← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

العباس وحمزة، وعليّ بن أبي طالب، وجعفر ذو الجناحين، يَعرفون محبيهم ببياض الوجوه، ومبغضهم بسواد الوجوه (١). قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ يعرفون أهل الجنّة ببياض الوجوه ونضرة النعيم عليهم، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم. ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ يعني أهل الأعراف، قال سعيد بن جبير: الطمع في قلوبهم لأن الله تعالى سلب نور المنافقين، وهم على الصراط وبقي نورهم فلم يُطْفأ (٢).

стр. 6372

٤٧ - قوله : ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ﴾ وجاه ﴿أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وحيالهم تعوذوا بالله ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الكافرين في النار) (١). ٤٨ - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ كانوا عظماء من أهل النار جبّارين ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ في الدنيا من المال والولد ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان. قال الكلبي: إنهم ينادون وهم على السور: يا وليد بن المغيرة، ويا أبا جهل بن هشام ويا فلان، ثمّ ينظرون إلى الجنّة فيرون فيها الضعفاء والفقراء والمساكين ممن كانوا يستهزئون بهم مثل: سلمان، وصهيب، وخبّاب وأشباههم فينادونهم. ٤٩ - ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ حلفتم وأنتم في الدنيا ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ يعني الجنّة، ثمّ يقال لأصحاب الأعراف ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (٢)، وقال مقاتل: أقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنّة بل يدخلون النار معهم، فقالت الملائكة الذين (٣) حبسوا أصحاب الاعراف على الصراط: هؤلاء يعني أصحاب الأعراف،

стр. 6373

أقسمتم يا أهل النار أنهم لا يُنالهم الله برحمة، ثمّ قالت الملائكة لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنّة الآية (١). ٥٠ - قوله ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا﴾ صبّوا وأوسعوا ﴿عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من طعام الجنّة ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا﴾ يعني الماء والطعام ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، قال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس ﵄: أي: الصدقة أفضل؟ قال: الماء، أما رأيت أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنّة قالوا أفيضوا علينا من الماء؟ . (٢) ٥١ - قوله : ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ وهو ما زيّن لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والمكاء والتصدية (٣) حول البيت، وسائر الخصال الرديئة الدنيئة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية، والدِّين كل ما أطيع به والتزم من حق أو باطل، وقال أبو رَوْق دينُهم. أي: عيدُهم (٤) ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ نتركهم في النار ﴿كَمَا نَسُوا

стр. 6374

﴿لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ٥٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ يعني القرآن ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ بيّناه ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ منّا بذلك ﴿هُدًى وَرَحَمَةً﴾ نصبا على القطع ﴿لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ﴾. ٥٣ - ﴿هَل يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون (١) ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ أي: ما يؤول إليه أمرهم من العذاب وورود النار. قال قتادة: تأويله ثوابه (٢). وقال مجاهد: جزاؤه (٣). وقال السدي: عاقبته (٤). وقال ابن زيد: حقيقته (٥). ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا﴾ اليوم ﴿مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدنيا ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ قال : ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ﴾ (زال وبطل) (٦) ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ٥٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ قال سعيد بن جبير: قَدِرَ (الله ) (٧) على خلق السماوات والأرض في لمحة ولحظة، وإنما خَلَقَهن في سِتَّة أيام تعليمًا لخلقه

стр. 6375

الرفق والتثبت في الأمور (١) ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: يعني استقر (٢)، (وقال أبو عبيدة: صعد (٣). وقال بعضهم: استولى وغلب (٤)، وقيل: ملك (٥)، وهذِه كلّها تأويلات مدخولة لا يخفى

стр. 6376

فسادها (١)، فأمّا التأويل الصحيح والصواب فهو ما قاله الفراء وجماعة من أهل المعاني، أن معناها أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه، يدل عليه قوله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَىَ إِلَى الْسَّمَاءِ﴾ أي: عمد إلى خلق السماء (٢). وقال أهل الحق من المتكلمين: أحدث الله فعلا سماه استواء) (٣)،

