّ جاء بعدها حتّى إذا بلغوا النكاح (٧). والأَشُدْ: جمع شَدٍّ، مثل: قَدَّ وأقُدَّ، وسَدَّ وأَسَدُّ، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه، يقال: أتيته شدّ [النهار ومد النهار] (٨) (٩).

стр. 6270

وكان المُفَضَّلُ بن محمد الضبي ينشد بيت عنترة: عهدي به شدُّ النهار كأنَّمَا ... خُضِبَ البنان ورأسه بالعظلم (١) وقال آخر: تطيف به شد النهار ظعينةٌ ... طويلة أنقاء اليدين سَحُوقُ (٢) وليس بلوغ الأشد مما يبيح قرب ماله بغير الأحسن، وتقدير الكلام: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلا بالتي هي أَحْسَنُ على الأمد حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، فادفعوا إليه ماله إن كان رشيدًا. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: طاقتها في إيفاء الكيل والوزن.

стр. 6271

وقال أهل المعاني (١): معناه: إلاَّ ما يسعها وَيَحِلُّ لَهَا، ولا يخرج فيه، ولا يُضَيَّقُ عنه، وذلك أنَّ الله تعالى علم من عباده أنَّ كثيرًا منهم تضيق نفسه عن أن تطيب لغيره بما لا يجب عليها له، فأمر المعطي بإيفاء ربِّ الحق حقه الذي هو له (٢)، ولم يكلِّفه الزيادة؛ لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها، وأمر صَاحِبَ الحق بأخذ حقّه، ولم يكلفه الرضا بأقل منه؛ لما في النقصان عنه من ضيق نفسه، فلم يكلِّف نفسًا منها إلاّ ما لا تَحرُّجَ فيه ولا يضيق عنه. قال ابن عباس ﵄: إنكم -معشر الأعاجم- قد وليتم أمريْن بهما هلك من كان قبلكم (٣): المكيال والميزان (٤). ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾: فاصدقوا في الحكم والشهادة ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ محذوف الاسم، يعني: ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قرابة ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: تتَّعظون.

стр. 6272

قال ابن عباس ﵄: هذِه الآيات محكمات لم ينسخهنَّ شيء في جميع الكتب، وهنَّ محرَّمات علي بني آدم كلُّهن، وهنُّ أُمُّ الكتاب، مَنْ عمل بهن دخل الجنَّة، ومَنْ تركهن دخل النار (١). وقال كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده، إنَّ هذا لأوَّل شيء في التوراة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الآية (٢). وقال الربيع بن خثيم لأصحابه: ألا أقرأ عليكم صحيفة عليها خاتم محمد لم يُفكَّ؟ فقرأ هذِه الآية (٣): ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ (٤). ١٥٣ - ﴿وَأَنَّ هَذَا﴾: الذي: وصَّاكم به في هاتيْن الآيتيْن ﴿صِرَاطِي﴾: طريقي وديني

стр. 6273

﴿مُسْتَقِيمًا﴾: مستويًا قويمًا ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾: يعني: الطرق المختلفة التي عداها مثل اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات ﴿فَتَفَرَّقَ﴾: فتميد (١) وتخالف وتشتت ﴿بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: عن طريقه وعن دينه الذي أرتضى، وبه أوصى ﴿ذَلِكُمْ﴾: الذي ذكرت ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١٥٤ - (قوله ) (٢): ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني: ثمَّ قل لهم يا محمد: آتينا موسى الكتاب؛ (لأن موسى ﵇ أُوتِي الكتاب، قبل محمد ﷺ (٣). وقيل (٤): (ثمَّ) بمعنى الواو، يعني: وآتينا موسى الكتاب، لأنَّهما حرفا عطف، وقال الشاعر: قل لمن ساد ثمَّ ساد أبوه ... ثمَّ قد ساد قبل ذلك جدّهُ (٥) ﴿تَمَامًا﴾ نصب؛ على القطع، وقيل: على التفسير (٦) ﴿عَلَى الَّذِي

