← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

محمد ﷺ وأُمته، وإنما تراني بعد محمد وأُمته (١)، وقيل: معناه لن تراني بالسؤال والدعاء، وإنما تراني بالنوال والعطاء، لأنّ الله لو أعطاها إياه بسؤاله لكانت الرؤية مكافأة للسؤال، ويجوز أن يكون فعله مكافأة فعل عبده، ولا يجوز أن يكون هو مكافأة فعل عبده (٢). وقيل: معناه لن تراني بالعين التي رأيت بها عدوي، وذلك أنّ الشيطان تراءى له ووسوس إليه، فقال الله له: يا موسى أما تعلم أنّ رؤية الحبيب والعدو لا يجتمعان في حال واحد، ومكان واحد، وزمان واحد (٣). [١٣٨١] وسمعت الحسن بن محمد بن حبيب (٤) يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري (٥) يقول: لو كان سؤال موسى ﵇ ممتنعا مستحيلا، لما أقدم عليه نبي الله موسى ﵇ مع علمه ومعرفته بالله ، كما لم يجز أن يسأله لنفسه صاحبة وولدًا (٦).

стр. 6512

قوله : ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ واستقراره سكونه وثباته. قال المتكلّمون من أهل السنة (١): لما علق الله سبحانه الرؤية باستقرار الجبل دلّ على جواز الرؤية؛ لأن استقراره غير محال، (فدلّ على أن ما علق عليه من كون الرؤية غير محال أيضًا) (٢)، ألا ترى أن دخول الكفار الجنّة لما كان مستحيلا علقه بشيء مستحيل، وهو قوله تعالى (٣): ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٤) (٥). وقال أهل الحكمة والإشارة (٦): إن الكليم ﵇ لما أراد الخروج إلى الميقات، جعل بين قومه وبين ربه واسطة، بقوله لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ (٧) فلما سأل الله الرؤية جعل الله بينه وبينها واسطة، وهو الجبل بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ فقال:

стр. 6513

إن لم أصلح بخلافتك دون أخيك، فأنت أيضًا لا تصلح لرؤيتي دون استقرار (١) الجبل (٢). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال وهب: لما سأل موسى ﵇ ربه الرؤية أرسل الله تعالى الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق، فأحاطت بالجبل الذي عليه موسى، وأمر الله تعالى (٣) ملائكة السماوات أن يعترضوا على موسى أربعة فراسخ (٤) من كل ناحية، فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر، تنبع أفواههم بالتقديس والتسبيح بأصوات عظيمة كصوت (٥) الرعد الشديد، ثمّ أمر الله تعالى ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى، فهبطوا عليه مثل الأُسْد لهم لَجَبٌ (٦) بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران، مما رأى وسمع، واقشعر كل شعرة في رأسه وجسده، ثمّ قال: ندمت على مسألتي (فهل يُنْجِيْني) (٧) من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له حَبْر الملائكة

стр. 6514

ورأسهم: يا موسى أصبر لما سألت، فقليل من كثير ما رأيت. ثمّ هبطت عليه ملائكة السماء الثالثة، كأمثال النسور، لهم قَصْفٌ ورجفٌ ولَجَبٌ شديد، وأفواههم ينبع بالتقديس والتسبيح، كلَجَب الجيش العظيم وكلهب النار. ثمّ هبطت عليه ملائكة السماء الرابعة، لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم. ثمّ هبطت عليه ملائكة السماء الخامسة في (١) سبعة ألوان، فلم يستطع موسى ﵇ أن يُتبعهم طرفه، ولم يرَ مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم، فامتلأ جوفه خوفًا، واشتد حزنه وكثر بكاؤه، فقال له حَبَر الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران مكانك حتّى ترى ما لا تصبر عليه. ثمّ أمر الله تعالى ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي أراد أن يراني، فاعترضوا عليه فهبطوا عليه في يد كل ملك مثل النخلة الطويلة نارا (شديدة الضوء) (٢)، أشد ضوءا من الشمس، ولباسهم كلهب النار، إذا سبحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات كلهم، يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس (رب الملائكة والروح، وفي راوية) (٣) رب العزّة أبدًا لا يموت، في