стр. 6377

وهو كالإتيان والمجيء [لنزول (١) كلها من صفات أفعاله (٢). [١٣٦٩] أخبرنا أبو بكر الجوزقي (٣)، (قال: ثنا) (٤) محمد بن محمد بن عبد الله الجرجاني (٥)، (قال: ثنا) (٦) أبو محمد بن عبد الله ابن إسحاق بن أبراهيم المدايني (٧) ببغداد،

стр. 6378

ثنا أبو يحيى الورّاق (١)، ثنا محمد بن الأشرس الأنصاري (٢)، ثنا أبو المغيرة عمير بن عبد المجيد (٣) الحنفي (٤)، عن قرة بن خالد (٥)، عن الحسن (٦)، عن (٧) أم سلمة (٨) ﵂ في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالت: على الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر (٩).

стр. 6379

[١٣٧٠] وسمعت أبا محمد الحسن بن علي بن محمد بن حمدان السِّجْزي الخطيب (١)، يقول سمعت القاضي أبا سهل محمد بن سعيد (٢) يقول: سمعت أبا بكر البخاري (٣) يقول: سمعت أبا عبد الله

стр. 6380

محمد بن شجاع البلخي (١) يقول: سئل مالك بن أنس (٢) ﵀ عن قول : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: الكيف مجهول، والاستواء غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (٣).

стр. 6381

وروى محمد بن شعيب (١) بن شابور (٢) عن أبيه (٣) أن رجلا سأل الأوزاعي (٤) عن قوله سبحانه (٥): ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: هو على العرش كما وصف نفسه، وإني لأراك رجلا ضالا (٦). وبلغني أن رجلا سأل إسحاق بن إبراهيم الحنظلي فقال: كيف استوى على العرش أقائم هو أم قاعد؟ فقال: يا هذا إنما يقعد من يمل القيام، ويقوم من يمل القعود، وغير هذا أولى بك أن تسأل عنه (٧). والعردش في اللغة السرير (٨)، وقال آخرون: هو ما علا فأظل،

стр. 6382

ومنه عرش الكَرْم (١)، وقيل: العرش الملك (٢). قال زهير: تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَقَدْ ثُلَّ عَرْشُهَا ... وَذُبْيَانَ إذْ زَلَّتْ بِأَقْدَامِهَا النَّعْلُ (٣) قوله : ﴿يُغْشِى﴾ يلبس (٤) ﴿اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ مسرعًا ﴿وَالْشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ﴾ (أي: مذلّلاِت) (٥) ﴿بِأَمْرِهِ﴾ وقرأ أهل الشام بالرفع على الابتداء والخبر (٦). ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [١٣٧١] سمعت أبا القاسم الحبيبي (٧) يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع التاجر السِّجْزِي (٨)

стр. 6383

بهَرَاة (١) يقول: سمعت أبا يزيد (٢) حاتم بن محبوب السامي (٣) يقول: سمعت عبد الجبار بن العلاء العطّار (٤) يقول: سألت سفيان بن عيينة (٥) عن قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فقال: فرق الله بين الخلق والأمر فمَنْ جمع بينهما فقد كفر (٦).

стр. 6384

وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ لم يحمد الله تعالى على عمل صالح وحَمِد نفسه فقد قلّ (١) شكره وحبط عمله، ومَنْ زعم أن الله جعل للعباد منِ الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه" (٢) لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. [١٣٧٢] وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي (٣) قال: أنشدنا أبو الحسن عيسى بن زيد العَقِيلي (٤)، قال أنشدنا أبو المثنّى معاذ بن المثنى العنبري (٥) عن أبيه (٦) لمحمود الورّاق (٧) قال:

стр. 6385

إلى الله كُلُّ الأَمْرِ فِى كُلَّ خَلْقِهِ ... وَلَيْسَ إلى المَخْلُوقِ شَيءٌ مِنَ الأَمْرِ (١) ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ قال الضحاك: تبارك: تعظم (٢). وقال الخليل بن أحمد: تمجد (٣). وقال القتيبي: تبارك: تفاعل من البركة (٤). وقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته وبارك فيمن شاء من خلقه (٥) ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 6386

