← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

الله تعالى لها رجليها بعدما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما رؤي قط، حتّى أتت قُرَحَ وهي وادي القُرى (١) فأخبرتهم بما عاينت من العذاب، وما أصاب ثمود (من العذاب) (٢)، ثمّ استسقت من الماء، فسُقيت فلمّا شرِبْت ماتت (٣). وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لمّا مر النبيّ ﷺ بالحِجْر في غزوة تبوك (٤) قال لأصحابه: "لا يدخلن أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم، ولا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلاّ أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل الذي أصابهم"، ثمّ قال: "أمّا بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية، فبعث الله لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفَجّ (٥)، وتَصدُر

стр. 6442

هن هذا الفَجّ، فتشرب ماءهم يوم وردها. وأراهم مرتقى الفصيل حين ارتقى في القارة، فعتوا عن أمر ربّهم، وعقروها فأهلك الله مَنْ تحت أديم السماء منهم في مشارق الأرض ومغاربها، إلاّ رجلا واحدًا يقال له: أبو رِغَال، وهو أبو ثقيف كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه، فدفن ودُفن معه غُصن من ذهب" وأراهم قبر أبي رِغَال. فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم وبحثوا (١) عنه، فاستخرجوا ذلك الغصن، ثمّ قَنَّع (٢) رسول الله ﷺ رأسه، وأسرع السير حتّى جاز الوادي" (٣). وقال بعض أهل العلم توفي صالح ﵇ بمكّة، وهو ابن ثمان

стр. 6443

وخمسين سنة وأقام في قومه عشرين سنة (١). [١٣٧٦] وأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون (٢)، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسن (٣)، قال: حدثنا عبد الله بن هاشم (٤)، قال: حدثنا وكيع بن الجراح (٥)، قال: حدثنا قتيبة أبو عثمان (٦)، عن أبيه (٧)، عن الضحاك بن مزاحم (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : " (يا عليّ) (٩) أتدري مَنْ أشقى الأوّلين؟ " قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "عاقر الناقة"، قال: "أتدري مَنْ أشقى الآخرين؟ "

стр. 6444

قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: "قاتلك" (١).

стр. 6445

٨٠ - قوله : ﴿وَلُوطًا﴾ يعني وأرسلنا لوطًا، وقيل معناه: واذكر لوطًا، وهو لوط بن هاران ابن تارخ بن أخي (١) إبراهيم ﵉ (٢) ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم أهل سَدُوم (٣)، وذلك أنّ لوطًا شخص من أرض بَابِل (٤) مع عمّه إبراهيم ﵇ مؤمنًا به مهاجرًا معه إلى الشام، فنزل إبراهيم ﵇ فلسطين، (وأنزل ابن أخيه) (٥) لوطًا ﵇ الأردن فأرسله الله إلى أهل سدوم فقال لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ (يعني: إتيان الذكران) (٦) ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال عمرو بن دينار: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا حتّى كان قوم لوط (٧). ٨١ - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ (الفاحشة أي تأتون) (٨) ﴿الرِّجَالَ﴾ في أدبارهم ﴿شَهْوَةً مِنْ دُون

стр. 6446

النِّسَاءِ﴾ يعني أدبار الرجال أشهى عندكم من فروج النساء ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ مشركون مجاوزون الحلال إلى الحرام. قال محمد بن إسحاق: كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فآذوهم فعرض لهم إبليس (١) في صورة شيخ فقال: إن فعلتم بهم كذا وكذا نجوتم منهم فأبوا، فلما ألحّ الناس عليهم قصدوهم فأصابوا غلمانًا صباحًا فأخبثوا واستحكم فيهم ذلك (٢). قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلاّ الغرباء (٣). وقال الكلبي: أوّل مَنْ عمل عمل قوم لوط إبليس الخبيث لأن بلادهم أخصبت فانتجعها أهل البلدان، فتمثّل لهم إبليس في صورة شاب، ثمّ دعا إلى دبره فنُكح في دبره، ثمّ عبثوا بذلك العمل، فلما كثر ذلك فيهم عجّت الأرض إلى ربّها، فسمعت السماء فعجّت إلى ربّها، فسمع العرش فعجّ إلى ربّه، فأمر الله (تعالى السماء) (٤) أن يحصبهم، وأمر الأرض أن يخسف بهم (٥). ٨٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ إذ قال لهم ذلك ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ قال بعضهم لبعض ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾ يعني لوطًا وأهل دينه ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. يتنزّهون