стр. 6515

رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى ﵇، رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا، وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنسَ عبدك، لا أدري أنقلب مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت أحترقت، وإن مكثت متّ، فقال له كبير الملائكة ورئيسهم: قد أوشكت يابن عمران أن يشتد خوفك، وينخلع قلبك، فاصبر للذي سألت، ثمّ أمر الله تعالى أن يُحْمل عرشه في ملائكة السماء السابعة، وقال: أروه، فلما بدا نور العرش انفرج الجبل (١) من عظمة الرب، ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعًا، فارتج الجبل واندك، وكل شجرة كانت فيه، وَخَرَّ العبد الضعيف مُوسَى صَعِقًا على وجهه، ليس معه روحه، فقلب الله الحجر الذي كان عليه موسى، وجعله كهيأة القبّة، كي لاّ يحترق موسى، وأرسل الله (٢) إليه روح الحياة برحمته، فقام موسى ﵇ يسبح الله ويقول: آمنت أنك ربّي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك، وأعظم ملائكتك! أنت رب الأرباب، وإله الآلهة، وملك الملوك، لا يعدلك شيء، ولا يقوم لك شيء، رب تبت إليك الحمد لله لا شريك لك رب العالمين (٣).

стр. 6516

وقال السدي: حفّ حول الجبل بالملائكة، وحفّ حول الملائكة بالنار، (وحفّ حول النار بملائكة، وحفّ حول الملائكة بنار) (١)، ثمّ تجلّى ربّه للجبل (٢). قال ابن عباس ﵄: ظهر نور ربّه للجبل جبل (٣) زبير (٤). وقال الضحاك أظهر الله تعالى من نور الحجب مثل منخر ثور (٥). وقال كعب الأحبار وعبد الله بن سلام: ما تجلّى (من عظمة الله للجبل إلاّ مثل سمّ الخياط، حتى صار دكًّا (٦). وقال السدي: ما تجلّى) (٧) منه إلاّ قدر الخِنْصر (٨). يدلّ عليه ما روى ثابت عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ قرأ هذِه الآية، فقال: هكذا، ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل (٩).

стр. 6517

وقال الحسن: أوحى الله إلى الجبل هل تطيق رؤيتي؟ فغار الجبل، وساخ في الأرض، وموسى ﵇ ينظر هل ذهب أجمع؟ (١). وقال قطرب: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أي: أمر ربّه كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) (٣). وقال المبرد: معناه (٤) فلمّا جلّى ربّه آية للجبل (٥)، فجعله فعلا متعدّيًا كالتبدّل والتخلّص والتوعد، وقال أبو بكر (محمد بن عمر) (٦) الورّاق: حُكِيَ لي عن سهل بن سعد الساعدي (٧) ﵁: إن الله تعالى أظهر من وراء (٨) سبعين ألف حجاب نورًا قدر الدرهم، فجعل الجبل دكًا (٩). قال أبو بكر: فَعَذُب إذ ذاك كل ماء، وأفاق كل مجنون، وبرأ كل

стр. 6518

مريض، وزالت الشوك عن الأشجار، واخضرت الأرض، وأزهرت النبات، وخمد (١) نيران المجوس، وخرت الأصنام لوجهها (٢). ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ مستويًا بالأرض، قال ابن عباس ﵄: جعله ترابًا (٣). وقال قتادة تقعر بعضه على بعض (٤). وقال سفيان (٥): ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر، فهو يذهب معه (٦). وقال أبو بكر الهذلي: انقعر ودخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة (٧). وقال عطية العوفي: جعله دكا. أي: رملا هائلا (٨). وقال الكنبي: جعله دكا. أي: كسرا (٩) جبالا صغارا (١٠).

стр. 6519

وقال الحسن: جعله دكا. أي: ذاهبا أصلا (١). وقال مسروق: صار صخرا ترابا (٢). [١٣٨٢] أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد المزكَّي (٣) قال: أخبرني شيخي أبو علي (٤) قال: حدثنا محمد بن صالح الرازي (٥) قال: حدثنا النضر (٦) قال: حدثنا محمد بن الحسن

стр. 6520

بن زَبَالة (١) عن معاوية الضال (٢) عن الجَلْد بن أيوب (٣) عن معاوية بن قرّة (٤) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿فَلَمَّا

стр. 6521

تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾: "صارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة: أُحُد (١) وورِقان (٢)، ورَضْوى (٣)، وثلاثة بمكّة ثَوْر (٤) وثَبِيْر (٥) وحِرَاء" (٦).

