← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

السدي: كانوا بضعا وثلاثين (١). وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفًا) (٢) وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفًا (٣). وقال مقاتل: كان رئيس السحرة شمعون (٤). وقال ابن جريج: كان رئيسهم يوحنّه (٥)، فلمّا اجتمع السحرة ﴿قَالُوا﴾ لفرعون ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ أي: جعلا ومالا وثوابًا ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾. ١١٤ - ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عندي في المنزلة، قال الكلبي: يعني أوّل مَنْ يدخل عليّ وآخر مَنْ يخرج (٦). ١١٥ - ﴿قَالُوا﴾ يعني السحرة. ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ عصاك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ لعصيّنا وحبالنا. ١١٦ - ﴿قَالَ﴾ موسى بل ﴿أَلْقَوْا﴾ أنتم ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: أرهبوهم (٧)، وأفزعوهم ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وذلك أنّهم ألقوا حبالا غلاظا،

стр. 6477

وخُشُبا طُوالا فإذا هي حيّات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي من ذلك يركب بعضها بعضًا (١). ١١٧ - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ تبتلع، ومَنْ قرأ (تلْقَف) ساكنة اللام خفيفة القاف، فهو من لَقِفَ يلقف (٢)، ودليله قراءة سعيد بن جبير: (تَلْقَم) من لَقِم يَلْقم (٣)، ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ ما يَكذِبون، وقيل: يقلبون ويزوّرون على الناس، فأكلت سحرهم كله (٤). فقالت السحرة: لو كان هذا سحرًا لبقت حبالنا وعصينا (٥)، فذلك قوله تعالى: ١١٨ - ﴿فَوَقَعَ﴾ فظهر ﴿الْحَقُّ﴾ قال النضر بن شميل: فوقع الحق أي: فَزعَهم، وصدّعهم كوقع المِيقَعة (٦) ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من السحر.

стр. 6478

١١٩ - ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ وانصرفوا ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ ذليلين مقهورين. ١٢٠ - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ لله حيث عرفوا أنّ ذلك أمر سماوي، وليس بسحر، وقال مقاتل: ألقاهم الله (١)، وقال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا (٢). ١٢١ - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١)﴾ فقال فرعون: إياي تعنون، فقالوا ١٢٢ - ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. قال عطاء: وكان رئيس السحرة بأقصى مدائن الصعيد (٣)، وكانا (٤) أخوين، فلمّا جاءهما رسول فرعون، قالا لأُمّهما دُلّينا على قبر أبينا، فدلتهما عليه، فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما، فقالا له: إن الملك وجه إلينا أن نقدم عليه، لأنّه أتاه رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح ولهما عزّة ومنعة، وقد ضاق الملك من عزّهما، ومعهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لها شيء، تبلع الحديد والحجر والخشب. فأجابهما أبوهما: انظرا إذا هما ناما، فإنّ قدرتما أن

стр. 6479

تسلا العصا فسلاّ، فإنّ الساحر لا يعمل سحره وهو نائم، فإن عملت العصا وهما نائمان، فذلك أمر (الرب وهو) (١) ربّ العالمين، ولا طاقة لكما بهما ولا للملك ولا لجميع أهل الدنيا، فَأَتَيَاهُما في خفية وهما نائمان ليأخذا العصا فقصدتهما العصا (٢). قال مقاتل: قال موسى ﵇ للساحر الأكبر: أتؤمن بِي إن غلبتك؟ . فقال: لآتينَ بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر (٣). ١٢٣ - فـ ﴿قَالَ﴾ لهم ﴿فِرْعَوْنُ﴾ حين آمنوا ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ﴾ صنيع وخديعة ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾ صنعتموه أنتم وموسي ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع، ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ بسحرك ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أفعل بكم. ١٢٤ - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ وهو أن يقطع من كل شق طرفا. قال سعيد بن جبير: أوّل مَنْ قطع من خلاف فرعون (٤). ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ على شاطي نهر مصر.

стр. 6480

١٢٥ - ﴿قَالُوا﴾ يعني السحرة لفرعون ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون في الآخرة. ١٢٦ - ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ قراءة العامّة بكسر القاف، وقرأ الحسن وابن محيصن بفتح القاف (١)، وهما لغتان نَقَمَ يَنْقِمُ ونَقِم يَنْقَمُ. قال الضحاك وغيره: وما تطعن علينا (٢). وقال عطاء: ما لنا عندك من ذنب، وما ركبنا منك مكروهًا تعذّبنا عليه (٣) ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ ثمّ فزعوا إلى الله تعالى، فقالوا ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ اصبب وأنزل ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ حتّى لا نرجع كفارًا سحرة (٤) ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ واقبِضنا إليك على دين موسى، فأصبحوا كفارًا سحرة، وأمسوا شهداء بررة. ١٢٧ - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ﴾ أتدع ﴿مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ لكي يفسدوا عليك خدمك وعبيدك، وفي أرضك مصر ﴿وَيَذَرَكَ﴾ يعني: وليذرك. وروى سليمان التيمي عن أنس بن مالك ﵁ أنّه قرأ (ونذرك) بالنون