стр. 6274

أَحْسَنَ﴾ قال بعضهم: معناه: تمامًا على المحسنين. ويكون (الذي) بمعنى: مَن، وتقديره: على الذين أحسنوا. لفظه واحد (١) ومعناه جمع، كما تقول: أُوصي (٢) بمالي للذي غزا وحجَّ؛ يريد الغازين والحاجين. وقال الشاعر: شَبُّوا على المجد وشابوا واكتهل يريد: واكتهلوا. يدلُّ عليه قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: (عَلَى الذِينَ أَحْسَنُوا) (٣). وقال أبو عبيدة: معناه: على كل مَنْ أحسن. ومعنى هذا القول أتممنا فضيلة موسى بهذا الكتاب، على المحسنين -يعني: أظهرنا فضلَه عليهم، والمحسنون: هم الأنبياء والمؤمنون. وقيل (٤): معناه: ثمَّ آتينا موسى الكتاب تمامًا؛ للمحسنين - يعني: تتميمًا منَّا للأنبياء والمؤمنين الكتب (٥).

стр. 6275

﴿عَلَى﴾ بمعنى اللام، كما تقول: أتم عليه وأتم له. قال الراعي: رعته أشهرًا وخلا عليها ... فطار التي منها واستعارا (١) أراد: وخلا لها. وقيل (٢): (الذي) بمعنى: ما -يعني (٣): آتينا موسى (٤) الكتاب تمامًا على ما أحسن موسى، وتقديره: وآتيناه الكتاب؛ لإحسانه في الطاعة والعبادة، وتبليغ الرسالة، وأداء الأمر وإقامة الشكر. قال قتادة في هذِه الآية: من أحسن في الدنيا تمت عليه كرامة الله في الآخرة (٥). وقيل: معناه (٦): تمامًا على الذي أحسن موسى، من العلم

стр. 6276

والحكمة -أي: زيادة على ذلك (١). وقال عبد الله بن بريدة: معناه: تمامًا مِنِّي، على إحساني (إلى موسى) (٢) (٣). وقال ابن زيد: معناه: تمامًا على إحسان الله إلى أنبيائه، وأياديه عندهم (٤). وقال الحسن: منهم المحسن، ومنهم المسيء، فنزل الكتاب تمامًا على المحسنين (٥). وقرأ يحيى بن يعمر: (على الذي أحسنُ) بالرفع (٦) أي: على (٧) الذِي هو أَحْسَن. ﴿وَتَفْصِيلًا﴾: بيانًا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: يُحتاج إليه، من شرائع الدين ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.

стр. 6277

١٥٥ - ﴿وَهَذَا﴾ يعني: القرآن ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ واعملوا بما فيه ﴿وَاتَّقُوا﴾: وأطيعوا ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فلا تعذبون. ١٥٦ - ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ يعني: لئلاَّ تقولوا، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (١)، وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا﴾ (٢) يعني: لئلا تضلُّوا، ولئلاَّ تقولوا. وقيل: معناه: أنزلناه؛ كراهة أن تقولوا (٣). وقال الكسائي: معناه: واتقوا أن تقولوا يا أهل مكَّة (٤). وقرأ ابن محيصن والأعمش -كلاهما- بالياء (٥)، والقراءة بالتاء؛ لقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ﴾. ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ يعني: اليهود والنصارى ﴿وَإِنْ كُنَّا﴾: وقد كنَّا ﴿عَنْ دِرَاسَتِهِمْ﴾: قراءتهم ﴿لَغَافِلِينَ﴾: لا نعلم ما هي. وإنَّما قال: ﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾ ولم يقل: دراستهما؛ لأن كل طائفة جماعة.

стр. 6278

كقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ (١)، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٢). ١٥٧ - ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ يعني: أصوب من اليهود والنصارى دينًا ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: حجَّة واضحة، بلغة (٣) تعرفونها. ﴿وَهُدًى﴾ وبيان (٤) وفرقان ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: ونعمة، لمن آتبعه، وعمل به ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ﴾: أعرض ﴿عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ﴾: شدة العذاب ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ يعرضون. ١٥٨ - (قوله ) (٥): ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ينتظرون ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: لقبض أرواحهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ بلا كيف؛ لفصل القضاء بين خلقه، في موقف القيامة. وقال الضحاك: يأتي أَمرُهُ، وقَضَاؤُهْ (٦) ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾

стр. 6279

يعني: طلوع الشمس من مغربها ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (١). وقرأ ابن عمر وابن الزبير ﵃: (يوم تأتي بعض آيات ربك) بالتاء (٢). قال المبرِّد: على المجاورة، لا على الأصل، كقولهم: ذَهَبَتْ بَعْضُ أَصَابِعهِ (٣). وقال جرير: لمَّا أتى خَبَرُ الزبيرِ تساقطتْ ... سورُ المدينة، والجبال الخشَّعُ (٤) فأنَّث فعل السور -وهو مذكَّر؛ لاتصاله بمؤنَّث. [١٣٥٨] أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق (٥)