стр. 6522

واختلفت القراءة في هذا الحرف، فقرأ عاصم هاهنا بالقصر والتنوين، والتي في الكهف بالمد (من غير تنوين) (١)، وقرأ غيره من أهل الكوفة وحميد (٢) (دكاء) ممدود غير مجراة في السورتين جميعا، وقرأ الباقون كلاهما (٣) مقصورة منونة (٤). وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد، فمن قصر فمعناه جعله مدكوكًا، والدك والدق بمعنى واحد، لأن الكاف والقاف يتعاقبان، كقولهم: كلام ركيك ورقيق (٥)، ويجوز أن يكون معناه: دكه الله دكًا. أي: فتّه (٦)، اعتبارا

стр. 6523

بقوله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ (١) وقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ (٢) قال حُمْيد: يَدُكُّ أَرْكَانَ الجِبَال هَزَمُهْ ... يَخْطُرِ بِالبِيضِ الرِّقَاقِ بُهَمُهْ (٣) ومن مده فهو من قول العرب ناقة دكاء، إذا لم يكن لها سنام، وحينئذ يكون (منه جعله أرضًا دكاء. أي: مستوية لا شيء فيها، لأن الجبل مذكر، هذا قول أهل الكوفة (٤). وقال نحاة البصرة: معناه (٥) جعله مثل دكًّا، فحذف مثل وأُجْرِيَ مُجْرى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٦) (٧)

стр. 6524

قال الأخفش: من مدّ قال في الجمع: دكاوات، ودُك مثل حَمْراوات وحُمْر، ومن قال: أرض دك، قال في الجمع: دكوك (١). قوله : ﴿وَخَرَّ﴾ (أي وقع) (٢) ﴿مُوسَى صَعِقًا﴾ قال ابن عباس ﵄: مغشيا عليه (٣). وقال قتادة: ميتاً (٤). قال الكلبي: خرّ موسى صعقًا يوم الخميس يوم عرفة، وأعطى التوراة يوم الجمعة يوم النحر (٥). قال الواقدي: لما خرَّ موسى صعقًا، قالت ملائكة السماوات: ما لابن عمران ولسؤال الرؤية؟ وفي بعض الكتب أنّ ملائكة السماوات أتوا موسى ﵇ وهو مغشي عليه فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون: يابن النساء الحُيَّض أطمعت في رؤية ربّ العزّة (٦). ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ موسى من صعقته وثاب إليه عقله عرف أنّه قد سأل أمرًا لا ينبغي له فـ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من سؤالي الرؤية ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بأنك لا تُرى في الدنيا.

стр. 6525

وقال السدي ومجاهد: وأنا أوّل مَنْ آمن بك من بني إسرائيل (١). [١٣٨٣] وسمعت أبا القاسم الحبيبي (٢) يقول: سمعت أبا القاسم النَصْرَ آباذي (٣) يحكي عن الجنيد (٤): تبت إليك من الأنبساط في شيء لا يحتمله بنيتي، وأنا أوّل المؤمنين بأنّك لا تُرى في الدنيا لأني أول من سألك الرؤية (٥). قال ابن عباس ﵄: لمّا سار موسى ﵇ إلى طور سيناء للميقات، قال له ربه : ما تبتغي؟ قال: جئت أبتغي الهدى، قال قد وجدته يا موسى، فقال موسى ﵇: يا رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: أي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: أي الناس أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه فيسمع الكلمة تهديه إلى هُدى، أو ترده عن ردى (٦).

стр. 6526

وقال عبد الله بن مسعود ﵁: لمّا قرب الله تعالى (١) موسى بطور (٢) سيناء رأى عبدًا في ظلّ العرش جالسًا. قال: يا رب من هذا؟ قال: هذا عبد لا يحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله، برُّ بوالديه لا يمشي بالنميمة، فقال موسى ﵇: يارب اغفر لي ما جرى من ذنبي وما غَبَر، وما بين ذلك، وما أنت أعلم به مني، رب أعوذ بك من وسوسة نفسي، وأعوذ بك من سوء عملي. فقال: قد كفيت ذلك يا موسى، فقال: يا رب أي العمل أحب إليك (أن أعمل به؟ ) (٣) قال: تذكرني ولا تنساني، قال: أي عبادك خير عملا؟ قال: مَنْ لا يَكْذب لسانه، ولا يَفْجر قلبه، ولا يزني فرجه، مؤمن في خلق حسن، قال يارب (٤): فأي عبادك سيء (٥) عملاً؟ قال: فاجر في خلق سيء، جيفة بالليل بطال النهار (٦). ١٤٤ - قَالَ الله تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ أعطيتك ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لله على نعمه.

