← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

سورة الأعراف مكية (١) وهي مئتان وست آيات (٢)، (وفي رواية خمس) (٣)، وأربعة عشر ألفا وثلاث مئة وعشرة أحرف، وثلاثة (٤) آلاف وثلاث مئة وخمس وعشرون كلمة. (٥) [١٣٦٠] أخبرنا محمَّد بن القاسم الفارسي (٦)، قال: حدثنا أبو محمَّد عبد الله بن أحمد الشيباني (٧)، قال: حدثنا أبو عمرو

стр. 6302

الحَرَشي (١)، حدثنا أبو أحمد محمَّد بن عبد الوهاب (٢)، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس (٣) قال: ثنا سلاّم بن سليم المدائني (٤) قال: ثنا هارون بن كثير (٥) عن زيد بن أسلم (٦)، عن أبيه (٧)، عن أبي أُمامة (٨)، عن أُبي بن كعب ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "من قرأ سورة الأعراف، جعل الله بينه وبين إبليس ستراً وكان آدم شفيعاً له يوم القيامة" (٩)

стр. 6303

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) ١ - قوله تعالى: ﴿المص﴾ قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿المص﴾ (٢) قَسَمٌ (٣) أقسم الله به (٤).

стр. 6304

وقال عطاء بن أبي رباح: هو ثناء أثنى الله به على نفسه (١). وقال أبو صالح عن ابن عباس ﵄: اسم من أسماء الله تعالى (٢). وقال أبو الضحى عن ابن عباس ﵄: أنا الله أُفَضِّل) (٣). وقال السُدِّي: هو (٤) هجاء المصوّر (٥). وقال (٦) قتادة: اسم من أسماء القرآن (٧). وقيل: اسم للسورة (٨) (ومفتاح لها قاله الحسن) (٩).

стр. 6305

وقال مجاهد: فواتح افتتح الله تعالى (١) بها (٢) كتابه (٣). وقال الشعبي: فواتح (افتتح الله بها) (٤)، وهي أسماء من أسماء الله تعالى، إذا وصلتها كانت اسماً. (٥) وقال أبو روق: أنا الله العالم (٦) الصادق (٧). وقال سعيد بن جبير: أنا الله أصدق. (٨) وقال محمَّد بن كعب: الألف افتتاح اسمه أحد، أول، آخر، واللام افتتاح اسمه لطيف، والميم افتتاح اسمه مجيد، وملك، والصاد (٩) افتتاح اسمه صمد، وصادق الوعد، وصانع المصنوعات (١٠)، ورأيت في بعض التفاسير معنى ﴿المص﴾: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (١١).

стр. 6306

(وقيل: هي حروف هجاء مقطّعة (١)، وقيل: هي حساب الجُمّل (٢) (٣)، وقيل: هي حروف اسم الله تعالى الأعظم (٤)، وقيل: هي حروف تحوي معاني كثيرة، ودل الله بها خلقه على مراده من كل ذلك (٥)، وموضعه رفع بالابتداء ٢ - و ﴿كِتَابٌ﴾ خبره، كأنّه قال: ﴿المص﴾ حروف كتاب ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وقيل: كتاب خبر ابتداء مضمر. أي: هذا الكتاب. وقيل رفع على

стр. 6307

التقديم والتأخير (١)، يعني أُنزل كتاب إليك وهو القرآن ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ قال أبو العالية: ضيق (٢). وقال مجاهد: شك (٣) . وقال الضحاك: إثم (٤)، قال مقاتل: فلا يكن في قلبك شك في القرآن أنَّه من الله (٥)، وقيل: معناه لا يضيق قلبك بإنذار من أرسلناك بإنذاره، وإبلاغ من أمرتك بإبلاغه إياه (٦) ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عظة لهم، وموضعه رفع مردود على الكتاب، وقيل: نصب على المصدر تقديره ويذكره ذكرى. ٣ - قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: وقيل لهم: اتبعوا ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ قراءة العامّة بالعين من الإتباع. وروى عاصم الجحدري عن أبي التياح ومالك بن دينار (ولا

