← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

لَيْتَنِي أَلْقَى رُقَيَّةَ في ... خَلْوَةٍ مِنْ غَيْرِ ما بَأس (١) (وقرأ الحسن: (بِيْسَ) بكسر الباء وفتح السين (٢) على معنى بِيْسَ العذاب، وقرأ مجاهد: (بايِس) على وزن فاعل (٣)، وقرأ أبو أياس (بَيَس) بفتح الباء) (٤) والياء من غير همز (٥)، وقرأ نصر بن عاصم: (بَيِّس) بفتح الباء وكسر الياء مشددًا من غير

стр. 6582

همز (١)، وقرأ بعض أهل مكة (بِئِيس) بكسر الباء والهمز (٢)، كما يقال: بِعِير للبعير. وقال أهل اللغة: كل (فِعيل) (٣) ثانيه أحد حروف الحلق فإنّه يجوز كسر أوّله، مثل بِعير وصِغير ورِحيم وبِهيم وتخيل. وقرأ الباقون (بَئِيْس) على وزن فَعِيل (٤) وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأن فعيلا أشبه بالصفات والنعوت. كقول ذي الإِصبع العدواني: لقد رأيت بني أبيـ ... كَ يحمِّجُون إليّ شوسا (٥) حَنَقًا عَلَيَّ، وَما تَرى ... لِي فِيهِمُ أَثَرًا بَئيسا (٦)

стр. 6583

قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ١٦٦ - ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ قال ابن عباس ﵄: أبوا أن يرجعوا عن المعصية (١). ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ صاغرين. قال سعيد بن جبير: رأى موسى ﵇ رجلا يحمل قصبا يوم السبت فضرب عنقه (٢)، وقال أبو روق: الخاسئون الذين لا يتكلّمون (٣). وقال المؤرج: مبعدين كما يُبَعد الكلب (٤). قال ابن عباس ﵄: فمكثوا ثلاثة أيام ينظر إليهم الناس، ثمّ هلكوا، ولم يتوالدوا ولم يتسافدوا، ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيام (٥). وقال مقاتل: عاشوا سبعة أيام يُعْرف الكبير بكبره والصغير بصغره، ثمّ ماتوا (٦). وروى ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لم يمسخ شيئًا فجعل له نسلا وعاقبة" (٧).

стр. 6584

١٦٧ - قوله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ آذن وأعلم ﴿رَبُّكَ﴾ مثل: تعلم بمعنى أعلم. وأنشد المبرِّد (١): تَعلَّم أنَّ شَرَّ النَّاسِ قَوْمٌ ... يُنَادى في شِعَارهم يَسَار (٢) قال ابن عباس ﵁: تأذن ربّك قال ربّك (٣). وقال مجاهد: أمر ربّك (٤). وقال عطاء: حكم (٥). وقال أبو عبيدة: أخبر (٦). وقال قطرب: وعد (٧). ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ هم اليهود بعث الله عليهم محمدًا وأمته، يقاتلونهم حتّى يسلموا أو يعطوا الجزية. وقال سعيد بن جبير: هم أهل الكتاب

стр. 6585

بعث الله عليهم العرب يجبونهم الخراج إلى يوم القيامة فهو سوء العذاب، ولم يجب نبي قط الخراج إلّا موسى ﵇، وهو أول من وضع الخراج، فجباه ثلاث (١) عشرة سنة ثمّ أمسك، ونبينا ﷺ (٢). ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ١٦٨ - قوله : ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ يعني بني إسرائيل، قال ابن عباس ﵄ كل أرض يدخلها قوم من اليهود (٣). ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ قال مجاهد (وعطاء: يعني المؤمنين من آمن منهم بعيسى ومحمد ﵉ ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾) (٤) يعني الكفار (٥). قال الكلبي منهم الصالحون: هم الذين وراء نهر أوداف، ومنهم دون ذلك يعني ما هاهنا من اليهود الذين ترى (٦). ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ﴾ بالخصب والعافية والسعة والدِّعة ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾ يعني الجدب والشدة والرازيا والبلايا ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا وينيبوا. ١٦٩ - قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: حدث وجاء وتبدل من بعد هؤلاء الذين وصفناهم (خلف)

стр. 6586

قال أبو حاتم: الخلْف بسكون اللام الأولاد، والواحد والجمع فيه سواء، والخلَف بفتح اللام البدل ولدًا كان أو غريبًا (١). وقال الآخرون: هم خلْف سوء (٢). وقال ابن الأعرابي: الخلَف بالفتح الصالح، وبالجزم الطالح (٣). قال لبيد (٤): ذهب الذينَ يعاشُ في أكنافهم ... وبقيتُ في خَلْفٍ كجِلْد الأجرَبِ (٥) ومنه قيل للرديء من الكلام: خلْف (٦). ومنه المثل السائر: سكت ألفًا ونطق خُلْفًا (٧). وقال النضر بن شميل: الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد، فأمّا في القرن الصالح فبتحريك اللام لا غير (٨).

