← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

إلى حضرموت (١)، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض كلّها، وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله ، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله صنم يقال له: صُداء، وصنم يقال له: صَمُود، وصنم يقال له: الهبار (٢). فبعث الله إليهم هودًا ﵇ نبيا، وهو من أوسطهم نسبًا، وأفضلهم حسبًا، فأمرهم أن يوحدوا الله فلا يجعلوا معه إلهًا غيره، (وأن يكفوا عن ظلم الناس) (٣)، (لم يأمرهم) (٤) فيما يذكر بغير ذلك، فأبوا عليه وكذّبوه، وقالوا: (مَنْ أشد منّا قوّة)، فبنوا المصانع (٥)، وبطشوا بطشة الجبارين، كما ذكر الله تعالى. فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، حتّى جهدهم ذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جَهْد، فطلبوا إلى الله الفرج منه، كانت طلبتهم إلى الله تعالى عند بيته الحرام بمكّة،

стр. 6407

مسلمهم ومشركهم، فيجتمع بمكّة ناس كثير شتى، مختلفة أديانهم وكلهم (١) معظّم لمكّة، عارف بحرمتها ومكانها من الله. وأهل مكّة يومئذ العماليق، وإنّما سُمّوا العماليق لأن أباهم عمليق بن لاوذ ابن سام بن نوح، وكان سيّد العماليق إذ ذلك بمكة رجل يقال له: معاوية بن بكر، وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخيبري رجل من عاد، فلمّا قحط المطر عن عاد وجُهِدوا، قالوا: جهزوا منكم وفدًا إلى مكة فيستسقوا لكم، فبعثوا قَيل بن عَنْز، ولقيم بن هزال بن هزيل، وعثيل بن ضد بن عاد الأكبر، (ومرثد بن سعد بن عفير، وكان مسلمًا يكتم إسلامه، وجلهمة بن الخيبري، خال معاوية بن بكر، ثمّ بعثوا لقمان بن عاد الاصغر بن صد بن عاد الأكبر) (٢)، فانطلق كل واحد من هؤلاء القوم ومعه رهط (٣) من قومه، حتّى بلغ عدد وفدّهم سبعين (٤) رجلا. فلمّا قدموا مكّة نزلوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر مكّة خارجًا من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادَتان: قينتان لمعاوية بن بكر،

стр. 6408

وكان مسيرهم شهرًا، ومقامهم شهرًا. فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم، وقد بعثهم قومهم يتغوّثون من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه، وقال: هلك أخوالي وأصهاري! وهؤلاء مقيمون عندي، وهم ضيفي! والله ما أدري كيف أصنع بهم؟ أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه، فيظنون أنّه ضِيق منّي بمقامهم عندي، وقد هلك مَنْ وراءهم مِنْ قومهم جهدًا وعطشًا! فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرًا نغنيهم به، لا يدرون من قاله، لعلّ ذلك أن يحرّكهم! فقال معاوية بن بكر: أَلا يَا قَيْل ويْحَكَ! قُمْ فَهَيْنِمْ (١) ... لَعَلَّ اللهَ يُصْبِحُنَا (٢) غَمَامَا فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إنَّ عَادًا ... قَدَ امْسَوا ما يبيتون الكَلامَا (٣) مِنَ العَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو ... بِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ وَلا الغُلامَا

стр. 6409

وَقدْ كَانَتْ (١) نِسَاؤُهُمُ بِخَيْرٍ ... فَقدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمُ عَيَامَى (٢) وَإنَّ الوَحْشَ يأتِيهِمْ جِهَارًا ... وَلا يخْشَى لِعَادِيٍّ سِهَامَا وَأنْتُمْ هَا هُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ ... نَهَاركُمُ وَلَيْلكُمُ التَّمَامَا فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمٍ ... وَلا لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلامَا (٣) فلما غنتهم الجرادتان بهذا، قال بعضهم لبعض: ياقوم، إنّما بعثكم قومكم يتغوّثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، (فقد أبطأتم عليهم) (٤) فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم. فقال مرثد بن سعد بن عفير -وكان قد آمن بهود ﵇ سرا من قومه-: إنكم لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيّكم، وأنبتم

стр. 6410

(إلى ربكم) (١) سُقيتم، فأظهر إسلامه عند ذلك، فقال جلهمة بن الخيبري، خال معاوية بن بكر حين سمع قوله، وعرف أنّه قد اتبع دين هود ﵇ قال: أبَا سَعْدٍ فَإِنَّكَ مِنْ قَبيلٍ ... ذَوِي كَرَمٍ وَأُمُّكَ مِنْ ثَمودِ فَإنّا لَنْ نُطِيعَكَ مَا بقِينَا ... وَلَسْنَا فَاعِلِينَ لِمَا تُرِيدُ (أبَا سَعْدٍ أَتَأْمُرنَا لِنَتْرُكَ ... دِينَ قَوْمٍ أطارق معيد) (٢) أَتَأْمُرنَا لِنَتْرُكَ دِينَ رِفْدٍ ... وَرَمْلَ وَآلَ صُدَّ والعُبُودِ (٣) وَنَتْرُكَ دِينَ آباءٍ كِرَامٍ ... ذَوِي رَأيٍ وَنَتْبَعَ دِينَ هُودِ (٤) ثم قالوا لمعاوية بن بكر وأبيه (٥)، وكان حييا شيخًا كبيرًا: احبسا

