← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

﴿وَرِيشًا﴾ يعني مالا، في قول ابن عباس ﵄ ومجاهد، والضحاك، والسدي (١)، يقال تريش الرجل إذا تَمَوَّل (٢). وقال ابن زيد: الريش: الجَمَال (٣). وقيل: هو اللباس (٤). حكى أبو عمرو أنّ العرب تقول: أعطاني فلان رِيْشَهُ أي: كِسوته وجهازه (٥). وقرأ عثمان بن عفان ﵁، والحسن، وأبو عبد الرحمن، وأبو رجاء، وقتادة: (ورياشًا) بالألف (٦)، وهو جمع ريش مثل: ذئب وذئاب، وبئر وبئار، وقَدح وقِداح (٧). وقال قطرب: الريش والرياش واحد (٨)، كقولك دِبْغ ودباغ، ولبْس ولِبَاس، وحِلٌّ وحَلَال، وَحِرْمٌ وحَرَام، ويجوز أن تكون مصدرًا من قول القائل: راشه الله يريشه رياشًا، والرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من المتاع

стр. 6337

والثياب والفَرْش وغيره (١). وقال ابن عباس ﵄: الرياش اللباس والعيش والنعيم (٢). وقال الأخفش: الرياش الخِصْب والمعاش (٣). ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قرأ أهل المدينة، والشام، والكِسائي لباسَ، بالنصب عطفا على اللباس، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء، وخبره خير، وجعلوا ذلك صلة في الكلام (٤)، وكذلك قرأ ابن مسعود وأُبي بن كعب ﵄: (ولباس التقوى خير) (٥). واختلفوا في لباس التقوى ما هو؟ فقال زيد بن علي: لباس التقوى: الدِّرْع والمِغْفَر والساعدان والساقان والآلات التي يُتّقى بها في الحرب من العدو (٦). وقال قتادة والسدي وابن جريج: لباس التقوى هو الإيمان (٧). وقال مَعْبَد الجهني: هو الحياء (٨).

стр. 6338

[١٣٦٤] أنشدني أبو القاسم الحبيبي (١) قال: أنشدني أبو عُرَابة السَدُوسي (٢) في معناه: إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط القوم عُريانا (٣) وقال عطيّة عن ابن عباس ﵄: هو (٤) العمل الصالح (٥). وروى الذَّيّالُ بن عمرو (٦)، عن ابن عباس ﵄ قال: هو السمت الحسن في الوجه (٧). وقال الحسن: رأيت عثمان بن عفان ﵁ على منبر رسول الله ﷺ

стр. 6339

عليه قميص قُوهِيّ (١) محلول الزِّر وسمعته يأمرُ بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحَمَام، ثمّ قال: يا أيها الناس، اتقوا الله في هذِه السرائر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفس محمد بيده، ما عمل أحدٌ قطُّ سرًا إلّا ألبسه الله رداء عمله علانية، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر" ثمّ تلا هذِه الآية ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قال: السمت الحسن (٢). وقال عروة بن الزبير: لباس التقوى: خشية الله (٣)، وقال ابن زيد: هو ستر العورة فيتقي الله فيواري عورته (٤) ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. قال وهب بن منبه: الإيمانُ عُرْيَان، ولباسُه التقوى، وزينتُه الحياء، ومآلُه العفة (٥)، وثمرتُه العمل الصالح (٦).

стр. 6340

٢٧ - قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ لا (١) يضلنكم (ولا يمنينكم) (٢) ولا يستزلنكم ﴿الْشَّيْطَانُ﴾ فيبدي عوراتكم للناس في الطواف بطاعتكم إياه، ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ﴾ يعني الشيطان ﴿يَرَاكُمْ﴾ يابني آدم ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ خيله وجنوده وهم الجن والشياطين، وقال ابن زيد: نسله (٣) ﴿مِن حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. قال مجاهد: قال إبليس: جُعل لنا أربع: نرى ولا نُرى ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى (٤). قال مالك بن دينار: إن عدوًّا يراك ولا تراه لشديد المؤونة إلّا مَنْ عصمه الله (٥). [١٣٦٥] وسمعت أبا القاسم الحبيبي (٦) قال: سمعت أَبِي (٧) يقول: سمعت عليّ بن محمد الورّاق (٨) يقول: سمعت يحيى بن