стр. 6587

وأنشد (١): إنّا وَجَدْنا خِلْفنا بِئْسَ الخَلَفْ ... عَبْدًا إذا ما ناءَ بالحِمْلِ وَقَفْ (٢) وقال محمد بن جرير الطبري: أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام، وفي الذم بتسكينها وقد تحرك في الذم وتُسَكَّن في المدح، ومن ذلك قول حسان بن ثابت في المدح: لَنَا القَدَمُ الأولى إلَيْك وَخَلْفُنَا ... لأوّلنَا في طَاعَةِ اللهِ تَابِعُ (٣) قال: وأحسب أنّه إذا وجّه إلى الفساد، مأخوذ من قولهم: خَلْفَ اللبن، إذا حَمُض من طول تركه في السِّقاء حتَّى تَفَسَّد، ومن قولهم: خُلْف فم الصائم، إذا تغيرت رائحته وفسد، فكأن

стр. 6588

الرجلَ الفاسد مشبه به (١). قوله تعالى: ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ والعَرَض متاع الدنيا أجمع. والعرْض بجزم الراء ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير. قال المفسّرون (٢): هؤلاء اليهود ورثوا كتاب الله، فقرؤه وعلموه وضيعوا العمل به، وخالفوا حكمه يرتشون في حكم الله وتبديل كتابه، وتغيير صفة محمد رسول الله ﷺ ، ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ذنوبنا، ما عملناه بالليل كُفّر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل تمنيًا منهم على الله الأباطيل. قوله (٣): ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ قال سعيد بن جبير: وإن عرض لهم ذنب آخر عملوه (٤). قال مجاهد: ما أشرف لهم في اليوم من شيء من الدنيا حلال أو حرام يشتهونه أخذوه، وكلما وهف لهم شيء من الدنيا أكلوه، لا يبالون حلالا كان أو حرامًا، ويتمنون المغفرة، فإن يجدوا الغد مثله يأخذوه (٥). قال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيًا إلّا ارتشى في

стр. 6589

الحكم، وإن خيارهم اجتمعوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود ألا يفعلوا، فجعل الرجل منهم إذا استُقْضِي ارتشى. فيقال له: مالك ترتشي في الحكم، فيقول: سيُغفر لي! فيطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما (١) صنع، فإذا مات أو نزع، وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه، فيرتشي. يقول: وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه (٢). وقيل معنى: وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ عرض من الدنيا مثله، يأخذوه كما أخذ أسلافهم (٣). والأدنى تذكير الدنيا، وأراد عرض هذِه الدار الدنيا، فلما ترك الاسم المؤنث ذكر النعت لتذكير اللفظ. [١٣٩٠] وسمعت أبا القاسم بن حبيب (٤) يقول: سمعت أبا بكر ابن عبدوس (٥) يقول فيه تقديم وتأخير. أي: يأخذون هذا العرض الأدنى (٦).

стр. 6590

قوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا﴾ وقرؤوا (١) ﴿مَا فِيهِ﴾، وقرأ السلمي: (ادّارسوا) (٢) أي: تدارسوا، مثل اداركوا. أي: تداركوا. أي: قارئا بعضهم بعضًا. ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والحرام ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بالياء قرأ أكثر القراء على الخبر، وقرأ الحسن وأبو الأشهب: بالتاء على الخطاب (٣). ١٧٠ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ قرأ عمر بن الخطاب ﵁ وأبو العالية وعاصم برواية أبي بكر (يَمْسِكُون) خفيفة. وقرأ الباقون (يُمَسِّكون) بتشديد السين (٤). واختاره أبو عبيد وأبو حاتم: لأنه يقال مسكت بالشيء ولا يقال أمسكت بالشيء، وإنما يقال أمسكته، يدل عليه قراءة أُبي بن كعب ﵁ (والذين مَسَكُوا بالكتاب) (٥) على الماضي، وهو جيد لقوله:

стр. 6591

(وأقاموا الصلاة) إذ قلّ ما يُعطف ماض على مستقبل إلّا في المعنى. وقرأ الأعمش: (والذين اسْتَمْسَكُوا بالكتاب) (١) ومعنى الآية: والذين يعملون بما في كتاب الله. قال مجاهد وابن زيد: (هم من) (٢) اليهود والنصارى يمسكون بالكتاب الَّذي جاء به موسى ﵇ فلا يحرفونه ولا يكتمونه، أحلّوا حلاله وحرموا حرامه، ولم يتخذوه مأكلة، نَزَلت في عبد الله بن سلام وأصحابه (٣). وقال عطاء: هم أمة محمد ﷺ (٤) ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. ١٧١ - وقوله : ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ أي: قلعنا. قال مجاهد: كما تنتق الزبدة (٥). وقال المؤرج: قطعنا (٦). وقال أبو عبيدة: زعزعنا (٧). (وقال الفراء: عَلَّقنا) (٨). وقال

стр. 6592

بعضهم: رفعنا (١)، واحتج بقول العجاج: يَنْتُقُ أَقْتَادَ الشَّلِيلِ نَتْقَا (٢)، أي يرفعه عن ظهره. وبقول الآخر (٣): وَنَتَقُوا أحْلامَنَا الأثَاقِلا (٤). وقال بعضهم: أصل النتق والنتوق أن يقلع الشيء من موضعه فيرمى به (٥) قال أبان بن تغلب: سمعت رجلا من العرب يقول لغلامه خذ الجُوالق (٦) فانتقه. أي: نكسه (٧)، ويقال للمرأة الولود (٨): ناتق

стр. 6593

ومنتاق كأنها ترمي بأولادها رميًا (١). قال النابغة: لَمْ يُحْرَمُوا حُسنَ الغذَاءِ وأُمُّهُمْ ... دَحَقتْ عليْكَ بِنَاتِقٍ مِذْكَارِ (٢) وقال بعضهم: هو في التحريك يقال: نتقني السير. أي: حَرَّكني، وفلان ينتق برجلِه ويركض إذا حرَّك برجله على الدابة لتعدو (٣). ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال عطاء: سقيفة (٤)، والظلة كل ما أظلك ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ﴾ نازل ﴿بِهِمْ خُذُوا﴾ أي: قلنا لهم خذوا ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ)﴾ فاعملوا به ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وذلك حين أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة، ويعملوا بما فيها لتغليظها، وكانت شريعة ثقيلة، فرفع الله على رؤوسهم (٥) مقدار عسكرهم، وكان فرسخًا في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم. وقال الحسن البصري: فلم انظروا للجبل خرَّ كل رجل ساجدا

стр. 6594

على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل، فرقًا من أن يسقط عليه، فلذلك ليس اليوم (١) في الأرض يهودي يسجد، إلّا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذِه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة، فلما نشر موسى ﵇ الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده، لم يبقَ على وجه الأرض جبل، ولا شجر ولا حجر إلا اهتزّ، (فليس اليوم يهودي على الأرض صغير ولا كبير يُقرأ عليه التوراة إلّا اهتزّ ونفض) (٢) لها رأسُه (٣). ١٧٢ - قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال المفسّرون (٤): لمّا خلق الله آدم مسح ظهره، وأخرج منه ذريته كلهم كهيأة الذر. واختلفوا في موضع الميثاق، فقال ابن عباس ﵁: ببطن نَعْمَان واد إلى جنب عرفة (٥)، وروي عنه أيضًا أنّ ذلك بدَهنا أرض

стр. 6595

بالهند (١)، وهو الموضع الَّذي أهبط الله آدم ﵇ (٢). وقال الكلبي: بين مكّة والطائف (٣)، وقال السدي: أخرج الله آدم من الجنّة ولم يهبطه من السماء ثمّ مسح ظهره ثم أخرج ذريته، قال: فأخرج من (٤) صفحة ظهره اليمنى ذرية (٥) بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم: ادخلوا الجنّة برحمتي، وأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء فقال لهم: ادخلوا النار ولا أبالي، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ (٦)، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ (٧)، ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (٨)

