← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

﴿وَلَا تَجْعَلْنِي﴾ في موجدتك عليّ، وعقوبتك لي ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني أصحاب العجل. ١٥١ - ﴿قَالَ رَبِّ﴾ موسى لمّا تبيّن له عذر أخيه ﴿اغْفِرْ لِي﴾ على ما صنعت إلى أخي ﴿وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا﴾ جميعًا أنا وأخي ﴿فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ١٥٢ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال أبو العالية: هو ما أُمروا به من قتل أنفسهم (١). وقال عطيّة العوفي: أراد سينالهم لأولادهم الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، غضب وذِلّة في الحياة الدنيا، وهو ما أصاب بني قريظة (٢) والنَّضِيْر (٣)، من القتل والجلاء، لتوليهم متخذي العجل

стр. 6547

ورضاهم به (١). قال ابن عباس ﵄: هو الجزية (٢). ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ الكاذبين، قال أبو قِلابة: هي والله جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة، أن يذله الله تعالى (٣). [١٣٨٨] سمعت أبا عمرو الفراتي (٤)، يقول: سمعت أبا سعيد بن أبي بكر بن أبي (٥) عثمان الحِيْري (٦) يقول: سمعت السَّراج (٧)، يقول:

стр. 6548

سمعت سَوّار بن عبد الله العنبرّي (١) يقول: سمعت أبي (٢) يقول: سمعت مالك بن أنس قال: ما من مبتدع إلَّا وتجد فوق رأسه ذلّة ثمّ قرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾ يعني المبتدعين (٣). ١٥٣ - قوله : ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾. ١٥٤ - قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ يدلّ عليه قراءة معاوية بن قرة:

стр. 6549

ولمّا (سكن) بالنون (١). قال أبو النجم: وَهَمَّتِ الأفْعَى بِأَنْ تَسِيحا وَسَكَتَ المُكّاءُ أَنْ يَصِيحا (٢) وأصله الكف عن الشيء، ومنه الساكت عن الكلام. ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ التي بعد ما ألقاها، وذهب منها ستة أسباعها ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ (٣) أي: وفي ما نسخ منها. قال عطاء: أي: وفيما بقي منها، ولم يذهب من الحدود والأحكام شيء (٤). وقال ابن عباس ﵄ وعمرو بن دينار: صام موسى أربعين يومًا، فلمّا ألقى الألواح فتكسّرت، صام مثلها فَردُّت عليه، وأُعيدت في لوحين، مكان الذي انكسر (٥).

стр. 6550

﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ قال ابن عباس ﵄: هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب (١). ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي: يخشون فيعملون بها. واختلف أهل العربية في وجه دخول اللام في قوله تعالى (٢) لربهم، فقال الكسائي: لما تقدّمت قبل الفِعل حسُنَتْ، كقوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٣) (٤) وقيل أراد براهبون لربهم، أو رهبتهم لربهم (٥). وقال عيسى بن عمر سمعت الفرزدق يقول: نقدت له مائة درهم، يريد نقدته (٦). وهي لغة صحيحة، كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٧) وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (٨). وقال قطرب: أراد من ربهم يرهبون (٩)، قيل معناه من أجل ربهم يرهبون (١٠)

стр. 6551

قال الراجز (١): تَسَمعُ للجُزع إذا اسْتُحيرا ... للماء في أجوافها خريرًا (٢) أي من أجل الجرع. ١٥٥ - قوله : ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومه، فلمّا نزع حرف الصفة نصب. كقول الفرزدق: وَمِنَّا الذِي [اخْتِيرَ] الرِّجالَ سَماحَةً ... وَجُودًا إِذا هَبَّ الرِّياحُ الزَّعازعُ (٣) أي من الرجال. وقال الآخر (٤):

стр. 6552

اخْتَرْتُكَ (١) النّاسَ إِذْ غَثَّتْ (٢) خَلائِقُهُمْ ... واعْتَلَّ مَنْ كانَ يُرْجَى عِنْدَهُ السُّولُ (٣) أي: من الناس. واختلفوا في سبب اختيار موسى السبعين، فقال السدي: أمر الله تعالى موسى بأن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدًا، واختار موسى من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ثم ذهب بهم ليعتذرواه فأتوا ذلك المكان، قالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة، فإنّك قد كلّمته فأرناه، فأخذتهم الصاعقة، فماتوا (٤). وقال ابن إسحاق: اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوه، ويسألوه التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم (٥). وقال مجاهد: اختارهم لتمام الموعد (٦). وقال وهب: قالت ينو إسرائيل لموسى ﵇: إن طائفة يزعمون أنّ