стр. 6280

قراءةً عليه، في شهر ربيع الأول، سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا جدي أبو بكر (١) محمد بن إسحاق بن خزيمة (٢)، قال: ثنا محمد بن رافع (٣)، قال: ثنا أبو الحسن علي بن حفص المدائني (٤)، قال: ثنا ورقاء بن عمر (٥)، عن أبي الزناد (٦)، عن عبد الرحمن الأعرج (٧)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتّى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناسر آمنوا أجمعين، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ " (٨).

стр. 6281

[١٣٥٩] وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون (١) الثقة الأمين، قال: أخبرنا أبو حامد (أحمد بن محمد بن الحسن) (٢) بن الشرقي (٣)، قال: ثنا أحمد بن يوسف السلمي (٤)، قال: ثنا نُعَيْم بن حماد (٥)، قال: ثنا نوح بن أبي مريم (٦)، قال: حدثني مقاتل بن حيّان (٧) عن عكرمة (٨) عن ابن عباس ﵄: قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا غربت الشمس رُفِع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة، وتُحْبس تحت العرش، فتستأذِنَ من أين تؤمر بالطلوع: من مغربها أو من مطلعها؟ وتكسى ضوءها، وإن كان القمر فنوره على مقادير ساعات الليل والنهار، ثمَّ يُنْطَلقُ بها ما بين السماء السابعة -العليا وبين أسفل درجات الجنان، في سرعة طيران الملائكة، فتنحدر جبال المشرق من سماء إلى سماء، فإذا ما وصلت إلى هذِه السماء، فذلك حين ينفجر الصبح ويُضِيء النهار، فلا تزال الشمس والقمر كذلك، حتَّى يأتي الوقت الذي وقَّت الله

стр. 6282

لتوبة العباد، وتكثر المعاصي في الأرض، ويذهب المعروف، فلا يأمُرُ به أحد، ويفشو المنكر، فلا يَنْهَى عنه أحد، فإذا فعلوا ذلك حُبِست الشمس مقدار ليلة تحت العرش، كلما سجدت، وتستأذن (١) ربها من أين تطلع؟ لم يُحر إليها جواب، حتَّى يوافيها القمر فيسجد معها، وتستأذن من أين تطلع فلا يُحَار إليهما جواب، حتّى يحبسا مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتيْن للقمر، فلا يعرف طول تلك الليلة إلاَّ المتهجِّدون في الأرض، وهم يومئذٍ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين، في هوان (من الناس) (٢) وَذِلَّةٍ من أنفسهم، فينام أحدهم تلك الليلة قدْرَ ما كان ينام قبلها من الليالي، ثمَّ يقوم فيتوضّأ ويدخل مَصَلاَّه فيصلِّي وِرْدَه، فلا يُصُبِح نحو ما كان يصبح كلّ ليلة، فينكر ذلك، ويخرج، فينظر إلى السماء، فإذا هو بالليل مكانه والنجوم قد استدارت مع السماء، فصارت إلى أماكنها من أول الليل، فينكر ذلك، ويظن فيها الظنون، فيقول: أخففت قراءتي، أو قصرت صلاتي، أم قمت قبل حيني؟ قال: ثمَّ يقوم، فيعود إلى مصلاَّه، فيصلِّي نحو صلاته الليلة الثانية، ثمَّ ينظر، فلا يرى الصبح، فيخرج أيضًا، فإذا هو بالليل مكانه؛ فيزيده ذلك إنكارًا، ويخالطه الخوف، ويظن في ذلك الظنون من السوء، ثمَّ يقول: فلعلِّي قصَّرت صلاتي أم خفَّفت قراءتي أم قمت في أوَّل