стр. 6341

معاذ الرازي (١) يقول: الشيطان قديم وأنت حديث، والشيطان كَيَّس وأنت سليم الناحية، والشيطان يراك وأنت لا تراه، والشيطان لا ينساك وأنت لا تزال تنساه، ومن نفسك له عون وليس لك منه عون (٢). وقيل: صدر ابن آدم مسكن له، ويجري منه مجرى الدم وأنك لا تقاومه إلّا بعون الله (٣). وفيه يقول (٤): ولا أراه حيث ما يراني ... وعندما أنساه لا ينساني فسيدي إن لم تغث سباني ... كما سبا آدم من جناني (٥)

стр. 6342

قال ذو النون المصري: إن كان هو يراك من حيث لا تراه فإنّ الله يراه من حيث لا يرى الله، فاستعن بالله عليه فإنّ كيد الشيطان كان ضعيفًا (١) ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ أعوانًا وقرناء (٢) ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ وفاحشتهم أنّهم كانوا يطوفون بالبيت عُراة الرجال والنساء، ويقولون: نطوف كما ولدتنا أُمهاتنا، ولا نطوف في الثياب التي قارفنا (٣) فيها الذنوب، وكانت المرأة تضع على قُبُلها النِّسْعَة (٤) أو الشيء، فتقول: اليوم يبدو بعضُهُ أو كُلُّهُ وما بدا منه فلا أُحِلُّهُ (٥) وفي الآية إضمار معناه ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً﴾ فنُهوا عنها ﴿قَالُواْ وَجَدْنَا

стр. 6343

عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ قيل: ومن أين أخذها آباؤكم؟ قالوا: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ٢٩ - قوله : ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِالْقِسْطِ﴾ قال ابن عباس ﵄: لا إله إلّا الله (١). وقال الضحاك: بالتوحيد (٢)، وقال مجاهد والسدي: بالعدل (٣). ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قال مجاهد والسدي وابن زيد: يعني وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة (٤)، وقال الضحاك: يقول إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلّوا فيه ولا يقولن: أحدكم أُصلي في مسجدي، وإذا لم يكن عند (٥) مسجد فليأت أيّ مسجد شاء وليصلّ فيه (٦). وقال الربيع: معناه: واجعلوا سجودكم لله خالصًا دون ما سواه من الآلهة والأنداد (٧) ﴿وَادْعُوُهُ﴾ واعبدوه ﴿مُخلِصِيْنَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٨) الطاعة

стр. 6344

والعبادة. ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال النبيّ ﷺ : "تُبْعث كلُّ نفس على ما كانت عليه" (١). وقال ابن عباس ﵄: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (٢) ثمّ يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم (٣) مؤمنا وكافرًا (٤). فيبعث المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا. وقال جابر: يبعثون على (ما كانوا) (٥) عليه، المؤمن على إيمانه والكافر على كفره) (٦)، والمنافق على نفاقه (٧). وقال أبو العالية: عادوا إلى علمه فيهم (٨). وقال محمد بن كعب: من ابتدأ الله خلقه على الشِّقوة، صار إلى ما ابتدأ عليه (خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، كما أنّ إبليس

стр. 6345

عمل بأعمال أهل السعادة، ثم صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه) (١)، ومن ابتدأ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل (٢) الشقاء، كما أنّ السحرة عملت بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدأ خلقهم عليه (٣). وقال سعيد بن جبير: معناه كما كتب عليكم تكونون (٤). وقال السدي: كما خلقكم فريق مُهْتدون، وفريق ضُلال، كذلك تعودون تخرجون من بطون أُمهاتكم (٥). وقال الحسن ومجاهد: كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئًا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء (٦)، نظيره قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعُيدُهُ﴾ (٧). وقال قتادة: بدأهم من التراب، وإلى التراب يعودون (٨)، نظيره قوله تعالى: ﴿مِنهَا خَلْقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ (٩).