стр. 6447

ويتحرّجون عن أتيان أدبار الرجال وأدبار النساء. ٨٣ - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ يعنى لوطًا ﴿وَأَهْلَهُ﴾ المؤمنين، وقيل: أهله ابنتاه: زعوا، ورثا (١). ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ أهله فإنّها ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. يعني الباقين في العذاب، وقيل: معناه: كانت من الباقين والمعمّرين قبل الهلاك الذي قد أتى عليهم دهر طويل، فهرمت فيمن هرم من الناس، فهلكت مع مَنْ هلك من قوم لوط حين أتاهم العذاب، وإنّما قال: الغابرين ولم يقل: الغابرات لأنه أراد أنّها ممّن بقي مع الرجال فلمّا (٢) ضم ذكرها إلى ذكر الرجال قيل: من الغابرين، والفعل منه: غَبَر يَغْبُرُ غُبُورًا، وغَبْرًا إذا بقي (٣). قال الشاعر (٤): وَأَبِي الذِي فَتَحَ البِلادَ بِسِيْفِهِ ... فَأَذَلَّها لِبَنِي أَبَانَ الغَابرِ (٥) يعني الباقي. وقال أبو ذؤيب: فَغَبَرت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أنّي لاحق مستتبع (٦)

стр. 6448

٨٤ - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ يعني حجارة من سجّيل ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾. وسنذكر القصّة بتمامها في موضعها إن شاء الله . [١٣٧٧] أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد (بن محمد) (١) بن عقيل القطان (٢) قال أخبرنا أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور (٣) حدثنا أبو حاتم الرازي (٤) حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي (٥) حدثنا صفوان بن عمرو (٦) قال: كتب عبد الملك بن مروان (٧) إلى أبي حبيب (٨) قاضي حمص (٩) يسأله: كم عقوبة اللوطي؟ فكتب أن عليه أن يُرمى بالحجارة، كما رجُم قوم لوط،

стр. 6449

فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ (١) وقال: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٢) فقبل عبد الملك ذلك منه وحسنه (٣). وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄. أن النبيّ ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (٤). وقال محمد بن المنكدر: كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر ﵁-أنّه وجد رجلا في بعض ضواحي العرب ينكح كما تُنكح المرأة فشاور أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، فاجتمع رأيهم على أن يُحرقوه فأحرقه (٥).

стр. 6450

٨٥ - قوله : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ يعني وأرسلنا إلى ولد مدين وهو مدين بن إبراهيم خليل الرحمن وهم أصحاب الأيكة (١)، وقال قتادة: أرسل مرّتين إلى مدين وإلي أصحاب الأيكة (٢). ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ قال قتادة: هو شعيب بن نويب (٣). قال عطاء: هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم ﵇ (٤). وقال ابن إسحاق: هو شعيب بن ميكيل بن يشجن بن مدين بن إبراهيم (٥)، واسمه بالسريانية يثروب، وأُمّه ميكيل بنت لوط، وكان شعيب أعمى، وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وكان قومه. أهل كفر بالله، وبخسوا المكيال والميزان (٦)) فـ ﴿قَالَ﴾ لهم) (٧) ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ربي (٨) ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ

стр. 6451

جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهي مجيء شعيب ﴿فَأَوْفُوا﴾ فأتمّوا ﴿الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ولا تظلموا الناس حقوقهم، ولا تنقصوهم إياهم ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ قال ابن عباس ﵄: كانت الأرض قبل أن يُبعث إليها شعيب رسولا، يُعمل فيها بالمعاصي، ويُستحلّ فيها المحارم، ويُسفك فيها الدماء بغير حقّها، فذلك فسادها، فلمّا بُعث إليها شعيب ﵇، ودعاهم إلى الله صلحت الأرض، وكلّ نبيّ بُعث إلى قومه فهو صلاحهم (١) ﴿ذَلِكُمْ﴾ الذي ذكرت (لكم وأمرتكم به) (٢)، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. مصدقيّ بما أقول لكم. ٨٦ - ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ يعني على كل طريق. كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ (٣) ﴿تُوعِدُونَ﴾ تُهددون (٤) ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ زَيْغًا ونفاقا (٥)، وذلك أنّهم كانوا يجلسون على الطرق، فيُخبرون مَنْ قصد شعيبًا ﵇ ليُؤمن به، إنّ شعيبًا كذّاب، فلا يفتنّنك عن دينك، وكانوا يتوعدون المؤمنين