стр. 6308

تبتغوا) بالغين المعجمة (١). أي: لا تطلبوا ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. ٤ - قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ بالعذاب، موضع (كم) رفع بالابتداء، وخبره في أهكلنا، وإن شئت نصبته برجوع الهاء. ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ عذابنا ﴿بَيَاتًا﴾ ليلاً كبيات العساكر، ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ يعني: نهاراً في وقت القائلة، وقائلون نائمون في ظهيرة (٢)، ومعنى الآية: أو وهم قائلون يعني: إن من هذِه القرى ما أُهلكت ليلا ومنها ما أُهلكت نهاراً، وإنّما حذفوها لاستثقالهم نسقاً على نسق (٣). هذا قول الفراء، وجعل الزجاج معنى (أو) التخيير والإباحة، تقديره: جاءهم بأسنا مرّة ليلاً، ومرّة نهاراً (٤). ٥ - قوله : ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ أي: قولُهم ودعاؤهم، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ (٥) قال الشاعر (٦):

стр. 6309

وإِنْ مَذِلَتْ (١) رِجْلِي دعوتُكِ أشْتَفي ... بِدَعْواكِ من مَذْلٍ (٢) بها فَيهُونُ (٣) ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ عذابنا ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ مسيئين آثمين، ولأمره مخالفين. أقرّوا على أنفسهم. روى ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ما هلك قوم حتّى يعذروا من أنفسهم" قال: قلت: كيف يكون ذلك؟ فقرأ هذِه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ (٤). ٦ - قوله : ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ يعني: الأُمم عن إجابتهم الرسل ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عن تبليغ الأُمم ٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ﴾ نخبرن ﴿عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ قال ابن عباس ﵄: ينطق لهم

стр. 6310

كتاب أعمالهم بالحق (١)، كقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (٢) (٣). ﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ عن الرسل فيما بلغوا والأُمم فيما أجابوا. ٨ - قوله : ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم السؤال، ﴿الْحَقُّ﴾ قال مجاهد معناه: والقضاء يومئذ العدل (٤)، وقال آخرون (٥): أراد به وزن الأعمال وذلك أن الله تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفّتان (٦) يوم القيامة، فيوزن به أعمال العباد خيرها وشرها، فيثقل الله به مرّة ميزان الحسنات علامة لنجاة مَنْ يريد نجاته، ويخفّف مرّة ميزان الحسنات علامة لهلاك مَنْ يُريد هلاكه. فإن قيل: ما الحكمة في وزن أعمال العباد والله هو العالم بمقدار كلّ شيء قبل خلقه إياه وبعده؟ قلنا: أربعة أشياء: أحدها: امتحان الله تعالى عباده بالإيمان به في الدنيا، الثاني: جعل ذلك علامة لأهل السعادة والشقاوة في العقبى، والثالث: تعريف الله تعالى العباد ما

стр. 6311

لهم عند الله من جزاء على خير وشر، والرابع: إقامة الحجّة عليهم (١)، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) فأخبر بإثبات الأعمال ونسخها مع علمه بها لما ذكرنا من المعاني، والله أعلم. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ قال مجاهد: حسناته (٣) ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ٩ - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ يجحدون، قال حذيفة ﵁: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل ﵇، يقول الله تعالى: "يا جبرائيل زن بينهم، فَرُدَّ من بعض على بعض". قال: وليس (٤) ثمّ ذهب ولا فضّة، فإن كان للظالم حسنات، أخذ من حسناته فترد على المظلوم، وإن لم يكن له حسنات حُمِل عليه من سيئات صاحبه، فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال (٥). وقال ابن عباس ﵄: يوزن الحسنات والسيئات في

стр. 6312

ميزان له لسان وكِفّتان، فأمَّا المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفّة الميزان وهو الحق فيثقل حسناته على سيئاته فيوضع عمله في الجنّة فيعرفها بعمله فذلك قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون ولهم أعرف بمنازلهم إذا انصرفوا إليها من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم، وأمَّا الكفّار فيؤتى بأعمالهم في أقبح صورة فتوضع في كفّة الميزان وهو الباطل فيخفّ وزنه حتّى يقع في النار، ثمّ يقال للكافر: الحق بعملك (١). فإن قيل: فكيف يصح وزن الأعمال وهي أعراض وليست بأجسام؟ فيجوز وزنها ووصفها بالثقل والخفة، قلنا: الوزن راجع إلى الصحف التي فيها أعمال العباد مكتوبة، يدلّ عليه حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: يُؤتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان ثمّ يخرج له تسعة وتسعون سجلا كلّ سجل منها مدّ البصر فيها خطاياه وذنوبه فيوضع في الكفّة ثمّ يُخرج له كتاب مثل الأنملة فيها شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله ﷺ فيوضع في الكفّة الأُخرى فَتَرْجَح بخطاياه وذنوبه. (٢) ونظير هذِه الآية قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ (٣) إلى آخر الآية.

