← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

ثمّ وصفهم فقال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لا يعلمون بها الخير، والهدى ﴿بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ طريق الحق وسبيل الرشاد ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ مواعظ الله والقرآن، فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، فيعرفون بذلك توحيد ربهم، ويعلمون بها تحقيق نبوّة أنبيائهم، ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على الشرب والأكل، وبعدهم عن موجبات العقل، فقال : ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (لأن الأنعام) (١) تعرف ربها وتذكره وتطيعه، والكافرون لايعرفون ربهم ولا يطيعونه، وفي الخبر: "كل شيء أطوع لله من ابن آدم" (٢) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.

стр. 6617

١٨٠ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ قال مقاتل: وذلك أن رجلا دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربًا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربين آثنين؟ فأنزل الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١). وهي تأنيث الأحسن كالكبرى والصغرى، والأسماء الحسنى هي: الرحمن والرحيم والملك والقدوس والسلام ونحوها. [١٣٩١] أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن الجرجاني (٢)، أخبرنا أبو بكر بن خلاد (٣)، حدثنا الحارث بن أبي أسامة (٤)، قال حدثنا يزيد بن هارون (٥)، قال أخبرنا محمد بن إسحاق (٦)، عن أبي الزناد (٧)، عن الأعرج (٨)، عن أبي هريرة ﵁

стр. 6618

قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله ﵎ تسعة وتسعين اسمًا، مائة غير واحدة، من أحصاها كلّها دخل الجنّة" (١). ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. قال ابن عباس ﵄: يكذبون (٢). وقال قتادة: يشركون (٣). وقال عطاء: يضاهئون (٤). وقال زيد بن أسلم: يميلون عن الحق (٥). وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد: هم المشركون، وإلحادهم في أسماء الله : أنهم عدلوا بها عمّا هي عليه، فسموا بها أوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فاشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنّان (٦). وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله أن يسميه بما لم يتسم

стр. 6619

به، ولم ينطق به كتاب، ولا دعا إليه رسول، وأصل الإلحاد الميل والعدول عن القصد ومنه لحد القبر. يقال: ألحد يُلْحِد إلحادًا، ولَحَد يَلْحَدُ لحدًا ولُحُودًا إذا مال (١). (وقد قُرئ) (٢) بهما جميعًا، قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: بفتح الياء والحاء هاهنا وفي النحل وحم (٣)، وقرأ الباقون: بضم الياء وكسر الحاء. وهما لغتان صحيحتان فصيحتان. وأمّا الكسائي فإنّه قرأ التي في النحل بفتح الياء والحاء وفي الأعراف وحم بالضم (٤)، وكان يفرق بين الإلحاد واللحود فيقول: الإلحاد العدول عن القصد، واللحد واللحود الركون، ويزعم أن التي في النحل بمعنى الركون (٥). ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآخرة.

стр. 6620

١٨١ - قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾ عصبة ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال قتادة وابن جريج: بلغنا أن النبيّ ﷺ قرأ هذِه الآية، فقال: "هي لأمتي بالحق يأخذون وبه يقضون وبه يعطون" (١)، وقد أعطي القوم ممن بين أيديكم مثلها" (٢). ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ (٣) وقال الربيع بن أنس: قرأ النبيّ ﷺ هذِه الآية فقال: "إن من أمتي قومًا على الحق حتّى ينزل عيسى ابن مريم ﵇" (٤).

стр. 6621

[١٣٩٢] أخبرنا أبو عمر أحمد بن أبي الفرات (١)، قال: أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي (٢)، قال: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني (٣)، قال: حدثنا بشر بن بكر (٤)، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (٥)، قال: سمعت عمير بن هانئ (٦)، يقول: سمعت معاوية (٧) ﵁ على هذا المنبر، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال من أُمّتي أُمّة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتّى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس" (٨).