стр. 6346

وقال الربيع بن أنس: كما بدأكم عُرِيًّا تعودون إليه عُرِيًّا (١)، نظيره: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٢) روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ عن النبيّ ﷺ قال: "يُحشر الناس حُفاةً عُراةً غُرلًا، وأوّل من يُكسى إبراهيم ﵇ ". ثمّ قرأ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعَوُدُونَ﴾ (٣)، نظيره قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ (٤). ٣٠ - ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيْقًا حَقَّ﴾. وجب ﴿عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ (٥) أَربابًا (٦) ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.

стр. 6347

٣١ - قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قال: المفسّرون: كانت بنو عامر في الجاهلية يطوفون بالبيت عُراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانوا إذا قدموا مسجد منى طرح أحدهم ثيابه في رحله، وإن طاف وهي عليه ضُرب وانتزعت منه. فأنزل الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١) يعني الثياب. قال مجاهد: ما تواري به عورتك ولو عباءة (٢). وقال عطيّة وأبو رَوق: هي المِشْط (٣). [١٣٦٦] وسمعت أبا القاسم الحبيبي (٤) يقول: سمعت أبا الهيثم السِّجْزي (٥)، يحكي عن القاضي التنوخي: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ يعني: رفع الأيدي في الصلاة (٦)، ويحتج بخبر علي ﵁ عن النبيّ ﷺ

стр. 6348

في النَّحِيرة (١)، وقول جبريل ﵇ للنبي ﷺ : "إن لكل شيء زينة وإن زينة الصلاة رفع الأيدي فيها في ثلاثة مواضع إذا تحرمْتَ للصلاة، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك (٢) من الركوع" (٣). ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ قال الكلبي: كانت بنو عامر لا يأكلون من الطعام

стр. 6349

إلّا قوتًا، ولا يأكلون دسمًا في أيام حجّهم يعظّمون بذلك حجّهم، فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق أن نفعل، فأنزل الله تعالى: ﴿وَكُلُوا﴾ يعني: اللحم والدسم ﴿وَاشْرَبُوا﴾ (١). ﴿وَلَا تُسْرِفُواْ﴾ يعني: الحرام. قال ابن عباس ﵄: كُلْ ما شئت، والْبَس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سَرَف ومَخِيلَة (٢). وقال مجاهد: الإسراف ما قَصَّرت به عن حَقِّ الله ، وقال: لو أنفقت مثل أُحُد في سبيل الله لم تكن مسرفًا، ولو أنفقت درهمًا أو مُدًّا في معصية الله تعالى كان إسرافًا (٣). وقال الكلبي: ولا تُسرفوا يعني ولا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم (٤) ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٥). المجاوزين الحلال إلى الحرام في الشراب والطعام. وبلغني أنّ الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعليّ بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم

стр. 6350

علمان علم الأديان وعلم الأبدان، فقال له عليّ: قد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية من كتابنا. قال: وما هي؟ قال: قوله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب؟ فقال عليّ: جمع رسولنا ﷺ الطب في ألفاظ يسيرة قال: وما هي؟ قال: قوله ﵇: "المَعَدة بيت الداء والحمية رأس كلّ دواء، وأعطِ كل بدن ما عودته" (١). فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيّكم لجالينوس (٢) طبًّا (٣). ٣٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾. يعني الثياب قال ابن زيد: كان قوم إذا حجّوا واعتمروا حَرَّموا الشاة عليهم وما يخرج منها، لبنها، وسمنها، ولحمها، وشحمها، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٤).

стр. 6351

وقال ابن عباس ﵄ وقتادة: يعني بالطيبات من الرزق: ما حرّم أهل الجاهلية من البحائر (١) والسوائب (٢) والوصايل (٣) والحوامي (٤). ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال (ابن عباس) (٥) ﵄: يعني أنّ المؤمنين يشاركون المشركين في الطيّبات في الدنيا، فأكلوا من طيّبات طعامهم، ولبسوا من جِيَاد ثيابهم، ونكحوا من صالح نسائهم، ثم يُخْلِص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء (٦)، ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا خالصة في يوم القيامة.