стр. 6313

فإنّ قيل: لِم جمعه وهو ميزان واحد؟ قيل: يجوز أن يكون لفظه جمع ومعناه واحداً، كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (١) و ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (٢) وقال الأعشى: ووجه نقي اللون صاف يزيّنه ... مع الجيد لَبَّات (٣) لها ومعاصم (٤) أراد لبّة ومعصماً. وقيل: أراد به الأعمال الموزونة (٥). وقيل: الأصل ميزان عظيم ولكل عبد فيه ميزان معلّق به (٦). وقيل: جمعه لأنَّ الميزان ما اشتمل على الكفتين والشاهين واللسان ولا يحصل الوزن إلاَّ باجتماعها (٧). وقيل: الميزان ثلاثة: ميزان يفرق به بين الحق والباطل وهو العقل، (وميزان يفرّق به بين

стр. 6314

الحلال والحرام وهو العلم) (١)، وميزان يفرّق به بين السعادة والشقاوة وهو المشيئة والإرادة وبالله التوفيق (٢). ١٠ - قوله : ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ﴾ ملّكناكم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ووطّأنا لكم وجعلنّاها لكم قراراً ومهاداً ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ تعيشون بها أيام حياتكم من المأكل والمشارب، والمعايش جمع المعيشة، الياء من الأصل فلذلك لا تهمز ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ فيما صنعت إليكم. ١١ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ (قال ابن عباس ﵄) (٣): يعني خلقنا أصلكم وأباكم آدم (٤)، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في أرحام أُمهاتكم. وقال قتادة، والربيع، والضّحاك، والسدي: أمَّا خلقناكم فآدم وأمَّا صوّرناكم فذرّيّته (٥). قال مجاهد: خلقنا آدم ثمّ صوّرناكم في ظهر آدم. (٦) وقال عكرمة: خلقناكم في أصلاب الرجال وصورناكم في أرحام النساء. (٧)

стр. 6315

قال عطاء: خلقوا في ظهر آدم ثمّ صوروا (١) في الأرحام. (٢). وقال يمان: خلق الإنسان في الرحم ثمّ صوّره فشق سمعه وبصره وأصابعه. (٣) فإن قيل: ما وجه قوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وإنّما خُلقنا بعد (٤) ذلك، و (ثُمَّ) يوجب الترتيب والتراخي، كقول القائل: قمت ثمّ قعدت ولا يكون القعود إلاَّ بعد القيام. قلنا: قال قوم: هو على التقديم والتأخير (٥). وقال يونس: الخلق والتصوير راجعان إلى آدم ﵇-كما تقول: قد ضربناكم وإنّما ضربت سيّدهم (٦)، وقال الأخفش: (ثمّ) بمعنى الواو مجاز (٧). وقلنا: كقول الشاعر (٨):

стр. 6316

سألت ربيعةَ من خيرها ... أباً ثم أُمًّا فقالت لِمَه (١) أراد أباً وأُمًّا. قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا﴾ يعني: الملائكة ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ لآدم. ١٢ - فـ ﴿قَالَ﴾ الله لإبليس حين امتنع من السجود لآدم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ قال بعضهم (٢): (لا) زائدة و (أن) صلة (٣)، تقدير الكلام: ما منعك السجود لآدم؛ لأنَّ المنع يتعدى إلى مفعولين قال الله : ﴿حَرَامٌ﴾ ﴿أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٤) قال الشاعر (٥): ويلحينَني في اللهو أن لا أُحِبَّهُ ... وللهو داع دائب غير غافل (٦)

стр. 6317

(أراد: أن أُحبّه) (١). وقال آخر (٢): أبى جوده لا البخل فاستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع (الجوع قاتله) (٣) أراد: أبى جوده البخل. [١٣٦١] سمعت أبا القاسم الحبيبي (٤) يقول: سمعت أبا الهيثم (٥) السجزي (٦) يحكي عن أحمد بن يحيى بن ثعلب (٧)، قال: كان بعضهم يكره إلغاء (لا)، ويتأول في المنع القول؛ لأنَّ القول والفعل مانعان، وتقديره: من قال لك ألا تسجد (٨).