٥٥ - قوله : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ تذلّلا واستكانة ﴿وَخُفْيَةً﴾ سرًّا. وروى عاصم الأحول (١) عن أبي عثمان النهدي (٢) عن أبي موسى (٣) ﵁ قال: كان النبيّ ﷺ في غَزَاة فأشرفوا على واد فجعل ناس يكبّرون ويهلّلون ويرفعون أصواتهم (٤) فقال ﷺ : "أيُّها الناس أربَعُوا (٥) على أنفسكم إنّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً إنّكم تدعون سميعًا قريبًا إنّه معكم" (٦). وقال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا، ثم قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن، وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فَقُه الفقه الكثير، وما يشعرُ به الناس، وإن كان الرجل

стр. 6387

ليصلّي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّوْر وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدورن أن يعملوه في السرّ فيكون علانية أبدًا! ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوتٌ إن كان إلا همسًا به (١) بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وأن الله ذكر عبدًا صالحًا ورضي بفعله، فقال : ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ (٢) (٣). ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء، قال أبو مِجْلز: هم الذين يسألون الله منازل الأنبياء (٤)، وقال عطيّة العوفي: هم الذين يدعونه فيما لا يحل على المؤمنين فيقولون: اللهمّ أخزهم اللهمّ العنهم (٥)، وقال ابن جريج: من الاعتداء، رفع الصوت

стр. 6388

والنداء بالدعاء والصياح، وكانوا يؤمرون بالتضرّع والاستكانة (١). ٥٦ - قوله : ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالشرك والمعصية والدعاء إلى غير عبادة الله تعالى ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (٢) بعد إصلاح الله إيّاها ببعث الرسل، والأمر بالحلال والنهي عن الحرام، فكل أرض قبل أن يبعث إليها نبي فاسدة، حتّى يبعث الرسل إليها فتصلح الأرض بالطاعة. وقال عطيّة: معناه لا تعصوا في الأرض فيمسك الله تعالى المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم (٣). ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال الكلبي: خوفًا منه ومن عذابه وطمعًا فيما عنده من مغفرته وثوابه (٤). وقال الربيع بن أنس: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ كقوله: ﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (٥) (٦) وقيل: خوف العاقبة وطمع المغفرة (٧).

стр. 6389

وقال ابن جريج: خوف العدل وطمع الفضل (١). وقال عطاء: خوفًا من النيران وطمعًا في الجنان (٢). وقال ذو النون المصري: خوفًا من الفراق وطمعًا في التلاق (٣). ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وكان حقه قريبة، واختلف النحاة فيه وأكثروا، وأنا ذاكر نصوص ما قالوا: قال سعيد بن جبير: الرحمة هاهنا الثواب (٤)، وقال الأخفش: هي المطر (٥)، فيكون القريب نعتًا للمعنى دون اللفظ، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (٦) ولم يقل: منها؛ لأنه أراد بالقسمة الميراث والمال (٧). وقال: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ (٨) والصواع مذكّر لأنّه أراد به المَشْرَبة والسِّقاية (٩). وقال

стр. 6390

الخليل بن أحمد: القريب والبعيد يستوي فيهما المذكر والمؤنث والواحد والجمع (١) واحتج بقول الشاعر: كفى حَزنًا أنّي مقيم ببلدةٍ ... أخلاّئي عنها نازحون بعيد (٢) وقال آخر: كانوا بعيدًا فكنت آملهم ... حتّى إذا ما تقاربوا غدروا (٣) وقال (٤) في المؤنث: فالدار منّي قريب غير نازحة ... لكن نفسي ما كانت مواتاتي (٥) وقال سيبويه: لمّا أضاف المؤنث إلى المذكّر، أخرجه على مخرج التذكير (٦). وقال الكسائي: أراد أن رحمة الله مكانها قريب كقوله

стр. 6391

سبحانه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ (١) أي: لعل إتيانها قريب. وقال النَّضر بن شميل: الرحمة مصدر ومن حق المصادر التذكير (٢) كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ (٣) وقال الشاعر: إنَّ السَّماحَةَ والمُرُوءَة ضُمِّنا ... قَبْرًا بمَرْوَ على الطَّرِيقِ الوَاضِحِ (٤) ولم يقل: ضمنتا لأنّهما مصدران. وقال أبو عمر بن العلاء: القريب في اللغة على ضربين: قريبُ قُرْبٍ، وقريبُ قَرَابَةٍ، تقول العرب: هذِه المرأة قريبة منك إذا كانت بمعنى القرابة، وهذِه المرأة قريب منك إذا كانت بمعنى المسافة والمكان (٥). قال أمرؤ القيس: له الويلُ إِنْ أَمْسَى ولا أُمُّ هاشمٍ ... قَريبٌ ولا البَسْباسةُ ابنةُ يَشْكُرا (٦)