стр. 6411

عَنَّا مرثد بن سعد، فلا يقدمنَّ معنا مكّة، فإنّه قد اتبع دين هود، وترك ديننا! ثمّ خرجوا إلى مكّة يستسقون بها لعاد، فلمّا ولّوا إلى مكّة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتّى أدركهم بها، قبل أن يدعو الله بشيء مما خرجوا له، فلما انتهى قام يدعو الله، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون، فجعل (١) يقول: اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعونك به وفد عاد، وكان قَيْل بن عنز رأس وفد عاد، وقال وفد عاد: اللهمّ أعطِ قَيْلا ما سألك، واجعل سؤلَنا مع سُؤله، وقد كان تخلف عن وفد عاد حين دعا، لقمان بن عاد، وكان سيّد عاد. حتى إذا فرغوا من دعوتهم قام فقال: اللهمّ إنّي جئتك وحدي في حاجتي، فأعطني سؤلي، وسأل الله طول العمر. فعمّر عُمُرَ (٢) سبعة أنسر (٣). وقال قيل بن عنز: يا إلهنا، إن كان هود صادقًا فاسقنا، فإنّا قد هلكنا، وقال: اللهمّ إنّي لم أجئ لمريض فأُداويه ولا لأسير فأُفاديه، اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيه، فأنشأ الله له سحائب ثلاثًا: بيضاء، وحمراء، وسوداء، ثمّ نادى مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب. فقال قيل: اخترتُ السحابة السوداء، فإنّها أكثر السحابات ماءً،

стр. 6412

فناداه مناد اخترت ياقيل (١) رَمَاداً (رِمْدِداً، لا تبقي) (٢) من آل عاد أحدًا، لا والدًا تترك ولا ولداً، إلا جعلتهم هَمِدًا (٣)، إلا بني اللُّوذِيّة المهدا (٤). وبنو اللوذية: رهط بنو لقيم بن هزّال بن هزيلة بن بكر، وكانوا سكاناً بمكّة مع أخوالهم، لم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة، من كان من نسلهم الذي بقوا من عاد. وساق الله تعالى السحابة السوداء، التي اختارها -قيل- بما فيها من النقمة (والعذاب إلى عاد) (٥)، حتّى خرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيث. فلما رأوها استبشروا بها، وقالوا: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ يقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٦) أي: كل شيء مرت به، وكان أولُ من أبصر ما فيها وعرفت إنّها ريح، امرأة من عاد يقال لها: مَهْدَد، فلمّا تبينت ما فيها صاحت، ثم صعقت، فلما أفاقت قالوا: ما رأيت؟

стр. 6413

قالت: رأيت ريحاً فيها كشُهُب النار أمامها رجال يقودونها. فسخّرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا. أي: دائمة فلم تدع من عاد أحدًا إلاّ هلك، فاعتزل هود ﵇، ومن معه من المؤمنين في حظيرة (١)، وما يصيبه ومن معه من الريح إلاّ ما تلين عليه الجلود، وتَلتذُّ الأنفس، وإنها لتمرُّ على (٢) عاد بالظعن (٣) فتحملهم (٤) ما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. وخرج وفد عاد من مكّة حتّى مرّوا بمعاوية بن بكر، فنزلوا عليه فبينا هم عنده، إذ أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة (مُسْيَرة ثلاثةٍ أيام) (٥) من مُصاب عاد، فأخبرهم الخبر، فقالوا: فأين فارقت هودا وأصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر. فكأنّهم شكوا فيما حدّثهم به، فقالت هزيلة بنت بكر: صدق ورب مكّة! (٦) وذكروا (٧) أنّ مرثد بن سعد ولقمان بن عاد، وقيل بن عنز حين دعوا بمكّة قيل لهم: قد أعطيتم مناكم