стр. 6622

وقال ابن حيان: هم مؤمنو أهل الكتاب (١). وقال عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان، وقد سماهم الله تعالى في سورة براءة (٢). وقال الكلبي: هم من جميع الخلق (٣). ١٨٢ - قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ قال عطاء: سنمكر بهم من حيث لا يعلمون (٤). وقال بعضهم سنأخذهم بالعذاب (٥). وقال الكلبي: نزّين لهم أعمالهم فنهلكهم (٦). وقال الضحاك: كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة (٧).

стр. 6623

وقال الخليل بن أحمد: سنطوي عمرهم في اغترار منهم (١). وقال أبو عبيدة والمؤرج: الاستدراج أن يأتيه من حيث لا يعلم (٢). وقال أهل المعاني: الاستدراج أن يتدرج إلى الشيء في خفية، قليلا قليلا ولا تباغت ولا تجاهره، يقال: استدرج فلانًا حتّى يعرف ما صنع. أي: لا تجاهر ولا تهجم عليه بالسؤال (٣)، ولكن استخرج ما عنده قليلا قليلا، وأصله من الدرجة، وذلك أن الراقي والنازل يرقى وينزل مرقاة مرقاة (٤)، فاستعير هذا منها، ومنه درج الكتاب إذا طواه شيئًا بعد شيء، ودرج القوم إذا مات بعضهم في أثر بعض، ودرج الصبي إذا قارب بين خطاه في المشي (٥). ١٨٣ - (قوله تعالى) (٦): ﴿وَأُمْلِي لَهُم﴾ يعني: أُمهلهم وأطيل لهم، من المَلا والمُلاوة، وهو الدهر، يقال منه: تمليت. أي: عشت دهرًا (٧) ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: أَخْذِي قوي شديد، نزلت: في المستهزئين، فقتلهم الله في ليلة واحدة.

стр. 6624

١٨٤ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قام على الصفا ليلا، فجعل يدعو قريشًا فخذًا فخذًا، يابني فلان يابني فلان يحذرهم بأس الله تعالى ووقائعه. فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوّت إلى الصباح فأنزل الله : ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ (١). ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ محمد ﵇ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ جنون ﴿إِنَّ﴾ ما ﴿هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مخوف. ١٨٥ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ﴾ ملك ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ فيها ﴿مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى﴾ يعني (٢) أن لعلّ ﴿أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ فيهلكوا على الكفر، ويصيروا إلى العذاب ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي: بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون، ثمّ بيّن العلّة في إعراضهم عن القرآن وتركهم الإيمان. ١٨٦ - فقال عز من قائل: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ﴾ فلا مرشد ﴿لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بالياء، لأن ذكر الله تعالى قد تم قبل، والباقون بالنون، على أنّه كلام مستأنف، ومن جزم الراء فهو مردود على يضلل (٣).

стр. 6625

١٨٧ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ الآية، قال ابن عباس ﵁: قال جَبَل بن أبي قشير وشميل بن زيد (١)، وهما من اليهود: يا محمد أخبرنا متى (٢) الساعة؟ إن كنت نبيًّا كما تقول، فإنا نعلم متى هي؟ فأنزل الله هذِه الآية (٣). وقال قتادة: قالت قريش لمحمد ﷺ : إن بيننا وبينك قرابة، فأشر إلينا متى الساعة؟ فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ (٤) يعني القيامة ﴿أَيَّانَ﴾ متى، ومنه قول الراجز (٥): أيَّانَ تَقْضِيَ حَاجَتِي أيَّانَا ... أمَا تَرى لِنُجْحِهَا إبَّانَا (٦) ﴿مُرْسَاهَا﴾ قال ابن عباس ﵄: منتهاها (٧).