стр. 6527

[١٣٨٤] أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبي الفراتي (١)، قال حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن بكير الرازي (٢)، قال حدثنا الحسن بن عليّ بن يحيى بن سلام الإمام (٣)، قال حدثنا أحمد بن حسان بن موسى البلخي (٤)، قال حدثنا أبو عاصم إسماعيل بن عطاء بن قيس الأُموي (٥) عن أبي حازم المدني (٦) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله: "لما أعطى الله تعالى موسى الألواح فنظر فيها (٧) فقال: يا رب لقد أكرمتني بكرامة لم تكرمها أحدًا قبلي (٨)، قال: يا موسى إنّي اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. أي: بجد ومحافظة، تموت على حب محمد ﷺ . قال موسى: يارب ومن محمد؟ قال: أحمد الذي أَثْبَتُ اسمه على عرشي، من قبل أن أخلق السماوات والأرض بألفي عام، إنّه نبيي وصفيي وحبيبي وخيرتي من خلقي، وهو أحب إلى من جميع خلقي وجميع ملائكتي. قال موسى: يارب إن كان محمد أحب

стр. 6528

إليك من جميع خلقك، فهل خلقت أمة أكرم عليك من أمتي؟ قال الله: ياموسى إنّ فضل أُمة محمد على سائر الخلق، كفضلي على جميع خلقي. قال: يا رب ليتني رأيتُهم، قال: يا موسى إنّك لن تراهم، لو أردت أن تسمع كلامهم لسمعت، قال: يا رب فإني أُريد أن أسمع كلامهم، قال الله : يا أُمة أحمد، فأجبنا كلنا من أصلاب آبائنا وأرحام أُمهاتنا: لبيك اللهم لبيك (١)، لبيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. قال الله تعالى: يا أُمة أحمد إن رحمتي سبقت غضبي، وعفوي عقابي. قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني، وقد أجبتكم من قبل أن تدعونني، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصوني، من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا عبدي ورسولي دخل الجنّة، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر، وهذا قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾ (٢) (٣). [١٣٨٥] وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عليّ بن نصير

стр. 6529

المزكي (١)، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج (٢) قال حدّثنا قتيبة بن سعيد (٣)، قال حدثنا رِشْدين بن سعد (٤) عن سعيد بن عبد الرحمن المعافِري (٥) عن أبيه (٦) أن كعب الأحبار (٧) رأى حبر اليهود يبكي، قال: ما يبكيك؟ قال: ذكرتُ بعض الأُمر. فقال له كعب: أَنْشُدُك الله لئن أخبرتك ما أبكاك لتصدقني؟ قال: نعم. قال: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أُمة خير الأُمم أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتّى يقاتلوا الأعور الدجال، فقال موسى: ياربّ اجعلهم أُمّتي. قال: هي أُمّة محمد يا موسى؟ . قال الحَبر: نعم. قال كعب: أَنْشُدُك بالله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر في

стр. 6530

التوراة فقال: رب إني أجد أُمةً هم الحمادون رعاة الشمس، المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا: نفعله إن شاء الله. فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد ياموسى؟ . قال الحبر نعم. قال كعب: فأنشدك بالله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر في التوراة فقال: يارب إني أجد (في التوراة) (١) أُمةً يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار غير أن موسى ﵇ كان يجمع صدقات بني إسرائيل، فلا يجد عبدًا مملوكًا ولا أمةً إلاّ اشتراه، ثمّ أعتقه من تلك الصدقات، وما فضل حفر له بئرا عميقة القعر فألقاه فيها، ثمّ دفنه كي لا يرجعوا فيه، وهم المستجيبون المستجاب لهم، الشافعون المشفوع لهم. قال موسى: رب (٢) فاجعلهم أُمّتي؟ قال: هي أُمة محمد يا موسى؟ . قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى ﵇ نظر في التوراة، فقال: يارب إني أجد أُمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله وإذا هبط واديًا حمد الله، الصعيد لهم طهور، والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا يتطهرون من الجنابة، طهورُهم بالصعيد كطهورِهم بالماء، حيث لا يجدون الماء، غر محجلون (٣)