стр. 6352

وقرأ ابن عباس ﵄ وقتادة ونافع: خالصةٌ بالرفع يعنون قل هي خالصة، وقرأ الباقون: بالنصب على الحال والقطع لأن الكلام قد تمّ دونه (١). ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٣٣ - قوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ يعني الطواف عُراة ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ طواف الرجال بالنهار ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ طواف النساء بالليل، وقيل: هي الزنا والمُخالّة. قال النبيّ ﷺ : "ليس أحد أحبَّ إليه المدحُ من الله من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أَغْيَرَ من الله تعالى من أجل ذلك حرم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، وليس أحدٌ أحبَّ إليه العذر من اللَّه من أجل ذلك أنزل الكتب، وأرسل الرسل" (٢) ﴿وَالْإِثْمَ﴾ يعني الذنب والمعصية. وقال الحسن: الإثم الخمر (٣). قال الشاعر: شَرِبْتُ الإثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الإثْمُ يَذْهَبُ بالعُقُولِ (٤)

стр. 6353

وقال الآخر: نشرب الإثم بالصُّواع جهارًا ... وترى المُتْكَ (١) بيننا مستعارا (٢) ﴿وَالْبَغىَ﴾ الظلم والكبر ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ حجة وبرهانًا ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ في تحريم المآكل، والمشارب (٣). ٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ مدّة وأجل، وقيل: وقت في حلول العقاب، ونزول العذاب. ﴿فَإِذَا﴾ انقطع أجلهم، و ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ وقرأ ابن سيرين: آجالهم (٤) ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ لا يتأخّرون ﴿سَاعَةَ وَلَا يسَتَقْدِمُونَ﴾ يتقدّمون. ٣٥ - قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ شرط معناه: إن أتاكم، وجوا به فمن اتقى، وقيل: فأطيعوه، وقال مقاتل: أراد بقوله يابني آدم مشركي العرب، وبالرسل محمدا ﷺ

стр. 6354

وحده (١)، ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ عمله (٢) ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ تكبروا عن الإيمان بمحمد والقرآن ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ٣٧ - قوله : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: يصيبهم حظّهم مما كُتب لهم في اللوح المحفوظ. قال الحسن والسدي وأبو صالح: ما كتب لهم من العذاب (٣). وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطيّة: ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة (٤). وروى بكر الطويل عن مجاهد في هذِه الآية قال: قوم يعملون أعمالا لابد لهم منها (٥) ولم يعملوها بعد (٦). وقال ابن عباس ﵄ وقتادة والضحاك: يعني أعمالهم التي عملوها وأسلفوها، وكتبت عليهم من خير أو شر، (فمن عمل خيرًا جوزي به

стр. 6355

ومن عمل شرًّا جوزي به (١). وروى مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: هو ما وعدوا من الكتاب من خير وشر) (٢). وروى عطيّة عن ابن عباس ﵄ قال: ينالهم ما كتب عليهم، وقد كتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسودٌّ (٣)، يدل عليه قوله تعالى: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (٤) قال الربيع والقُرَظي وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار (٥) ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ﴾ وإذا فرغت وفنيت آجالهم جاءتهم ﴿رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يقبضون أرواحهم، يعني ملك الموت وأعوانه ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ﴾ تَعبدونَ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا﴾ (اشتغلوا بأنفسهم) (٦) ﴿عَنَّا وَشَهِدُوا﴾ أقرُّوا ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾. ٣٨ - قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا﴾ يعني يقول الله تعالى لهم يوم القيامة ادخلوا ﴿فِي أُمَمٍ﴾ يعني مع جماعات ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ يعني كفار الأُمم

стр. 6356

الماضية ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ النار ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ في الدِّين والملة، ولم يقل: أخاها؛ لأنّه عنى بها الأُمّة والجماعة فيلعن المشركون المشركين، واليهودُ اليهودَ، وكذلك النصارى والصابئون والمجوس (١)، ويلعن الأتباعُ القادةَ يقولون: لعنكم الله أنتم غررتمونا، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا﴾ أي: تلاحقوا واجتمعوا في النار ﴿جَمِيعًا﴾. وقرأ الأعمش: (حتّى إذا تداركوا) على الأصل (٢)، وقرأ النخعي: حتّى (إذا أدّركوا)، مثقلة الدال من غير ألف أراد افتعلوا من الدرك (٣).