стр. 6481

والنصب (١)، أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته، إن ترك موسى حيًّا فيصرفهم عنها (٢). وقرأ الحسن (ويذرُك) بالرفع على مستأنف (٣). أي: وهو يذرك، ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ فلا يعبدك ولا يعبدها، قال ابن عباس ﵄: كان لفرعون بقرة يعبدها، وكان إذا رأى بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج السامري لهم (٤) عجلا (٥). وروى عمرو عن الحسن قال: كان لفرعون حنانة (٦)، معلقة في نحره (٧) يعبدها ويسجد عليها (٨). وروي عن ابن عباس ﵄ أيضًا أنه قال: كان فرعون صنع لقومه

стр. 6482

أصنامًا صغارًا وأمرهم بعبادتها، وقال: أنا ربكم ورب (١) هذِه الأصنام، فذلك قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (٢) (٣). قال أبو عبيد: وبلغني عن الحسن أنه قيل له: هل كان فرعون يعبد شيئًا؟ ! قال: نعم إنْ كان ليعبد تيسًا (٤)! . وقرأ ابن عباس وابن مسعود ﵃ وبكر بن عبد الله والشعبي والضحاك وابن أبي إسحاق: (وإِلهتك) بكسر الألف (٥) (أي عبادتك) (٦)، فلا يعبدك كما نعبد. قالوا: لأن فرعون كان يُعبد ولا يَعبد (٧)، وقيل أراد بالآلهة الشمس وكانوا يعبدونها (٨)، قال عتبة بن شهاب (٩):

стр. 6483

تَرَوَّحْنَا مِنَ اللَّعْباءِ (١) قصْراً ... فأعْجَلْنَا الآلِهَةَ أنْ تَوُوبا (٢) يعنى الشمس. فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ بالتشديد على التكثير، وقرأ أهل الحجاز بالتخفيف (٣) ﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ غالبون، قال ابن عباس ﵄: كان فرعون يُقَتِّل أبناء بني إسرائيل في العام الذي قيل فيه (٤) له: إنّه يولد مولود يذهب بملكك، فلم يزل يُقَتِّلهم حتّى أتاهم موسى ﵇ بالرسالة، وكان من أمره ما كان. فقال فرعون أعيدوا عليهم القتل، فأعادوا عليهم القتل، فشكت ذلك بنو إسرائيل إلى موسى ﵇ (٥). ١٢٨ - فـ ﴿قَالَ﴾ لهم ﴿مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ يعني أرض مصر ﴿يُورِثُهَا﴾ يُعطيها ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وقرأ

стр. 6484

الحسن (يورّثها) بتشديد الراء (١)، والاختيار التخفيف (٢) لقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾ (٣)، ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ (٤). ونحوها كثير. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني النصر والظفر، وقيل: السعادة والشهادة، وقيل: الجنّة (٥). وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لما آمنت السحرة اتّبع موسى ست مائة ألف من بني إسرائيل (٦). ١٢٩ - ﴿قَالُوا﴾ يعني قوم موسى إنا ﴿أُوذِينَا﴾ بقتل الأبناء واستخدام النساء والتسخر، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالة ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بالرسالة بإعادة القتل وأخذ المال والإتعاب في العمل. قال وهب: كانوا أصنافًا في أعمال فرعون، فأما ذو القوة منهم فيسلحون السواري من الجبال، وقد قرِحت أعناقهم وعواتقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطع ذلك ونقله، وطائفة أُخرى قد قرحوا (٧) من نقل الحجارة والطين، يبنون له

стр. 6485

القصور، وطائفة يلبنون اللبن ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفة منهم عليهم الخراج ضريبة يؤدونها كل يوم، فمن غربت عليه الشمس قبل إن يؤدي ضريبته غلت يمينه إلى عنقه شهرًا، وأما النساء فيغزلن الكتان وينسجنه (١). فـ ﴿قَالَ﴾ قَالَ موسى ﵇ ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ فرعون ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ويسكنكم مصر من بعدهم ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فحقق الله تعالى ظن موسى ﵇ فغرق فرعون، واستخلفهم في ديارهم وأموالهم فعبدوا العجل. ١٣٠ - قوله : ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ بالجدوب والقحوط سنة بعد سنة. يقال منه أَسَنَّت القوم. أي: جدبوا. قال الشاعر (٢): عَمرُو العُلى هَشَم الثَّرِيدَ لِقَوْمه ... ورجالُ مَكّةَ مُسْنِتْوُن عِجافُ (٣) ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ والغلات بالآفات والعاهات، قال كعب: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا ثمرة واحدة (٤)، قال قتادة:

стр. 6486

أما السنون فكان بباديتهم وأهل مواشيهم، وأما نقص من الثمرات فكان في أمصارهم (١) ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فلم يذكروا. ١٣١ - ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ يعني الخصب والسعة والرخاء والعافية وكثرة الثمرات والغلات، فرأوا ما يحبون ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ نحن أهلها وأحق بها، ولم يروها تفضلا وامتنانا ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني الجدب والبلاء، ورأوا ما يكرهون ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ يتشاءموا ﴿بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ قالوا ما رأينا شرا وما أصابنا بلاء، حتى رأيناكم. وقرأ طلحة اليامي (تَطَيروا) بالتاء وتخفيف الطاء، على الفعل الماضي (٢). قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر كان ملك فرعون أربع مئة سنة، وعاش ثلاث مئة وعشرين سنة لايرى مكروها، ولو كان له في تلك المدة جوع يوم أو حمى ليلة أو وجع ساعة، لما ادعى الربوبية قط (٣). قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني انصبائهم من الخصب والجدب والخير والشر. قال ابن عباس ﵄ مصائبهم عند الله (٤).

стр. 6487

وقال ابن جريج الأمر من قِبل الله (١). وروي عن ابن عباس ﵄ أيضًا أنه قال: طائرهم ما قضي عليهم وقدر لهم (٢). وقرأ الحسن: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ بغير ألف (٣)، وهما بمعنى واحد، يقال. أي: طير جرى لك اليوم؟ قال الشاعر (٤): وكذاك الطير يجري ... بسعود ونحوس (٥) ومن العرب من يقول: الطير جمع طائر، مثل: تاجر وتَجْر، وراكب ورَكْب (٦) ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الذي أصابهم من الله. ١٣٢ - ﴿وَقَالُوا﴾ يعني القبط لموسى ﵇ ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِه﴾ أي: كلما، و (مهما) (٧) شرط وجزاء. وكان في الأصل (ما)، (ما) الأولى: للجزاء، والثانية: للتأكيد، فحولت الألف الأولى (هاء) لتخفيف اللفظ، لأنها لو تركت كذلك لأشبهت الجحد (٨).

стр. 6488

وقال الكسائي: هو (مه) كلمة النهي ضمت إليها (ما) الجزاء فوصلت (١). وقال ابن زيد (ما) تأتنا، والثانية زائدة (٢) ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ علامة ﴿لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ لتنقلنا بها عما نحن عليه من دين فرعون. ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين. ١٣٣ - قوله : ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ قال ابن عباس ﵄: كان أول الآيات الطوفان، وهو الماء أرسل الله تعالى عليهم السماء (٣). وروى الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: الطوفان الغرق (٤). وقال عطاء ومجاهد الطوفان الموت (٥). وروت كذلك عائشة ﵂ عن النبي ﷺ (٦).

стр. 6489

ويقال: هو الموت الذريع الجارف (١). وقال وهب بن منبه: الطوفان الطاعون بلغة اليمن أرسل الله تعالى الطوفان على أبكارآل فرعون، في ليلة فاقعصهن، فلم يبق منهم إنسانا ولا دابة (٢). وقال أبو قِلابة: الطوفان الجدري، وهم أول من عذبوا به، فبقي في الأرض (٣). وقال مقاتل: الطوفان هو الماء، طفا فوق حروثهم (٤). وقال الأخفش والمؤرج: هو السيل الشديد (٥). وقال بعضهم: هو كثرة المطر والريح (٦). قال الشاعر (٧): تُضْحِي إذَا العِيسُ أَدْرَكْنَا نَكَائِثَهَا ... خَرْقَاءَ يَعْتَادُهَا الطُّوفَانُ والزُّؤُدُ (٨)

стр. 6490

(والزُّؤُدُ: الفزع) (١). وقال أبو النجم: ومد طوفان فبات مُدَدَا ... شهرا شآبيب وشهرا بَرَدا (٢) وروى أبو ظبيان عن ابن عباس ﵄ قال: الطوفان (أمر من) (٣) أمر الله طاف بهم، ثم قرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ [القلم: ١٩] (٤) (٥). وأما من طريق اللغة فقال نحاة الكوفة: هو مصدر كالرُّجْحَان والنُّقْصَان لا يجمع، وقال أهل البصرة: هو جمع وواحدها طوفانة (٦). قوله : ﴿وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾ اختلفوا فيه، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: القُمَّل هو السوس الذي يخرج من الحنطة (٧). وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: القمل الدَّبَى (٨).