стр. 6596

﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ (١) وقال لهم: جميعا أعلموا أنَّه لا إله غيري، (وأنا ربكم) (٢) ولا رب لكم غيري، فلا تشركوا بي شيئًا، وأنا مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي، ومنزل عليكم كتبا. فتكلّموا وقالوا: شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، فأقرّوا يومئذ كلهم طائعين، وطائفة على وجه التقيّة (٣). فأخذ بذلك مواثيقهم ثم كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم، فنظر إليهم آدم ﵇ فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لولا سويت بينهم، فقال: إنّي أحببت أن أشكر، قالوا (٤): وفيهم الأنبياء يومئذ أمثالُ السُّرج، فرأى آدم نورا ساطعا. فقال: من هذا؟ قال: هذا داود نبي من ذريتك. قال: كم عمره؟ قال: ستّون سنة. قال: رب زده. قال: قد جرى القلم على آل بني آدم. قال: رب زده من عمري أربعين سنة. فأثبتت لداود الأربعون، وكان عمر آدم ﵇ ألف (٥) سنة. فلما استكمل آدم تسع مئة وستين

стр. 6597

سنة، جاءه ملك الموت، فلما رآه آدم قال: مالك؟ قال: قد استوفيت أجلك. قال له آدم ﵇: بقي من عمري أربعون سنة. قال: أوليس قد وهبتها لداود؟ قال: لا. فجحد آدم. فجحدت ذريته، ونسي آدم ونسيت ذريته. وخطئ آدم فخطئت ذريته. فرجع ملك الموت إلى ربه فقال: إن آدم يدّعي من عمره أربعين سنة. قال: أخبر آدم أنَّه جعلها لابنه داود ﵇، والأقلام رطبة فأثبتت لداود (١). فلما قررهم بتوحيده، وأشهد بعضهم على بعض، أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتّى يولد كل من أخذ ميثاقه، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم، فذلك قوله (٢): ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ونظم الآية: وإذ أخذ ربّك من ظهور بني آدم ذريتهم، ولم يذكر ظهر آدم وإنما أخرجوا يوم الميثاق من ظهره، لأن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض، على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، فاستغنى به عن ذكر ظهر آدم بقوله من بني آدم، فلما عُلِمَ أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره، ترك ظهر آدم وذكر ظهور بنيه. وقوله: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قرأ أهل مكة وأهل المدينة والكوفة: (ذريتهم)

стр. 6598

بغير ألف. وقرأ الباقون (ذرياتهم) بألف على الجمع (١)، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ وقال لهم: (سؤال تقرير) (٢) ﴿قَالُوا﴾ جميعًا ﴿بَلَى﴾ أنت ربّنا ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ قرأ ابن عباس ﵄ وابن محيصن وأبو عمرو: (يقولوا) بالياء، والباقون بالتاء (٣) لقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾. واختلفوا في قوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ فقال السدي: هو خبر من الله تعالى عن نفسه، وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم (٤). وقال الآخرون: بل ذلك خبر عن قول بني آدم حين أشهد الله بعضهم على بعض (٥). أن تقولوا يعني ألا تقولوا ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ الميثاق والإقرار ﴿غَافِلِينَ﴾. ١٧٣ - ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاتبعناهم ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ المشركون، وإنما اقتدينا بهم، وكنا في غفلة عن التوحيد. ١٧٤ - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ لقومك يا محمد ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن كفرهم.

стр. 6599

١٧٥ - قوله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ اختلفوا فيه. فقال ابن مسعود ﵁: هو بَلْعَم بن أَبَر (١)، وقال ابن عباس ﵄: هو بلعم بن باعورا (٢). وقال مجاهد: هو بلعام بن باعر (٣). قال عطية عن ابن عباس ﵁: هو من بني إسرائيل (٤). وقال عليّ بن أبي طلحة عنه: هو من الكنعانيين من مدينة الجبارين (٥). وقال مقاتل: هو بلعام بن باعورا بن مأب بن لوط (٦). وقال مقاتل هو من مدينة بَلْقَاء (٧)، وسميت بلقاء لأن ملكها كان رجلا يقال له: بالق (٨). وكانت قصته على ما ذكره ابن عباس ﵄ وابن إسحاق والسدي وغيرهم (٩): أن موسى ﵇ لما قصد حرب الجبارين، ونزل