стр. 6553

الله لا يكلمك، ولو كلمك ما قمت بكلامه، ألم ترَ أنّ طائفة منّا سألوه النظر إليه فماتوا، أفلا (١) تسأله أن يحضرك طائفة منّا حتّى يكلمك، فيسمعوا كلامه، فيؤمنوا وتذهب التهمة، فأوحى الله إلى موسى أن اختر من خيارهم سبعين رجلًا، ثمّ ارتق بهم إلى الجبل أنت وهارون، واستخلف علي بني إسرائيل يوشع بن نون، ففعل كما أمر الله تعالى واختار موسى (٢) سبعين رجلًا (٣). روى المنهال (٤)، عن الربيع بن حبيب (٥) قال: سمعت أبا سعيد الرقاشي (٦) وقرأ هذِه الآية فقال: كان السبعون أبناء ما عدا عشرين (٧)، ولم يجاوز الأربعين، وذلك أن ابن عشرين قد ذهب

стр. 6554

جهله وصباه، وأنّ من لم يتجاوز الأربعين لم يفقد من عقله شيئًا (١) وقال الآخرون: كانوا شيوخًا (٢). قال الكلبي: اختار موسى سبعين رجلًا لينطلقوا إلى الجبل معه، فلم يصب إلَّا ستين شيخًا، فأوحى الله تعالى إليه أن يختار من الشبان عشرة، فاختار من كل سبط ستّة رهط (٣)، فصاروا اثنين وسبعين. فقال لهم موسى ﵇: إنّما أمرت بسبعين رجلا، فيتخلف منكم رجلان، فتشاحوا على ذلك. فقال موسى: إن لمن قعد مثل أجر من خرج، فقعد رجلان: أحدهما غالب بن يوقنّا (٤)، والآخر يوشع بن نون. وأمر موسى ﵇ السبعين أن يصوموا ويتطهروا، ويطهّروا ثيابهم، ثمّ خرج بهم إلى طور سيناء لميقات ربّه، وكان لا يأتيه إلَّا بإذن منه،

стр. 6555

وذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ (١). ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ واختلفوا في كيفية هذِه الرجفة، وسبب أخذها إياهم. فقال ابن إسحاق والسدي: إنّهم لمّا أتوا ذلك المكان قالوا لموسى ﵇: أطلب لنا أن نسمع كلام ربّنا. فقال: أفعل، فلمّا دنا موسى ﵇ من الجبل، وقع عليه عمود الغمام حتّى يغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا! وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني إسرائيل أن ينظر إليه! فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتّى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل! فلما فرغ، انكشف عن موسى الغمام. وأقبل إليهم، فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة! فأخذتهم الرجفة -وهي الصاعقة- فماتوا جميعًا (٢). وقال ابن عباس ﵄: إن السبعين الذين قالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة، كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة، وإنما أمر الله تعالى موسى ﵇ أن يختار من قومه سبعين رجلًا، فاختارهم وبرزوا ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا قبلنا، ولا تعطيه أحدًا بعدنا،

стр. 6556

فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة. (١) (وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: إنّما أخذتهم الرجفة) (٢) من أجل دعواهم على موسى قتل هارون، وذلك أن موسى، وهارون، وشبر، وشبير ﵈ انطلقوا إلى سفح جبل فنام هارون ﵇ على سرير فتوفّاه الله ، فلمّا مات هارون (٣) دفنه موسى، فلمّا رجع موسى إلى بني إسرائيل. قالوا له: أين هارون؟ قال: توفّاه الله تعالى. قالوا له: بل أنت قتلته حسدته على خُلُقه ولينه. قال: فاختاروا من شئتم، فاختاروا منهم سبعين رجلًا، وذهب بهم، فلما انتهوا إلى القبر، قال موسى: يا هارون أقُتِلتَ أم مِتَّ؟ فقال هارون: ما قتلني أحد، ولكن توفّاني الله تعالى. فقالوا: يا موسى لن نعصي بعد هذا اليوم! فأخذتهم الرجفة، وصَعِقوا وماتوا، وقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، يقولون: أنت قتلتهم فأحياهم الله، وجعلهم أنبياء كلّهم (٤). وقال ابن عباس ﵄: إنّما أخذتهم الرجفة أنهم لم يَرْضوا، ولم يَنْتهوا عن عبادة العجل (٥). وقال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب: أخذتهم الرجفة لأنّهم لم