стр. 6414

فاختاروا لأنفسكم، إلاّ أنّه لا سبيل إلى الخلود، ولابد من الموت. فقال مرثد: اللهم أعطني برًّا وصدقًا، فأعطي ذلك، وقال لقمان: أعطني يارب عمرًا، فقيل له: أختر لنفسك، بقاء أبعار ضأن عَفْر (١) في جبل وَعْرِ (٢) لا يُلقى به القَطْر، أم سبعة أنسر إذا مضى نسر (٣) تحول (٤) إلى نسر، (فاسْتَحْيَر لقمان عمر الأبعار، فاختار عمر النسور) (٥) فعمر لقمان عمر سبعة أنسر، يأخذ (٦) الفرخ حين يخرج من بيضه، فيأخذ الذكر منها لقوته ويربيه (٧)، حتّى إذا مات أخذ غيره، فلم يزل يفعل ذلك حتّى أتى على السابع، وكان كل نسر يعيش ثمانين سنة، وكان آخرها لُبد، فلما مات لُبَد مات لقمان معه. وأما قَيْل فإنّه قال: أختار أن يصيبه ما أصاب قومه، فقيل له: إنّه الهلاك، فقال: لا أُبالي لا حاجة لي في البقاء بعدهم. فأصابه

стр. 6415

الذي أصاب عادًا من العذاب والهلاك فهلك (١). [١٣٧٣] أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين (٢)، ثنا مَخْلد بن جعفر (٣)، ثنا الحسن بن عَلَّوَيْة (٤)، ثنا إسماعيل بن عيسى (٥)، ثنا إسحاق بن بشر (٦)، قال: أخبرني المثنى بن الصباح (٧) عن عمرو ابن شعيب (٨)، عن أبيه (٩)، عن جده (١٠) قال: أوحى الله إلى الريح العقيم أن يخرج على قوم عاد فتنتقم له منهم، فخرجت بغير كيل على قدر منخر ثور، حتّى رجفت الأرض ما بين المشرق إلى المغرب، فقال الخزان يارب لن نطيقها، ولو خرجت على حالها لأهلكت ما بين مشارق الأرض ومغاربها فأوحى الله تعالى إليها أن

стр. 6416

ارجعي فاخرجي على قدر خُرت (١) الخاتم (فرجعت فخرجت على قدر خُرت خاتم) (٢) وهي الحلقة (٣). [١٣٧٤] وأخبرنا الحسين بن محمد بن (الحسين (٤)، قال: ) (٥) حدثنا السُّني (٦)، قال: (٧) ثنا أبو يعلى الموصلي (٨)، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل (٩)،

стр. 6417

وعبيد الله بن عمر القواريري (١)، قالا: حدثنا (٢) جعفر بن سليمان الضُبَعي (٣) قال (٤): حدثنا فَرْقَد السَّبَخِي (٥) عن عاصم بن عمرو البَجَلِي (٦) عن أبي أُمامة الباهلي (٧) ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يبيت قوم من هذِه الأُمّة على طعام وشراب (ولهو فيصبحون) (٨) قردةً وخنازير، وليصيبنّهم خسف وقذف، فيقولون: لقد خُسف (اليوم أو) (٩) الليلة ببنيّ فلان، وخسف الليلة ببني فلان، ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادًا بشربهم الخمور، وأكلهم الربا، واتخاذهم القينات، ولبسهم الحرير، وقطعهم الأرحام" (١٠).

стр. 6418

وفي الخبر: أنّه أُرسل عليهم من الريح العقيم قدر ما يجري في خاتم (١). قال السدي: بعث الله إلى عاد الريح العقيم، فلمّا

стр. 6419

دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض. فلمّا رأوها تبادروا إلى البيوت، فلمّا دخلوا، دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثمّ أخرجتهم من البيوت، فلمّا أهلكهم الله، أرسل عليهم طيرًا سودًا، فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه، ولم يخرج ريح قط إلاّ بمكيال، إلاّ يومئذ، فإنّها (خرجت بغير كيل) (١)، عتت على الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها (٢). وقال أبو الطفيل عامر بن وَاثِلَة: سمعت عليّ بن أبي طالب ﵁ يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيبًا أحمر يخالط مَدَرة (٣) حمرة، ذا أرَاك وسِدْر كثير، بناحية كذا وكذا (٤) من حضرموت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، والله إنّك لتنعته نعت رجل قد رآه، فقال: لا، ولكنّي قد حُدِّثت عنه، فقال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود صلوات الله عليه (٥).

стр. 6420

[١٣٧٥] وأخبرني أحمد بن أبي الفراتي (١)، أخبرنا المغيرة بن عمرو (٢)، قال: أخبرنا المفضل بن محمد (٣)، ثنا يونس بن محمد (٤)، حدثنا يزيد بن أبي حكيم (٥)، عن سفيان الثوري (٦)، عن عطاء بن السائب (٧)، عن عبد الرحمن بن سابط (٨) أنّه قال: بين الركن والمقام وزمزم قبر (٩) تسعة وتسعين نبيًّا، وإن قبر هود وشعيب وصالح وإسماعيل ﵈ في تلك البقعة (١٠).

стр. 6421

وفي رواية أُخرى: وكان النبيّ من الأنبياء إذا هلك قومه ونجا هو والصالحون معه أتى مكّة فيمن معه فيعبدون الله فيها حتّى يموتوا (١).