стр. 6626

وقال قتادة: قيامها (١). وأصلها الثبات والحبس ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ استأثر بعلمها فلا يعلمها إلا هو ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾ لا يكشفها ولا يظهرها. وقال مجاهد: لا يأتي بها (٢). وقال السدي: لا يرسلها (٣) ﴿لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني ثقل علمها على أهل السموات والأرض لخفائها، فلا يعرفون مجيئها ووقتها (٤)، فلم يعلم قيامها مَلَك مقرّب ولا نبي مرسل. وقال الحسن: يقول إذا جاءت ثقلت على السموات والأرِض وأهلهما. أي: كبرت وعظمت (٥)، قوله تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ أي: فجأة على غفلة منكم. [١٣٩٣] أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد ابن هَمِرْدان الرازي (٦) قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عمير ابن يوسف الأصبهاني (٧) قال أنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يزيد القطان (٨)، قال: حدثنا هشام بن عبيد الله (٩)، قال:

стр. 6627

ثنا عمرو (١)، عن سعيد (٢)، عن قتادة (٣) قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ كان يقول: "إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه (٤) " (٥).

стр. 6628

[١٣٩٤] وبإسناده عن هشام (١)، قال أخبرنا محمد بن الفضل (٢)، عن زيد العَمِّي (٣)، عن مرة (٤)، عن زيد بن أرقم (٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال جبريل: تقوم الساعة عند ثلاثة مواطن: إذا كثر القول وقلّ العمل، وعند قلّة التواسي حتّى يضن كل رجل بمّا عنده، وإذا قال الناس لمجالس يذكر الله فيها بدعة" (٦).

стр. 6629

قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ قال أهل التفسير: في الآية تقديم وتأخير تقديرها يسألونك عنها كأنّك حفي بها. أي: بار بهم صديق لهم (١) قريب منهم، قاله ابن عباس ﵁ وقتادة (٢). وقال مجاهد والضحاك: كأنّك عالم بها (٣) ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ١٨٨ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ الآية قال ابن عباس ﵄: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنشتريه فنربح فيه، وبالأرض التي يريد أن يُجدب فنرتحل منها إلى ما قد أخصبت؟ فأنزل الله ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿لَا أَمْلِكُ﴾ لا أقدر ﴿لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ (٤) أي: اجتلاب نفع أو دفع ضر ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن أملكه وتمليكه إياي ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْر﴾ يعني المال ولهيأت لسنة القحط ما يكفيها ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي: وما أصابني الضر والفقر. وقال ابن جريج: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ يعني الهدى والضلالة ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ متى أموت ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْر﴾

стр. 6630

من العمل الصالح ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (١). قال ابن زيد: واجتنبت ما يكون من الشر والفتنة (٢). قال بعض أهل المعاني: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير. أي: من معرفته حتّى لا يخفى عليّ شيء ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ يعني التكذيب (٣). وقال مقاتل: هذا متصل بالكلام الأول ومعناه: لا أقدر أن أسوق إلى نفسي خيرًا، أو أدفع عنها شرًّا حين ينزل بي فكيف أعلم وأملك علم الساعة (٤)؟ . وتمام الكلام عند قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ يعني الجنون ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون. ١٨٩ - قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم ﵇ ﴿وَجَعَلَ﴾ وخلق ﴿مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ليستأنس بها، ويأوي إليها لقضاء حاجته منها ﴿تَغَشَّاهَا﴾ واقعها وجامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ وهو ماء الرجل خفيف (٥) عليها ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أي: استمرت بِه وقامت وقعدت به، ولم يكترث بحملها، يدل عليه

стр. 6631

قراءة ابن عباس ﵁: (فاستمرت به) (١). قال قتادة: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أي: استبان حملها (٢). وقرأ يحيى بن يعمر: (فمرَتْ) خفيفة الراء من المرية (٣). أي: شكّت أحملت أم لا (٤)؟ ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: كبر الولد في بطنها وتحرك، وصارت ذات ثقل بحملها. كما يقال: أثمر إذا صار ذا ثمر (٥) ﴿دَعَوَا اللَّهَ﴾ يعني آدم وحواء ﵉ ﴿رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا﴾ ياربنا ﴿صَالِحًا﴾. قال الحسن: غلامًا ذكرًا (٦). وقال الآخرون: بشرًا سويًّا مثلنا. ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ وذلك أنهما يشفقان أن يكون بهيمة، أوشيئًا سوى الإنسان (٧). قال الكلبي: إن إبليس أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت (في