стр. 6557

يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف، ولم ينهوهم عن المنكر (١). وقال وهب: لم تكن تلك الرجفة موتًا، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة، وقلقوا ورجفوا حتّى كادت أن تبين منهم مفاصلهم، وتنقضَّ ظهورهم، فلمّا رأى ذلك موسى ﵇ رحمهم، وخاف عليهم الموت، واشتدّ عليه فقدهم، وكانوا له وزراء على الخير سامعين مطيعين، فعند ذلك دعا وبكى، وناشد ربّه فكشف الله عنهم تلك الرجفة والرعدة، وسكنوا واطمأنوا وسمعوا كلام ربهم، فذلك قوله (٢). ﴿قَالَ﴾ يعني موسى ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ يعني عبدة العجل، وظن موسى ﵇ أنّهم عوقبوا باتخاذ بني إسرائيل العجل. وقال السدي: أوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل، وكان موسى ﵇ لا يعلم ذلك، فقال موسى: يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل، وقد أهلكت خيارهم، وليس معي رجلٌ واحدٌ فماذا الذي يصدقونني به، أو يأمنونني عليه بعد هذا، فأحياهم الله تعالى (٣). وقال المبرّد: قوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ استفهام

стр. 6558

استعطاف. أي: لا تهلكنا، وقد علم موسى أن الله أعدُل من أن يؤاخذ بجريرة الجاني غيره، ولكنّه كقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ (١) وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: اختبارك. وقال سعيد بن جبير وأبو العالية والربيع: بليتك (٢). قال ابن عباس ﵄: عذابك (٣). ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾ (٤) تصيب به ﴿مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي (٥)﴾ وتصرفه عن ﴿مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ ناصرنا وحافظنا ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾. ١٥٦ - قوله : ﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾ أي: حقق وأوجب. يقال للمسافر: كتب الله عليك السلامة، ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يعني الأعمال الصالحة ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يعني المغفرة والجنّة ﴿إِنَّا هُدْنَا﴾ تبنا ﴿إِلَيْكَ﴾ قرأ أبو وجزة السعدي وكان فصيحًا من القراء شاعرًا: (هِدنا) بكسر الهاء (٦) يقال: هاد يهود وهاد يهيد إذا تاب، وأصله الميل (٧).

стр. 6559

وقال الشاعر (١): قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وجاراتُها ... أنِّي من الذنب لها هائِدُ (٢) ﴿قَالَ﴾ الله : ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ من خلقي، وقرأ الحسن وابن السميفِعْ: (مَنْ أساء) بالسين والألف المفتوحة من الإساءة (٣). ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ﴾ عمّت ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ (قال الحسن وقتادة: وسعت في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للمتّقين خاصة (٤). وقال عطيّة العوفي: وسعت كل شيء) (٥)، ولكن لا تجب إلَّا للذين يتقون، وذلك أنّ الكافر يُرزق، ويُدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمنين، فيعيش فيها فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة، كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه (٦).

стр. 6560

وقال أبو روق: ورحمتي وسعت كل شيء يعني الرحمة التي قَسَمَها بين الخلائق يعطف بها بعضهم على بعض (١). وقال ابن زيد: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ هي التوبة (٢). وقال الآخرون: لفظه عام ومعناه خاص لهذِه الأُمّة (٣). وقال ابن عباس ﵄ وقتادة وابن جريج وأبو بكر الهذلي: لما نزلت ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قال إبليس: أنا من ذلك الشيء فنزعها الله تعالى من إبليس. فقال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ فقالت اليهود والنصارى: نحن نتّقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا، فنزعها الله منهم، وجعلها لهذِه الأُمة، فقال: ١٥٧ - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية (٤). وقال نَوْف البِكالي الحِمْيَرِي: لما اختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقات ربه قال الله لموسى: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا تصلّون حيث أدركتكم الصلاة، إلَّا عند مرحاض أو حمام أو قبر، وأجعل السكينة في قلوبكم، وأجعلُكم تقرؤون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير. فقال ذلك موسى لقومه. فقالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ونريد أن تكون كما كانت في