стр. 6600

أرض بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعم إلى بلعم، وكان عنده اسم الله الأعظم. فقالوا: إن موسى رجل حديد (١)، ومعه جنود كثيرة، وإنّه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك وبنو عمك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج وادع الله أن يرد عنا موسى وقومه. فقال: ويلكم نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم؟ وأنا أعلم من الله ما أعلم، وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي. فقالوا: ما لنا من منزل، وراجعوه في ذلك. فقال: حتَّى أُؤامر ربّي، وكان لايدعو حتّى ينظر ما يؤمر به في المنام، فآمر في الدعاء عليهم. فقيل له في المنام: لا تدع عليهم. فقال لقومه: إني قد وامرت ربّي في الدعاء عليهم، وإنّي قد نُهيت. فأهدوا له هدية فقبلها، ثمّ راجعوه وقالوا: ادع عليهم، فقال: حتّى أؤامر ربي، فلم يجر إليه بشيء. فقال: قد وامرت فلم يجر إليّ بشيء، فقالوا: لو كره ربّك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى. فلم يزالوا به (٢) يرققونه ويتضرعون إليه حتّى فتنوه فافتتن، فركب أتانا له متوجها إلى جبل يُطْلِعُه على عسكر بني إسرائيل، يقال له: حُسْبَان (٣)، فلما سار عليها غير كثير ربضت به،

стр. 6601

فنزل عنها فضربها حتّى إذا أذْلَقها (١) قامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتّى ربضت، (ففعل بها مثل ذلك فقامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتّى ربضت) (٢) فضربها حتّى إذا أذلقها أذن الله (٣) لها بالكلام، فكلمته حجة عليه. فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ ألا ترى الملائكة أمامي تردُّني عن وجهي هذا؟ أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم! فلم ينزع عنها، فخلّى الله سبيلها فانطلقت به (٤)، حتّى إذا أشرفت به على جبل حُسْبَان، جعل (٥) يدعو عليهم، ولا يدعو عليهم بشيء إلّا صرف به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلّا صرف لسانه إلى بني إسرائيل. فقال له قومه: يا بلعم أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا! قال: فهذا ما لا أملكه، هذا شيء قد غلب الله عليه، واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبقَ إلّا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جَمِّلوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع، ثمّ أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومُرُوهنَّ فلا تض امرأة نفسَها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل واحد منهم كُفِيتُمُوهم! ففعلوا، فلمّا دخل النساء العسكر مرَّت امرأة من

стр. 6602

الكنعانيين اسمها: كسبَى بنت صور، برجل من عظماء بني إسرائيل. يُقال له: زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، فقام إليها فأخذ بيدها حين أَعجبه جمالها، ثمّ أقبل حتّى وقف على موسى ﵇. فقال: إني أظنك ستقول هذِه حرام عليك؟ قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها! قال: فوالله لا نُطِيعك في هذا. ثمّ دخل بها قبته فوقع عليها. فأرسل الله الطاعون علي بني إسرائيل في الوقت، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون، صاحبَ أمر موسى رجلا قد أعطي بَسطَةً في الخَلْق وقوة في البطش، وكان غائبًا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطّاعون يَجُوْس في بني إسرائيل، وأُخْبِر الخبر، فأخذ حَرْبته وكانت من حديد كلّها، ثمّ دخل عليه القبة، فانتظمهما بحربته وهما متضاجعان، ثمّ خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لَحْيَيه، وكان بكرا لعيزار، وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك! ورُفع الطاعون. فَحُسِب مَنْ هلك من بني إسرائيل في الطاعون، بين أن أصاب زِمري (١) المرأة إلى أن قتله فنِحاص، فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار. فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القِبَةَ (٢) والذراع واللَّحْي، لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها

стр. 6603

إلى لحييه (١)، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنّه كان بكرًا لعيزار بن هارون ففي بلعام أنزل الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذئَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا فانسلخ منها﴾ الآية (٢). وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادعُ الله على موسى ﵇. فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه، فنحت خشبة ليصلبه، فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليهم، فلما عاين عسكرهم، قامت به الأتان ووقفت فضربها. فقالت: لِمَ تضربني؟ إني مأمورة، فلا تظلمني، وهذِه نار أمامي قد منعتني أن أمشي. فرجع فأخبر الملك. فقال: لتدعون عليه أو لأصلبنك، فدعا على موسى ﵇ باسم الله الأعظم: أن لا يدخل المدينة. فاستجيب له ووقع موسى ﵇ وبنو إسرائيل في التيه بدعائه. فقال موسى ﵇: يارب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ قال: بدعاء بلعام. قال: يارب فكما سمعت دعاءه عليّ، فاسمع دعائي عليه، فدعا موسى ﵇ عليه أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان. فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة، فخرجت من صدره كحمامة بيضاء. فذلك قوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ وأنزل الله تعالى فيه هذِه الآيات (٣). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ سعيد بن المسيب وزيد بن