стр. 6632

أول ما حملت) (١). فقال: ما هذا الَّذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: إني أخاف أن يكون بهيمة. فقالت ذلك لآدم ﵇، فلم يزالا في هَمٍّ من ذلك، ثمّ عاد إليها فقال: إني من الله بمنزلة، فإن دعوتُ الله فولدت إنسانًا أتسميه بيّ؟ . قالت: نعم. قال: فإنّي أدعو الله، فأتاها وقد ولدت. فقال: سميه باسمي. فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث. -ولو سمّى لها نفسه لعرفته- فسمته عبد الحارث (٢). وقال سعيد بن جبير: لما هبط آدم وحواء ﵉ إلى الأرض، أُلقيت الشهوة في نفس آدم، فأصابها فحملت، فلما تحرك ولدها في بطنها. جاءها إبليس فقال: ما هذا؟ أترين في الأرض إلّا ناقة أو بقرة أو ضانئة أو ماعزة أو نحوها. فما يدريك ما في بطنك؟ . لعله كلب أو خنزير أو حمار. وما يدريك؟ من أين يخرج؟ أمن دبرك فيقتلك أو أذنك أو عينك أو فيك أو ينشق بطنك فيقتلك؟ فخافت حواء من ذلك. قال: فأطيعيني (٣) وسميه عبد الحارث. وكان اسمه في الملائكة الحارث، تلدين شبيهكما مثلكما (٤)، فذكرت ذلك لآدم ﵇ فقال: لعلّه صاحبنا الَّذي قد علمت. فعاودها إبليس فلم يزل بهما حتّى غرهما فسمّياه عبد الحارث (٥).

стр. 6633

وقال السدي: ولدت حواء غلامًا فأتاهما إبليس فقال سموه بي وإلّا قتلته، قال له آدم ﵇: قد أطعتك فأخرجتني من الجنّة، فأبى أن يطيعه فمات الغلام. فحملت بآخر، فلما ولدته. قال لهما مثل ذلك. فأبيا أن يطيعاه، فمات الولد. فحملت بآخر فقال لهما (مثل ذلك، ثم قال لهما) (١): أما إذ غلبتماني فسمياه عبد الحارث، وكان اسم إبليس الحارث (٢)، ولم يشعرا به، فوالله لا أزال أقتلهم حتّى تسمياه عبد الحارث، كما قتلت الأول والثاني. فسمياه عبد الحارث فعاش (٣). وقال ابن عباس ﵁: كانت حواء تلد لآدم ﵉، فتسميه عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن ونحو ذلك، فيصيبهم الموت. فأتاهما إبليس فقال: إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث. فولدت ابنا فسمياه عبد الحارث. ففيهما أنزل الله : ١٩٠ - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ (٤) أي: ولدًا سويًا بشرًا حيًا آدميًا ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا (٥)﴾ قرأ

стр. 6634

ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وأبان بن تغلب وعاصم وعكرمة وأهل المدينة: (شِركًا) بكسر الشين والتنوين. أي: شركة. قال أبو عبيدة: أي: حظًا ونصيبًا من غيره (١)، وقرأ الباقون: (شُركاء) مضمومة الشين ممدودة على جمع شريك، أخبر عن الواحد بلفظ الجمع (٢)، (كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٣) ونحوها، قم الكلام هاهنا.) (٤) (ثمّ قال الله تعالى) (٥): ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني أهل مكة. واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء ﵉ فقال المفسرون (٦): كان شركًا في التسمية والصفة لا في العبادة والربوبية (٧). وقال أهل المعاني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان

стр. 6635

سبب نجاة الولد وسلامة أُمّه، فسمياه به، كما يُسمي ربّ المنزل نفسه عبد ضيفه، على جهة الخضوع له لا على أن الضيف ربّه (١). كما قال حاتم (٢): وإني لَعبدُ الضَّيف ما دَامَ ثَاويًا ... وما فيَّ إلا تيك [مِنْ] شِيْمَةِ العَبْدِ (٣) وقال قوم من أهل العلم (٤): إن هذا راجع إلى المشركين من ذرية آدم ﵇ وإن معناه جعل أولادهما شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما

стр. 6636

مقامهم. كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) وكما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تقريعهم بفعل آبائهم، فقال لليهود الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ : ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ (٤) ونحوها (٥). يدل عليه ما روى معمر عن الحسن قال: عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يكن عنى بآدم ﵇ (٦). وروى قتادة عنه قال: هم اليهود والنصارى رزقهم الله تعالى أولادًا فهودوا ونصّروا (٧). وقال ابن كيسان: هم الكفار جعلوا له شركاء عبد العزى وعبد اللات وعبد مناة (٨). وقال عكرمة: لم يخص بها آدم ولكن جعلها عامة لجميع الناس بعد آدم ﵇ (٩). قال الحسين بن الفضل: وهذا أعجب إلى أهل النظر لما في القول

стр. 6637

الأول من إلصاق العظائم بنبي الله آدم ﵇ (١)، ويدل عليه جمعه في الخطاب حيث قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، ثمّ قال: ﴿تَغَشَّاهَا﴾ انصرف من الخطاب إلى الخبر يعني فلما تغشى الرجل منكم امرأته (٢). ١٩١ - قال الله : ﴿أَيُشْرِكُون﴾ يعني كفار أهل مكة ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يعني الأصنام. قال ابن زيد: ولد لآدم ولد فسماه عبد الله، فأتاهما إبليس فقال: ما سميتما ابنكما هذا؟ . قال: وكان ولد لهما ولد قبل ذلك فسمياه عبد الله فمات. فقالا: سميناه عبد الله، فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله ليذهبن به كما ذهب بالآخر، ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فسمياه عبد شمس. فذلك قول الله : ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ يعني الشمس لا يخلق شيئًا، حتّى يكون لها عبد (٣)، وإنّما هي مخلوقة. قال: وقال رسول الله ﷺ : "خدعهما مرتين، خدعهما في الجنّة، وخدعهما في الأرض" (٤).

стр. 6638

والذي يؤيد القول الأول قراءة السلمي: (أتشركون) بالتاء (١). ١٩٢ - ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾. ١٩٣ - قوله : ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ يعني الأصنام ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ لأنها غير عاقلة ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ساكتون. ١٩٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ﴾ مخلوقة مملوكة مقدرة مسخرة ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ أشباهكم ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنّها آلهة. ١٩٥ - ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ يمضون بها ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ﴾ يأخذون ﴿بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ يا معشر المشركين ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنتم وهم (٢) ﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾. ١٩٦ - ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ﴾ يعني (٣): الَّذي يحفظني ويمنعني منكم ﴿اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ

стр. 6639

يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾. ١٩٧ - ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ١٩٨ - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ﴾ يا محمد يعني: الأصنام ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ وهذا كما تقول العرب: داري تنظر إلى دارك. أي: يقابلها. وتقول العرب: إذا أتيت موضع كذا، فنظر إليك الجبل، فخذ يمينًا أو شمالا. أي: استقبلك. وحدث أبو عبيد عن الكسائي قال: الحائط ينظر إليك، إذا كان قريبًا منك حيث تراه (١). قال الشاعر (٢): إِذَا نَظَرتْ بِلادُ بَنِي تَمِيمٍ ... بِعَيْنٍ أَوْ بِلادُ بَنِي صُبَاحِ (٣) يريد يقابل نبتها وعشبها. [١٣٩٥] وسمعت أبا القاسم الحبيبي (٤) يقول: سمعت أبا زكريا