стр. 6452

بالقتل ويخوّفونهم (١)، قال السدي وأبو روق: كانوا عشارين (٢). وقال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يقطعون الطريق (٣). وقال النبيّ ﷺ : "رأيت ليلة أُسري بي خشبة على الطريق، لا يمرّ بها ثوب إلاّ شقّته، ولا شيء إلاّ خرقته. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا مثل أقوام من أُمّتك، يقعدون على الطريق فيقطعونه ثمّ تلا: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ الآية (٤) ". ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ فكثّر عددكم ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ يعني آخر أمر قوم لوط.

стр. 6453

٨٧ - ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾. ٨٨ - قوله : ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ يعني: الرؤساء الذين تعظموا عن الإيمان به ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ لترجِعُنَّ إلى ديننا الذي نحن عليه، وتدعون دينكم، ﴿قَالَ﴾ شعيب: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾. يعني ولو كنّا كارهين لذلك، فتجبروننا عليه، فأُدخلت الألف للاستفهام على ولو (١). ٨٩ - ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ نرجع إليها بعد إذ أنقذنا الله منها ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ يقول إلاّ أن يكون قد سبق لنا في علم الله ومشيئته، أن نعود فيها فيمضي حينئذ قضاء الله فينا، وينفذ حكمه وعلمه علينا ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أحاط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء كان، ولا شيء هو كائن ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ فيما توعدوننا به. واختلف العلماء في قوله ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ وقوله: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ فقال بعضهم: معناه أو لتدخلن، ولن يدخل فيها إلاّ أن يشاء الله ربّنا، فيضلنا بعد إذ هدانا (٢).

стр. 6454

[١٣٧٨] وسمعت الحسن بن محمد بن الحسن الحبيبي (١) يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري (٢) بها يقول: إنّ عدنا في ملّتكم. أي: صرنا، لأن العود يكون ابتداء ورجوعًا (٣). قال أُميّة بن أبي الصلت: تلك المكارم لا قَعْبَان من لبن ... شِيبا بماء فعادا بعد أبوالا (٤) أي صار الآن اللبن، لم يكن بولا قط. [١٣٧٩] وسمعت أبا القاسم الحبيبي (٥) يقول: سمعت أبا زكريا

стр. 6455

العنبري (١) يقول: معناه إذ نجّانا الله منها في سابق علمه، وعند اللوح المحفوظ، والقلم (٢). وقال بعضهم: كان شعيب ومَنْ آمن معه في بَدْءِ أمرهم في تَقية مستخفين، ثمّ أظهروا أمرهم. فلذلك قال لهم قومهم: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ لأنهم حسبوا أنّهم على ملّتهم (٣). وقيل إن هذا كله على أصحاب شعيب، دون شعيب ﵇ لأنّهم كانوا كفّارًا فآمنوا، فالخطاب لهم، وجواب شعيب عنهم لا عن نفسه؛ لأن شعيبًا ﵇ لم يكن كافرًا قط، وإنّما تناوله الخطاب لانضمام مَنْ فارق دينهم إليه (٤). ورأيت في بعض التفاسير أن الملّة هاهنا الشريعة، وكان شعيب عليها قبل نبوّته فلمّا نُبّئ فارقهم (٥)، ثمّ دعا شعيب على قومه إذ يئس من فلاحهم، فقال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: اقض، وقال المُؤَرِّج: أفصل (٦). وقال ابن عباس ﵄: ما كنت أدري قوله (٧): ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ حتّى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك. أي:

стр. 6456

أقاضيك (١). وقال الفراء: أهل عُمان يسمّون القاضي الفاتح، والفتّاح (٢)، وذكر غيره أنّه بلغة مراد (٣). وأنشد لبعضهم (٤): أَلا أَبْلِغْ بَني عُصْم (٥) رَسُولاً ... فَإِنّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ (٦) أي حكمكم. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ أي: الحاكمين. ٩٠ - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ وتركتم دينكم ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. قال ابن عباس ﵄: مغبونون (٧). وقال عطاء: جاهلون (٨). وقال الضحاك: عجزة (٩).