стр. 6422

٧٣ - قوله : ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ قرأ يحيى بن وثاب: (وإلى ثمودٍ) (١) بالإجراء والتنوين (٢)، والباقون (٣) بغير الصرف (٤)، وإنّما يعني: وأرسلنا (٥) إلى ثمود، وهو ثمود بن عاتر (٦) بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس (٧) وأراد هاهنا القبيلة. قال أبو عمروبن العلاء (٨): سُمّيت ثمود لقلّة مائها والثمد الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القُرى (٩) ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ وهو: صَالِحُ بنُ عَبِيدِ بنِ آسَفَ بنِ مَاشِج

стр. 6423

بن عَبيدِ بن حَادِرِ بن ثَمُودَ (١)، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ حجّة ودلالة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على صدقي ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ أضافها إليه على التفضيل والتخصيص كما يقال: بيت الله (٢). وقيل: أُضيفت إلى الله لأنّها كانت بالتكوين من غير اجتماع ذكر وأُنثى (ولم يكن) (٣) في صلب ولا رحم ولم يكن للخلق فيها سعي (٤) ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ نُصِبَ على الحال ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ﴾ العشب ﴿فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ (ولا تصيبوها) (٥) بعقر ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ٧٤ - قوله : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ﴾ وأسكنكم وأنزلكم ﴿فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ﴾ قرأ الحسن: (وتَنْحَتُون) بفتح الحاء وهي لغة (٦)، ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ﴾

стр. 6424

وكانوا يَنْقُبون في الجبال البيوت ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. ٧٥ - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ يعني الأشراف والقادة الذين تعظّموا عن الإيمان بصالح ﵇ ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ يعني الأتباع ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ﴾ قالوا: ﴿إنا بما أرسل به مؤمنون﴾. ٧٦ - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾ جاحدون. ٧٧ - ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ نحروها ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ يعني العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ٧٨ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ يعني الصيحة والزلزلة وأصلها الحركة مع الصوت، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ (١). قال الشاعر (٢):

стр. 6425

وَلمّا رَأيتُ الحَجّ قَدْ آنَ وَقْتُهُ ... وظلّت جِمَالُ (١) القَوْمِ بالقَوْمِ تَرْجُفُ (٢) وقال الأخطل: إِمَّا تَرَيْنِي حَنَانِي الشَّيْبُ مِنْ كِبَرٍ ... كَالنَّسْرِ أَرْجُفُ، وَالإنْسَانُ مَهْدُودُ (٣) (أي مكسور إذا شاب) (٤) ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ أي: أرضهم وبلدتهم لذلك وَحَّد الدار. وقيل: أراد به الديار فوحَّد، كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ (٥) ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾. خامدين ميتين صرعى هلكى، وأصل الجاثم البارك على الركبة. قال جرير: عَرَفْتُ المُنْتَأى، وَعَرَفْتُ مِنْهَا ... مَطَايَا القِدْرِ كَالحِدَإ الجُثُومِ (٦)

стр. 6426

٧٩ - ﴿فَتَوَلَّى﴾ أعرض ﴿عَنْهُمْ﴾ صالح: ﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾. كانت قصّة ثمود وصالح وعقرهم الناقة وكيفية هلاكهم على ما ذكره ابن إسحاق والسدي ووهب بن منبه وكعب وغيرهم من أهل الكتب (١): أنّ عادًا لمّا هلكت وتقضًّى أمرها عُمِّرت ثمود بعدها واستخلفوا في الأرض فربلوا (٢) فيها وكثروا وعمّروا، حتّى جعل أحدهم يبني المسكن من المدَرَ (٣) فينهدم والرجل منهم حي، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتًا فنحتوها وجابوها وجوفوها، وكانوا في سَعَة من معائشهم، فعتوا على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله، فبعث الله إليهم صالحًا وكانوا قوما عربًا، وكان صالح من أوسطهم نسبًا، وأفضلهم موضعًا. فبعثه الله سبحانه إليهم شابًّا فدعاهم إلى الله حتّى شَمِطَ (٤) وكبر لا يتبعه منهم إلاّ قليل

стр. 6427

مستضعفون، فلمّا ألحّ عليهم صالحٌ بالدعاء والتبليغ، وأكثر لهم التخويف والتحذير. سألوه أن يريهم آية تكون مصداقًا لقوله، فقال لهم: أي آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا هذا، وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم، في يوم معلوم من السنة، فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فإن أستجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا. فقال لهم صالح: نعم، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك، وخرج صالح معهم فدعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء ممّا يدعو به. ثمّ قال جُندَع بن عمرو بن حواس وهو سيّد ثمود يومئذ: يا صالح أَخْرِج لنا من هذِه الصخرة، لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاثبة، ناقة (مُخْتَرِجَة جَوْفَاء) (١) وَبْرَاء (٢)، والمُخْتَرِجَة ما شَاكَلَ البُخْتُ (٣) من الإبل، فإن فعلت ذلك صدّقناك وآمنّا بك، فأخذ صالح عليهم مواثيقهم لإن فعلت لتصدقني ولتومنن بي، قالوا: نعم، وصلّى صالح ركعتين ودعا ربه فتمخضت (٤)