стр. 6491

وقال مجاهد والسدي وقتادة والكلبي: الجراد الطيارة التي لها أجنحة، والقمل الدَّبَى الصغار التي لا أجنحة لها (١). وروى مَعْمَر عن قتادة قال: القمل أولاد الجراد (٢). وقال عكرمة: هي بنات الجراد (٣). وقال ابن زيد: القمل البراغيث (٤). وقال سعيد بن جبير والحسن: القمل دواب سود صغار (٥). وقال عطاء الخرساني: هو القَمْل (٦). وبه قرأ الحسن (والقَمْل) بفتح القاف وجزم الميم (٧). وقال أبو عبيدة والأخفش: هو الحَمْنان، وهو ضرب من القِرْدان (٨) يشبه الحَلَم، يقال: إن الحَلَمَة تتفقأ من ظهرها، فيخرج منه القَمْقام، وهو أصغر ما رأيته مما يمشي قط، ويتعلق بالإبل، فإذا امتلأ سقط بالأرض، وقد عظم ثم يضمر حتى يذهب دمه،

стр. 6492

فيكون قِرادا، ثم يتعلق بالإبل ثانية فيكون حَلَمة (١). قال أبو العالية: أرسل الله الحَمْنان على دوابهم فأكلها، حتى لم يقدروا على الميرة (٢). قال الفراء: لم نسمع للقمل بواحدة. وقال الأحمر: واحدتها قَملة (٣). قال الشاعر (٤): أرسلَ الذَّرَّ والجرادَ عليهم ... وَعَذَابَاً فأهلكَتْهُمْ ومُورا (٥) يعني الريح والتراب. وحكى محمد بن جرير عن بعضهم أن القُمَّل دابة يُشْبِه القَمْل تأكل الإبل، وهي التي عناها الأعشى بقوله: قَوماً يُعالِجُ قُمَّلاً أَبناؤُهُم ... وَسَلاسِلاً أُجُداً وَباباً مُؤصَدا (٦)

стр. 6493

﴿وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ ذِكْرُ صفة (١) تنزيل هذِه الآيات وتفصيلها، قال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق وابن يسار (٢) -دخل كلام بعضهم في بعض- قالوا: لما آمنت السحرة، رجع فرعون عدو الله مغلوبا معلولا (٣)، ثم أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليهم بالآيات، وأخذهم بالسنين، ونقص من الثمرات، فلما عالج موسى ﵇ منهم بالآيات الأربع: العصا واليد والسنين ونقص من الثمار، دعا فقال: يارب إن عبدك فرعون علا في الأرض، وبغى وعتا وإن قومه قد نقضوا عهدك، وأخلفوا وعدك، رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة ولمن بعدهم من الأمم الباقية آية وعبرة. فبعث الله عليهم الطوفان، وهو الماء أرسل الله تعالى عليهم السماء حتى كادوا أن يهلكوا، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة بعضها في بعض، فامتلأت بيوت القبط ماء (٤)، حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم (٥)، من جلس منهم غرق، ولم

стр. 6494

يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وفاض الماء على وجه أرضهم وركد، لا يقدرون على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا حتى جهدوا، ودام عليهم ذلك سبعة أيام من السبت إلى السبت، فقالوا لموسى ﵇: ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، وعادوا بشر ما بحضرتهم، فأنبت الله تعالى لهم في تلك السنة شيئًا لم ينبته (لهم قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر وأعشبت بلادهم وأخصبت) (١)، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، وما كان هذا الماء (٢) إلا نعمة علينا وخصبا، وما يسرنا أنا لم نمطر، فأقاموا شهرا في عافية، فبعث الله تعالى عليهم الجراد، فأكلت عامة زروعهم وثمارهم وأوراق الشجر وأنواع الزهر، حتى إنْ كانت لتأكل الأبواب، وسقوف البيت والخَشب والثياب والأمتعة ومسامير الأبواب من الحديد، حتى تقع دورهم، وابتلي الجراد بالجوع فجعلت لا تشبع، غير أنه لايدخل بيوت بني إسرائيل، ولا يصيبهم من ذلك شيء، فعجوا وضجوا، وقالوا: ياموسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، وأعطوه عهد الله (٣) وميثاقه، فدعا موسى ﵇، فكشف

стр. 6495

الله تعالى عنهم الجراد بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت. ويقال: إن موسى ﵇ برز إلى الفضاء، فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت الجراد من حيث جاءت، حتى كأن لم يكن قط، وكان قد بقيت من زروعهم وغلاتهم بقية، فقالوا: قد بقي لنا ما هو كافينا، وما نحن بتاركي ديننا، ولا نرسل معك بني إسرائيل، ولم يفوا بما عهدوا، وعادوا إلى أعمالهم السوء، فأقاموا شهرا في عافية، ثم بعث الله عليهم القمل، وأمر موسى ﵇ أن يمشي إلى كثيب أعفر (١)، بقرية من قرى مصر، تدعى عين الشمس (٢) فمشى موسى ﵇ إلى (٣) ذلك الكثيب وكان أهيل (٤) عظيما، فضربه بعصاه فانثال (٥) عليهم قمَّلا، فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم، فأكله ولحس الأرض كلها، وكان