стр. 6561

التابوت، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا، ولا نريد أن نقرأها إلَّا نظرًا، فقال الله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى قوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ فجعلها لهذِه الأمة. فقال موسى: يا رب اجعلني نبيَّهم. فقال: نبيُّهم منهم. قال: رب اجعلني منهم. قال: إنك لن تدركهم. فقال موسى: رب أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وِفادَتنا لغيرنا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ (١) (فرضي موسى ﵇) (٢). قال نوف: ألا تحمدون ربًّا حفظ غيبتكم (وأخذ لكم بسهمكم) (٣) وجعل وفادة بني إسرائيل لكم (٤). واختلف العلماء في معنى الأُمّي. فقال ابن عباس ﵄: هو نبيكم كان أميًّا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب (٥). قال الله : ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (٦) وقال ﷺ : "إنا أُمة أُميّة لا نكتب ولا نحسب" (٧).

стр. 6562

وقيل: هو منسوب إلى أُمّته، كان أصله أُمتي فسقطت التاء من النسبة، كما سقطت من المكي والمدني (١). وقيل: هو منسوب إلى أُم القرى وهي مكّة (٢). ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾ أي: صفتَه ونبوّتَه ونعتَه وأمره (٣) ﴿مَكْتُوبًا﴾ ﴿التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. قال عطاء بن يسار: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. فقال: أجل والله، إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن: يا أيُّها النبيّ إنّا أرسلناك شاهدًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا وحِرْزًا للأُمِّيين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخّاب (٤) في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتّى نقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلَّا الله، فنفتح به قلوبًا غلفًا، وآذانًا صُمًا، وأعينًا عميًا. قال عطاء: ثمّ لقيت كعبًا فسألته عن ذلك، فما اختلفا حرفًا إلَّا (أن كعبًا) (٥) قال: بلغته قلوبًا غُلوفيًا، وآذانًا صمومِيا وأعينًا غمْوميًّا (٦).

стр. 6563

وزاد كعب في صفة (١) رسول الله ﷺ فقال: مولده بمكة، وهجرته بطابة، وملكه بالشام، وأمته الحامدون يَحْمَدون الله على كل حال، وفي كل منزلة، يوضؤون أطرافهم ويتزرون إلى أنصاف ساقهم، رعاة الشمس يصلون الصلاة حيث أدركتهم ولو على ظهر الكناسة، صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة ثمّ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ (٢) (٣) وقال الواقدي (٤): حدّثني عثمان بن الضحاك (٥) عن يزيد بن الهاد (٦) عن ثعلبة بن أبي (٧) مالك (٨) أن عمر بن الخطّاب ﵁ سأل

стр. 6564

أبا مالك (١) عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، وكان من علماء اليهود، فقال: صفته في كتاب الله بني هارون الذي لم يبدل ولم يغير أحمد من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وهو آخر الأنبياء وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر (٢) على وسطه ويغسل أطرافه في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوّة مثل زر الحَجَلة (٣)، ليس بالقصير ولا بالطويل، ويلبس الشملة (٤)، ويجتزئ بالبُلْغة (٥)، ويركب الحمار، ويمشي في الأسواق، معه حرب وقتل وسبي، سيفه على عاتقه لا يبالي مَن لقي مِن الناس، معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح، ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة. مولده بمكّة، ومنشأه بها، وبدء (٦) نبوّته بها،

стр. 6565

ودار هجرته يثرب هي حرّة ونخل وسَبِخة (١)، وهو أُمّي لا يكتب بيده، وهو الحماد (٢) يحمد الله على شدة ورخاء، سلطانه بالشام، صاحبه من الملائكة جبرئيل يلقى من قومه أذى وشدائد، ويجبهّونه (٣) جبّهًا شديدًا، ثمّ يدال على قومه فيحصدهم حصد الجِرِين (٤)، يكون له وقعات بيثرب، منها له ومنها عليه، ثمّ يكون له العاقبة بعد، معه أقوام هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم، قربانهم دماؤهم، ليوث النهار ورهبان الليل، يرعب منه عدوه بمسيرة شهر، يباشر القتال بنفسه حتّى يجرح ويكلم، لا شرطة معه، ولا حرس يحرسه (٥).