стр. 6428

الصخرة تمخض النتوج بولدها ثمّ تحرّكت الهضبة، فانصدعت (١) عن ناقة عُشَراء (٢) جوفاء وبراء، كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلاّ الله عِظمًا، وهم ينظرون ثمّ نتجت سَقَباً (٣) مثلها في العظم، فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويُصدّقوه، فنهاهم عن ذلك ذؤاب بن عمرو بن لَبِيْد والحباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صمعر، وكانوا من أشراف ثمود. وكان لجندع (بن عمرو) (٤) ابن عم يقال له شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد فأراد أن يسلم فنهاه أُولئك الرهط فأطاعهم، فقال رجل من ثمود (٥): وَكَانَتْ عُصْبَةٌ مِنْ آلِ عَمْروٍ ... إِلَى دِينِ النَّبِيِّ دَعَوْا شِهَابَا عَزِيزَ ثَمُودَ كُلِّهِمُ جَمِيعًا ... فَهَمَّ بِأَنْ يُجِيبَ وَلَوْ أَجَابَا

стр. 6429

لأصْبَحَ صَالِحٌ فِينَا عَزِيزًا ... وَمَا عَدَلوا بصَاحِبِهم ذُؤَابَا ولكن الغُوَاةَ مِن آلِ حجْرٍ ... تَوَلَّوْا بَعْدَ رُشْدِهِمُ ذيَابَا (١) فلما خرجت الناقة قال صالح ﵇: هذِه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، فمكثت الناقة ومعها سقبها في أرض ثمود ترعى الشجر، وتشرب الماء فكانت ترد الماء غِبًا (٢) فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر من الحجر يقال لها بئر الناقة فما ترفعه حتّى تشرب كلّ ماء فيها فلا تدع قطرةً ماء فيها ثم ترفع رأسها، فَتَفْشَج حتى تَفْجَج (٣) لهم فيحتلبون ما شاؤوا من لبن فيشربون ويدخرون، حتّى يملأوا أوانيهم كلها، ثمّ تصدر من غير الفج (٤) الذي منه وردت لا تقدر على أن تصدر من حيث ترد تضيق عنها فلا ترجع منه.

стр. 6430

قال أبو موسى الأشعري ﵁: أتيت أرض ثمود فذرعت مَصْدرَ الناقة فوجدته ستين ذراعًا (١)، حتّى إذا كان الغد كان يومهم فيشربون ما شاؤوا من الماء ويدخرون ما شاؤوا ليوم الناقة، فهم في ذلك في سعة ودعة وكانت الناقة تُصَيِّف إذا كان الحر على ظهر الوادي، فتهرب منها أغنامهم وبقرهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرّه وجدبه، وذلك أن المواشي كانت تنفر منها إذا رأتها، وتشتو ببطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب. فأضرّ ذلك بمواشيهم، للبلاء والاختبار. وكانت مراتعها في ما يزعمون الجِنَاب وحِسْمى (٢) كل ذلك ترعى مع واد الحجر (٣)، فكبر (٤) ذلك عليهم فعتوا عن أمر

стр. 6431

ربّهم وحملهم ذلك (١) على عقر الناقة، فأجمعوا على عقرها، وكانت امرأة من ثمود يقال لها عُنَيزة بنت عمرو بن مِجْلز تُكْنَى أُم غِنْم، وهي من بني العبيد بن المهل، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو، وكانت عجوزًا مسنّة، وكانت ذات بنات حسان، وكانت ذات مال من إبل وغنم وبقر، وامرأة أُخرى يقال لها: صَدوف بنت المحيا بن زهرة (٢)، وكانت جميلة غنية ذات مال من إبل وبقر وغنم، وكانتا من أشد الناس عداوة لصالح ﵇، فكانتا تحتالان في عقر الناقة مع كفرهما به لما أضرت بة من مواشيهما، وكانت صدوق عند ابن خال لها يقال له: صُنْتُم بن هراوة بن سعد بن الغطريف بن هلال، فأسلم وحسن إسلامه، وكانت صدوق قد فوّضت إليه مالها، فأنفقه على مَنْ أسلم معه من أصحاب صالح ﵇ حتّى رق المال. فاطلعت على ذلك من إسلامه صدوق، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه ودعاها إلى الله وإلى الإسلام، فأبت عليه وشنِفَتْ (٣) له، فأخذت أبناءها وبناتها منه فغيبتهم في بني عبيد بطنها التي هي منه، وكان صنتم زوجها من بني هليل، وكان ابن خالها فقال لها: ردي