стр. 6531

من آثار الوضوء، فاجعلهم أُمتي؟ قال: هي أُمة أحمد يا موسى؟ . قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك بالله، هل تجد في كتاب الله المنزل؟ أن موسى نظر في التوراة فقال: ربِ إني أجد أمةً إذا همَّ أحدهم بحسنة لم يعملها كتبت له حسنة مثلها، وإن عملها ضعف عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، فإذا هَمّ حدهم (١) بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة مثلها، فاجعلهم أُمتي قال: هي أُمة أحمد؟ . قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: ربِ إنّي أجد أُمّة مرحومة ضعفاء، يرثون الكتاب الذين اصطفيناهم، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، فلا أجد منهم أحدًا إلاّ مرحومًا. فاجعلهم أُمّتي. قال: هي أُمة أحمد ياموسى؟ . قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر في التوراة فقال: ربِ إنّي أجد (في التوراة) (٢) أُمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنّة، صفوفهم في الصلاة صفوف الملائكة، أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل، لا يدخل النار منهم أحد أبدًا (٣) إلا من برئ الحسنات، مثل ما برئ الحجر

стр. 6532

من ورق الشجر، قال موسى: فاجعلهم أُمتي. قال: هي أمة أحمد ياموسى؟ . قال الحبر: نعم. فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمدًا ﷺ وأمته. قال: ياليتني من أصحاب محمد فأوحى الله ثلاث آيات يرضيه بهن: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ إلى قوله ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١) ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٢) قال: فرضى موسى كل الرضا (٣).

стр. 6533

١٤٥ - ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ﴾ (يعني لموسى) (١) ﴿فِي الْأَلْوَاحِ﴾. قال الربيع بن أنس: كانت ألواح موسى ﵇ من بُرَد (٢). وقال ابن جريج: كانت من زمرّد، أمر الله تعالى جبريل حتّى جاء بها من جنة (٣) عدن وكتبها بالقلم الذي كتب الله به الذكر، واستمد من نهر النور كتب (٤) به الألواح (٥). وقال الكلبي: كانت الألواح من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء كتب الله فيها ثماني عشرة آية من بني إسرائيل وهي عشر آيات في التوراة (٦). وقال وهب: أمره الله تعالى بقطع الألواح من صخرة صماء ليّنها الله له فقطعها بيده ثمّ شققها بإصبعه (وسمع موسى ﵇ صرير القلم بالكلمات العشر، وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة) (٧) وكانت الألواح عشرة على طول موسى ﵇ (٨).

стр. 6534

وقال مقاتل ووهب ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ كنقش الخاتم، وكتب فيها: إني أنا الله الرحمن الرحيم، لا تشركوا بي شيئًا من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإنّ كل ذلك خلقي، ولا تقطعوا السبل، ولا تحلفوا باسمي كاذبًا فإن مَنْ حلف باسمى كاذبًا فلا أُزكّيه، ولا تقتلوا ولا تزنوا، ولا تعقّوا الوالدين (١). وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر (٢) بعير، يقرأ الجزء منه في سنة لم يقرأه إلَّا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى ﵈ (٣). وقال الحسن: هذِه الآية في التوراة ألف آية يعني قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ (٤). ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا﴾ وتبيينا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأمر والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام. ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ قال مقاتل: بجد ومحافظة (٥). قال الضحاك: بطاعة (٦).

стр. 6535

﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ قال ابن عباس ﵄ في رواية الكلبي: يعني بأحسن ما أُمروا (فيها، من الفرائض فيحلوا حلالها، ويحرموا حرامها، وكان موسى أشد عبادة من قومه أُمر بما لم يؤمروا) (١) به (٢). وقال ابن كيسان وابن جرير: أحسنها الفرائض والأوامر، لأنه كان فيها أمر ونهي، فأمرهم الله تعالى أن يعملوا بما أمرهم به (ويتركوا ما نهاهم) (٣) عنه، فالعمل بالمأمور به أحسن من العمل بالمنهي عنه (٤). وقيل: معناه يأخذوا بها، وأحسن صلة (٥)، وقال قطرب: يأخذوا بأحسنها. أي: بحسنها، وكلّها حَسَن. كقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٦) (٧) وقال الحسين بن الفضل: معنى قوله بـ (أحسنها): أن تتجه الكلمة معنيين أو ثلاثة فتصرف إلى أشبهه بالحق (٨). وقيل: كان فيها فرائض لا مترك لها، وفضائل مندوبًا إليها، فالأحسن أن يُجمع بين الفرائض والنوافل (٩).