стр. 6392

وقال أبو عبيدة: القريب والبعيد يكونان للتذكير والتأنيث (١) واحتج بقول عروة بن الورد (٢): عَشِيَّةَ لا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ ... فَتَدْنُو وَلا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ (٣) وقال أبو عبيدة: القريب والبعيد إذا كانا أسمين استوى فيهما المذكر والمؤنث فإن بنيتهما على بعدت وقَرُبت قلت قربت فهي قريبة وبعدت فهي بعيدة (٤).

стр. 6393

٥٧ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ قرأ عاصم (بُشْرًا) (١) بالباء المضمومة والشين المجزومة (٢) يعني أنّها تبشّر بالمطر، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (٣) وروي عنه (بُشُرًا) بضم الباء والشين على جمع بشير مثل نُذُر ونذير، وهي قراءة ابن عباس (٤) ﵄. وقرأ غيره من أهل الكوفة ﴿نَشْرًا﴾ بفتح النون وجزم الشين (٥) وهي الريح الطيبة اللينة. قال امرؤ القيس: كأن المُدامَ وصوبَ الغمام ... وريح الخُزامى ونشر القُطُر (٦)

стр. 6394

وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس ﵄ وَزرّ بن حُبَيش، واختاره أبو عبيد؛ لقوله: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ (١) (٢). وقرأ (٣) أهل الحجاز والبصرة (نُشُرًا) بضم النون والشين (٤) واختاره أبو حاتم وقال: هي جمع نَشُور مثل صَبُور وصُبُرٍ، وشَكُورٍ وشُكُرٍ، وهي الرياح التي تهب من كل ناحية، وتهب من كل وجه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن وابن عامر (نُشْرًا) بضم النون وجزم الشين على التخفيف (٥). وقرأ مسروق (نَشَرًا) بفتحتين (٦) أراد منشورًا كالنَّفَض والقَبَض. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني قدّام المطر ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ﴾ حملت (٧) ﴿سَحَابًا ثِقَالًا﴾ بالمطر ﴿سُقْنَاهُ﴾ رد الكناية إلى لفظ السحاب ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ يعني إلى بلد، وقيل: لإحياء بلد ميت لا نبات فيه ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾

стр. 6395

أي: بالسحاب وقيل: بالبلد، ﴿الْمَاءَ﴾ يعني المطر، قال أبو بكر بن عيّاش: لا ينزل من السماء قطرة حتّى يعمل فيها أربع رياح، فالصَّبا (١) تهيّجه، والشمال تجمعه، والجنوب تدرّه، والدَّبُور تفرّقه (٢). ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ (٣) أي: كما أحيا الله البلد الميت بالمطر كذلك نخرج الموتى أحياء. قال أبو هريرة وابن عباس ﵁: إذا مات الناس كلّهم في النفخة الأولى أُمطِر عليهم أربعين عامًا كمني الرجال من ماء تحت العرش يُدعى ماءُ الحيوان فينبتون في قبورهم بذلك المطر كما ينبتون في بطن أُمهاتهم، وكما ينبت الزرع من الماء حتّى إذا استكملت أجسادهم، نفخ فيه الروح ثمّ يُلقى عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصور الثانية عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم، كما يجد النائم إذا استيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ فيناديهم المنادي ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٤) (٥)

стр. 6396

﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١). ٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ﴾ وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فمثل المؤمن مثل البلد الطيب الزاكي يخرج نباته رَيعُه بإذن ربه، ومثل الكافر كمثل الأرض السبخة الخبيثة التى ﴿لَا يَخْرُجُ﴾ نباتها وغلّتها ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ أي: عَسِرًا قَلِيلاً بِعَنَاء ومَشَقّة، وقرأ أبو جعفر: (نكَدًا) بفتح الكاف (٢). أي: بنكد ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نبينها ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. ٥٩ - قوله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وهو نُوْح بن لَمَك (٣) بن مُتْوَشْلح بن أَخْنُوخ، وهو إدريس بن مَهْلائِيل بن يِرْد (٤) بن قينان بن أنوش بن شِيث بن آدم عليهم