стр. 6432

عليَّ ولدي، فقالت: حتّى أنافرك (١) إلى بني صنعان (٢) بن عبيد أو إلى بني جندع بن عبيد، فقال لها صُنْتُم: بل أنافرك إلى بني مرداس بن عبيد، وذلك أن بني مرداس كانوا مسلمين، فقالت: لا أنافرك إلاّ إلى مَنْ دعوتك إليه، فقال بنو مرداس: والله لتعطينه ولده طائعة أو كارهة، فلما رأت ذلك أعطته إياهم. ثم إنّ صدوق وعنيزة احتالتا في عقر الناقة للشقاء الذي نزل بهم، فدعت صدوق رجلا من ثمود يقال له الحُبَاب لعقر الناقة وعرضت عليه نفسها (٣) إن هو فعل، فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له: مِصدع بن مِهْرج بن المُحيا، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن النساء حالا وأكثرهن (٤) مالا، فأجابها إلى ذلك. ودعت عنيزة قُدَار بن سالف بن جندع رجلا من أهل قزح، واسم أُمّه قديرة، وكان رجلا أحمر أزرق قصيرًا، يزعمون أنّه كان لزنية من رجل يقال له: هسان، ولم يكن لسالف الذي يدعى إليه، ولكنه قد ولد على فراش سالف. فقالت: أعطيك أَيّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان قُدَار عزيزًا منيعًا في قومه.

стр. 6433

وذكره رسول الله ﷺ فقال: "انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ، مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ، مِثْلُ أبي زَمْعَةَ (١) " (٢)، فانطلق قُدَار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة ثمود، فاتبعهم سبعة نفر، فكانوا تسعة رهط أحدهم هذيل بن مبلغ (٣) خال قدار، وكان عزيزا من أهل حجر، ودعين بن غنم بن ذاغر بن مهرج وداود (٤) بن مهرج أخو (٥) مصدع، وخمسة لم يذكر لنا أسماؤهم، فاجمعوا على عقر الناقة. وقال السدي وغيره: أوحى الله تعالى إلى صالح ﵇ إن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك (٦)، فقالوا: ما كنّا لنفعل (٧). فقال

стр. 6434

صالح ﵇: إنّه يولد في شهركم هذا غلام يعقرها ويكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد لنا ابن في هذا (١) الشهر إلاّ قتلناه، قال: فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثمّ ولد للعاشر (٢) فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبل ذلك شيء (٣)، وكان ابن العاشر أزرق أحمر فنبت نباتًا سريعًا، وكان إذا مرّ بالتسعة فرأوه، قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا (٤)، فغضب التسعة على صالح ﵇، لأنّه كان سبب قتلهم أبناءهم، فتقاسموا بالله لنبيتنّه وأهله. قالوا: نخرج فَنُرِيَ الناس أنا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه حتّى إذا كان الليل، وخرج صالح ﵇ إلى مسجده أتيناه فقتلنا، ثمّ رجعنا إلى الغار فكنّا فيه، ثمّ رجعنا فقلنا (ما شهدنا) (٥) مهلك أهله، وإنّا لصادقون، يصدّقوننا يعلمون أنّا قد خرجنا إلى سفرنا، وكان صالح ﵇ لا ينام معهم في القرية، (وكان له) (٦) مسجد يقال له مسجد صالح فيه يبيت بالليل، فإذا أصبح أتاهم ووعظهم وذكرهم، وإذا أمسى خرج إلى المسجد فبات فيه، فانطلقوا فلمّا دخلوا الغار وأرادوا أن يخرجوا من الليل فسقط

стр. 6435

عليهم الغار فقتلهم. فانطلق رجال ممّن قد اطلع على ذلك منهم، فإذا هم رضخ (١)، فرجعوا وجعلوا يصيحون في القرية. أي: عباد الله (أما رضي) صالح أن أمرهم بقتل أولادهم حتّى قتلهم، فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة. وقال محمد (٢) بن إسحاق: إنّما اجتمع التسعة على تبييت صالح بعد عقرهم الناقة، وإنذار صالح إياهم بالعذاب، ذلك أن التسعة الذين عقروا الناقة قالوا: هلّم فلنقتل صالحًا، وإن كان صادقًا عجّلناه، وإن كان كاذبًا كنا قد ألحقناه بناقته! فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة. فلمّا أبطؤوا على أصحابهم، أتوا منزل صالح، فوجدوهم منشدخين قد رُضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح ﵇: أنت قتلتهم! ثمّ همّوا به، فقامت عشيرته (٣) دونه ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا يقتلونه أبدًا، وقد وعدكم أنّ العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقًا لم تزيدوا ربّكم عليكم إلاّ غضبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم من وراء ما تريدون! فانصرفوا عنهم (ليلتهم تلك) (٤). قال السدي وغيره: لما ولد ابن العاشر يعني قُدَار شب في اليوم شباب غيره في الجمعة، وشبّ في الشهر شباب غيره في السنة، فلمّا