стр. 6357

﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ قال مقاتل: يعني أُخراهم دخولا النار وهم الأتباع، ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ دخولا وهم القادة (١)، قال ابن عباس ﵄: أخراهم يعني آخر الأُمم، لأولاهم يعني أوّل الأُمم (٢)، وقال السدي؛ أخراهم يعني الذين كانوا في آخر الزمان، لأولاهم يعني: شرعوا لهم ذلك الدين (٣)، ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ عن الهدى، يعني القادة ﴿فَآتِهِمْ﴾ فأعطهم ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ مضاعفًا (٤) ﴿مِنَ النَّارِ﴾ الله تعالى ﴿لِكُلِّ﴾ يعني القادة والأتباع ﴿ضَعْفٍ﴾ من العذاب ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ حتَّى يَحُل بكم. ٣٩ - ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ لأنّكم كفرتم بما (٥) كفرنا فنحن وأنتم في الكفر شَرْع سواء وفي العذاب أيضًا ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. ٤٠ - قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ﴾ بالياء والتاء والتشديد والتخفيف جميعًا (٦)، ﴿لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ يعني

стр. 6358

لأرواحهم ولأعمالهم لأنّها خبيثة، فلا يصعد بها بل يُهْوى بها إلى سِجِّين تحت الصحرة الخضراء التي تحت الأرضين. روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : "إن الميت يحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة التي (١) كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة، وأبشري بروح (من الله تعالى) (٢) وريحان، ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتّى يُعْرج بها إلى السماء فيُسْتفتح لها فيقال (٣): من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب أدخلي حميدا، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فيقال: لها ذلك حتّى يُنتهى إلى السماء السابعة، وإذ كان الرجل السوء، قالوا: آخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، أخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتّى (تَخْرج، ثمّ) (٤) يُعرج بها إلى السماء فيُسْتفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون فلان، فيقولون: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، أرجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك

стр. 6359

أبواب السماء، فتُرسل بين السماء والأرض فتصير إلى القبر" (١). ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ يعني حتَّى يدخل البعير في ثقب الإبرة، والخياط والمِخْيَط: الإبرة، وقرأ عكرمة، وسعيد بن جبير: (الجُمَّل) بضم الجيم وبتشديد الميم (٢)، وهو حبل السفينة، ويقال له: القَلْس (٣). وقال عكرمة: الحبل الَّذي يُصْعد به إلى النخل (٤). ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾. ٤١ - ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾. فِرَاش من النَّار ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ جمع غاشية، وذلك ما غشاهم فغطاهم، قال القُرظي ومجاهد: هي اللحف (٥) ﴿وَكَذَلِكَ

стр. 6360

نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ قال البَرَاء (بن عَازِب) (١) ﵁: قال رسول الله ﷺ : "يفرش للكافر لوحين من نار في قبره"، فذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ (٢). ٤٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: طاقتها وما يسعها ويحلّ لها، فلا (تحرج منه ولا تضيق عنه) (٣) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ٤٣ - ﴿وَنَزَعْنَا﴾ وأخرجنا وأذهبنا ﴿مَا فِي صُدُورِهِمْ﴾ قلوبهم ﴿مِنْ غِلٍّ﴾ غش وحقد وعداوة كان من بعضهم على بعض في الدنيا، فجعلناهم إخوانًا على سرر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله تعالى به بعضهم وفضله به. روى الحسن عن عليّ ﵁ قال: فينا والله أهل بدر نزلت ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ (٤). وقال عليّ ﵁ أيضًا: إنّي لا أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة

стр. 6361

والزبير من الذين قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ الآية (١). وقال السدي: في هذِه الآية: إن أهل الجنّة إذا سيقوا إلى الجنّة وجدوا عند بابها شجرة في (أصل ساقها) (٢) عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غِلٍّ فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأُخرى، فجرت عليهم نَضْرة النعيم، فلن يشعَثُوا ولن يتَّسخوا بعدها أبدًا (٣). وروى الجُرَيْرِي عن أبي نَضْرة قال: يحبس أهل الجنّة دون الجنّة حتّى يُقص لبعضهم من بعض حتَّى يدخلوا الجنّة حين يدخلونها، ولا يطلب أحد منهم أحدًا بقلامة ظُفُرٍ (٤) ظلمها إياه، ويحبس أهل النار دون النار حتّى يُقص لبعضهم من بعض، فيدخلون النار حين يدخلونها، ولا يطلب أحد منهم أحدًا (٥) بقلامة ظفر ظلمها أياه (٦)، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا﴾ وفقنا وأرشدنا ﴿لِهَذَا﴾ إلى هذا يعني طريق الجنّة. وقال سفيان الثوري: معناه (٧) الحمد لله الَّذي هدانا لعمل هذا

стр. 6362

ثوابه (١)، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ قال رسول الله ﷺ : "كل أهل النار يرى منزله من الجنّة فيقولون: لو هدانا الله، فيكون عليهم حسرة، وكل أهل الجنّة يرى منزله من النار فيقولون: لولا أن هدانا الله. فهذا شكرهم" (٢). قال (٣): وليس من كافر ولا مؤمن إلّا وله في الجنّة والنار منزل،

стр. 6363

فإذا دخل أهلُ (١) الجنّةِ الجنّةَ، وأهلُ النارِ النارَ (٢)، فدخلوا منازلهم رفعت الجنّة لأهل النار فرأوا منازلهم فيها فقيل لهم هذِه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ (٣)، ثمّ يقال: يا أهل الجنّة أورثتموها ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فيُقْسَم بين أهل الجنّة منازلهم، ونودوا: أن صحوا فلا تسقموا، واخلدوا فلا تموتوا، وانعموا فلا تبأسوا، وشبّوا فلا تهرموا (٤). ٤٤ - قوله ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا﴾ من الثواب ﴿حَقًّا﴾ صدقًا (٥) ﴿فَهَل وَجَدتُم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ من العذاب

стр. 6364

﴿حَقًا﴾ سؤال تعيين وتقرير ﴿قَالُواْ﴾ وقرأ الكسائي (نعِم) (١) بكسر العين (حيث وقع، وهما لغتان) (٢). ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ فنادى ﴿بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين. ٤٥ - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ يصرفون (٣) ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله) (٤) ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يطلبونها زيغًا وميلا ﴿وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾. ٤٦ - قوله ﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ يعني بين أهل الجنّة والنار ﴿حِجَابٌ﴾ حاجز، وهو السور الَّذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ (٥) ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ يعني وعلى ذلك الحجاب، والأعراف سور بين أهل (٦) الجنّة والنار، وهي جمع عُرْف، وهو كلّ تَلٍّ مرتفع، ومنه عُرف الديك لارتفاعه على ما سواه من جسده. قال الشَّمَّاخ:

стр. 6365

وَظَلَّتْ بِأَعْرَافٍ تَغَالَي (١)، كَأَنَّهَا ... رِمَاحٌ نَحَاهَا وِجْهَةَ الرِّيحِ رَاكِزُ (٢) يعني بنشوز من الأرض. وقال آخر (٣): كُلُّ كِنَازٍ لَحْمُهُ نِيَافِ ... كَالْعَلَمِ المُوفِي عَلَى الأعْرَافِ (٤) قال السدي: سمي أعرافًا لأن أصحابه يعرفون الناس (٥). وقال الحسين بن الفضل: هو الصراط (٦).