стр. 6318

قال بعضهم (١): معنى المنع: الحول بين المرء وما يريده فالممنوع مضطر إلى خلاف ما منع منه فكأنّه قال: أي: شيء اضطرّك (إلى أن لا تسجد؟ ) (٢) ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ به ﴿قَالَ﴾ إبليس مجيباً لله تعالى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ لأنّك ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ والنار خير وأفضل وأصفى وأنور من الطين. قال ابن عباس ﵄: أوّل مَنْ قاس إبليس، فأخطأ القياس فمَنْ قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله تعالى مع إبليس. (٣) (وقال ابن سيرين: أوّل مَنْ قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلاَّ بالمقاييس) (٤) وقالت العلماء (٥): أخطأ عدو الله حيث فضَّل النار على الطين، لأنَّ الطين أفضل من النار من وجوه: أحدها: أنَّ من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والأناة (٦) والحُلم والحياء والصبر، وذلك

стр. 6319

هو الداعي لآدم ﵇ بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرّع فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية والتوبة، ومن جوهر النار الخفّة والطيش والحدّة والارتفاع والاضطراب، وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء. والثاني: أنَّ الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفريقها. والثالث: أن الخبر ناطق بأن تراب الجنّة مسك أذفر ولم ينطق الخبر بأن في الجنة ناراً وفي النار تراباً. والرابع: أن النار سبب العذاب، وهي عذاب الله لأعدائه وليس التراب سبباً للعذاب. والخامس: أنَّ الطين مستغن عن النار، والنار (محتاج إليه، وهي) (١)، محتاجة إلى المكان ومكانها التراب. (٢)

стр. 6320

١٣ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أي: من الجنّة، وقيل: من السماء إلى الأرض، فألحقه بجزائر البحور، وإنَّما سلطانه وعظمته في جزائر البحور، وعرشه في البحر الأخضر، فلا يدخل الأرض إلاَّ كهيأة السارق، عليه أطمار يروغ فيها حتى يخرج منها ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾ فليس لك ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ في الجنَّة، وليس ينبغي أن يسكن الجنَّة ولا السماء متكبر مخالف أمر الله تعالى: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ الأذلاء، والصغار: الذل والمهانة. ١٤ - ﴿قَالَ﴾ إبليس عند ذلك: ﴿أَنْظِرْنِي﴾ أي: أجلني (١) وأخرّني وأمهلني ولا تمتني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ من قبورهم، وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، أراد الخبيث ألا يذوق الموت. ١٥ - ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ المؤخّرين، ثمّ بيّن مدّة النظرة والمهلة في موضع آخر، فقال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (٢) وهو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلّهم. ١٦ - ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، اختلفوا في (ما) فقال (٣): بعضهم هو استفهام، يعني فبأي: شيء أغويتني؟ ثمّ ابتدأ فقال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾. وقيل: هو (ما) الجزاء يعني

стр. 6321

فبأنك أغويتني، ولأجل أنك أغويتني، ثمَّ ابتدأ فقال: لأقعدن. وقيل (١): هو (ما) المصدر في موضع القسم تقديره: فبإغوائك إياي لأقعدن كقوله: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢) يعني بغفران ربّي. وقوله (٣) ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ أي: أضللتني عن الهدى. وقيل: أهلكتني، من قول العرب: غَوِيَ الفصيل يَغوى غَوى، وذلك إذا فقد اللبن فمات (٤). قال الشاعر (٥) (يصف قوسا) (٦): مُعَطَّفَةُ الأنثاءِ ليسَ فصيلها ... بِرَزِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى (٧) حكي عن بعض قبائل العرب (٨) أنها تقول: أصبح فلان غاوياً أي: مريضاً (٩).

