← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

فيهتدي إليها وينتفع بها، ومنه قيل للترس بصيرة (١) ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ٢٠٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال عبد الله بن مسعود: كنا نُسّلم بعضنا على بعض في الصلاة، سلام على فلان، وسلام على فلان، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يعني في الصلاة (٢). وقال أبو هريرة ﵁: كانوا يتكلّمون في الصلاة، فنزلت هذِه الآية وأُمروا بالإنصات (٣).

стр. 6652

وقال الزهري: نزلت هذِه الآية في فتى من الأنصار، كان رسول الله ﷺ كلما قرأ شيئًا من القرآن قرأه، فنزلت هذِه الآية (١). وروى داود بن أبي هند (٢) عن بشير بن جابر (٣) قال: صلّى ابن

стр. 6653

مسعود ﵁ فسمع ناسًا يقرؤون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا؟ أما آن لكم أن تعقلوا؟ فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا، كما أمركم الله (١). وروى الجُريري (٢) عن طلحة بن عبيد الله بن كَريز (٣) قال: رأيت عبيد بن عمير (٤) وعطاء بن أبي رباح (٥) يتحدّثان والقاص يقص. فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إليّ، ثمّ أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت فنظرا إليّ، ثم أقبلا على حديثهما، فأعدت الثالثة، قال فنظرا إليّ فقالا: إنّما ذلك في الصلاة ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٦).

стр. 6654

وروى زيد بن أسلم (١) عن أبيه (٢) عن أبي هريرة قال: نزلت هذِه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة (٣). وقال الكلبي: وكانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة، حين يسمعون ذكر الجنّة والنار. فأنزل الله هذِه الآية (٤). وقال قتادة: كانوا يتكلمون في صلواتهم بحوائجهم، أول ما فرضت عليهم، وكان الرجل يأتي وهم في الصلاة، فيسألهم كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله هذه الآية (٥). وقال ابن عباس ﵄: إنّ رسول الله ﷺ في الصلاة المكتوبة،

стр. 6655

وقرأ الصحابة رافعين أصواتهم، فخلطوا عليه فنزلت هذِه الآية (١). وقال سعيد بن المسيب: كان المشركون يأتون رسول الله ﷺ إذا صلّى، فيقول بعضهم لبعض بمكّة: لا تستمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه. فأنزل الله تعالى جوابًا لهم ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ الآية (٢). وقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعمروبن دينار، وزيدبن أسلم، والقاسم بن مخيمرة، ومسلم بن يسار، وشَهْر بن حوشب ﵏: هذا في الخطبة يوم الجمعة أمر بالإنصات للإمام (٣). قال عبد الله بن المبارك: والدليل على (أن حكم) (٤) هذِه الآية في الخطبة أنّك لا ترى خطيبًا على المنبر يخطب يوم الجمعة، فأراد أن يقرأ في الخطبة آية من قوارع القرآن، إلا قرأ هذِه الآية قبل قراءته، ثم قرأ القرآن (٥). وقال الحسن: هذا في الصلاة المكتوبة وعند الذكر (٦). وقال مجاهد وعطاء: وجب الصوت في اثنين: عند الرجل يقرأ القرآن وهو يصلّي، وعند الإمام وهو يخطب (٧).

стр. 6656

وقال سعيد بن جبير: هذا في الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة فيما يجهر به الإمام (١). وقال عمر بن عبد العزيز: الإنصات لقول كل واعظ (٢). والإنصات: الإصغاء والمراعاة. قال الشاعر (٣): قال الإمام عليكم أمر سيّدكم ... فلم نخالف وأنصتنا لما قالا (٤) وقال الزجاج: ويجوز أن يكون معنى قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ اعملوا بمافيه لا تجاوزوه، لأن معنى قول القائل: سمع الله دعاءك: أجاب الله دعاءك (٥). قوله : ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ٢٠٥ - ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ قال ابن عباس ﵄: يعني بالذكر القراءة في الصلاة (٦). ﴿تَضَرُّعًا﴾ جهرًا ﴿وَخِيفَةً﴾ سرا ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ دون رفع القول في خفض وسكون، تُسمع من خلفك القران ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾. وقال أهل المعاني: واذكر ربّك، يقول اتعظ بالقرآن واعتبر بآياته،