стр. 6604

أسلم وأبو روق: نزلت هذِه الآية في أُميّة بن أبي الصلت الثقفي (١). وكانت قصّته: أنّه كان في ابتداء أمره قد قرأ الكتب، وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت، فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل محمدا ﷺ حسده، وكان قصد بعض الملوك، فلما رجع مرَّ على قتلى بدر، فسأل عنهم فقيل: قتلهم محمد، فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه، فلمّا مات أميّة أتت أخته فارعة ﵂ رسول الله ﷺ فسألها رسول الله ﷺ : عن وفاة أخيها. فقالت: بينا هو راقد أتاه آتيان، فكشطا سقف البيت قد نزلا، فقعد أحدهما عند رجله، والآخر عند رأسه. فقال الَّذي عند رجله للذي عند رأسه: أَوعَى؛ قال: وَعَى. قال: أزكا؟ قال: أبي. قالت: فسألته عن ذلك؟ قال: خير أريد بي، فصرف عني. ثمّ غشي عليه فلما أفاق قال: كل عيش وإن تطاول دهرا ... صائر مرة إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا إن يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الصغير يومًا ثقيلا (٢) ثمّ قال لها رسول الله ﷺ : "أنشديني شعر أخيك". فأنشدته:

стр. 6605

لك الحمد والنعماء والفضل ربنا ... ولا شيء أعلى منك جدًّا وأمجدُ (١) مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجدُ (٢)) وهي قصيدة طويلة حتّى أتت على آخرها. وأنشدته قصيدته: (يوقف الناس للحساب جميعا ... فشقي معذب وسعيد (٣) (ثمّ أنشدته قصيدته التي فيها) (٤): عند ذي العرش تعرضون عليه ... يعلم الجهر والسر الخفيا يوم تأتي الرحمن وهو رحيم ... إنّه كان وعده مأتيّا يوم تأتيه مثل ما قال فردا ... ثم لابد راشدًا أو غويّا (٥)

стр. 6606

أسعيدًا سعادة أنا أرجو ... أو مهانًا بما اكتسبت شقيّا أو تواخذ بما أجترمت فإني ... سوف ألقى في العذاب فريّا (١) رب إن تعف فالمعافاة ظنّي ... أو تعاقب فلم تعاقب بريّا (٢) فقال رسول الله ﷺ : "آمن شعره وكفر قلبه" (٣). فأنزل الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ الآية (٤).

стр. 6607

ومنهم مَنْ قال (١): إنها نزلت في البسوس، وكان رجلا قد أعطي ثلاث دعوات مستجابة. وكانت له امرأة وكان له منها ولد. فقالت له: اجعل لي منها دعوة واحدة. فقال: لك منها دعوة واحدة، فما تريدين؟ فقالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها. فجعلت أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما علمت أنّه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الرجل فدعا عليها، فصارت كلبة نبّاحة، فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة نبّاحة والناس يُعيروننا بها، ادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت فذهب فيها الدعوات (٢). وقال سعيد بن المسيب: نزلت في أبي عامر الراهب، الَّذي سمّاه النبيّ ﷺ الفاسق، وكان قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح. فقدم المدينة فقال للنبيّ ﷺ : ما هذا الَّذي جئت به؟ قال: "جئت بالحنيفية دين إبراهيم" فقال: فأنا عليها، فقال النبيّ ﷺ : "لست عليها، ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها"، فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا

стр. 6608

طريدًا وحيدا. فخرج إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا القوّة والسلاح وابنوا لي مسجدًا. ثم أتى الراهب إلى قيصر، وأتى بجند ليُخرج محمدا ﷺ وأصحابه من المدينة. فذلك قوله: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) الآية، يعني انتظارًا لمجيئه. فمات بالشام طريدًا وحيدًا (٢). وقال عبادة بن الصامت ﵁: نزلت في قريش آتاهم الله آياته فانسلخوا منها ولم يقبلوها (٣). وقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب، الذين كانوا يعرفون النبيّ ﷺ -كما يعرفون أبناءهم (٤). وقال عمرو بن دينار: سُئل عكرمة عن هذِه الآية، فقال: هذا وهذا يريد (٥) أنها ليست في خاصة (٦). وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله فذلك قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ﴾ (٧).