стр. 6397

السلام (١)، وهو أول نبي بعد إدريس وكان نجارًا بعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة ﴿فَقَالَ﴾ لهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، قرأ محمد بن السَّمَيْفَع (غيرَه) بالنصب (٢). قال الفراء: بعض بني أسد وقضاعة إذا كان معنى غير (إلا) نصبوها، تمّ الكلام قبلها أو لم يتم. فيقولون: ما جاءني غيرَك وما أتاني أحد غيرَك (٣). وأنشد المفضل (٤):

стр. 6398

لَمْ يَمْنَعِ الشَّرْبَ مِنْهَا (١) غَيرَ أَنْ نَطَقَتْ ... حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذَاتِ ألوان (٢) وقال الزجاج: قد يكون النصب من وجهين: أحدهما الاستثناء من غير جنسه، والثاني الحال من قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ لأن غيره نكرة وإن أضيف إلى المعارف (٣). وقرأ أبو جعفر ويحيى بن وَثّاب والأعمش والكسائي: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ بكسر الراء على نعت الإله، واختاره أبوعبيد ليكون كلامًا واحدًا (٤). وقرأ الباقون (غيرُه) بالرفع (٥) على وجهين: أحدهما: نية التقديم، وإن كان مؤخّرًّا في اللفظ تقديره: ما لكم غيره من إله. والثاني: أن يجعله نعتا لتأويل الإله لأن المعنى ما لكم إله غيره (٦).

стр. 6399

﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ (إن لم تؤمنوا) (١) ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. ٦٠ - قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ يعني الأشراف والسادة، وقال الفراء: هم الرجال ليست فيهم امرأة (٢) ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ﴾ خطأ وزوال عن الحق ﴿مُبِينٍ﴾ بيّن ظاهر. ٦١ - ﴿قَالَ﴾ نوح ﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ ولم يقل: ليست بي ضلالة، لأن معنى الضلالة الضَّلال، وقد يكون على معنى تقدم الفعل (٣) ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ٦٢ - قوله : ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو: (أُبْلِغكم) خفيفة في جميع القرآن لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ (٤) ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (٥) ولأن جميع كتب الأنبياء نزلت دفعة واحدة غير القرآن. وقرأ الباقون: أُبلّغكم بالتشديد (٦) واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لأنّها أجزل اللغتين (٧)، قال الله : ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٨) ﴿رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾

стр. 6400

يقال نصحته ونصحت له وشكرته وشكرت له ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. من أن عقابه لا يرد عن القوم المجرمين. ٦٣ - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ ألف استفهام دخلت على واو العطف، كأنه قال: أصنعتم كذا وكذا أو عجبتم ﴿أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني نبوّة ورسالة، وقيل: بيان ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ عذاب الله إن لم تؤمنوا ﴿وَلِتَتَّقُوا﴾ (١) ولكي تتّقوا الله ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ولكي تُرحموا. ٦٤ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ يعني نوحًا ﵇ ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ من الطوفان ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ قال ابن إسحاق: يعني بنيه الثلاثة: سام وحام ويافث وأزواجهم وستة أناس ممن كان آمن به وحملهم (٢) ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ وهو السفينة. وقال الكلبي: كانوا ثمانين إنسانًا: أربعون رجلا وأربعون امرأة (٣). ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ عن الحق جاهلين بأمر الله. وقال الضحاك: كانوا قوما عمينَ كفّاراً (٤).