стр. 6457

٩١ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قال الكلبي: الزلزلة (١)، وقال ابن عباس ﵄، وغيره من المفسّرين: فتح الله تعالى عليهم بابًا من أبواب جهنم، فأرسل عليهم ريحًا (٢) ومَدِةً وحرًّا (٣) شديدًا، وأخذ بأنفاسهم، فدخلوا أجواف البيوت، فدخل عليهم البيوت، ولم ينفعهم ماء وظل، وأنضجهم الحر، فبعث الله سحابة فيها ريح طيّبة، فوجدوا برد الريح وطيبها وظل السحابة، فتنادوا (عليكم بها) (٤)، فخرجوا إلى البريّة، فلمّا اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، ألهبها الله عليهم نارًا ورجفت بهم الأرض، فاحترقوا كما يحترق الجراد في (٥) المقلئ وصاروا رمادًا، وهو عذاب يوم الظلّة، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (٦) ميّتين (٧)، قال أبو العالية: دارهم منازلهم (٨). قال محمد بن مروان: كل شيء في القرآن دارهم فهو مدينتهم، وكلّ شيء ديارهم فهو عساكرهم (٩).

стр. 6458

قال ابن إسحاق: بلغني أن رجلا من أهل مدين يُقال له عمر بن جلها لمّا رأى الظلّة فيها العذاب قال: يَا قَوْم إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَل فَذَرُوا ... عنكم سُمَيْرًا وَعِمْرَانَ بْنَ شَدَّادِ إنّي أَرى [غَيْمَةً] يَا قَوْم قَدْ طَلَعَتْ ... تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلَي ضَمّانة الوَادِي (١) وَإِنَّكمْ لَنْ تَرَوْا فِيهَا ضحا غد ... إلا الرَّقِيمَ يمشي بَيْنَ أنْجَادِ (٢) وسُمير وعمران: كاهنان، والرقيم كلب لهما (٣). وقال أبو عبد الله البجلي (٤):

стр. 6459

أبوجاد (١) وهوز وحطي (٢) وكلمن وسعفص (٣) وقرشت: أسماء ملوك مدين، وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب ﵇ كلمن. فقالت أخت كلمن (٤) تبكيه (حين هلك) (٥): كلَمُونٌ هَدَّ رُكْنِي ... هُلْكُهُ وَسْطَ المَحَلَّهْ (٦) سَيِّدُ القَوْمِ أَتَاهُ الـ ... حَتْفُ نَارًا وَسْطَ ظُلَّةْ جُعِلَتْ نَارًا عَلَيْهِمْ ... دَارُهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّةْ (٧)

стр. 6460

قوله : ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: لم يعيشوا ولم ينزلوا ولم يقيموا ولم ينعموا فيها، وأصله من قولهم غَنِيتُ بالمكان إذا أقمت به. والمَغَانِي المنازل، واحدها مَغْنَى (١). قال لبيد: وَغَنِيتُ سَبْتًا [قَبْلَ] مَجْرى دَاحِسٍ ... لَوْ كَانَ للنِّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ (٢) وقال حاتم (٣): غَنِيْنَا زَمَاناً بالتَّصَعْلُكِ وَالغِنَي ... فَكُلاًّ سقَانَاه بكأْسَيْهِما الدَّهْرُ فَمَا زَادَنَا بَغْيَاً (٤) عَلَى ذِي قَرَابَةٍ ... غِنَانَا (٥) ولا أزْرى بأحْسَابِنَا الفَقْرُ (٦)

стр. 6461

٩٢ - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ لا المؤمنين كما زعموا (في قولهم: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (١). ٩٣ - ﴿فَتَوَلَّى﴾ أي: أعْرَض ﴿عَنْهُمْ﴾ شعيب شاخص من بين أظهرهم حين أتاهم العذاب ﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى﴾ أحزن (٢) ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ (حين يُعذّبون. يقال: أَسِيتُ آسي أَسي.) (٣) قال الشاعر (٤): أَسِيتُ على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل (٥) والأسى الحزن، والأسى الصبر. ٩٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيّ﴾ فيه إضمار واختصار يعني فكذبّوه ﴿إِلَّا أَخَذْنَا﴾ عاقبنا ﴿أَهْلَهَا﴾