стр. 6566

قوله (١) ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالإيمان ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يعني الشرك. وقيل: المعروف الشريعة والسنة، والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا في سنّة (٢). وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف بخلع الأنداد ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام، بل وينهاهم عن المنكر عن عبادة الأصنام وقطع الأرحام (٣). ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني الحلالات التي كانت أهل الجاهلية يحرمها (٤): من البحائر والسَّوائب والوصائل والحوامي. قوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ يعني لحم الخنزير والدم والميتة والربا، وغيرها من المحرمات. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄ والحسن والضحاك والسدي ومجاهد يعني: عهدهم الذي كان أُخِذَ علي بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة (٥). وقال ابن زيد وقتادة: يعني التشديد الذي كان عليهم في الدين (٦). ﴿وَالْأَغْلَالَ﴾ يعني الأثقال ﴿الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ وما أُمروا به من قتل الأنفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة. شبّه ذلك بالأغلال.

стр. 6567

كما قال الشاعر (١): وَلَيْسَ كعَهْدِ الدّارِ يا أُمّ مالِكٍ ... ولكن أَحاطَتْ بِالرّقابِ السّلاسِلُ وَعادَ الفَتَى كالشّيْخِ لَيْسَ بِقائِلِ ... سِوى العَدْلِ شَيْئًا واسْتَراحَ العَواذِلُ (٢) فشبه حدود الإِسلام وموانعه عن التخطّي إلى المحظورات، بالسلاسل المحيطات بالرقاب. قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ أعانوه ووقّروه ﴿وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ (يعني القرآن) (٣) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

стр. 6568

١٥٨ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ قال قتادة: وآياته (١)، وقال مجاهد والسدي: يعني عيسى ابن مريم ﵇ (٢). ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ١٥٩ - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ يعني بني إسرائيل ﴿أُمَّةٌ﴾ جماعة ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي: يرشدون إلى الحق، وقيل: معناه يهتدون ويستقيمون عليه ويعملون به ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أي: ينصفون من أنفسهم ولا يجورون. وقال السدي: هم قوم بينكم وبينهم نهر من شهْد (٣). وقال ابن جريج: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا، فكانوا اثني عشر سبطًا، تبرأ سبطٌ منهم ممَّا صنعوا، واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينه، ففتح الله لهم نفقًا في الأرض، فساروا فيه سنة ونصفا حتّى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون، يستقبلون قبلتنا (٤). وقال الكلبي والربيع والضحاك وعطاء: هم قوم من قبل

стр. 6569

المغرب (١) خلف الصين، على (نهر يجري من الرمل) (٢)، يسمى نهر أَوداف، وليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل ويُصحَون (٣) بالنهار ويزرعون، لا يصل إليهم منّا أحدٌ، ولا يصل (٤) منهم إلينا، وهم على الحق، وذكر عن النبي ﷺ أن جبريل ﵇ ذهب [به] ليلة أُسري به، فكلّمهم. فقال لهم جبريل ﵇: هل تعرفون مَنْ تكلّمون؟ قالوا: لا. قال: هذا محمدٌ النبي الأمي. فآمَنوا به، وقالوا: يا رسول الله إنَّ موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ منّي ﵇. فردّ (٥) محمَّد ﷺ : على موسى وعليهم السلام، ثمّ أقرأهم عشر سور (من القرآن) (٦) نزلت بمكة، ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة، (فأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يُقيموا مكانهم، فكانوا يسبتون) (٧)، فأمرهم أن يجمعوا، ويتركوا السبت (٨).