стр. 6536

قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال أهل المعاني: هذا كقول القائل لمن يخاطبه: سأُريك غدًا إلى ما يصير إليه حال مَنْ يخالف أمري، على وجه الوعيد والتهديد (١). وقال مجاهد: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال: مصيرهم في الآخرة (٢). وقال الحسن: جهنم (٣)، وقال قتادة وغيره: سأُدخلكم الشام، فسأُريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الجبابرة والعمالقة (٤). وقال عطيّة العوفي: معناه سأُريكم دار فرعون وقومه وهي مصر (٥)، يدلّ عليه قراءة ابن عباس ﵄، وقسامة بن زهير: (سَأُوْرِثُكُمْ دار الفاسقين) (٦) (دار فرعون وقومه) (٧). وقال أبو العالية رفعت لموسى ﵇ مصر (وهي دار فرعون) (٨)، حتى نظر إليها (٩).

стр. 6537

وقال السدي: دار الفاسقين مصارع الفاسقين (١). وقال الكلبي: دار الفاسقين ما مرّوا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا (٢). وقال ابن كيسان: دار الفاسقين يعني إلى ما يصير قرارهم في الأرض (٣). وقال ابن زيد: يعني سنن الأوّلين (٤). وقيل: الدار الهلاك (وجمعه أدوار) (٥). وذلك أن الله تعالى لمّا أغرق فرعون، أوحى إلى البحر أن يقذف أجسادهم على الساحل، ففعل فنظر إليهم بنو إسرائيل، فأراهم هلاك الفاسقين (٦). وقال يمان (بن رئاب) (٧): يعني مسكن فرعون (٨). ١٤٦ - قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال قوم: حكم الآية لأهل مصر خاصة يعني بقوله: (ءاياتِى) الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى لموسى ﵇، وقال آخرون: هي عامة (٩).

стр. 6538

وقال ابن جريج وابن زيد: يعني عن خلق السماوات والأرض وما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والبحور والنبات وغيرها، أصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها (١). وقال الفريابي (٢): إنّي أمنع قلوبهم من التفكر في أمري (٣). [١٣٨٦] وسمعت أبا القاسم بن حبيب (٤)، يقول: سمعت أبا سعيد محمَّد بن نافع السجزي (٥) بِهَراة يقول: سمعت أبا يزيد حاتم بن محبوب السامي (٦)، يقول: سمعتُ عبد الجبار بن العلاء العطار (٧)، يقول: سمعت سفيان بن عيينة (٨) سئل عن هذِه الآية؟ فقال: أحرمهم فَهْم القرآن (٩).

стр. 6539

[١٣٨٧] سمعت أبا القاسم الحسن بن محمَّد النيسابوري (١)، يقول: سمعت أبا جعفر محمَّد بن أحمد بن سعيد الرازي (٢) يقول: سمعت العباس بن حمزة (٣) يقول: سمعت ذا النون المصري (٤) يقول: أبى الله أن يكرّم قلوب البطالين بمكنون حكمة القرآن (٥). ﴿وَإِنْ يَرَوْا﴾ يعني هؤلاء المتكبّرين ﴿كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا﴾) (٦)، وقرأ مالك بن دينار: (وإن يُروا) بضم الياء (٧). أي: يفعل ذلك بهم. ﴿سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ طريق الهدى والسداد ﴿لَا يَتَّخِذُوهُ﴾ لأنفسهم ﴿سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ يعني الضلال والهلاك ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾. وقرأ مجاهد وحميد وطلحة والأعمش ويحيى (٨) وحمزة والكسائي وخلف (٩): (الرَشَد)، بفتح الراء والشين،

стр. 6540

وهما لغتان (١) كالسُقْم والسَقَم، والحُزْن والحَزَن، والبُخْل البَخَل، وكان أبو عمرو يفرق بينهما فيقول: الرُشْد بالضم، الصلاح في الأمر كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (٢) والرَشَد بفتحتين، الاستقامة في الدين (٣)، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي سبيل (٤): (الرَّشاد) بالألف (٥) وهو مصدر كالعفاف والصلاح. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ لاهين ساهين لا يتفكرون فيها ولا يتعظون بها. ١٤٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ ورؤية القيامة، وقيل: لقاء الله تعالى في الآخرة ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ في العقبى ﴿إِلَّا مَا كَانُوا﴾ (يعني جزاء ما كانوا) (٦) ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا.