стр. 6640

العنبري (١) يقول: معناه: وتراهم كأنهم ينظرون إليك، كقوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ (٢) أي: كأنهم سكارى، وإنّما أخبر عنهم بالهاء والميم؛ لأنّها مصوّرة على (صور بني آدم) (٣) يخبره عنها بأفعالهم (٤). ١٩٩ - قوله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال مجاهد: يعني: العفو من أخلاق الناس، وأعمالهم بغير تحسّس (٥). قال ابن الزبير ﵁: ما أنزل الله هذِه الآية إلَّا في أخلاق الناس (٦). وقال ابن عباس ﵄ والسدي والضحاك والكلبي: يعني خذ ماعفا لك من أموالهم، وهو الفضل من العيال والكل، فما أتوك به عفوًا فخذه ولا تسألهم ما وراء ذلك، وهذا قبل أن ينزل فريضة الصدقات. فلما نزلت آية الصدقات نسخت هذِه الآية، وأمر بأن يأخذها منهم طوعًا أو كرهًا (٧).

стр. 6641

﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وقرأ عيسى بن عمر: العُرُف (١) بضمتين (٢)، مثل: الحُلُم، وهما لغتان، والعرف والمعروف (٣) والعارفة: كل خصلة حميدة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها (٤) النفوس. قال الشاعر (٥): مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ لَا يُعْدَم جَوَازِيَه ... لَا يَذْهَبُ العُرْفُ بين اللهِ وَالنَّاس (٦) قال عطاء: وأمر بالعرف يعني: بلا إله إلّا الله (٧). ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ أبي جهل وأصحابه، نسختها آية السيف، ويقال لما نزلت هذِه الآية (٨) قال رسول الله ﷺ لجبريل ﵇: "ما هذا؟ قال: لا أدري حتّى أسأل، ثمّ رجع فقال: يا محمد إن ربّك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك" (٩).

стр. 6642

فنظمه الشاعر (١) فقال: مكارم الأخلاق في ثلاثة ... من كملت فيه فذاك الفتى إعطاء من يحرمه ووصل من ... يقطعه والعفو عمن اعتدى (٢) وقال جعفر الصادق: أمر الله تعالى نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذِه الآية (٣). قال النبيّ ﷺ : "بعثت ليتمم بي مكارم الأخلاق" (٤).

стр. 6643

وقالت عائشة ﵂: مكارم الأخلاق عشرة: صدق الحديث، وصدق الناس في طاعة الله، وإعطاء المسائل، ومكافأة الصنيع، وصلة الرحم، وأداء الأمانة، والتذمم للصاحب، والتذمم للجار وقرى الضيف ورأسهن الحياء (١). [١٣٩٦] أنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد المذكر (٢) قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار (٣)، قال: أنشدنا ابن

стр. 6644

أبي الدنيا (١) أنشدني أبو جعفر القرشي (٢). كل الأمور تزول عنك وتنقضي ... إلّا الثناء فإنه لك باق ولو أنني خُيّرتُ كل فضيلة ... ما اخترت غير مكارم الأخلاق (٣) قال عبد الرحمن بن زيد: لما نزلت هذِه الآية، قال النبيّ ﷺ : "كيف يارب (٤) والغضب"؟ ! (٥) فنزلت:

стр. 6645

٢٠٠ - ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ يصيبنّك ويفتنّنك ويغرنّك ويعرض لك ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (١) وأصله الولوع بالفساد والشر. يقال: نزغ عرقه إذا هاج ونبض، وفيه لغتان: نزغ ونغز، يقال: إياك والنزاغ والنُغاز، وهم المورشون (٢). وقال الزجاج: النزغ أدنى حركة يكون، ومن الشيطان أدنى وسوسة (٣). قال سعيد بن المسيب: شهدت عثمان وعليًّا، وكان بينهما نزغ من الشيطان، فما أبقى واحد منهما لصاحبه شيئًا، ثمّ لم يبرحا حتّى استغفر كل واحد منهما لصاحبه (٤). ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ فاستجر ﴿بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ٢٠١ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني المؤمنين ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾ أصابهم ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ قرأ النخعي وابن كثير وأبو عمرو والأسود بن يزيد والجحدري وطلحة: (طَيْفٌ)، وقرأ الباقون: (طائف)، وهما لغتان (٥)، كالميت

стр. 6646

والمائت، ومعناهما: الشيء الَّذي يلم بك (١). وفرق قوم بينهما، فقال أبو عمرو: الطائف: ما يطوف حول الشيء، والطيف: اللمم والوسوسة والخطرة (٢). وقال بعض المكيين (٣): الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان والطيف اللمم والمس (٤). ويجوز أن يكون الطيف مخفّفًا من طَيّف، مثل: هيّن وليّن. يدل عليه قراءة سعيد بن جبير: (طيّف) بالتثقيل (٥). قال ابن عباس ﵄: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: نزغ من الشيطان (٦). وقال الكلبي: ذنب (٧). وقال مجاهد: هو الغضب (٨).

стр. 6647

﴿تَذَكَّرُوا﴾ تفكروا وعرفوا. قال أبو روق: ابتهلوا (١). وفي قراءة عبد الله بن الزبير ﵄: (إذا مسهم طائف من الشيطان تأملوا) (٢). قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة (فيكظم الغيظ (٣). وقال ليث عن مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب) (٤) فيذكر الله فيدعه (٥). وقال السدي: معناه إذا زلوا تابوا (٦). وقال مقاتل: يقول إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر، وعرف أنها معصية فأبصرها فنزغ عن مخالفة الله (٧). ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ يبصرون (٨) مواقع خطئهم (٩) بالتفكر والتذكر، يبصرون فيقصرون، فإنّ المتّقي مَنْ يشتهي فينتهي، ويبصر فيقصر. ثم ذكر الكفار فقال: ٢٠٢ - ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ يعني: وإخوان الشياطين، وهم الكفار تمدهم الشياطين بالغي.

стр. 6648

أي: يطيلون لهم ويزيدونهم في الضلالة. وقرأ أهل المدينة: (يُمِدُّونهم) بضم الياء وكسر الميم (١)، وهما لغتان بمعنى واحد، وقرأ الجحدري: (يُمادونهم) على يفاعلونهم (٢). ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ أي: لايمسكون ولا ينزغون. وقال ابن زيد: لا يسأمون ولا يفترون (٣). قال ابن عباس ﵁: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم (٤). وقرأ عيسى: (يَقصُرون) بفتح الياء وضم الصاد (٥)، وقصَر وأقصَر واحد. قال امرؤ القيس (٦):

стр. 6649

سَمَا لَكَ شَوْق بعدما كان أَقْصرَا ... وحَلَّت سُلَيْمى بَطْنَ خبتٍ فعَرْعَرَا (١) ٢٠٣ - قوله : ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ﴾ يا محمد يعني المشركين ﴿بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ أي: هلا أفتعلتها وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك، قاله قتادة (٢). وقال مجاهد: لولا اقتضيتها وأخرجتها من نفسك واختيارك (٣). وقال ابن زيد: لولا تقولتها وجئت بها من عندك (٤). وقال ابن عباس ﵁: لولا تلقنتها (وتقبلتها من ربك) (٥). (وقال الضحاك) (٦): لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء (٧). وقال الفراء: تقول العرب: اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا

стр. 6650

افتعلته من قبل نفسك (١). وقال ابن زيد: إنّما تقول العرب ذلك الكلام يبتدئه الرجل، ولم يكن أعده قبل ذلك في نفسه (٢). ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ ثمّ قال: ﴿هَذَا﴾ يعني القرآن ﴿بَصَائِرُ﴾ حجج وبرهان وبيان ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ واحدتها بصيرة. وقال الزجاج: طرق من ربكم، والبصائر طرق الدم (٣). قال الجعفي (٤): راحوا بَصَائِرُهُمْ عَلَى اكْتَافِهِمْ ... وَبَصيِرَتي يَعْدُو بها [عَتدٌ] وَأَي (٥) وأصلها ظهور الشيء وقيامه واستحكامه، حتّى يبصرها الإنسان

стр. 6651

فيهتدي إليها وينتفع بها، ومنه قيل للترس بصيرة (١) ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ٢٠٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال عبد الله بن مسعود: كنا نُسّلم بعضنا على بعض في الصلاة، سلام على فلان، وسلام على فلان، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يعني في الصلاة (٢). وقال أبو هريرة ﵁: كانوا يتكلّمون في الصلاة، فنزلت هذِه الآية وأُمروا بالإنصات (٣).

стр. 6652

وقال الزهري: نزلت هذِه الآية في فتى من الأنصار، كان رسول الله ﷺ كلما قرأ شيئًا من القرآن قرأه، فنزلت هذِه الآية (١). وروى داود بن أبي هند (٢) عن بشير بن جابر (٣) قال: صلّى ابن

стр. 6653

مسعود ﵁ فسمع ناسًا يقرؤون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا؟ أما آن لكم أن تعقلوا؟ فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا، كما أمركم الله (١). وروى الجُريري (٢) عن طلحة بن عبيد الله بن كَريز (٣) قال: رأيت عبيد بن عمير (٤) وعطاء بن أبي رباح (٥) يتحدّثان والقاص يقص. فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إليّ، ثمّ أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت فنظرا إليّ، ثم أقبلا على حديثهما، فأعدت الثالثة، قال فنظرا إليّ فقالا: إنّما ذلك في الصلاة ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٦).

стр. 6654

وروى زيد بن أسلم (١) عن أبيه (٢) عن أبي هريرة قال: نزلت هذِه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة (٣). وقال الكلبي: وكانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة، حين يسمعون ذكر الجنّة والنار. فأنزل الله هذِه الآية (٤). وقال قتادة: كانوا يتكلمون في صلواتهم بحوائجهم، أول ما فرضت عليهم، وكان الرجل يأتي وهم في الصلاة، فيسألهم كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله هذه الآية (٥). وقال ابن عباس ﵄: إنّ رسول الله ﷺ في الصلاة المكتوبة،

стр. 6655

وقرأ الصحابة رافعين أصواتهم، فخلطوا عليه فنزلت هذِه الآية (١). وقال سعيد بن المسيب: كان المشركون يأتون رسول الله ﷺ إذا صلّى، فيقول بعضهم لبعض بمكّة: لا تستمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه. فأنزل الله تعالى جوابًا لهم ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ الآية (٢). وقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعمروبن دينار، وزيدبن أسلم، والقاسم بن مخيمرة، ومسلم بن يسار، وشَهْر بن حوشب ﵏: هذا في الخطبة يوم الجمعة أمر بالإنصات للإمام (٣). قال عبد الله بن المبارك: والدليل على (أن حكم) (٤) هذِه الآية في الخطبة أنّك لا ترى خطيبًا على المنبر يخطب يوم الجمعة، فأراد أن يقرأ في الخطبة آية من قوارع القرآن، إلا قرأ هذِه الآية قبل قراءته، ثم قرأ القرآن (٥). وقال الحسن: هذا في الصلاة المكتوبة وعند الذكر (٦). وقال مجاهد وعطاء: وجب الصوت في اثنين: عند الرجل يقرأ القرآن وهو يصلّي، وعند الإمام وهو يخطب (٧).
следующие страницы →