стр. 6462

حين لم يُؤمنوا ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ يعني البؤس والشدّة وضيق العيش ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ يعني الضر وسوء الحال (١)، وقيل: المرض والزمانة (٢). قال السدي: البأساء والضراء يعني الفقر والجوع (٣) ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ لكي يتضرعوا وينيبوا ويتوبوا. ٩٥ - ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ وهي البأساء والضراء والجدب والجوع ﴿الْحَسَنَةَ﴾ يعني النعمة والسعة والرخاء والخصب ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (أي كثروا، وكثرت أموالهم وأولادهم، قال ابن عباس ﵄: عَفوا) (٤) يعني: جموا (٥). قال ابن زيد: يعني: كثروا كما يكثر النبات والريش (٦). وقال قتادة: حتى سروا (٧). وقال مقاتل بن حيان: حتى اشروا وبطروا، ولم يشكروا ربهم، وأصله من الكثرة. (٨) وقال النبيّ ﷺ : "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحي" (٩).

стр. 6463

وقال الشاعر (١): عفو من بعد اهلاك (٢) وكانوا ... زمانا ليس عندهم بعير (٣) وقال الآخر (٤): ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَا ... بأسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ (٥) ﴿وَقَالُوا﴾ من غَرتِهم، وغفلتهم، وجهلهم، ونقصان عقلهم ﴿قَدْ مَسَّ﴾ أصاب (٦) ﴿آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ كما أصابنا، يقول الله

стр. 6464

تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة، آمن ما كانوا ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. بنزول العذاب. ٩٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أي: وحدوا الله وأطاعوه ﴿لَفَتَحْنَا﴾ لأنزلنا ﴿عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني المطر، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني النبات، وأصل البركة المواظبة على الشيء، يقال: بارك فلان على فلان، إذا واظب عليه، وأراد تابعنا عليهم بالمطر والنبات والخصب ورفعنا عنهم القحط والجدب ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ فعجلنا لهم العقوبة ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. من الكفر والمعصية والأعمال الخبيثة. ٩٧ - ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ الذين كفروا وكذّبوا ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ عذابنا ﴿بَيَاتًا﴾ ليلا ﴿وَهُمْ نَائِمُون﴾. آمنين. ٩٨ - ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ نهارًا ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. ساهون لاهون. ٩٩ - ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ومعنى مكر الله: استدراجه إياهم، بما أنعم عليهم في دنياهم. وقال قتادة: مكر الله استدراجه بطول الصحة، وتظاهر النعمة (١)، وقال عطيّة: يعني أخذه وعذابه (٢).

стр. 6465

ويحكي أن رجلا سأل الشبلي عن معنى مكر الله فأنشأ الشبلي يقول: أحبك لا ببعضي بل بكلي ... وإن لم يُبقِ حبك لي حراكًا وبقبح من سواك الفعل عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا فقال المسائل: أسأله عن آية من كتاب الله، ويجيبني ببيت شعر، فعلم الشبلي أنه لم يفطن ما قال، فقال: يا هذا مكره بهم تركه إياهم على ما هم فيه (١). ١٠٠ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ قرأ أبو عبد الرحمن وقتادة ويعقوب في رواية زيد (نَهدِ) بالنون على التعظيم، والباقون بالياء على التفريد (٢). ومعنى الآية أو لم يُبَيَّن ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ﴾ يستخلفون في ﴿الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَ﴾ بعد هلاك آخرين قبلهم، كانوا أهلها فساروا بسيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا على ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ أهلكناهم

стр. 6466

﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ كما أهلكنا من قبلهم ﴿وَنَطْبَعُ﴾ نختم ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. الهدى ولا يقبلون الموعظة. ١٠١ - قوله : ﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ هذِه القرى التي ذكرت لك يا محمد أمرها وأمر أهلها، يعني: قرى نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وشعيب ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ نخبرك أخبارها ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالآيات والعلامات، والأمر والنهي ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ اختلفوا في تأويله: فقال أُبي بن كعب ﵁: معناه (١) فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل، بما سبق في علم الله، أنّهم يكذّبون به، يوم أقرّوا له بالميثاق حين أخذهم من صلب آدم (٢)، وقال ابن عباس ﵄ والسدي: يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم، ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل، يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من صلب آدم، فآمنوا كرهًا، وأقروا باللسان، وأضمروا التكذيب (٣). وقال مجاهد: معناه فما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ورددناهم إلى الدنيا، ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم (٤)، كقوله : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (٥).