стр. 6541

١٤٨ - قوله : ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ التي استعاروها من قوم فرعون. وكانت بنو إسرائيل في القبط بمنزلة أهل الجزية في أهل الإِسلام، وكان لهم يوم عيد يتزينون فيه، ويستعيرون من القبط العلي، فوافق ذلك عيدهم، فاستعاروا حلي القبط، فلما أخرجهم الله من مصر، وغرق فرعون بقيت تلك العلي في أيديهم، فاتخذ السامري منها ﴿عِجْلًا﴾ وهو ولد البقرة ﴿جَسَدًا﴾ مجسّد لا روح فيه. وقال وهب: جسدًا لحمًا (١) ودمًا (٢) ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ وهو صوت البقرة، خارت خورة واحدة، ثمّ لم يعد بعدها. وقال وهب: كان يسمع منه الخوار، إلَّا أنَّه لا يتحرك (٣). وقرأ عليّ بن أبي طالب: (جؤار) بالجيم والهمز (٤)، وهو الصوت. واختلفت القراءة في قوله (حليهم)، فقرأ يعقوب بفتح الحاء وجزم اللام وتخفيف الياء، على الواحدة، وقرأ حمزة والكسائي: (حِليّهم)

стр. 6542

بكسر الحاء وتشديد الياء، والباقون بضم الحاء (١)، وهما لغتان مثل: صلي وجثي (٢) وبكي وعتي (٣)، يجوز فيها الكسر والضم (٤). ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني الذين عبدوا العجل من دون الله ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ قال الله تعالى ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ عبدوه واتخذوه إلهًا ﴿وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ كافرين. ١٤٩ - قوله : ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على عبادة العجل، وهذا من فصيحات القرآن، والعرب تقول لكل نادم على أمر أو عاجز عن شيء: سقط في يده، وأُسقط، لغتان، وأصله من الاستيسار، وهو أن يضرب الرجل الرجل (٥) أو يصرعه، فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره فيكتفه،

стр. 6543

فالمرمي به مسقوط في يد الساقط (١). ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا﴾ يتب علينا ﴿رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ ويتجاوز عنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بالعقوبة. ١٥٠ - قوله : ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ قال أبو الدرداء: الأسف منزلة وراء الغضب، أشد من ذلك (٢). وقال ابن عباس ﵄ والسدي: يعني حزينًا (٣)، قال الحسن: غضبان حزينًا (٤) ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بئس الفعل فعلتم بعد ذهابي، يقال: منه خلفه بخير أو شر، إذا أولاه في أهله أو قومه (٥) بعد شخوصه عنهم خيرًا أو شرًا (٦). ﴿أَعَجِلْتُمْ﴾ أسبقتم ﴿أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ غضبًا على قومه حين عبدوا العجل. وقال قتادة: إنّما ألقاها لكثرة ما سمع من فضائل أُمّة محمَّد ﷺ فألقى الألواح، وقال: رب اجعلني من أُمّة محمد (٧). وقال رسول الله ﷺ : "رحم الله أخي موسى ليس المخبَرْ كالمعاين، لقد

стр. 6544

أخبره الله بفتنة قومه، فعرف أنّ ما أخبره ربه به (١) حق، وإنه على ذلك لممسّك بمّا في يديه، فرجع إلى قومه فرآهم (٢) فغضب (٣) وكان شديد الغضب، فألقى الألواح" (٤). قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع، فلمّا ألقى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع، وكان (في الذي) (٥) رُفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى والرحمة (٦). قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ أي: بلحيته وذؤابته ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ وكان هارون ﵇ أكبر من موسى ﵇ بثلاث سنين، وأحبّ إلى بني إسرائيل من موسى ﵇، لأنه كان لين الغضب فـ ﴿قَالَ﴾ هارون ﵇