стр. 6401

وقال الحسين بن الفضل: عمين في البصائر يقال: رجل عَمٍ عن الحق وأعمى في البصر. وقيل: العصي والأعمى والخضر والأخضر (١). وقال مقاتل: عموا عن نزول العذاب بهم وهو الغرق (٢). ٦٥ - قوله : ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ يعني وأرسلنا إلى عاد، ولذلك نصب الكلام وهو عاد بن عوص ابن إرم بن سام بن نوح ﵇ وهي عاد الأولى (٣) ﴿أَخَاهُمْ﴾ في النسب لا في الدين ﴿هُودًا﴾ وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇ (٤)، وقال ابن إسحاق: هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح (٥) ﴿قَالَ﴾ لهم ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٦) فتوحدونه وتعبدونه.

стр. 6402

٦٦ - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ يا هود ﴿فِي سَفَاهَةٍ﴾ جهالة وضلالة بترك ديننا ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أنك (١) لرسول الله إلينا وأن العذاب نازل بنا. ٦٧ - ﴿قَالَ﴾ هود ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ٦٨ - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)﴾ أدعوكم إلى التوبة، قال الضحاك: أمين على الرسالة (٢). قال الكلبي: قد كنت فيكم قبل اليوم أمينًا (٣). ٦٩ - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني نفسه ﴿لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ يعني أهلكهم وأبدلكم فيها منهم ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ أي: طولا وقوّة وشدّة. قال مقاتل: كان طول كل رجل اثني عشر ذراعًا (٤). وقال الكلبي: كان أطولهم مئة ذراع وأقصرهم ستّون ذراعًا (٥).

стр. 6403

وقال أبو حمزة الثمالي: سبعون ذراعًا (١). وقال ابن عباس ﵁: ثمانون ذراعًا (٢)، وقال وهب: كان رأس أحدهم كالقبة (٣) العظيمة وكان عين الرجل يفرخ فيه الضباع (٤)، وكذلك مناخرهم (٥) ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ نعم الله واحدها إِلْي (٦) مثل مِعْي (٧) وأَمْعَاء، وأَلَى (٨) أيضًا مثل: قَفَا وأَقْفَاء، ونظيرها ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ (٩) واحدها إنى (١٠) وآنا (١١). ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

стр. 6404

٧٠ - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ﴾ وندع ﴿مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنام ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ٧١ - ﴿قَالَ﴾ هود: ﴿قَدْ وَقَعَ﴾ وجب ونزل ﴿عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ أي: عذاب والسين مبدلة من الزاي (١) ﴿وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ وصنعتموها يعني الأصنام ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ قبلكم ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجّة وبيان وعذر وبرهان ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزول العذاب، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. ٧٢ - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ يعني هودًا عند نزول العذاب، ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: استأصلناهم وأهلكناهم عن آخرهم ﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾. وكانت قصّة عاد وهلاكهم على ما ذَكر ابن إسحاق والسدي وغيرهما من الرواة والمفسّرين (٢): أن عادًا كانوا ينزلون

стр. 6405

اليمن، وكانت مساكنهم بالشِّحْر (١) والأحقاف (٢)، وهي رمال يقال لها رمل عالج (٣) ودهناء (٤) ويبرين (٥)، ما بين عُمان (٦)

стр. 6406

إلى حضرموت (١)، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض كلّها، وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله ، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله صنم يقال له: صُداء، وصنم يقال له: صَمُود، وصنم يقال له: الهبار (٢). فبعث الله إليهم هودًا ﵇ نبيا، وهو من أوسطهم نسبًا، وأفضلهم حسبًا، فأمرهم أن يوحدوا الله فلا يجعلوا معه إلهًا غيره، (وأن يكفوا عن ظلم الناس) (٣)، (لم يأمرهم) (٤) فيما يذكر بغير ذلك، فأبوا عليه وكذّبوه، وقالوا: (مَنْ أشد منّا قوّة)، فبنوا المصانع (٥)، وبطشوا بطشة الجبارين، كما ذكر الله تعالى. فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، حتّى جهدهم ذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جَهْد، فطلبوا إلى الله الفرج منه، كانت طلبتهم إلى الله تعالى عند بيته الحرام بمكّة،