стр. 6283

الليل. ثمَّ يعود وهو وَجِل مشفق خائف؛ لما يتوقّع من هول تلك الليلة، فيقوم فيصلّي -أيضًا- مثل ورده كلِّ ليلة قبل ذلك، ثمَّ ينظر، فلا يرى الصبح، فيخرج الثالثة، فينظر إلى السماء، فإذا هو بالنجوم قد استدارت مع السماء، فصارت في أماكنها عند أوَّل الليل، فيشفق عند ذلك شفقة المؤمن العارف لما كان يَحْذَرُ، يستخفه الخوف ويستخفه الندامة (١). ثمَّ ينادي بعضهم بعضًا، وهم كانوا قبل ذلك (٢) يتعارفون ويتواصلون، فيجتمع المتهجدون من أهل كل بلدة، في تلك الليلة، في مسجد من مساجدهم، ويجأرون إلى الله تعالى بالبكاء والصراخ بقيَّة تلك الليلة. فإذا ما تمَّ لهما مقدار ثلاث ليال، أرسل الله إليهما جبريل ﵇، فيقول: إنَّ الرب ﵎ يأمركما أن تَرْجِعَا إلى مغاربكما، فتطلعا منه، وأنَّه لا ضوء لكما عندنا ولا نور، فيبكيان عند ذلك؛ وَجَلاً من الله؛ وخوفَ يوم القيامة، بكاءً يسمعه أهل سبع سماوات (ومَن دونها) (٣) وأهل سُرادقات العرش وحملة العرش ومن فوقهما، فيبكون جميعًا؛ لبكائهما؛ من خوف الموت والقيامة، فيرجع الشمس والقمر، فيطلعان من مغربهما. قال: فبينما (٤) المتهجِّدون يبكون ويتضرَّعون إلى الله، والغافلون في غفلاتهم، إذ نادى منادٍ: ألا إن

стр. 6284

الشمس والقمر قد طلعا من المغرب، فينظر، الناس فإذا هم بهما أسودان لا ضوء للشمس ولا نور للقمر، مَثَلُهَمَا في كُسَوفِهِمَا قبل ذلك، فذلك قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ (١)، وقوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ (٢) فيرتفعان كذلك مثل البعيرين القرنيْن (٣) يُنازع كلّ واحد منهما صاحبه استباقًا، ويتصارخ أهل الدنيا، وتذهل الأُمّهات عن أولادها، والأحبّة عن ثمرات قلوبها، فتشتغل كلُّ نفس بما أتاها: فأمّا الصالحون والأبرار، فإنَّه ينفعهم بكاؤهم يومئذٍ، ويكتب (لهم ذلك) (٤) عبادة، وأمّا الفاسقون والفُجّار، فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب ذلك عليهم حسرة وندامة (٥)، فإذا ما (٦) بلغ الشمس والقمر سُرَّة السماء -وهي مَنصَفُهَا، جاءهما جبريل، فأخذ بقرونهما، فردّهما إلى المغرب، فلا يغربهما من مغاربهما، ولكن يغربهما من باب التوبة" فقال له عمر بن الخطاب ﵁: بأبي أنت وأُمّي، يا رسول الله، وما باب التوبة؟ فقال: "يا عمر، خلق الله بابًا للتوبة خلف المغرب، له مصراعان من ذهب مكلّلان بالدرّ والجوهر (٧)، ما بين المصراع إلى المصراع الآخر أربعون سنة

стр. 6285

للراكب المسرع، فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة، عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يتب عبدٌ من عباد الله توبةً نصوحاً منذ خلق الله آدم إلى ذلك اليوم، إلاّ ولجت تلك التوبة في ذلك الباب. ثم ترفع إلى الله ". فقال معاذ بن جبل: بأبي أنت وأُمي، وما التوبة النصوح؟ قال: "أن يندم المذنب على الذنب الذي أصاب، فيعتذر إلى الله، ثمَّ لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن إلى الشرع. قال: فيغربهما جبريل في ذلك الباب، ثمَّ يرد المصراعيْن، ثمَّ يلتئم ما بينهما، فيصير كأنَّه (١) لم يكن بينهما صَدْعٌ قط، فإذا أغلق باب التوبة، لم يُقبل لعبدٍ (٢) بعد ذلك توبةٌ، ولم تنفعه حسنة يعملها في الإسلام، إلاّ مَنْ كان قبل ذلك مُحسناً؛ فإنَّه يجرى عليه ما كان يجرى عليه قبل ذلك اليوم، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ". [الأنعام: ١٥٨] فقال أُبي بن كعب ﵁: بأبي أنت (٣) وأُمّي، يا رسول الله فكيف بالشمس والقمر يومئذٍ وبعد ذلك؟ وكيف بالناس والدنيا؟ فقال: "يا أُبيُّ، إنَّ الشمس والقمر (٤) يكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثمَّ يَطلُعان على الناس ويغربان، كما كانا قبل ذلك يطلعان ويغربان، وأما الناس: فإنهم رأوا ما