стр. 6322

وقال محمَّد بن جرير: أصل الإغواء في كلام العرب تَزْيينُ الرجلُ الشيءَ حتَّى يُحسِّنَه عنده غاراً له به (١). [١٣٦٢] أخبرنا أبو بكر محمَّد بن محمَّد بن الحسن بن هانئ (٢) قال: حدثنا أبو عبد الله محمَّد بن محمَّد الراوساني (٣) قال: حدثنا عليّ بن سلمة (٤) قال: حدثنا أبو معاوية الضرير (٥) ثنا رجل لم يسمه (٦)، قال: كنت مع طاووس (٧) في المسجد الحرام فجاء رجل (٨) ممَّن يُرمى بالقدر من كبار الفقهاء فجلس إليه فقال طاووس: تقوم أو تُقام (٩) فقام الرجل، فقلت لطاووس: تقول هذا لرجل فقيه، فقال إبليس أفقه منه، يقول إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ويقول: هذا أنا أُغوي نفسي. (١٠)

стр. 6323

وقوله : ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يعني لأجلسنّ لبني آدم على طريقك القويم وهو الإِسلام، كما قال الله تعالى: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ (١) (يعني عن أمر ربّكم) (٢). ورُوِيَ عن سَبْرَة بن أبي الفاكِه أنَّه سمع النبيّ ﷺ يقول: "إن الشيطان قعد لابن آدم بأَطْرُقِهِ، (فقعد له) (٣) بطريق الإِسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين (٤) آبائك؟ فعصاه فأسلم، ثمّ قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك، وإنَّما مثل المهاجر (كمثل الفرس) (٥) في الطِّوَلِ (٦)، فعصاه وهاجر، ثمَّ قعد له بطريق الجهاد، وهو جَهْدُ النفس والمال، فقال: أتقاتل فتُقْتَل فَتُنْكَح المرأَةُ ويُقَسَّمُ المال فعصاه فجاهد" (٧).

стр. 6324

وعن عون بن عبد الله ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: طريق مكّة. (١) ١٧ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: ثمَّ لآتينَّهم من بين أيديهم يعني: أشككهم في أمر آخرتهم ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أرغبهم في دنياهم ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ أشبه عليهم أمر دينهم ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ أُشهّي لهم المعاصي (٢). وروى عطيّة عن ابن عباس ﵄ قال: أمَّا مِن بين أيديهم فمن قِبل دنياهم، وأمَّا مِن خلفهم فأمر آخرتهم، وأمَّا عن أيمانهم فمِن قِبَلِ حسناتهم، وأما عن شمائلهم فَمِن قِبَلِ سيئاتهم. (٣) وقال قتادة: أتاهم مِنْ بين أيديهم فأخبرهم أنَّه لا بعث ولا جنّة ولا نار، ومِنْ خلفهم مِنْ أمر الدنيا فزيّنها لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم مِنْ قِبَلِ حسناتهم بَطَّأهم عنها، وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها، وأمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه غير أنَّه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله. (٤) وقال الحكم والسدّي ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: يعني الدنيا أدعوهم

стр. 6325

إليها وأُرغبهم فيها وأُزينها لهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ مِنْ قِبَل الآخرة أُشككهم فيها وأثبطهم عنها، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ مِنْ قبل الحق (أصدهم عنه) (١) وأشككهم فيه، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ مِنْ قِبل الباطل أُخففه عليهم وأُزينه لهم وأُرغبهم فيه. (٢) وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم من حيث لا يبصرون. (٣) وقال ابن جريج: معنى قوله: حيث يبصرون أي: يخطئون حيث يعلمون أنّهم يخطئون، وحيث لا يبصرون لا يعلمون أنهم يخطئون (٤). وقال الكلبي: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ من قِبل آخرتهم أخبرهم أنَّه لا جنَّة ولا نار ولا نشور، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من قِبل دنياهم فآمرهم بجمع الأموال ثمَّ لايعطون لها حقًّا، وأُخوفهم الضيعة على ذرّيتهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من قِبل دينهم فأُزيّن لكلّ قوم ما كانوا يعبدون، وإن كانوا على هدى شبّهته عليهم حتّى أخرجهم منه، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ من قِبل الشهوات واللذات فأُزيّنها لهم (٥). وقال شقيق بن إبراهيم: ما من صباح إلاَّ قعد لي الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي،

стр. 6326

أما من بين يدي فيقول: لا تحزن فإنَّ الله غفور رحيم، فأقول: ذلك ﴿لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١) وأمَّا من خلفي فيخوّفني الضيعة على مُخَلَّفِيَّ، فأقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٢) وأما من قِبَل يميني فيأتيني من قبل الثناء، فأقول: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣) وأمَّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات واللّذات، فأقول: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (٤) (٥) ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ يعني (٦) موحدين. ١٨ - ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لإبليس ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ أي: معيبُا، والذيّمُ والذأم أشد العتب، وهو أبلغ من الذم، يقال: ذمّه يذمّه ذمًّا (فهو مذموم) (٧)، وذَأَمَه يَذْأَمُهُ ذأْماً فهو مَذْؤُومٌ، وذامَهُ يَذيمه، مثل: سَار يَسِير، فهو مَذيم. (٨) ﴿مَدْحُورًا﴾ (٩) المدحور المقصي يقال: دَحَره يدحَرُه دَحْراً إذا أبعده