стр. 6436

كبر جلس مع أُناس يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم شرب الناقة فوجدوا الماء قد شربته الناقة، واشتد ذلك عليهم، وقالوا في شأن الناقة وشدّتها عليهم، وقالوا ما نصنع نحن باللبن، لو كنّا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذِه الناقة فنسقيه أنعامنا وحروثنا كان خيرًا لنا، فقال ابن العاشر: هل لكم في أن أعقر لكم؟ قالوا: نعم (١). وقال كعب: كان سبب عقرهم الناقة، أنّ امرأة يقال لها ملكا كانت قد ملكت ثمود، فلمّا أقبل الناس على صالح، وصارت الرئاسة إليه حسدته. فقالت لامرأة يقال لها قطام (٢)، وكانت معشوقة قُدَار بن سالف، ولامرأة أُخرى يقال لها قيال، كانت معشوقة مصدع بن بردهز (٣)، ويقال ابن مهرج، وكان قُدَار ومصدع (٤) يجتمعان معهما كل ليلة، ويشربون الخمر، فقالت لهما ملكا: إن أتاكم الليلة قُدَار ومصدع فلا تطيعانهما، وقولا لهما: إن الملكة حزينة لأجل الناقة، ولأجل صالح، فنحن لا نطيعكما حتّى تعقرا الناقة فإن عقرتماها أطعناكما، فلمّا أتياهما قالت لهما هذِه المقالة، فقالا: نحن نكون من وراء عقرها (٥).

стр. 6437

وقال ابن إسحاق وغيره: فانطلق قُدَار ومصدع وأصحابهما السبعة، فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء، وقد كمن لها قُدَار في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل صخرة أخرى، فمرّت على مصدع فرما بسهم فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت أم غنم بنت عنيزة، وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس فاسفرت لقدار، ثمّ أمرته فشد على الناقة بالسيف، فكشف عرقوبها فخرت ورَغَت رُغَاة (١) واحدة، تحذر سقبها، ثمّ طعن في لَبَّتها (٢) فنحرها، فخرج أهل البلدة واقتسموا لحمها وطبخوه، فلمّا رأى سقبها ذلك انطلق حتّى أتى جبلا منيفًا يقال له صنو، وقيل: اسمه قارة، وأُتي صالح فقيل له: أدرك الناقة فقد عُقرت، فأقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه، يانبي الله إنّما عقرها فلان، فلا ذنب لنا، فقال صالح ﵇: انظروا هل تدركون فَصيْلها (٣)، فإن أدركتموها فعسى أن يُرُفع عنكم العذاب. فخرجوا يطلبونه، فلمّا رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله تعالى إلى الجبل، فتطاول في السماء حتّى ما تناله الطير، وجاءَ صالح ﵇، فلمّا رآه الفصيل

стр. 6438

بكي حتّى سالت دموعه ثمّ رغا ثلاثا، وانفجرت الصخرة فدخلها، فقال صالح ﵇: (لكل رغاة أجل يوم) (١) تمتّعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب (٢). وقال ابن إسحاق: اتبع السقب أربعة نفر من التسعة (٣) الذين عقروا الناقة، وفيهم مصدع بن مهرج، وأخوه ذؤاب (٤) بن مهرج، فرماه مصدع بسهم فانتظم قلبه، ثمّ جَرَّ برجله فأنزله، فألحقوا لحمه مع لحم أُمّه، فقال لهم صالح (٥): انتهكتم حرمة الله تعالى، فأبشروا بعذاب الله ونقمته، قالوا وهم يهزأون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكان يسمّون فيهم الأيام فيوم (٦) الأحد أَوَّل، والاثنين أَهْوَن، والثلاثاء دُبَار، والأربعاء جُبَار، والخميس مُؤْنِس، والجمعة العَرُوبَة، والسبت شِيَار. وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح ﵇ حين قالوا ذلك: تصبحون غداة مُؤْنِس ووجوهكم مصفرّة، ثمّ تصبحون يوم العَرُوبَة ووجوهكم محمرّة، ثمّ تصبحون يوم شِيَار ووجوهكم مسودّة، ثمّ يصبحكم العذاب يوم