стр. 6286

رأوا من فظاعة تلك الآية وعظمها، فيلحون على الدنيا، حتَّى يجروا فيها الأنهار، ويغرسوا فيها الأشجار ويبنوا البنيان. وأمَّا الدنيا فلو نتج لرجل مُهْر لم يركبه حتَّى تقوم الساعة من لَدُن طلوع الشمس من مغربها إلى أن يُنفخ في الصور" (١). وقال حذيفة بن أسيد والبراء بن عازب ﵄: كنَّا نتذاكر الساعة، إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ فقال: "ما تذاكرون؟ " قلنا: نتذاكر الساعة. فقال: "إنها لا تقوم حتَّى تروا قبلها عشر أمارات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفاً بالمشرق، وخسفاً بالمغرب، وخسفاً بجزيرة العرب، والدجَّال، وبأجوج ومأجوج، وناراً تخرج من قعر عدن، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها" (٢). ويقال: إنَّ الآيات تتابع كالنظم في الخيط، عاماً فعاماً (٣) (٤).

стр. 6287

وقال (١) عبد العزيز بن يحيى الكِنَانِي: والحكمة في طلوع الشمس من مغربها أنَّ إبراهيم ﵇ قال لنمرود: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (٢) (٣). وأن الملحدة المنجّمة (٤) -عن آخرهم- ينكرون ذلك، ويقولون: هو غير كائن؛ فيطلعها الله يوماً من المغرب؛ لِيُري المنكرين قدرته، وأنَّ الشمس في ملكه: إن شاء أطلعها من المطلع، وإن شاء أطلعها (٥) من المغرب. وقال عبد الله بن عمر ﵄: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها، مائة وعشرين سنة، حتَّى يغرسوا النخل (٦). قال الله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ [الأنعام: ١٥٨]: بكم العذاب. ١٥٩ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالألف (٧) -أي: خرجوا من دينهم وتركوه. وهي قراءة عليِّ بن أبي طالب، ورواية معاذ، ﵄، عن النبيِّ ﷺ (٨).

стр. 6288

وقرأ الباقون: ﴿فَرَّقُوا﴾ مشدّداً بغير ألف، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأُبي بن كعب، ﵃ (١) -أي: جعلوا دين الله -وهو واحد: دين إبراهيم الحنيفية- أدياناً مختلفة؛ فتهوَّد قوم، وتنصَّر آخرون. يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: صاروا فرقاً مختلفة، وهم: اليهود والنصارى، في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك (٢). ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٣). روى (٤) ليث (٥) عن طاوس (٦) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ في هذِه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وليسوا منك، هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذِه الأُمَّة، لست منهم في شيء (٧).

стр. 6289

أي: برئ منهم رسول الله ﷺ . وقالوا: وهذِه اللفظة منسوخة بآية القتال (١).

стр. 6290

وقال زاذان -أبو عمر قال لي علي- ﵁: يا أبا عمر، أتدري عَلَى كم افترقت اليهود؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: افترقت على إحدى وسبعين فرقة، كلُّها في الهاوية إلاَّ واحدة، هي الناجية. أتدري على كم افترقت النصارى؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، كلُّها في الهاوية إلاَّ واحدة هي الناجية. أتدري على كم تفترق هذِه الأُمَّة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في الهاوية إلاَّ واحدة هي الناجية. ثمَّ قال علي (١): أتدري على كم تفترق في؟ قلت: وإنَّه ليُفترق فيك، يا أمير المؤمنين؟ ! قال: نعم. تَفترق فيَّ على (٢) ثنتي عشرة فرقة، كلُّها في الهاوية إلاَّ

стр. 6291

واحدة، هي الناجية، وأنت منهم، يا أبا عمر (١). قلت: هم (٢) فرق الروافض (٣) والخوارج (٤). ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. ١٦٠ - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ يعني: التوحيد: لا إله إلَّا الله (٥) ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.