стр. 6545

عند ذلك ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ قرأ أهل الكوفة (إلا حفصا وابن عامر) (١) بكسر الميم ها هنا وفي طه، أراد يا بن أُمي، فحذف ياء الإضافة، لأن مبنى النداء على الحذف، وأبقى الكسرة في الميم، ليدل على الإضافة، كقوله: ﴿يَا عِبَادِ﴾ (٢) يدل عليه قراءة ابن السميفع: (يابن أُمي) (٣) بإثبات الياء على الأصل، وقرأ الباقون بفتح الميم فيهما، على معنى يابن اماه، وجعلها اسمًا واحدًا، وبنوه على الفتح، كقولهم: حضرموت، وخمسة عشر درهما (٤) ونحوهما (٥). ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ يعني عبدة العجل ﴿وَكَادُوا﴾ أي: همّوا وقاربوا أن ﴿يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ بضم التاء وكسر الميم ونصب الأعداء قراءة العامّة، وقرأ مجاهد ومالك بن دينار (فَلا تَشْمَتْ بِيَ الأَعْداءُ) بفتح التاء والميم، الأعداء رفع (٦).

стр. 6546

﴿وَلَا تَجْعَلْنِي﴾ في موجدتك عليّ، وعقوبتك لي ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني أصحاب العجل. ١٥١ - ﴿قَالَ رَبِّ﴾ موسى لمّا تبيّن له عذر أخيه ﴿اغْفِرْ لِي﴾ على ما صنعت إلى أخي ﴿وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا﴾ جميعًا أنا وأخي ﴿فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ١٥٢ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال أبو العالية: هو ما أُمروا به من قتل أنفسهم (١). وقال عطيّة العوفي: أراد سينالهم لأولادهم الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، غضب وذِلّة في الحياة الدنيا، وهو ما أصاب بني قريظة (٢) والنَّضِيْر (٣)، من القتل والجلاء، لتوليهم متخذي العجل

стр. 6547

ورضاهم به (١). قال ابن عباس ﵄: هو الجزية (٢). ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ الكاذبين، قال أبو قِلابة: هي والله جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة، أن يذله الله تعالى (٣). [١٣٨٨] سمعت أبا عمرو الفراتي (٤)، يقول: سمعت أبا سعيد بن أبي بكر بن أبي (٥) عثمان الحِيْري (٦) يقول: سمعت السَّراج (٧)، يقول:

стр. 6548

سمعت سَوّار بن عبد الله العنبرّي (١) يقول: سمعت أبي (٢) يقول: سمعت مالك بن أنس قال: ما من مبتدع إلَّا وتجد فوق رأسه ذلّة ثمّ قرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾ يعني المبتدعين (٣). ١٥٣ - قوله : ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾. ١٥٤ - قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ يدلّ عليه قراءة معاوية بن قرة:

стр. 6549

ولمّا (سكن) بالنون (١). قال أبو النجم: وَهَمَّتِ الأفْعَى بِأَنْ تَسِيحا وَسَكَتَ المُكّاءُ أَنْ يَصِيحا (٢) وأصله الكف عن الشيء، ومنه الساكت عن الكلام. ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ التي بعد ما ألقاها، وذهب منها ستة أسباعها ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ (٣) أي: وفي ما نسخ منها. قال عطاء: أي: وفيما بقي منها، ولم يذهب من الحدود والأحكام شيء (٤). وقال ابن عباس ﵄ وعمرو بن دينار: صام موسى أربعين يومًا، فلمّا ألقى الألواح فتكسّرت، صام مثلها فَردُّت عليه، وأُعيدت في لوحين، مكان الذي انكسر (٥).

стр. 6550

﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ قال ابن عباس ﵄: هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب (١). ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي: يخشون فيعملون بها. واختلف أهل العربية في وجه دخول اللام في قوله تعالى (٢) لربهم، فقال الكسائي: لما تقدّمت قبل الفِعل حسُنَتْ، كقوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٣) (٤) وقيل أراد براهبون لربهم، أو رهبتهم لربهم (٥). وقال عيسى بن عمر سمعت الفرزدق يقول: نقدت له مائة درهم، يريد نقدته (٦). وهي لغة صحيحة، كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٧) وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (٨). وقال قطرب: أراد من ربهم يرهبون (٩)، قيل معناه من أجل ربهم يرهبون (١٠)
следующие страницы →