стр. 6467

وقال يمان بن رياب: هذا على معنى أنّ كلّ نبي أنذر قومه بالعذاب، فما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأُمم الخالية، بل كذّبوا كما كذب أولوهم (١)، نظيره قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ (٢). وقيل: معناه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني بالمعجزات والعجائب التي سألوهم، فما كانوا ليؤمنوا بعد ما رأوا الآيات والعجائب، بما كذبوا به من قبل رؤيتهم تلك العجائب (٣)، نظيره قوله : ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ (٤) وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ (٥). ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾. (أي كما طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية، التي أهلكهم، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين) (٦)، الذين كتب عليهم أن لا يؤمنون أبدا من قومك. ١٠٢ - ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ أي: وفاء بالعهد، والعهد: الوصية والأمر، ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ

стр. 6468

لَفَاسِقِينَ﴾ أي: ما وجدنا أكثرهم إلاّ فاسقين ناقضين العهد. ١٠٣ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈ ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ بحجّتنا وأدلّتنا ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا﴾ فجحدوا وكفروا ﴿بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ كيف فعلنا بهم. ١٠٤ - ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لمّا دخل على فرعون، واسمه قابوس في قول أهل الكتاب (١)، قال وهب: كان اسمه الوليد بن مصعب بن الريان، وكان من القبط (٢)، وعُمِّرَ أكتر من أربع مئة عام (٣)، ﴿يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك، فقال له فرعون: كذبت! فقال موسى ﵇: ١٠٥ - ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ﴾ يعني أنا خليق بأن لا أقول على الله إلاّ الحق، فتكون (على) بمعنى (الباء)، كما يقال: رميت بالقوس، ورميت على القوس،

стр. 6469

وجئت على حال حسنة (وبحال حسنة) (١)، يدل عليه، قراءة أبيّ والأعمش: (حَقِيقٌ عَلَي بِأَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلا الحَقَّ) (٢). وقرأ عبد الله ﵁ (حَقِيقٌ أَلا أَقُوْلَ) (٣) وقال أبو عبيدة: معناه (٤): حريص على ألا أقول على الله إلاّ الحق، وقرأ شيبة ونافع: (حَقِيقٌ عَلَيّ) بتشديد الياء (٥) يعني حق واجب عليَّ ترك القول على الله إلاّ الحق. ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني العصا. [١٣٨٠] سمعت أبا القاسم الحبيبي (٦) يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري (٧) يقول: إنّه تعريض يقول حقيق عليك، فصرف

стр. 6470

الخطاب (١). وحَقِيقٌ فعيل من الحق، يكون بمعنى الفاعل والمفعول (٢) ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أطلق عنهم، وخلهم يرجعوا إلى الأرض المقدسة. وقال وهب (٣): وكان سبب استعباد فرعون بني إسرائيل، أنّ فرعون موسى كان فرعون يوسف، فلما توفي يوسف ﵇، وانقرضت الأسباط، وكثر نسلهم، غلبهم (٤) عليهم فرعون فاستعبدهم، فأنقذهم الله تعالى بموسى ﵇، قال (٥): وكان بين اليوم الذي دخل يوسف ﵇ مصر، واليوم الذي دخلها موسى ﵇ (٦) رسولا أربعمائة عام (٧). ١٠٦ - فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون مجيبًا لموسى ﵇ ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

стр. 6471

١٠٧ - ﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ﴾ (من يده) (١) ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ قال ابن عباس ﵄، والسدي: حية عظيمة ذكر أشعر فاغرة (٢) فاها بين لحييها (٣) ثمانين ذراعا، واضعة لحيها الأسفل في الأرض، ولحيها الأعلى على سور القصر، ثمّ توجهت نحو فرعون لتأخذه (٤) فوثب فرعون من سريره وهرب منها، وأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك، وهرب الناس وصاحوا، وحملت هي على الناس، فانهزموا منها فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، قتل بعضهم بعضًا، ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى خذها وأنا أؤمن بك، وأُرْسِل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى ﵇، فعادت كما كانت (٥)، ثمّ قال له فرعون: هل معك آية أُخرى، قال: نعم. ١٠٨ - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ (٦) فأدخل يده جيبه، ثمّ نزعها منه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. لها شعاع