стр. 6439

الأوّل، فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرّة، كأنّما طليت بالخَلُوق، صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم، فأيقنوا العذاب وعرفوا أن صالحًا قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح ﵇ هاربًا حتّى لجأ إلى بطن من ثمود، يقال لهم: بنو غنم، فنزل على سيّدهم رجل منهم يقال له: نُفيل ويكنّى أبا هُدْب (وهو مشرك) (١) فغيّبه فلم يقدروا عليه، فعدوا على أصحاب صالح يعذّبونهم (٢) ليدلّوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح ﵇ يقال له ميدع بن هرم: يا نبي الله إنّهم ليعذبونا لندلهم عليك أفندلهم؟ قال: نعم، فدلّهم عليه ميدع، فأتوا أبا هدب فكلّموه في ذلك، فقال: نعم عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل، فأعرضوا عنه وتركوه، وشغلهم عنه ما أنزل الله تعالى بهم (٣) من عذاب، فجعل بعضهم يخبّر بعضًا ما يرون في وجوههم، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: أَلا قد مضى يوم من الأجل، فلمّا أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرّة كأنّما خُضِبت بالدماء، فصاحوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب، فلمّا أمسوا صاحوا بأجمعهم: أَلا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث، إذا وجوههم مسودّة كأنّما طُليت بالقار (٤)، فصاحوا جميعًا: أَلا قد حضركم العذاب،

стр. 6440

فلمّا كان ليلة الأحد خرج صالح ﵇ من بين أظهرهم، ومَنْ أسلم معه إلى الشام، فنزل رَمْلَة فلسطين (١). فلمّا أصبح القوم تكفّنوا وتحنّطوا، وكان حنوطهم الصَّبر (٢) والمَقر (٣)، وكانت أكفانهم الأنْطَاع (٤)، ثمّ ألقوا بأنفسهم بالأرض، فجعلوا يقلّبون أبصارهم إلى السماء مرّة وإلى الأرض مّرة، لا يدرون من أين يأتيهم العذاب، فلمّا اشتد الضحى من يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء، فيها صوت كلّ صاعقة، وصوت كل شيء له صوت في الأرض، فقطّعت قلوبهم في صدورهم، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلاّ هلك، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (٥) إلاّ جارية مقعدة، يقال لها: ذريعة بنت سِلْق، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح ﵇، فأطلق

стр. 6441

الله تعالى لها رجليها بعدما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما رؤي قط، حتّى أتت قُرَحَ وهي وادي القُرى (١) فأخبرتهم بما عاينت من العذاب، وما أصاب ثمود (من العذاب) (٢)، ثمّ استسقت من الماء، فسُقيت فلمّا شرِبْت ماتت (٣). وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لمّا مر النبيّ ﷺ بالحِجْر في غزوة تبوك (٤) قال لأصحابه: "لا يدخلن أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم، ولا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلاّ أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل الذي أصابهم"، ثمّ قال: "أمّا بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية، فبعث الله لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفَجّ (٥)، وتَصدُر

стр. 6442

هن هذا الفَجّ، فتشرب ماءهم يوم وردها. وأراهم مرتقى الفصيل حين ارتقى في القارة، فعتوا عن أمر ربّهم، وعقروها فأهلك الله مَنْ تحت أديم السماء منهم في مشارق الأرض ومغاربها، إلاّ رجلا واحدًا يقال له: أبو رِغَال، وهو أبو ثقيف كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه، فدفن ودُفن معه غُصن من ذهب" وأراهم قبر أبي رِغَال. فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم وبحثوا (١) عنه، فاستخرجوا ذلك الغصن، ثمّ قَنَّع (٢) رسول الله ﷺ رأسه، وأسرع السير حتّى جاز الوادي" (٣). وقال بعض أهل العلم توفي صالح ﵇ بمكّة، وهو ابن ثمان

стр. 6443

وخمسين سنة وأقام في قومه عشرين سنة (١). [١٣٧٦] وأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون (٢)، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسن (٣)، قال: حدثنا عبد الله بن هاشم (٤)، قال: حدثنا وكيع بن الجراح (٥)، قال: حدثنا قتيبة أبو عثمان (٦)، عن أبيه (٧)، عن الضحاك بن مزاحم (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : " (يا عليّ) (٩) أتدري مَنْ أشقى الأوّلين؟ " قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "عاقر الناقة"، قال: "أتدري مَنْ أشقى الآخرين؟ "

стр. 6444

قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: "قاتلك" (١).

стр. 6445

٨٠ - قوله : ﴿وَلُوطًا﴾ يعني وأرسلنا لوطًا، وقيل معناه: واذكر لوطًا، وهو لوط بن هاران ابن تارخ بن أخي (١) إبراهيم ﵉ (٢) ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم أهل سَدُوم (٣)، وذلك أنّ لوطًا شخص من أرض بَابِل (٤) مع عمّه إبراهيم ﵇ مؤمنًا به مهاجرًا معه إلى الشام، فنزل إبراهيم ﵇ فلسطين، (وأنزل ابن أخيه) (٥) لوطًا ﵇ الأردن فأرسله الله إلى أهل سدوم فقال لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ (يعني: إتيان الذكران) (٦) ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال عمرو بن دينار: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا حتّى كان قوم لوط (٧). ٨١ - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ (الفاحشة أي تأتون) (٨) ﴿الرِّجَالَ﴾ في أدبارهم ﴿شَهْوَةً مِنْ دُون
следующие страницы →