стр. 6292

قرأ الحسن وسعيد بن جبير ويعقوب: (عشرٌ) منون (أمثالُها) رَفْعٌ، على معنى: فله حسنات عشر أمثالها (١). وقرأ الباقون بالإضافة على معنى: فله (٢) عشر حسنات أمثالها، وإنما لم يقل: عشرة، والمثل مذكر، فأنَّث العدد؛ لأنه مضاف إلى مؤنث، فردَّه إلى الحسنة والدرجة ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: الشرك (٣) ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وقيل: هذا عام في جميع الحسنات والسيِّئات (٤). روى المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: حدَّثني الصادق المصدوق: إنَّ الله تعالى قال: "الحسنة عشر أو أزيد، والسيئة واحدة أو أغفر. فالويل (٥) لمن غلبت آحادُهُ أعْشَارَه، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة، ثمَّ لا يشرك بي شيئاً، جعلت له مثلها

стр. 6293

مغفرة" (١). وقال ابن عمر وابن عباس ﵄: هذا للأعراب وأهل البدو. فأما لأهل القرى، فقال: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢): وأقلها سبعمائة ضعف (٣). وقال قتادة، في هذِه الآية: ذكر لنا أنَّ نبي الله ﷺ قال: "الأعمال ستةٌ: فموجبة وموجبة، ومضاعفة ومضاعفة، ومثل بمثل فأمَّا الموجبتان: فمن لقي الله لا يشرك به شيئاً، دخل الجنَّة، ومَنْ لقي الله يُشرك به شيئاً (٤) دخل النار. وأمَّا المضاعفتان: فنفقة الرجل على أهله، عشر أمثالها، ونفقة الرجل في سبيل الله بسبعمائة ضعف، وأمَّا مِثْلٌ بِمِثْل: فإنَّ العبد إذا همَّ بحسنة ثمَّ لم يعملها،

стр. 6294

كُتبت له واحدة، وإذا همَّ بسيئة ثمَّ عملها كُتبت سيئة" (١). وقال سفيان الثوري: لمَّا نزلت ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ قال النبيُّ ﷺ : "ربِّ زدني" فنزلت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ (٢) الآية (٣)، قال: "يا ربِّ زد أمتي" (٤)، فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٥) قال: "ربِّ زِدْ أمتي" (٦)، فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٧) (٨).

стр. 6295

١٦١ - قوله (١): ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد ﴿إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] قرأ أهل الكوفة والشام: ﴿قِيَمًا﴾ بكسر القاف وفتح الياء مخففاً (٢). وقرأ الباقون: (قَيِّماً) بفتح القاف وكسر الياء مشدداً (٣) وهما لغتان وتصديق (٤) التشديد قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٥) و ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٦) ومعناهما: القويم المستقيم. واختلف النُّحاة في وجه انتصابه: فقال الأخفش: معناه: هداني ديناً قيِّماً (٧). وقيل: عرفت ديناً قيِّماً (٨). وقيل: أَعْنِي ديناً قيِّماً (٩). وقيل: نصب على الإغراء -يعني: اتبعوا ديناً قيِّماً (١٠). وقال قطرب: نصب على الحال والقطع (١١).

стр. 6296

﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: بدل من الدين ﴿حَنِيفًا﴾: نصب على الحال (١) ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ١٦٢ - ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال أهل التفسير: يعني: ذبيحتي في الحج والعمرة (٢). وقيل: ديني (٣). ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ يعني: حياتي ووفاتي. قال يمان: ﴿وَمَحْيَايَ﴾: بالعمل الصالح ﴿وَمَمَاتِي﴾: إذا متُّ على الإيمان (٤). وقرأ أهل المدينة: (ومحيايْ) بسكون الياء (٥). وقرأت العامة بفتحها؛ لئلاَّ يجتمع ساكنان (٦). وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى: (ومحييّ) بتشديد الياء الثانية من غير ألف، وهي لغة عليا مضر، يقولون: قَفِيَّ وَعَصِيَّ (٧). وقرأ السلمي: (ونسْكي) بجزم السين، والباقون بضمَّتين (٨).

стр. 6297

﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ١٦٣ - ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال قتادة: أوَّل المسلمين من هذِه الأُمَّة (١). وقال الكلبي: أوَّل مَنْ أطاع الله من أهل زمانه (٢). وروى سعيد بن جبير عن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا فاطمة، قومي، فاشهدي أُضحيتك، فإنَّه يغفر لكِ بأول (٣) قطرة من دمها كل ذنب عملته، ثمَّ قولي: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾. قال عمران: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: "بل للمسلمين عامَّة" (٤). ١٦٤ - (قوله (٥) ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ يعني: أَسِوى الله أطلب سيَّداً؟ ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ

стр. 6298

نَفْسٍ﴾: إثماً ﴿إِلَّا عَلَيْهَا﴾: لا تؤخذ (١)، بما أتت كان المعصية، وارتكبت (٢) من الخطيئة، سواها ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ يعني: ولا تحمل نفس حاملة حملَ أخرى ما عليها من الذنوب، ولا تأثم نفس آثمة بإثم أُخرى، بل كل نفس مأخوذ بجرمها (٣) ومعاقب بإثمها (٤). ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ١٦٥ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ يعني: أهلك القرون الماضية والأُمم الخالية، وأورثكم الأرض من بعدهم، فجعلكم خلائف منهم، فيها، تخلفونهم فيها، وتعمرونها بعدهم. والخلائف: جمع خليفة، كما الوصائف جمع وصيفة، وكل مَنْ جاء بعد مَنْ مضى فهو خليفته (٥)، يقال: خلف فلان فلاناً في داره، يخلفه خلافةً، فهو خليفة (٦)، كما قال الشماخ:

стр. 6299

تصيبهم وتخطئني المنايا ... وأخلف في رُبُوْعٍ عن رُبُوع (١) ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ يعني: وخالف بين أحوالِكُمْ، فجعل بعضكم فوق بعض؛ في الخلق والرزق والقوّة والبسطة والعلم والفضل والمعاش والمعاد ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾: ليختبركم (٢) ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾: (فيما رزقكم) (٣) يعني: الغني والفقير، والشريف والوضيع، والحر والعبد. ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾: لأن ما هو آت قريب. وقيل: الهلاك في الدنيا (٤). وقال الكلبي: إذا عاقب، فعقابه سريع (٥). وقال عطاء: ﴿سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾: لأعدائه ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لأوليائه (٦).

стр. 6300

٧ - سُورَة الأَعَرْافِ

стр. 6301

سورة الأعراف مكية (١) وهي مئتان وست آيات (٢)، (وفي رواية خمس) (٣)، وأربعة عشر ألفا وثلاث مئة وعشرة أحرف، وثلاثة (٤) آلاف وثلاث مئة وخمس وعشرون كلمة. (٥) [١٣٦٠] أخبرنا محمَّد بن القاسم الفارسي (٦)، قال: حدثنا أبو محمَّد عبد الله بن أحمد الشيباني (٧)، قال: حدثنا أبو عمرو

стр. 6302

الحَرَشي (١)، حدثنا أبو أحمد محمَّد بن عبد الوهاب (٢)، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس (٣) قال: ثنا سلاّم بن سليم المدائني (٤) قال: ثنا هارون بن كثير (٥) عن زيد بن أسلم (٦)، عن أبيه (٧)، عن أبي أُمامة (٨)، عن أُبي بن كعب ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "من قرأ سورة الأعراف، جعل الله بينه وبين إبليس ستراً وكان آدم شفيعاً له يوم القيامة" (٩)

стр. 6303

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) ١ - قوله تعالى: ﴿المص﴾ قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿المص﴾ (٢) قَسَمٌ (٣) أقسم الله به (٤).

стр. 6304

وقال عطاء بن أبي رباح: هو ثناء أثنى الله به على نفسه (١). وقال أبو صالح عن ابن عباس ﵄: اسم من أسماء الله تعالى (٢). وقال أبو الضحى عن ابن عباس ﵄: أنا الله أُفَضِّل) (٣). وقال السُدِّي: هو (٤) هجاء المصوّر (٥). وقال (٦) قتادة: اسم من أسماء القرآن (٧). وقيل: اسم للسورة (٨) (ومفتاح لها قاله الحسن) (٩).

стр. 6305

وقال مجاهد: فواتح افتتح الله تعالى (١) بها (٢) كتابه (٣). وقال الشعبي: فواتح (افتتح الله بها) (٤)، وهي أسماء من أسماء الله تعالى، إذا وصلتها كانت اسماً. (٥) وقال أبو روق: أنا الله العالم (٦) الصادق (٧). وقال سعيد بن جبير: أنا الله أصدق. (٨) وقال محمَّد بن كعب: الألف افتتاح اسمه أحد، أول، آخر، واللام افتتاح اسمه لطيف، والميم افتتاح اسمه مجيد، وملك، والصاد (٩) افتتاح اسمه صمد، وصادق الوعد، وصانع المصنوعات (١٠)، ورأيت في بعض التفاسير معنى ﴿المص﴾: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (١١).
следующие страницы →