стр. 6327

وطرده. وقال ابن عباس ﵄: مذؤوماً ممقوتا (١)، وروى عطيّة عنه مذؤوماً مدحورا: يعني صغيرا مقيتا. (٢) وقال قتادة: لعينا منفيا. (٣) وقال السدي: مقيتا مطرودا. (٤) وقال الربيع: منفيا مصغرا. (٥) وقال مجاهد: مذؤوماً صاغرا. (٦) وقال أبو روق: مذؤوماً ممقوتا. (٧) وقال أبو العالية: مذؤوماً مُزْرى به. (٨) وقال الكلبي: مذؤوماً ملوماً مدحوراً مُقْصى من الجنّة ومن كل خير. (٩) وقال عطاء: مذؤوماً يعني (١٠) ملعوناً. (١١) وقال الكِسَائي: المذؤوم المقبوح. (١٢) وقال النَّضْر بن شُمَيل: المذؤوم المحسور. (١٣)

стр. 6328

وقال أبان بن تغلب والمبرِّد: المذؤوم المعيب. قال امرؤ القيس: وبدا له وجه يرد ... الليل منجابا ظلامه شهدت محاسنه (١) التي ... كانت تصون وعاب (٢) ذأمه (٣) قال الأعشى: وَقَد قالَت قُتَيلَةُ إِذ رَأَتني ... وَقَد لا تَعدَمُ الحَسناءُ ذاما (٤) وقال أُميّة بن أبي الصلت: وقال لإبليسَ ربُّ العباد ... أخرج دحيرا لعينا مذؤوماً (٥) ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ من بني آدم ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ﴾ منك ومن ذريتك ومن كفار ذرية آدم ﴿أَجْمَعِينَ﴾.

стр. 6329

١٩ - قوله تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾ يعني: إليهما، ومعناه فحدث إليهما ﴿الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ يعني ليظهر لهما ما غُطي وستر عنهما من سوءاتهما، قال وهب: كان عليهما نور لا يُرى عورتهما (١). ثُمَّ (٢) بين الوسوسة فقال: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا﴾ يا آدم وحواء ﴿عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا﴾ يعني لئلا تكونا وكراهيّة أن تكونا ﴿مَلَكَيْنِ﴾ من الملائكة تعلَمان الخير والشر. قرأ ابن عباس ﵄ والضحاك ويحيى بن أبي كثير: (مَلِكَيْنِ)، بكسر اللام من المُلْكِ (٣)، أخذوها من قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ (٤) ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ من الباقين الذين لا يموتون.

стр. 6330

٢١ - ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي: أقسم وحلف لهما، وهذا من المفاعلة التي يختصّ بالواحد مثل المعافاة (١) والمعاقبة والمناولة. قال خالد بن زهير: وقاسمَها بالله جهدا لأَنْتُمُ ... ألذُّ من السَّلوى إذا ما نَشُورُهَا (٢) قال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله (﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾) (٣) فقال: إني خُلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما، وكان بعض أهل العلم (٤) يقول: من خادَعنا بالله خُدِعْنا (٥)، وقال رسول الله ﷺ : "المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خَبٌّ لئيم" (٦)

стр. 6331

[١٣٦٣] وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي (١) في معناه قال: أنشدنا أبو الحسين المظفّر بن محمَّد بن غالب الهَمْداني (٢) قال: أنشدنا نِفْطَويه (٣): إن الكريم إذا تشاء خَدَعْتَه ... وترى اللئيم مجرباً لا يُخْدَعُ (٤) ٢٢ - ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ يعني فخدعهما بغرور، يقال: ما زال فلان يُدْلِي فلاناً بغرور، أي ما زال يخدعه ويكلّمه بزخرف من القول وباطل (٥)، قال مقاتل: فزين