стр. 6657

واذكر ربّك بالطاعة فيما يأمرك به تضرّعًا وتواضعًا وتخشّعًا وخيفة خوفًا من عقابه، وإذا قرأت ودعوت باللسان فدون الجهر: خفاء لا جهار (١). وقال مجاهد وابن جريج؛ أمر أن يذكروه في الصدور (٢)، ويؤمر بالتضرع (في الدعاء) (٣) والاستكانة، ويكره رفع (٤) الصوت والنداء والصياح بالدعاء (٥)، وأمّا قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ فإنه يعني به بالبكر والعشيات، واحد الآصال أصيل، مثل: يمين وأيمان. وقال أهل اللغة: هو ما بين العصر إلى المغرب (٦). قوله : ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. ٢٠٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني: الملائكة. والمراد بقوله ﴿عِنْدَ﴾: قربهم من الفضل والرحمة، لا من حيث المكان والمسافة. وقال الحسين بن الفضل: قد يَعبد اللهَ غير الملائكة، وإنما

стр. 6658

المعنى: إنّ الذين من عند ربّك جاءهم التوفيق والعصمة (١). ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يتكبرون ولا يتعظمون ﴿عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ وينزهونه ويذكرونه ويقولون سبحان الله ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يُصلّون. قال مغيرة عن إبراهيم: من قرأ آخر الأعراف إن شاء ركع وإن شاء سجد (٢).

стр. 6659

الكشف والبيان عن تفسير القرآن تأليف أبي إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ أشرف على إخراجه د/ صلاح باعثمان - د/ حسن الغزالي - أ. د/ زيد مهارش - أ. د/ أمين باشه [المجلد الثالث عشر] [سورة الأنفال * التوبة] تحقيق أ/ هاشم بن محسن باصرة د/ جمال بن محمد ربعين

стр. 6660

السيرة الذاتية للمحقق أ/ هاشم بن محسن باصرة حصل على درجة الماجستير في تخصص التفسير وعلوم القرآن - جامعة أم القرى. بعض من المناصب الإدارية التي شغلها: مشرف تربوي. له مؤلفات منشورة أهمها: ١ - كيف ننفع ميتنا. ٢ - تهذيب الجواب الكافي لابن القيم. * * * السيرة الذاتية للمحقق د/ جمال بن محمد ربعين أستاذ مساعد بجامعة الملك عبد العزيز -كلية التربية- قسم الدراسات القرآنية حصل على درجة الدكتوراه عام ٢٠٠٨ م في تخصص الكتاب والسنة من جامعة أم القرى. - كلية الدعوة وأصول الدين. بعض من المناصب الإدارية التي شغلها: رئيس قسم الحاسب الآلي بكلية المعلمين بجدة - جامعة الملك عبد العزيز. مدير مركز التدريب وخدمة المجتمع بكلية المعلمين بعرعر. عضوية الهيئات العلمية منها: عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه. * * *

стр. 6661

الْكَشْفُ وَالْبَيَانُ عَن تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ [١٣]

стр. 6662

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة رَقم الْإِيدَاع بدَارِ الْكتب ١٥١٩٤/ ٢٠١٣ الطَّبعَةُ الأولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دَار التَّفْسِير جدة - المملكة الْعَرَبيَّة السَعوديَّة شَارِع مَحْمُود نصيف - حَيّ الأندلس ص. ب: ١٢٢٤٩٧ - جدة: ٢١٣٣٢ تلفاكس: ٦٦٨٨٨٢٣ - ٠١٢

стр. 6663

٨ - سُورَة الأَنفَالِ

стр. 6664

سورة الأنفال سورة الأنفال (١) مدنيّة (٢) وهي خمس وسبعون آية (٣)، وخمسة آلاف وثمانون حرفا، وألف وخمس وسبعون كلمة (٤). [١٣٩٧] أخبرنا أبو جعفر كامل بن أحمد النحوي (٥) قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن محمد الشروطي (٦)، قال: حدثنا إبراهيم ابن شريك (٧)، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي (٨)، حدثنا سلام بن سليم المدايني (٩)، حدثنا هارون بن كثير (١٠)، عن زيد

стр. 6665

ابن أسلم (١)، عن أبيه (٢)، عن أبي أُمامة (٣)، عن أُبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا (٤) شفيع له، وشاهد يوم القيامة، أنّه بريء من النفاق، وأُعطي من الأجر بعدد كل (مؤمن ومؤمنة) (٥)، ومنافق ومنافقة في دار الدنيا، وكتب له (٦) عشر حسنات ومُحي عنه عشر سيّئات ورُفع له عشر درجات، وكان العرش وحملته يصلّون عليه في أيام (٧) حياتهِ (في الدنيا) (٨) أبدا" (٩).

стр. 6666

(﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) (١) ١ - قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ يوم بدر (٢): "مَنْ أتى مكان كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا، (ومن قتل فله كذا) (٣) ومَنْ أسر أسيرًا فله كذا"، فلمّا التقوا تسارع إليه الفتيان والشبّان، وأقام الأشياخ ووجوه الناس عند الرايات، فلمّا فتح الله تعالى (٤) على المسلمين جاؤوا يطلبون ما جعل لهم النبيّ ﷺ ، فقال لهم الأشياح: كنّا ردءًا لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا فلا تذهبوا بالمغانم دوننا (٥).