стр. 6570

١٦٠ - قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ يعني بني إسرائيل ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ روى أَبان بن يزيد العطار عن عاصم: (وَقَطَعناهم) بالتخفيف (١). وأراد بالأسباط القبائل والفرق، ولذلك أنث العدد، والأسباط جمع مذكر. كما قال الشاعر (٢): وَإِنَّ قريشًا هذِه عَشْرُ أَبْطُنٍ ... وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبائِلِها العَشْرِ (٣) فذهب البطن إلى القبيلة والفصيلة فلذلك أنثها، والبطن مذكر، وإنما قال: أسباطًا أُممًا بالجمع، ولا يقال: أتاني اثنا عشر رجالا لأنه أراد الأعداد والجموع، فأقام كل عدد مقام واحد. قيل: معناه وقطعناهم أسباطًا أممًا اثنتي عشرة (٤). ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ في التيه ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ قال عطاء: كان للحجر أربعة وجوه، لكل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط

стр. 6571

عين لا يُخالطهم سواهم (١). ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ فانصبت وانفجرت. قال عُظَم أهل التفسير: انبجست وانفجرت واحد (٢). وكان أبو عمرو بن العلاء يفرق بينهما فيقول: انبجست عَرِقَت، وانفجرت سالت (٣). وقال عطاء: كان يظهر على كل موضع من الحجر يضربه موسى ﵇ مثل ثدي المرأة، فيعرق أوّلا، ثمّ يسيل (٤) ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ يعني (٥) كل سبط ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ لا يدخل سبط على غيره في شربه، وكل سبط بنو أب واحد. ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ في التيه يقيهم حر الشمس ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ١٦١ - قوله (٦) ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾. وقرأ أهل المدينة (تُغْفَر) بتاء مضمومة و (خطيئاتكم) رفع، وقرأ

стр. 6572

ابن عامر (تُغْفَر) بتاء مضمومه (خطيئتكم) على واحدة (١). ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. ١٦٢ - قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾. ١٦٣ - قوله : ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ يعني: واسأل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك، سؤال تقرير وتوبيخ، ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ أي: بقربه وعلى شاطئه، واختلفوا فيها فروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: هي قرية يقال لها أَيْلَة (٢)

стр. 6573

بين مَدْين (١) والطور (٢). وروى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها: أيلة (٣). وقال ابن زيد: هي قرية يقال لها: مَقْنى (٤) بين مدين وعينونا (٥). وقال الزهري: هي الطَبَرِيَّة (٦). قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ أي: يتجاوزون أمر الله (-عز جل-) (٧). وقرأ أبو نَهيك (إذ يُعِدُّون) بضم الياء وكسر العين وتثقيل الدال (٨)، من الإعداد يريد يهيئون الآلة بأخذها.

стр. 6574

وقرأ ابن السميفع: (في الأسْبات)، على جمع السبت (١) ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ وقرأ عمر بن عبد العزيز (يوم إسباتهم) (٢) ﴿شُرَّعًا﴾ أي: شوارع ظاهرة على الماء كثيرة، وقال الضحاك: متتابعة (٣). ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ أي: لا يفعلون السبت. يقال سبت يسبت سبتًا وسبوتًا، إذا عظم السبت. وقرأ الحسن: (يُسبتون) بضم الياء (٤)، أي: يدخلون في السبت، كما يقال: أجمعنا وأشهرنا، إذا دخلنا في الجمعة والشهر. ﴿لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. [١٣٨٩] سمعت الحسين بن محمد بن الحسين (٥)، يقول: سمعت إبراهيم بن مُضارب بن إبراهيم (٦)

стр. 6575

يقول سمعت أبي (١) يقول: سألت الحسين بن الفضل (٢) هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلَّا قوتًا، والحرام يأتيك جرفًا جرفًا؟ قال: نعم. في قصّة داود وأَيْلَة: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ الآية (٣). وقال عكرمة: جئت ابن عباس ﵄ يومًا فإذا هو يبكي، والمصحف في حجره. فقلت: ما يُبكيك جعلني الله فداك. قال: هؤلاء الورقات.

стр. 6576

فإذا هو في سورة الأعراف. فقال: تعرف أَيْلَة؟ قلت: نعم. قال: فإنّه كان بها حي من اليهود في زمن داود ﵇ حرم عليهم صيد الحيتان في يوم السبت، وذلك أنّ اليهود أمروا باليوم الذي (أمرتم به) (١) يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت، فابتلوا به وحرّم عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه، إن أطاعوا لم يؤجروا، وإن عصوا عذبوا. وكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعًا بيضا سمانًا، كأنها الماخض (٢) ينتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم، حتّى لا يرى الماء من كثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك، فكانوا كذلك برهة من الدهر. ثمّ إنَّ الشيطان وسوس إليهم فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتّخذوا الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة، فتبقي فيها ولا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد (٣). وقال ابن زيد: كانوا قد قرموا (٤) بحب الحيتان، وكانوا في غير يوم السبت لا يأتيهم حوت واحد، فأخذ رجل منهم حوتًا فربط في ذنبه خيطًا، ثم ربطه إلى خشبة في الساحل، ثمَّ تركه في الماء إلى