стр. 6332

لهما الباطل (١)، وقال الحسين بن الفضل: يعني فعلقهما بغرور (٢). يقال: تدلى (٣) بنفسه ودلى غيره، ولا يكون التدلّي إلاَّ (٤) من علو إلى سفل، وقيل أصله دللهما فأبدل من إحدى اللامات ياء، كقوله: يتمطّى ودسّاها، وتصدية، وقال أبو عبيدة: دلاّهما خذلهما وخلاهما، من تدلية الدلو إذا أرسلتها في البئر (٥)، ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ أكلا منها ووصل إلى بطونهما ﴿بَدَتْ﴾ ظهرت ﴿لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ عوراتهما، وتهافَتَ عنهما لباسهما (حتّى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه وكانا لا يريان ذلك.) (٦). قال قتادة: (كان لباس آدم وحوّاء ﵉ (٧) في الجنّة ظُفُراً (٨) كله، فلما واقعا الذنب كشط عنهما وبدت سوءاتهما فأستحييا (٩).

стр. 6333

﴿وَطَفِقَا﴾ (١) أقبلا وجعلا ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يُرقِّعان ويشلَّان ويلزقان ويصلان ﴿عَلَيْهِمَا مَنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ وهو ورق التين حتّى صار كهيأة الثوب، ومنه خَصْفُ النعل. وروى أُبي بن كعب ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: "كان آدم رجلا طِوَالا كأنّه نخلةً سحوقا (٢) كثير شعر (٣) الرأس، فلمّا وقع بالخطيئة بدت له سوأته، وكان لا يراها، فانطلق هاربًا في الجنّة، فعرضت له شجرة من شجر الجنّة فَحَبَسَتْهُ بشعره، فقال لها: أرسليني، قالت: لست بمرسلتك، فناداه ربّه: يا آدم أمنّي تفر؟ قال: لا يا رب، ولكنّي أستحييتك" (٤).

стр. 6334

وقال ابن عباس ﵄ وقتادة معناه (١): قال الله تعالى لآدم: أمني تفر؟ ألم يكن لك فيما أبحتك ومنحتك من الجنّة مندوحة عن الشجرة؛ قال: بلى وعزتك، ولكن ما ظننت أن أحدًا من خلقك يحلف بك (٢) كاذبًا، قال: فبعزتي لأُهبطنّك إلى الأرض، ثمّ لا تنال العيش إلّا كدًا، فأُهبِط من الجنّة، وكانا يأكلان منها رغدًا إلى غير رغد من طعام وشراب، فعُلّم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع، ثمّ سقى حتّى إذا بَلَغَ حَصَدَ (٣)، ثم داسه (٤) ثم ذرّاه ثمّ طحنه ثمّ عجنه ثمّ خبزه ثمّ أكله فلم يبلغه حتّى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ. (٥) ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. قال محمد بن قيس: ناداه ربّه يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتك؟ قال: يارب أطعمتني حواء. قال: يا حواء لم أطعمتيه؟ قالت: أَمَرتني الحيّة. قال للحيّة: لِمَ أمرتها (٦)؟ قالت: أمرني إبليس. فقال الله تعالى: يا حوّاء أمّا أنت فكما أدميت الشجرة تدمين كل شهر، وأمّا

стр. 6335

أنتِ ياحيّة فاقطع قوائمك فتمشين حَرى على وجهك سيشدخ رأسك من لقيك، وأمّا أنتَ يا إبليس فملعون مدحور. (١) ٢٣ - ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ أي: ضررناها بالمعصية ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ من (٢) الهالكين. ٢٤ - ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٥ - (٢٤) قَالَ فِيهَا﴾ (يعني: في الأرض) (٣) ﴿تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾. ٢٦ - قوله : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ أي: خلقنا لكم، وقيل: أنزلنا أسبابه وآلاته لأنه المُنْبِتُ بما ينزل، وقيل: أنزلنا عليكم: ألهمناكم كيفية صنعته، وذلك أن قريشًا كانوا يطوفون بالبيت عراة. (٤) وقوله: ﴿لِبَاسًا﴾ وهو ما يُلبس من الثياب ﴿يُوَارِي﴾ ليستر ﴿سَوْآتِكُمْ﴾ عوراتكم) (٥)، واحدتها سَوْأَة، وهي فَعْلَة من السُّوء سمّيت سَوْأَة لأنّها تَسُوء صاحبها انكشافها من جسده