стр. 6366

واختلفوا في الرجال الذين أخبر الله تعالى أنهم على الأعراف من هم؟ وما السبب الَّذي من أجله صاروا هناك؟ وقال حذيفة وابن عباس ﵄: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم، وقصرت بهم سيّئاتهم عن الجنّة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوُقِفوا هناك حتّى يقضي الله فيهم ما يشاء، ثمّ يدخلهم الجنّة بفضله ورحمته وهم آخر مَنْ يدخل الجنّة، قد عرفوا أهل الجنّة وأهل النار، فإذا أراد الله تعالى أن يعافيهم انطلق بهم إلى إنهر يقال له) (١): نهر الحياة، حافتاه قصب الذهب، مكلّل باللؤلؤ، ترابه المسك، فألقوا فيه حتّى يصلح ألوانهم، وتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، فَأُتِيَ بهم، فقال الله لهم: تمنّوا ما شئتم فيتمنون، حتَّى إذا انقطعت أمنيتهم، قال لهم: لكم الَّذي تمنيتم ومثلَه سبعون ضعفًا، فيدخلون الجنّة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها يسمون مساكين أهل الجنّة (٢). وقال ابن مسعود ﵄: يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيّئاته بواحدة دخل الجنّة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثمّ قرأ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٣)

стр. 6367

ثمّ قال: إن الميزان يخف بمثقال حبّة ويرجح، ومَنْ استوت حسناته وسيّئاته كان من أصحاب الأعراف، فوُقِفوا على الصراط، ولم يُنزع منهم النور الَّذي كان في أيديهم (١). وروى يحيى بن شبل أنّ رجلا من بني النَّضِر أخبره عن رجل من بني هلال أن أباه أخبره أنّه سأل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال: "هم رجال غزوا في سبيل الله عُصاة لآبائهم، فقتلوا فاعتقوا من النار بقتلهم في سبيل الله، وحبسوا عن الجنّة بمعصيتهم آبائهم فهم آخر من يدخل الجنّة" (٢).

стр. 6368

وقال شُرَحْبيل بن سعد: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائِهم (١). وقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء (٢). وقال سليمان التَّيْمِي وأبو مِجْلَز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنّة وأهل النار، قال فقيل لأبي مجلز: يقول الله جلَّ وعلا: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ وتزعم أنت أنهم ملائكة؟ ، فقال: إنهم ذكور ليسوا بإناث (٣). وقال ابن عباس ﵄: هم رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان حسم أمرهم لله يقومون على الأعراف يعرفون كلا بسيماهم (٤). وروى صالح مولى التَّوْأمة أنّ ابن عباس ﵄ قال: أصحاب الأعراف أولاد الزنا (٥).

стр. 6369

وقال أبو العالية: هم قوم يطمعون أن يدخلوا الجنّة وما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلّا كرامة يريدها بهم (١)، وروى عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: هم أقوام رضي عنهم آباؤهم دون أُمهاتهم، أو أُمهاتهم دون آبائهم، فلم يدخلهم الله الجنّة، لأن آباءهم أو أُمهاتهم غير راضين عنهم، ولم يدخلهم النار لرضا آبائهم أو أمهاتهم عنهم، فيجلسون على الأعراف إلى أن يقضي الله بين الخلق فيدخلهم الجنّة بعد (٢). وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني (٣): هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم (٤)، وفي تفسير المنجوفي: أنهم أولاد المشركين (٥). [١٣٦٧] سمعت (٦) أبا القاسم بن حبيب (٧) يقول: سمعت محمد ابن محمد بن الأشعث (٨)، يحكي عن بعضهم أنهم أُناس عملوا لله ولكنهم راءوا (٩) في أعمالهم فلا يدخلون النار لأنّهم عملوا أعمالهم لله، ولا يدخلون الجنّة لأنّهم طلبوا الثواب من غير الله،