стр. 6472

غلب نور الشمس، وكان موسى ﵇ آدم (١)، ثمّ أدخلها جيبه فصارت يدًا كما كانت. ١٠٩ - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)﴾ (٢). يعنون أنّه يأخذ بأعين الناس، لخداعه إيّاهم حتّى يُخيّل إليهم العصا حيّة، والآدم أبيض، والشيء بخلاف ما هو به (٣)، ومنه قيل: سَحر المطر الأرض، إذا جاءها فقطع نباتها من أصولها، وقلب الأرض ظهرا لبطن، فهو يَسْحَرُها سِحْرًا، والأرض مسحورة، فشبه سحر الساحر به، لتخييله إلى (٤) من سحره أنّه يرى الشيء بخلاف ما هو به (٥)، ومنه قول ذي الرمة في صفة السَّراب: وَسَاحِرَة السَّراب مِنَ المَوَامِي ... تَرقَّصُ في نَوَاشِرِهَا الأرُومُ (٦)

стр. 6473

١١٠ - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ معشر القبط ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ مصر ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. هذا من قول فرعون للملأ، ولم يُذْكر فرعون كقوله تعالى: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (١) هذا من كلام يوسف، ولم يذكره. ١١١ - ﴿قَالُوا﴾ يعني الملأ ﴿أَرْجِهْ﴾ أحبسه ﴿وَأَخَاهُ﴾ هارون ولا تقتلهما ولا تؤمن بهما. وقال عطاء: أخِّره (٢). وهذا أعجب إليّ لأنّه قد علم أنه لا يقدر على حبسه، بعد أن رأئ من العصا واليد. ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. يعني الشرط، وكان له مداين، فيها السحرة عُدة للأشياء، إذا حزبه أمر أرسل اليهم. ١١٢ - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾ (٣) قراءة أهل الكوفة (غير عاصم سحَّار) (٤) على التكثير، وقراءة

стр. 6474

العامّة (بِكُلِّ سَاحِر) (١)، والفرق بين الساحر والسحّار، أن الساحر (٢) الذي يَعْلَم لا يُعلِّم، والسحّار الذي يَعْلَم ويُعَلّم (٣). وقال المؤرج: الساحر يكون سحره في وقت (دون وقت، والسحّار من يديم السحر) (٤). فإن غلبهم موسى صدقناه، وإن غلبوه علمنا أنه ساحر. قال ابن عباس ﵄، وابن إسحاق والسدي: قال فرعون لمّا رأى من سلطان الله في (اليد و) (٥) العصا (ما رأى) (٦): إنا لا نغالب موسى إلاّ بمَنْ هو منه، فاتخذ غلمانا من بني إسرائيل، فبعث بهم إلى قرية يقال لها: الفَرَمَا (٧) يعلّمونهم السحر، كما يعلّم

стр. 6475

الصبيان الكِتَاب في الكتّاب، فعلّموهم سحرًا كثيرًا، وواعد فرعون موسى ﵇ موعدًا، فبعث فرعون إلى السحرة، فجاء بهم وجاء معلمهم معهم، فقال له: ماذا صنعت؟ قال: قد علمتهم سحرا لا يطيقه سحر أهل الأرض، إلاّ أن يكون (أمرا من السماء فإنّه لا طاقة لهم به (١). ثم بعث فرعون مكانه في مملكته، فلم يترك في سلطانه ساحرًا إلاّ أُتيَ به. ١١٣ - ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ اختلفوا في عدد السحرة الذين) (٢) جمعهم فرعون. قال مقاتل: كانت السحرة اثنين وسبعين ساحرًا، اثنان منهم (٣) من القبط، وهما رأسا القوم، وسبعون من بني إسرائيل (٤). وقال الكلبي: كانوا سبعين ساحرًا غير رئيسهم، وكان الذين يعلّمونهم رجلين مجوسيين، من أهل نِينَوى (٥). وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفًا (٦). (وقال

стр. 6476

السدي: كانوا بضعا وثلاثين (١). وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفًا) (٢) وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفًا (٣). وقال مقاتل: كان رئيس السحرة شمعون (٤). وقال ابن جريج: كان رئيسهم يوحنّه (٥)، فلمّا اجتمع السحرة ﴿قَالُوا﴾ لفرعون ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ أي: جعلا ومالا وثوابًا ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾. ١١٤ - ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عندي في المنزلة، قال الكلبي: يعني أوّل مَنْ يدخل عليّ وآخر مَنْ يخرج (٦). ١١٥ - ﴿قَالُوا﴾ يعني السحرة. ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ عصاك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ لعصيّنا وحبالنا. ١١٦ - ﴿قَالَ﴾ موسى بل ﴿أَلْقَوْا﴾ أنتم ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: أرهبوهم (٧)، وأفزعوهم ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وذلك أنّهم ألقوا حبالا غلاظا،