стр. 6336

﴿وَرِيشًا﴾ يعني مالا، في قول ابن عباس ﵄ ومجاهد، والضحاك، والسدي (١)، يقال تريش الرجل إذا تَمَوَّل (٢). وقال ابن زيد: الريش: الجَمَال (٣). وقيل: هو اللباس (٤). حكى أبو عمرو أنّ العرب تقول: أعطاني فلان رِيْشَهُ أي: كِسوته وجهازه (٥). وقرأ عثمان بن عفان ﵁، والحسن، وأبو عبد الرحمن، وأبو رجاء، وقتادة: (ورياشًا) بالألف (٦)، وهو جمع ريش مثل: ذئب وذئاب، وبئر وبئار، وقَدح وقِداح (٧). وقال قطرب: الريش والرياش واحد (٨)، كقولك دِبْغ ودباغ، ولبْس ولِبَاس، وحِلٌّ وحَلَال، وَحِرْمٌ وحَرَام، ويجوز أن تكون مصدرًا من قول القائل: راشه الله يريشه رياشًا، والرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من المتاع

стр. 6337

والثياب والفَرْش وغيره (١). وقال ابن عباس ﵄: الرياش اللباس والعيش والنعيم (٢). وقال الأخفش: الرياش الخِصْب والمعاش (٣). ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قرأ أهل المدينة، والشام، والكِسائي لباسَ، بالنصب عطفا على اللباس، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء، وخبره خير، وجعلوا ذلك صلة في الكلام (٤)، وكذلك قرأ ابن مسعود وأُبي بن كعب ﵄: (ولباس التقوى خير) (٥). واختلفوا في لباس التقوى ما هو؟ فقال زيد بن علي: لباس التقوى: الدِّرْع والمِغْفَر والساعدان والساقان والآلات التي يُتّقى بها في الحرب من العدو (٦). وقال قتادة والسدي وابن جريج: لباس التقوى هو الإيمان (٧). وقال مَعْبَد الجهني: هو الحياء (٨).

стр. 6338

[١٣٦٤] أنشدني أبو القاسم الحبيبي (١) قال: أنشدني أبو عُرَابة السَدُوسي (٢) في معناه: إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط القوم عُريانا (٣) وقال عطيّة عن ابن عباس ﵄: هو (٤) العمل الصالح (٥). وروى الذَّيّالُ بن عمرو (٦)، عن ابن عباس ﵄ قال: هو السمت الحسن في الوجه (٧). وقال الحسن: رأيت عثمان بن عفان ﵁ على منبر رسول الله ﷺ

стр. 6339

عليه قميص قُوهِيّ (١) محلول الزِّر وسمعته يأمرُ بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحَمَام، ثمّ قال: يا أيها الناس، اتقوا الله في هذِه السرائر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفس محمد بيده، ما عمل أحدٌ قطُّ سرًا إلّا ألبسه الله رداء عمله علانية، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر" ثمّ تلا هذِه الآية ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قال: السمت الحسن (٢). وقال عروة بن الزبير: لباس التقوى: خشية الله (٣)، وقال ابن زيد: هو ستر العورة فيتقي الله فيواري عورته (٤) ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. قال وهب بن منبه: الإيمانُ عُرْيَان، ولباسُه التقوى، وزينتُه الحياء، ومآلُه العفة (٥)، وثمرتُه العمل الصالح (٦).

стр. 6340

٢٧ - قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ لا (١) يضلنكم (ولا يمنينكم) (٢) ولا يستزلنكم ﴿الْشَّيْطَانُ﴾ فيبدي عوراتكم للناس في الطواف بطاعتكم إياه، ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ﴾ يعني الشيطان ﴿يَرَاكُمْ﴾ يابني آدم ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ خيله وجنوده وهم الجن والشياطين، وقال ابن زيد: نسله (٣) ﴿مِن حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. قال مجاهد: قال إبليس: جُعل لنا أربع: نرى ولا نُرى ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى (٤). قال مالك بن دينار: إن عدوًّا يراك ولا تراه لشديد المؤونة إلّا مَنْ عصمه الله (٥). [١٣٦٥] وسمعت أبا القاسم الحبيبي (٦) قال: سمعت أَبِي (٧) يقول: سمعت عليّ بن محمد الورّاق (٨) يقول: سمعت يحيى بن
следующие страницы →