стр. 6496

يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيعضه، وكان يأكل أحدهم الطعام، فيمتلئ قمَّلا، حتى إنْ أحدهم ليبني الاسطوانة بالجص، فيُزلقها حتى لا يرتقي فوقها شيء، يرفع فوقها الطعام، فإذا صعد إليه ليأكله، وجده ملآن قمَّلا. قال سعيد بن جبير: القمّل: السوس الذي يخرج من الحبوب، فكان الرجل يخرج عشرة أجرِبة (١) إلى الرحا، فلا يرد منها ثلاثة أقفزة (٢)، فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمَّل، وأخذت أشعارهم وأبشارهم وأشفار (٣) عيونهم وحوا جبهم، ولزم جلودهم كأنه الجدري عليهم، ومنعتهم النوم والقرار، فلم يستطيعوا له حيلة، فصرخوا وصاحوا إلى موسى ﵇-إنا نتوب ولا نعود، فادع لنا ربك فيكشف عنا هذا البلاء، فدعا موسى-﵇ فرفع الله تعالى (٤) القمَّل عنهم بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، فنكثوا وعادوا (إلى أخبث) (٥) أعمالهم. وقالوا: ما كنا قط

стр. 6497

أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم، يجعل الرمل دواب، وعزة فرعون لا نصدقه أبدا ولا نتبعه. فدعا موسى ﵇ عليهم بعدما أقاموا شهرا في عافية، فأرسل الله عليهم الضفادع، فدخلت عليهم دورهم، وامتلأت منها بيوتهم وأطعمتهم وأفنيتهم وأنديتهم، فلا يكشف أحد ثوبا ولا إناء ولا طعاما ولا شرابا إلا وجد فيه الضفادع، وكان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع (ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، وكانت تثب في قدورهم تفسد عليهم طعامهم، وتطفئ نيرانهم) (١)، وكان أحدهم يضطجع، فتركبه الضفادع فتكون عليه ركاما، حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر، ويفتح فاه لأكلته فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه، ولا يعجن عجينا إلا تسدَّحت (٢) فيه، ولا يطبخ قدرا إلا أمتلأت ضفادع، فلقوا منها أذى شديدا. وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله تعالى (٣) على (٤) آل فرعون سمعت وأطاعت، فجعلت تقذف أنفسها في القدور، وهي تغلي وفي التنانير وهي تفور، فأثابها

стр. 6498

الله بحسن (١) طاعتها برد الماء (٢). فلما رأو ذلك بكوا وشكوا إلى موسى ﵇، وقالوا: هذِه المرة نتوب ولا نعود، فأخذ عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا ربه فكشف (الله تعالى) (٣) عنهم الضفادع، بعدما أقام عليهم سبعا من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرًا في عافية ثم نقضوا العهد، وعادوا لكفرهم وتكذيبهم، فدعا عليهم موسى ﵇ فأرسل الله تعالى (٤) عليهم الدم، فسال النيل عليهم دما، وصارت مياههم (٥) دما كلها، فما يستقون من الآبار والأنهار إلا وجدوا دما عبيطا (٦) أحمر، فشكوا إلى فرعون، وقالوا: إنا قد ابتلينا بهذا الدم، وليس لنا شراب، فقال: إنه قد سحركم. فقالوا: من أين سحرنا؟ ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما عبيطا أحمر، فكان فرعون يجمع بين الرجلين على الإناء الواحد، القبطي والآخر الإسرائيلي، فيكون (ما يلي الإسرائيلي ماء) (٧)، وما يلي القبطي دما، وكان القبطي

стр. 6499

والإسرائيلي يستقيان من ماء واحد، فيخرج ماء هذا القبطي دما، ويخرج للإسرائلي ماء عذبا، فيقومان إلى الجُرّ (١) فيه الماء (٢) فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دما، حتى إن المرأة من آل فرعون كانت تأتي المرأة من بني إسرائيل، حين جهدهم العطش فتقول: اسقيني من مائك، فتغرف لها من جرتها (٣)، أو تصب لها من قربتها، فيعود في الإناء دما، حتى إنْ كانت لتقول لها: اجعليه في فيك ثم مُجِّيه في فِيَّ، فتأخذ في فِيْهَا ماء، فإذا مَجَّته في فيها صار دما، قالوا: والنيل على ذلك يسقي الزروع، فإذا ذهبوا ليستقوا من بين الزرع عاد الماء دما عبيطا، وإن فرعون اعتراه العطش، حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها يصير ماؤها في فيه ملحا أجاجا، فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يأكلون إلا الدم، ولا يشربون إلا الدم. قال زيد بن أسلم: الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف (٤)، فأتوا موسى ﵇ وقالوا: ياموسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم؛ فنؤمن بك ونرسل معك بني اسرائيل، فدعا ربه فكشف، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فذلك قوله : ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ

стр. 6500

وَالْقُمَّلَ﴾ ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ يتبع بعضها بعضا ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ قال نوف البِكَالِي: مكث موسى ﵇ في آل فرعون بعد ما غلب السحرة، عشرين سنة يريهم الآيات الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم (١). ١٣٤ - قوله : ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ يعني نزل بهم العذاب، وهو ما ذكر الله من الطوفان وغيرها. وقال عكرمة الرجز: الدم (٢)، لأنه نغص عليهم عيشهم. وقال سعيد بن جبير الرجز: الطاعون (٣)، وهو العذاب السادس، وذلك أن موسى ﵇ أمر قومه، بني اسرائيل بعدما جاء قوم فرعون بالآيات الخمس الطوفان وغيرها، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني اسرائيل، فقال: ليذبح كل رجل منكم كبشا (٤)، ثم ليُخضِّب كفّه في دمه، ثم ليضرب بها على بابه، فقالت القبط لبني إسرائيل: لم تعالجون هذا الدم على أبوابكم؟ فقالوا: إن الله تعالى (٥) مرسل عليكم عذابا، فنسلم وتهلكون، فقالت القبط: فما يعرفكم الله إلا بهذِه العلامات، فقالوا: هكذا أمرنا نبينا ﵇، فأصبحوا وقد طعن من قوم فرعون

стр. 6501

سبعون ألفا، فأمسوا وهم لا يتدافنون (١). ﴿قَالُوا﴾ فقال: فرعون عند ذلك لموسى ﵇: ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ قال أبو العالية: بما أوصاك (٢). وقال عطاء: بما نبأك (٣). وقال المؤرج: بما أعلمك (٤). ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْز﴾ هو وهو الطاعون، وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد وابن محيصن (الرُجز) بضم الراء، وهما لغتان كالعُضو والعِضو (٥). ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. ١٣٥ - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ يعني الغرق، ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ينقضون (٦) العهد. ١٣٦ - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: فانتصرنا ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ وهو البحر. قال ذو الرمة: دَاوِيَّةٌ وَدُجَى لَيْلٍ كَأَنَّهُمَا ... يَمٌّ تَرَاطَنُ فِي حَافَاتِهِ الرُّومُ (٧)

стр. 6502

﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا﴾ أي: عن النقمة قبل حلولها، ﴿غَافِلِينَ﴾ وقيل معناه كانوا عن آياتنا معرضين. ١٣٧ - قوله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ يُقهرون ويُستذلون بذبح الأبناء، واستخدام النساء والتسخر والاستعباد، وهم بنو إسرائيل، ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ يعني مصر والشام ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالماء والاشجار والثمار، وإنما ذكره بلفظ الميراث لأنه أورثهم ذلك، بمهلك أهلها من العمالقة والفراعنة، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ يعني وفَّتْ كلمة الله تعالى (١)، وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين في الأرض، وذلك قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٢) وقيل: معناه وجبت نعمة (٣) ربك الحسنى ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إنهم يجزون الحسنى يوم القيامة (٤) ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على دينهم ﴿وَدَمَّرْنَا﴾ أهلكنا وتبرنا ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ في أرض مصر من العمارات ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قال الحسن:

стр. 6503

وما كانوا يعرشون من الثمار والأعناب (١). وقال مجاهد: يعني يبنون البيوت والقصور والمساكن، وكان عنبهم غير معروش (٢). وقرأ (ابن عباس ﵄ (٣) وابن عامر، وابن عياش (٤) (عن عاصم) (٥) بضم الراء (٦)، وهما لغتان صحيحتان فصيحتان عرش يعرِش ويعرُش، وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلة (يُعَرِّشون) بالتشديد على الكثرة (٧). ١٣٨ - قوله : ﴿وَجَاوَزْنَا﴾ قطعنا ﴿بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ بعد الآيات التي رأوها، والعبر التي عاينوها. (قال الكلبي: عبر بهم موسى ﵇ يوم عاشوراء، بعد مهلك فرعون وقومه، وصام يومئذ شكرًا لله) (٨) ﴿فَأَتَوْا﴾ فمرّوا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ﴾ يقيمون، قرأ حمزة والكسائي وخلف (٩) (يعكِفون) بكسر

стр. 6504

الكاف والباقون بالضم، وهما لغتان (١)، على ﴿عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ أوثان ومُثُلٍ لَهُم، كانوا يعبدونها من دون الله. قال ابن جريج: كانت لهم تماثيل بقر (٢)، وذلك أوّل شأن العجل (٣). قال قتادة: كان (٤) أُولئك القوم من لَخْم (٥)، وكانوا نزولا بالرَّقَّة (٦)، وقيل: كانوا من الكنعانيين (٧) الذين أُمر موسى بقتالهم (٨).

стр. 6505

فـ ﴿قَالُوا﴾ فقالت بنو إسرائيل لما رأوا ذلك: ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ مِثالا نعبده ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ﴾ موسى لهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ عظمة الله ونعمته وحرمته. ١٣٩ - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ﴾ مُهلَك مُفسد ومُخَسَّر ﴿مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ﴾ مضمحل زائل (١) ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ١٤٠ - ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ﴾ أطلب وأبغي لكم ﴿إِلَهًا﴾ (٢) فحذف حرف الصفة كقوله تعالى (٣): ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ (٤) ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْعَالَمِينَ﴾ على عالمي زمانكم. روى معمر (٥) عن الزهري (٦) عن أبي واقد الليثي (٧) ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قِبَل حنين فمررنا بسدرة خضراء عظيمة فقلنا: يارسول الله اجعل لنا هذِه ذات أنواط (٨) كما للكفّار ذات

стр. 6506

أنواط، وكان للكفار سدرة يعلقون بها أسلحتهم، ويعكفون حولها، يقال له: ذات أنواط. فقال النبيّ ﷺ : "الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١) والذي نفسي بيده لتركبنّ سَنَن مَنْ كان قبلكم" (٢). ١٤١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ قرأ أهل الشام (وِإذْ أَنْجَاكُم)، وكذلك هو في مصاحفهم (٣).