стр. 6370

فيوقفون على الأعراف إلى أن يقضي الله تعالى بين الخلق (١). [١٣٦٨] أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الله القايني (٢)، قال: حدثني القاضي أبو الحسين محمد بن عثمان (النصيبي (٣)، ثنا محمد ابن الحسين بن صالح السَّبِيعي (٤)، ثنا أحمد بن نصر أبو نصر (٥) ثنا أبو جعفر) (٦) الضُّبَعي (٧) ثنا إبراهيم بن سلام بن رشيد البصري (٨) قال حدثنا عاصم بن سليمان المفسر أبو إسحاق (٩) حدثنا جويبر بن سعيد (١٠) عن الضحاك (١١) عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ الآية قال: الأعراف موضع عال من الصراط عليه

стр. 6371

العباس وحمزة، وعليّ بن أبي طالب، وجعفر ذو الجناحين، يَعرفون محبيهم ببياض الوجوه، ومبغضهم بسواد الوجوه (١). قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ يعرفون أهل الجنّة ببياض الوجوه ونضرة النعيم عليهم، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم. ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ يعني أهل الأعراف، قال سعيد بن جبير: الطمع في قلوبهم لأن الله تعالى سلب نور المنافقين، وهم على الصراط وبقي نورهم فلم يُطْفأ (٢).

стр. 6372

٤٧ - قوله : ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ﴾ وجاه ﴿أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وحيالهم تعوذوا بالله ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الكافرين في النار) (١). ٤٨ - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ كانوا عظماء من أهل النار جبّارين ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ في الدنيا من المال والولد ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان. قال الكلبي: إنهم ينادون وهم على السور: يا وليد بن المغيرة، ويا أبا جهل بن هشام ويا فلان، ثمّ ينظرون إلى الجنّة فيرون فيها الضعفاء والفقراء والمساكين ممن كانوا يستهزئون بهم مثل: سلمان، وصهيب، وخبّاب وأشباههم فينادونهم. ٤٩ - ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ حلفتم وأنتم في الدنيا ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ يعني الجنّة، ثمّ يقال لأصحاب الأعراف ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (٢)، وقال مقاتل: أقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنّة بل يدخلون النار معهم، فقالت الملائكة الذين (٣) حبسوا أصحاب الاعراف على الصراط: هؤلاء يعني أصحاب الأعراف،

стр. 6373

أقسمتم يا أهل النار أنهم لا يُنالهم الله برحمة، ثمّ قالت الملائكة لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنّة الآية (١). ٥٠ - قوله ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا﴾ صبّوا وأوسعوا ﴿عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من طعام الجنّة ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا﴾ يعني الماء والطعام ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، قال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس ﵄: أي: الصدقة أفضل؟ قال: الماء، أما رأيت أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنّة قالوا أفيضوا علينا من الماء؟ . (٢) ٥١ - قوله : ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ وهو ما زيّن لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والمكاء والتصدية (٣) حول البيت، وسائر الخصال الرديئة الدنيئة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية، والدِّين كل ما أطيع به والتزم من حق أو باطل، وقال أبو رَوْق دينُهم. أي: عيدُهم (٤) ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ نتركهم في النار ﴿كَمَا نَسُوا

стр. 6374

﴿لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ٥٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ يعني القرآن ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ بيّناه ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ منّا بذلك ﴿هُدًى وَرَحَمَةً﴾ نصبا على القطع ﴿لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ﴾. ٥٣ - ﴿هَل يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون (١) ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ أي: ما يؤول إليه أمرهم من العذاب وورود النار. قال قتادة: تأويله ثوابه (٢). وقال مجاهد: جزاؤه (٣). وقال السدي: عاقبته (٤). وقال ابن زيد: حقيقته (٥). ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا﴾ اليوم ﴿مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدنيا ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ قال : ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ﴾ (زال وبطل) (٦) ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ٥٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ قال سعيد بن جبير: قَدِرَ (الله ) (٧) على خلق السماوات والأرض في لمحة ولحظة، وإنما خَلَقَهن في سِتَّة أيام تعليمًا لخلقه

стр. 6375

الرفق والتثبت في الأمور (١) ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: يعني استقر (٢)، (وقال أبو عبيدة: صعد (٣). وقال بعضهم: استولى وغلب (٤)، وقيل: ملك (٥)، وهذِه كلّها تأويلات مدخولة لا يخفى
следующие страницы →