стр. 6609

قال ابن عباس ﵄ والسدي: هي اسم الله الأعظم (١). وقال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئًا إلّا أعطاه (٢). وقال ابن عباس ﵄ في رواية أُخرى: أوتي كتابًا من كتب الله تعالى (٣). وقال مجاهد: هو نبي في بني إسرائيل يقال له بلعم أوتي النبوّة، فرشاه قومه على أن يسكت، ففعل وتركهم على ما هم عليه (٤). ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي: خرج منها (٥) كما تنسلخ الحيّة من جلدها، ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: لحقه وأدركه ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.

стр. 6610

١٧٦ - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي: فضلناه وشرفناه ورفعنا منزلته بالآيات (١). قال ابن عباس ﵄: لرفعناه بعمله بها (٢). وقال مجاهد وعطاء: لرفعنا عنه الكفر بالآيات وعصمناه (٣). ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض (٤). قال مجاهد: سكن (٥). وقال مقاتل: رضي بالدنيا (٦). قال أبو عبيدة: لزمها رابطا، والمُخلِد من الرجال هو الَّذي يُبطن شيبه، ومن الدواب التي (٧) تبقى ثناياه حتّى تخرج رباعيتاه (٨). وقال الزجاج: خلد وأَخَلد واحد، وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام، يقال أخلد فلان بالمكان إذا أقام به (٩). ومنه قول زهير: لِمَنْ الدِّيَارُ غَشِيتُهَا [بِالْفَدْفَدِ] ... كالْوَحْيِ في حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ (١٠)

стр. 6611

يعني: المقيم. وقال مالك بن نويرة: بِأَبْنَاء حيّ من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع أقاموا وأخلدوا (١) قوله : ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ قال الكلبي: اتبع مسافل الأمور وترك معاليها (٢). وقال أبو روق: أختار الدنيا على الآخرة (٣). وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم (٤). وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه (٥). وقال يمان: اتبع هواه. أي: امرأته لأنّها حملته

стр. 6612

على الخيانة (١). ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ قال مجاهد: هو مثل الَّذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به (٢). وقال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وهو مثل الَّذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده منقطع (٣). وروى معمر عن بعضهم قال: هو الكافر ضال إن وعظته أو لم تعظه (٤). وقال ابن عباس ﵁. معناه إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن ترك لم يهتدِ لخير، كالكلب إن كان رابضا لهث وإن طرد لهث (٥). وقال الحسن (٦): هو المنافق لا ينيب إلى الحق، دعي أو لم يدع، وعظ أو لم يوعظ، كالكلب يلهث طرد أو ترك (٧). وقال عطاء: ينبح إن تحمل عليه، وإن لم تحمل عليه (٨). وقال القتيبي: كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلّا الكلب، فإنّه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال الصحة

стр. 6613

وحال المرض، وحال الرّيّ والعطش، فضربه الله لمن كذب بآياته، فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال، كالكلب إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهثِ (١). ونظيره قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾ (٢) ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. روى محمد بن إسحاق عن سالم أبو النضر قال: يعني بهذا بني إسرائيل. أي: قد جئتهم بخبر ما كانوا يخفون عنك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فيعرفون أنَّه لم يأت بهذا الخبر عما مضى فيهم إلّا نبي يأتيه خبر السماء (٣). ١٧٧ - قوله : ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ أي: بئس (المثل مثلا) (٤)، حال من المثل المضمر. كما قال جرير: فنعم الزادُ زادُ أبيك زادًا (٥)، هذا إذا (جعلت ساء من) (٦) فعل المثل ورفعت القوم بدلا من الضمير فيه، وإن حولت فعله إلى القوم ورفعتهم به، كان انتصابه على التمييز، يريد ساء مثل القوم فلما حولته إليهم خرج المثل مفسّرًا كما تقول: قَرَّ به عينًا، وضاق

стр. 6614

به ذرعًا، ومتى ما سقط التنوين من المميز انخفض بالإضافة. ودليله قراءة الجحدري والأعمش (سَاء مثلُ القَومِ) بالإضافة (١). وقال أبو حاتم: يريد ساء مثلا مثل القوم، فحذف مثل، وأقام القوم مقامه فرفعهم كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) (٣) ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾. ١٧٨ - قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾. ١٧٩ - ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ خلقنا (٤) ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ وإنما قال ذلك لنفاد علمه فيهم، بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربهم، ويُسمّي بعض أهل المعاني هذِه اللام لام العاقبة (٥). كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٦) وأنشدوا (٧):