стр. 6577

يوم الأحد، فأخذه وشواه. فوجد (١) جارّ له ريح الحوت. فقال له: يا فلان إني أجد في بيتك ريح نون (٢)، قال: لا فتطلع في تنوره فإذا هو فيه. فقال: إني أرى الله سيعذّبك، فلما لم يره عذب ولم يعجل عليه بالعذاب، أخذ في السبت الآخر حوتين اثنين. فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم، أخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا وأثروا وكثر مالهم، وكانوا نحواً من سبعين ألفًا، فصارت أهل (٣) القرية أثلاثًا، ثلثا نَهَوا وكانوا (نحواً من اثني) (٤) عشر ألفًا، وثلثا قالوا: لِمَ تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم، وثلثا من أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال المسلمون: لا نساكنهم، فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب، ولعنهم داود ﵇، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس شأنًا لعل الخمر غلبتهم، فعلوا على الجدار، فنظروا فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسباءها من الإنس، ولا يعرف الإنس أنسباءهم من القرود. فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم؟ فتقول برأسها:

стр. 6578

نعم (١). قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فما نجا إلَّا الذين نهوا وهلك سائرهم (٢). ١٦٤ - ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ اختلف العلماء في الفرقة الذين قالوا: لِمَ تعظون. أكانت من الناجية؟ أم من الهالكة؟ فقال بعضهم: كانت من الناجية، لأنّها كانت من الناهية (٣). وقال آخرون: كانت من الفرقة الهالكة؛ لأنّهم كانوا من الخاطئة، وذلك أنهم لما نهوا وقيل لهم: انتهوا عن هذا العمل السيئ قبل أن ينزل بكم العذاب، فإنّا قد علمنا أن الله منزل بكم بأسه إن لم تنتهوا. فقالوا لهم: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ (٤) إذ علمتم أنّ الله مهلكهم ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: هذِه معذرة. وقرأ حفص: (معذرةً) بالنصب (٥). أي: نفعل معذرة إلى ربكم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ صيد الحيتان. والصواب أنها كانت من الفرقة

стр. 6579

الناجية، وأن هذا الكلام من قول المؤمنين بعضهم لبعض، لأنّه لو كان الخطاب للمعتدين لقالوا: (ولعلكم تتّقون) (١)، يدلّ عليه قول يمان بن رئاب نجت الطائفتان الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ والذين قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة وخنازير (٢). وقال ابن عباس ﵄: ليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؟ . قال عكرمة: فقلت له: جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ فلم أزل به حتّى عرّفته أنهم قد نجوا، وكساني حلّة (٣). ١٦٥ - قوله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا﴾ تركوا ما وعظوا ﴿بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أي: المعصية ﴿وَأَخَذْنَا﴾ عاقبنا ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ باعتدائهم في السبت، واستحلالهم ما حرم الله عليهم ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد وجيع، من البأس وهو الشدة، والفعل منه بَؤس يَبؤُسُ، واختلف القراء فيها فقرأ أهل المدينة: (بِيْس) بكسر الباء وجزم الياء من غير همزة، على وزن فِعْل (٤). وقرأ ابن عامر

стр. 6580

كذلك: (بِئْس) على وزن فِعْل، إلَّا أنَّه همزه (١). وقرأ (٢) عاصم: في رواية أبي بكر: (بَيْئسَ) بفتح الباء وجزم الياء وفتح الهمزة، على وزن فَيْعَل (٣) مثل صَيْقَل وَيثْرَب. كما قال الشاعر (٤): [كلاهُما] كانَ رَئيسًا [بَيْئَسا] ... يَضْرِبُ في الهَيْجاءِ منه القَوْنَسا (٥) وقرأ بعض قراء أهل البصرة (بَئِس) بفتح الباء وكسر الهمزة على وزن فَعِل (٦)، مثل حَذِر. كقول قيس الرُّقَيَّات:

стр. 6581

لَيْتَنِي أَلْقَى رُقَيَّةَ في ... خَلْوَةٍ مِنْ غَيْرِ ما بَأس (١) (وقرأ الحسن: (بِيْسَ) بكسر الباء وفتح السين (٢) على معنى بِيْسَ العذاب، وقرأ مجاهد: (بايِس) على وزن فاعل (٣)، وقرأ أبو أياس (بَيَس) بفتح الباء) (٤) والياء من غير همز (٥)، وقرأ نصر بن عاصم: (بَيِّس) بفتح الباء وكسر الياء مشددًا من غير

стр. 6582

همز (١)، وقرأ بعض أهل مكة (بِئِيس) بكسر الباء والهمز (٢)، كما يقال: بِعِير للبعير. وقال أهل اللغة: كل (فِعيل) (٣) ثانيه أحد حروف الحلق فإنّه يجوز كسر أوّله، مثل بِعير وصِغير ورِحيم وبِهيم وتخيل. وقرأ الباقون (بَئِيْس) على وزن فَعِيل (٤) وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأن فعيلا أشبه بالصفات والنعوت. كقول ذي الإِصبع العدواني: لقد رأيت بني أبيـ ... كَ يحمِّجُون إليّ شوسا (٥) حَنَقًا عَلَيَّ، وَما تَرى ... لِي فِيهِمُ أَثَرًا بَئيسا (٦)

стр. 6583

قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ١٦٦ - ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ قال ابن عباس ﵄: أبوا أن يرجعوا عن المعصية (١). ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ صاغرين. قال سعيد بن جبير: رأى موسى ﵇ رجلا يحمل قصبا يوم السبت فضرب عنقه (٢)، وقال أبو روق: الخاسئون الذين لا يتكلّمون (٣). وقال المؤرج: مبعدين كما يُبَعد الكلب (٤). قال ابن عباس ﵄: فمكثوا ثلاثة أيام ينظر إليهم الناس، ثمّ هلكوا، ولم يتوالدوا ولم يتسافدوا، ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيام (٥). وقال مقاتل: عاشوا سبعة أيام يُعْرف الكبير بكبره والصغير بصغره، ثمّ ماتوا (٦). وروى ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لم يمسخ شيئًا فجعل له نسلا وعاقبة" (٧).

стр. 6584

١٦٧ - قوله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ آذن وأعلم ﴿رَبُّكَ﴾ مثل: تعلم بمعنى أعلم. وأنشد المبرِّد (١): تَعلَّم أنَّ شَرَّ النَّاسِ قَوْمٌ ... يُنَادى في شِعَارهم يَسَار (٢) قال ابن عباس ﵁: تأذن ربّك قال ربّك (٣). وقال مجاهد: أمر ربّك (٤). وقال عطاء: حكم (٥). وقال أبو عبيدة: أخبر (٦). وقال قطرب: وعد (٧). ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ هم اليهود بعث الله عليهم محمدًا وأمته، يقاتلونهم حتّى يسلموا أو يعطوا الجزية. وقال سعيد بن جبير: هم أهل الكتاب

стр. 6585

بعث الله عليهم العرب يجبونهم الخراج إلى يوم القيامة فهو سوء العذاب، ولم يجب نبي قط الخراج إلّا موسى ﵇، وهو أول من وضع الخراج، فجباه ثلاث (١) عشرة سنة ثمّ أمسك، ونبينا ﷺ (٢). ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ١٦٨ - قوله : ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ يعني بني إسرائيل، قال ابن عباس ﵄ كل أرض يدخلها قوم من اليهود (٣). ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ قال مجاهد (وعطاء: يعني المؤمنين من آمن منهم بعيسى ومحمد ﵉ ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾) (٤) يعني الكفار (٥). قال الكلبي منهم الصالحون: هم الذين وراء نهر أوداف، ومنهم دون ذلك يعني ما هاهنا من اليهود الذين ترى (٦). ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ﴾ بالخصب والعافية والسعة والدِّعة ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾ يعني الجدب والشدة والرازيا والبلايا ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا وينيبوا. ١٦٩ - قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: حدث وجاء وتبدل من بعد هؤلاء الذين وصفناهم (خلف)
следующие страницы →