стр. 6477

وخُشُبا طُوالا فإذا هي حيّات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي من ذلك يركب بعضها بعضًا (١). ١١٧ - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ تبتلع، ومَنْ قرأ (تلْقَف) ساكنة اللام خفيفة القاف، فهو من لَقِفَ يلقف (٢)، ودليله قراءة سعيد بن جبير: (تَلْقَم) من لَقِم يَلْقم (٣)، ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ ما يَكذِبون، وقيل: يقلبون ويزوّرون على الناس، فأكلت سحرهم كله (٤). فقالت السحرة: لو كان هذا سحرًا لبقت حبالنا وعصينا (٥)، فذلك قوله تعالى: ١١٨ - ﴿فَوَقَعَ﴾ فظهر ﴿الْحَقُّ﴾ قال النضر بن شميل: فوقع الحق أي: فَزعَهم، وصدّعهم كوقع المِيقَعة (٦) ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من السحر.

стр. 6478

١١٩ - ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ وانصرفوا ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ ذليلين مقهورين. ١٢٠ - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ لله حيث عرفوا أنّ ذلك أمر سماوي، وليس بسحر، وقال مقاتل: ألقاهم الله (١)، وقال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا (٢). ١٢١ - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١)﴾ فقال فرعون: إياي تعنون، فقالوا ١٢٢ - ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. قال عطاء: وكان رئيس السحرة بأقصى مدائن الصعيد (٣)، وكانا (٤) أخوين، فلمّا جاءهما رسول فرعون، قالا لأُمّهما دُلّينا على قبر أبينا، فدلتهما عليه، فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما، فقالا له: إن الملك وجه إلينا أن نقدم عليه، لأنّه أتاه رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح ولهما عزّة ومنعة، وقد ضاق الملك من عزّهما، ومعهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لها شيء، تبلع الحديد والحجر والخشب. فأجابهما أبوهما: انظرا إذا هما ناما، فإنّ قدرتما أن

стр. 6479

تسلا العصا فسلاّ، فإنّ الساحر لا يعمل سحره وهو نائم، فإن عملت العصا وهما نائمان، فذلك أمر (الرب وهو) (١) ربّ العالمين، ولا طاقة لكما بهما ولا للملك ولا لجميع أهل الدنيا، فَأَتَيَاهُما في خفية وهما نائمان ليأخذا العصا فقصدتهما العصا (٢). قال مقاتل: قال موسى ﵇ للساحر الأكبر: أتؤمن بِي إن غلبتك؟ . فقال: لآتينَ بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر (٣). ١٢٣ - فـ ﴿قَالَ﴾ لهم ﴿فِرْعَوْنُ﴾ حين آمنوا ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ﴾ صنيع وخديعة ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾ صنعتموه أنتم وموسي ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع، ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ بسحرك ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أفعل بكم. ١٢٤ - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ وهو أن يقطع من كل شق طرفا. قال سعيد بن جبير: أوّل مَنْ قطع من خلاف فرعون (٤). ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ على شاطي نهر مصر.

стр. 6480

١٢٥ - ﴿قَالُوا﴾ يعني السحرة لفرعون ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون في الآخرة. ١٢٦ - ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ قراءة العامّة بكسر القاف، وقرأ الحسن وابن محيصن بفتح القاف (١)، وهما لغتان نَقَمَ يَنْقِمُ ونَقِم يَنْقَمُ. قال الضحاك وغيره: وما تطعن علينا (٢). وقال عطاء: ما لنا عندك من ذنب، وما ركبنا منك مكروهًا تعذّبنا عليه (٣) ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ ثمّ فزعوا إلى الله تعالى، فقالوا ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ اصبب وأنزل ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ حتّى لا نرجع كفارًا سحرة (٤) ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ واقبِضنا إليك على دين موسى، فأصبحوا كفارًا سحرة، وأمسوا شهداء بررة. ١٢٧ - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ﴾ أتدع ﴿مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ لكي يفسدوا عليك خدمك وعبيدك، وفي أرضك مصر ﴿وَيَذَرَكَ﴾ يعني: وليذرك. وروى سليمان التيمي عن أنس بن مالك ﵁ أنّه قرأ (ونذرك) بالنون
следующие страницы →