стр. 6507

﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ قرأ نافع: ﴿يَقْتُلُون﴾ خفيفة من القتل على التقليل، وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير (١) من التقتيل ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. ١٤٢ - قوله : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ ذا القعدة ﴿لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجّة ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ﴾ عند انطلاقه ﴿مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي﴾ كن خليفتي ﴿فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ وأصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله وعبادته ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ولا تسلك طريق العاصين، ولا تكن عونًا للظالمين، وذلك أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل، وهم بمصر إذا أهلك الله عدوّهم واستنقذهم من أيديهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما فعل الله ذلك بهم، سأل موسى ﵇ ربه الكتاب، فأمره الله يصوم ثلاثين يومًا، وهو شهر ذي القعدة، فلما تمت ثلاثون ليلة، أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خرنوب (٢)، فقالت له الملائكة: كنّا نشم من فيك رائحة المسك، فأفسدته

стр. 6508

بالسواك (١). وقال أبو العالية: إنّه أكل من لحاء الشجر، فأمره (٢) الله تعالى أن يصوم عشرة أيام من ذي الحجّة، وقال له: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فكانت فتنتهم في العشر التي زادها الله (٣). ١٤٣ - قوله : ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ أي: للوقت الذي ضربنا له أن نكلمه فيه، والميقات مِفْعَال من الوقت، كالميعاد والميلاد. انقلبت الواو ياءً (٤)، لسكونها، وانكسار ما قبلها (٥). قال المفسّرون (٦): إنّ موسى ﵇ تطهّر، وطهّر ثيابه لميعاد ربه، فلما أتى طور سيناء ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وناجاه وأدناه، حتّى سمع صريف (٧) القلم، فاستحلى كلامه، واشتاق إلى رؤيته، وطمع

стр. 6509

فيها، فـ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال ابن عباس ﵄: يعني أعطني انظر إليك (١)، فـ ﴿قَالَ﴾ الله -له ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وليس لبشر أن يطيق النظر إليّ في الدنيا، من نظر إليّ مات، قال موسى ﵇: إلهي سمعت كلامك، واشتقت إلى النظر إليك، ولأن انظر إليك ثم أموت، أحب إليّ من أن أعيش ولا أراك، فقال الله تعالى له: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ وهو أعظم جبل بمدين، يُقال له: زَبِير (٢)، فلمّا سمعت الجبال ذلك، تعاظمت رجاء أن يتجلّى الله لها، وجعل زَبِير يتواضع من بينهن. فلمّا رأى الله (تعالى ذلك منه ومن) (٣) تواضعه، رفعه من بينها، وخصّه بالتجلّي. وقال السدي: لمّا كلّم الله موسى ﵇، غاص الخبيث إبليس في الأرض، حتّى خرج بين قدمي موسى فوسوس إليه، وقال: إن مكلمك شيطان (٤)، فعند ذلك سأل موسى ﵇ الرؤية، قال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، وتعلّقت نُفَاة الرؤية بهذِه الآية (٥)، ولا دليل لهم فيها لأنّ (لن) هاهنا لا يوجب التأبيد، وإنما هو يوجب التوقيت، كقوله حكاية عن اليهود:

стр. 6510

﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) يعني الموت، ثمّ حكى عنهم أنهم يقولون لمالك: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (٢) و ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ (٣) يعني الموت، وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ (يعني الجنّة) (٤) ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٥) وقد يدخل الجنّة مَنْ لا يُنفق ممّا يحب. فمعنى الآية لن تراني في الدنيا، وإنما تراني في العقبى. قال عبد العزيز بن يحيى: قوله تعالى (٦) ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ جواب قول موسى ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ولا يقع على الآخرة، لأن موسى لم يقل أرني انظر إليك في الآخرة، إنما سأله الرؤية في الدنيا، فأُجيب عما سأل، ولا حجّة في لمَنْ أنكر الرؤية (٧). وقيل: معنى قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لا تقدر أن تراني (٨)، (وقيل: معناه لن تراني بعين فانية وإنما تراني بعين باقية (٩)، وقيل: لن تراني) (١٠) قبل

стр. 6511

محمد ﷺ وأُمته، وإنما تراني بعد محمد وأُمته (١)، وقيل: معناه لن تراني بالسؤال والدعاء، وإنما تراني بالنوال والعطاء، لأنّ الله لو أعطاها إياه بسؤاله لكانت الرؤية مكافأة للسؤال، ويجوز أن يكون فعله مكافأة فعل عبده، ولا يجوز أن يكون هو مكافأة فعل عبده (٢). وقيل: معناه لن تراني بالعين التي رأيت بها عدوي، وذلك أنّ الشيطان تراءى له ووسوس إليه، فقال الله له: يا موسى أما تعلم أنّ رؤية الحبيب والعدو لا يجتمعان في حال واحد، ومكان واحد، وزمان واحد (٣). [١٣٨١] وسمعت الحسن بن محمد بن حبيب (٤) يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري (٥) يقول: لو كان سؤال موسى ﵇ ممتنعا مستحيلا، لما أقدم عليه نبي الله موسى ﵇ مع علمه ومعرفته بالله ، كما لم يجز أن يسأله لنفسه صاحبة وولدًا (٦).