стр. 6615

أمْوالُنَا لِذَوِي المِيْرَاثِ نَجْمَعُهَا ... وَدُوْرُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيْها (١) وقال آخر (٢): ألَا كلُّ مَوْلُودٍ فَلِلْموتِ يُولَدُ ... ولَسْتُ أرى حيًّا لِحَيٍّ يُخَلَّدُ (٣) وقال آخر (٤): فلِلْمَوْتِ تَغْذُو الوالِدَاتُ سِخَالَهَا ... كَمَا لِخَرابِ الدُّور تُبْنَى المَسَاكِنُ (٥) وروى عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبيّ ﷺ : في هذِه الآية قال: "إن الله تعالى لما ذرأ لجهنم ما ذرأ، كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم" (٦).

стр. 6616

ثمّ وصفهم فقال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لا يعلمون بها الخير، والهدى ﴿بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ طريق الحق وسبيل الرشاد ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ مواعظ الله والقرآن، فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، فيعرفون بذلك توحيد ربهم، ويعلمون بها تحقيق نبوّة أنبيائهم، ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على الشرب والأكل، وبعدهم عن موجبات العقل، فقال : ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (لأن الأنعام) (١) تعرف ربها وتذكره وتطيعه، والكافرون لايعرفون ربهم ولا يطيعونه، وفي الخبر: "كل شيء أطوع لله من ابن آدم" (٢) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.

стр. 6617

١٨٠ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ قال مقاتل: وذلك أن رجلا دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربًا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربين آثنين؟ فأنزل الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١). وهي تأنيث الأحسن كالكبرى والصغرى، والأسماء الحسنى هي: الرحمن والرحيم والملك والقدوس والسلام ونحوها. [١٣٩١] أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن الجرجاني (٢)، أخبرنا أبو بكر بن خلاد (٣)، حدثنا الحارث بن أبي أسامة (٤)، قال حدثنا يزيد بن هارون (٥)، قال أخبرنا محمد بن إسحاق (٦)، عن أبي الزناد (٧)، عن الأعرج (٨)، عن أبي هريرة ﵁

стр. 6618

قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله ﵎ تسعة وتسعين اسمًا، مائة غير واحدة، من أحصاها كلّها دخل الجنّة" (١). ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. قال ابن عباس ﵄: يكذبون (٢). وقال قتادة: يشركون (٣). وقال عطاء: يضاهئون (٤). وقال زيد بن أسلم: يميلون عن الحق (٥). وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد: هم المشركون، وإلحادهم في أسماء الله : أنهم عدلوا بها عمّا هي عليه، فسموا بها أوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فاشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنّان (٦). وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله أن يسميه بما لم يتسم

стр. 6619

به، ولم ينطق به كتاب، ولا دعا إليه رسول، وأصل الإلحاد الميل والعدول عن القصد ومنه لحد القبر. يقال: ألحد يُلْحِد إلحادًا، ولَحَد يَلْحَدُ لحدًا ولُحُودًا إذا مال (١). (وقد قُرئ) (٢) بهما جميعًا، قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: بفتح الياء والحاء هاهنا وفي النحل وحم (٣)، وقرأ الباقون: بضم الياء وكسر الحاء. وهما لغتان صحيحتان فصيحتان. وأمّا الكسائي فإنّه قرأ التي في النحل بفتح الياء والحاء وفي الأعراف وحم بالضم (٤)، وكان يفرق بين الإلحاد واللحود فيقول: الإلحاد العدول عن القصد، واللحد واللحود الركون، ويزعم أن التي في النحل بمعنى الركون (٥). ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآخرة.

стр. 6620

١٨١ - قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾ عصبة ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال قتادة وابن جريج: بلغنا أن النبيّ ﷺ قرأ هذِه الآية، فقال: "هي لأمتي بالحق يأخذون وبه يقضون وبه يعطون" (١)، وقد أعطي القوم ممن بين أيديكم مثلها" (٢). ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ (٣) وقال الربيع بن أنس: قرأ النبيّ ﷺ هذِه الآية فقال: "إن من أمتي قومًا على الحق حتّى ينزل عيسى ابن مريم ﵇" (٤).
следующие страницы →