стр. 6407

مسلمهم ومشركهم، فيجتمع بمكّة ناس كثير شتى، مختلفة أديانهم وكلهم (١) معظّم لمكّة، عارف بحرمتها ومكانها من الله. وأهل مكّة يومئذ العماليق، وإنّما سُمّوا العماليق لأن أباهم عمليق بن لاوذ ابن سام بن نوح، وكان سيّد العماليق إذ ذلك بمكة رجل يقال له: معاوية بن بكر، وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخيبري رجل من عاد، فلمّا قحط المطر عن عاد وجُهِدوا، قالوا: جهزوا منكم وفدًا إلى مكة فيستسقوا لكم، فبعثوا قَيل بن عَنْز، ولقيم بن هزال بن هزيل، وعثيل بن ضد بن عاد الأكبر، (ومرثد بن سعد بن عفير، وكان مسلمًا يكتم إسلامه، وجلهمة بن الخيبري، خال معاوية بن بكر، ثمّ بعثوا لقمان بن عاد الاصغر بن صد بن عاد الأكبر) (٢)، فانطلق كل واحد من هؤلاء القوم ومعه رهط (٣) من قومه، حتّى بلغ عدد وفدّهم سبعين (٤) رجلا. فلمّا قدموا مكّة نزلوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر مكّة خارجًا من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادَتان: قينتان لمعاوية بن بكر،

стр. 6408

وكان مسيرهم شهرًا، ومقامهم شهرًا. فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم، وقد بعثهم قومهم يتغوّثون من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه، وقال: هلك أخوالي وأصهاري! وهؤلاء مقيمون عندي، وهم ضيفي! والله ما أدري كيف أصنع بهم؟ أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه، فيظنون أنّه ضِيق منّي بمقامهم عندي، وقد هلك مَنْ وراءهم مِنْ قومهم جهدًا وعطشًا! فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرًا نغنيهم به، لا يدرون من قاله، لعلّ ذلك أن يحرّكهم! فقال معاوية بن بكر: أَلا يَا قَيْل ويْحَكَ! قُمْ فَهَيْنِمْ (١) ... لَعَلَّ اللهَ يُصْبِحُنَا (٢) غَمَامَا فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إنَّ عَادًا ... قَدَ امْسَوا ما يبيتون الكَلامَا (٣) مِنَ العَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو ... بِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ وَلا الغُلامَا

стр. 6409

وَقدْ كَانَتْ (١) نِسَاؤُهُمُ بِخَيْرٍ ... فَقدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمُ عَيَامَى (٢) وَإنَّ الوَحْشَ يأتِيهِمْ جِهَارًا ... وَلا يخْشَى لِعَادِيٍّ سِهَامَا وَأنْتُمْ هَا هُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ ... نَهَاركُمُ وَلَيْلكُمُ التَّمَامَا فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمٍ ... وَلا لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلامَا (٣) فلما غنتهم الجرادتان بهذا، قال بعضهم لبعض: ياقوم، إنّما بعثكم قومكم يتغوّثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، (فقد أبطأتم عليهم) (٤) فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم. فقال مرثد بن سعد بن عفير -وكان قد آمن بهود ﵇ سرا من قومه-: إنكم لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيّكم، وأنبتم

стр. 6410

(إلى ربكم) (١) سُقيتم، فأظهر إسلامه عند ذلك، فقال جلهمة بن الخيبري، خال معاوية بن بكر حين سمع قوله، وعرف أنّه قد اتبع دين هود ﵇ قال: أبَا سَعْدٍ فَإِنَّكَ مِنْ قَبيلٍ ... ذَوِي كَرَمٍ وَأُمُّكَ مِنْ ثَمودِ فَإنّا لَنْ نُطِيعَكَ مَا بقِينَا ... وَلَسْنَا فَاعِلِينَ لِمَا تُرِيدُ (أبَا سَعْدٍ أَتَأْمُرنَا لِنَتْرُكَ ... دِينَ قَوْمٍ أطارق معيد) (٢) أَتَأْمُرنَا لِنَتْرُكَ دِينَ رِفْدٍ ... وَرَمْلَ وَآلَ صُدَّ والعُبُودِ (٣) وَنَتْرُكَ دِينَ آباءٍ كِرَامٍ ... ذَوِي رَأيٍ وَنَتْبَعَ دِينَ هُودِ (٤) ثم قالوا لمعاوية بن بكر وأبيه (٥)، وكان حييا شيخًا كبيرًا: احبسا
следующие страницы →