стр. 6512

قوله : ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ واستقراره سكونه وثباته. قال المتكلّمون من أهل السنة (١): لما علق الله سبحانه الرؤية باستقرار الجبل دلّ على جواز الرؤية؛ لأن استقراره غير محال، (فدلّ على أن ما علق عليه من كون الرؤية غير محال أيضًا) (٢)، ألا ترى أن دخول الكفار الجنّة لما كان مستحيلا علقه بشيء مستحيل، وهو قوله تعالى (٣): ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٤) (٥). وقال أهل الحكمة والإشارة (٦): إن الكليم ﵇ لما أراد الخروج إلى الميقات، جعل بين قومه وبين ربه واسطة، بقوله لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ (٧) فلما سأل الله الرؤية جعل الله بينه وبينها واسطة، وهو الجبل بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ فقال:

стр. 6513

إن لم أصلح بخلافتك دون أخيك، فأنت أيضًا لا تصلح لرؤيتي دون استقرار (١) الجبل (٢). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال وهب: لما سأل موسى ﵇ ربه الرؤية أرسل الله تعالى الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق، فأحاطت بالجبل الذي عليه موسى، وأمر الله تعالى (٣) ملائكة السماوات أن يعترضوا على موسى أربعة فراسخ (٤) من كل ناحية، فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر، تنبع أفواههم بالتقديس والتسبيح بأصوات عظيمة كصوت (٥) الرعد الشديد، ثمّ أمر الله تعالى ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى، فهبطوا عليه مثل الأُسْد لهم لَجَبٌ (٦) بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران، مما رأى وسمع، واقشعر كل شعرة في رأسه وجسده، ثمّ قال: ندمت على مسألتي (فهل يُنْجِيْني) (٧) من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له حَبْر الملائكة

стр. 6514

ورأسهم: يا موسى أصبر لما سألت، فقليل من كثير ما رأيت. ثمّ هبطت عليه ملائكة السماء الثالثة، كأمثال النسور، لهم قَصْفٌ ورجفٌ ولَجَبٌ شديد، وأفواههم ينبع بالتقديس والتسبيح، كلَجَب الجيش العظيم وكلهب النار. ثمّ هبطت عليه ملائكة السماء الرابعة، لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم. ثمّ هبطت عليه ملائكة السماء الخامسة في (١) سبعة ألوان، فلم يستطع موسى ﵇ أن يُتبعهم طرفه، ولم يرَ مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم، فامتلأ جوفه خوفًا، واشتد حزنه وكثر بكاؤه، فقال له حَبَر الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران مكانك حتّى ترى ما لا تصبر عليه. ثمّ أمر الله تعالى ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي أراد أن يراني، فاعترضوا عليه فهبطوا عليه في يد كل ملك مثل النخلة الطويلة نارا (شديدة الضوء) (٢)، أشد ضوءا من الشمس، ولباسهم كلهب النار، إذا سبحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات كلهم، يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس (رب الملائكة والروح، وفي راوية) (٣) رب العزّة أبدًا لا يموت، في

стр. 6515

رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى ﵇، رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا، وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنسَ عبدك، لا أدري أنقلب مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت أحترقت، وإن مكثت متّ، فقال له كبير الملائكة ورئيسهم: قد أوشكت يابن عمران أن يشتد خوفك، وينخلع قلبك، فاصبر للذي سألت، ثمّ أمر الله تعالى أن يُحْمل عرشه في ملائكة السماء السابعة، وقال: أروه، فلما بدا نور العرش انفرج الجبل (١) من عظمة الرب، ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعًا، فارتج الجبل واندك، وكل شجرة كانت فيه، وَخَرَّ العبد الضعيف مُوسَى صَعِقًا على وجهه، ليس معه روحه، فقلب الله الحجر الذي كان عليه موسى، وجعله كهيأة القبّة، كي لاّ يحترق موسى، وأرسل الله (٢) إليه روح الحياة برحمته، فقام موسى ﵇ يسبح الله ويقول: آمنت أنك ربّي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك، وأعظم ملائكتك! أنت رب الأرباب، وإله الآلهة، وملك الملوك، لا يعدلك شيء، ولا يقوم لك شيء، رب تبت إليك الحمد لله لا شريك لك رب العالمين (٣).
следующие страницы →