стр. 6667

وقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري (١) أخو بني سلمة فقال لرسول الله: إنّك وعدتنا مَن قتل قتيلا فله كذا، ومَنْ أسر أسيرًا فله كذا، وإنّا قد قتلنا سبعين، وأسرنا سبعين، فقام سعد بن معاذ فقال: والله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادةً في الآخرة، ولا جُبْن عن العدو، لكنا كرهنا أن يُعرى مصافك، فيعطف عليك خيل (من خيول) (٢) المشركين فيصيبوك، فأعرض عنهما رسول الله ﷺ ، ثمّ عاد أبو اليسر لمثل مقالته، وقام سعد بمثل كلامه، وقال: يا رسول الله إنّ الناس كثير، وإن الغنيمة دون ذلك، فإن تعطِ هؤلاء الذين ذكرت، لم يبقَ لأصحابك كثير شيء. فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية. فقسّم رسول الله ﷺ بينهم بالسويّة (٣). وروى مكحول عن أبي أُمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال؟ فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقُنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه رسول الله بين المسلمين عن بَوَاء (٤)

стр. 6668

-على السواء- وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين (١). وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: فِيَّ نزلت هذِه الآية وذلك أنّه لمّا كان يوم بدر قُتَل أخي عُمَيْر (٢)، فقتلت سعيد بن العاص بن أميّة وأخذت سيفه وكان يُسمّى ذا الكَتِيفة (٣) فأعجبني، فجئت به إلى النبيّ ﷺ فقلت: يا رسول الله إن الله قد شَفى صدري من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: ليس هذا لي (٤) ولا لك، اذهب

стр. 6669

فاطرحه في القَبَض (١)، فطرحتُه (٢) ورجعت وبي ما لا يعلمه إلّا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، وقلت: عسى أن يُعطى هذا لمن لم يُبل ببلائي، فما جاوزت إلّا قليلا حتّى جاءني الرسول، وقد أنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية. فخِفتُ أن يكون قد نزل فِيَّ شيء، فلما انتهيت إلى رسول الله ﷺ قال: "يا سعد إنّك سألتني السيف، وليس لي؛ وإنّه قد صار لي فاذهب فخذه فهو لك" (٣). وقال أبو أُسَيْد مالك بن ربيعة: أصبت سيف بني (٤) عائذ يوم بدر، وكان السيف يُدعى المَرْزُبَان (٥)، فلمّا نزلت هذِه الآية أمر رسول الله ﷺ الناس أن يَردُّوا ما في أيديهم من النفل، فأقبلت به وألقيته في

стр. 6670

النفل، وكان رسول الله ﷺ لا يمنع شيئًا سُئله، فرآه الأرقم ابن أبي (١) الأرقم المخزومي ﵁، فسأله رسولَ الله ﷺ فأعطاه إيّاه (٢). وقال ابن جريج: نزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرا، واختلفوا فكانوا أثلاثًا، فنزلت هذِه الآية، وملّكها اللهُ رسولَه ﷺ فقسّمها كما أراه الله (٣). وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: كانت المغانم لرسول الله ﷺ خالصة، ليس لأحد فيها شيء، وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سِلْكًا فهو غُلول. فسألوا رسول الله ﷺ أن يعطيهم منها، فنزلت: يسألونك يا محمد عن الأنفال (٤). أي: عن حكم الأنفال وعلمها وقسمها. وقيل: معناه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ يعني من الأنفال و (عن) بمعنى (من). وقيل: (عن) صلة. أي: يسألونك

стр. 6671

الأنفال (١). وكذا قرأه ابن مسعود ﵁ بحذف عن (٢) وهو قول الضحاك وعكرمة (٣). والأنفال الغنائم، واحدها نفل. قال لبيد: إِنَّ تَقْوى اللهِ خيرُ نَفَل ... وَبِإِذْنِ اللهِ رَيثي وَعَجَلْ (٤) وأصله الزيادة يقال: نفلتُك وأنفلتك. أي: زدتّك. واختلفوا في معناها: فقال أكثر المفسّرين: معنى الآية يسألونك عن غنائم بدر لمن هي؟ وقال عليّ بن صالح بن حي: هي أنفال السرايا (٥). وقال عطاء: هي ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، من عبد أو أمة أو سلاح أو متاع، فهو للنبي ﷺ يصنع فيه ما يشاء (٦). وقال ابن عباس ﵄: هي ما يسقط من المتاع بعدما يقسم الغنائم،

стр. 6672

فهي نفل لله ولرسوله (١). وقال مجاهد: هي الخمس، وذلك أنّ المهاجرين سألوا رسول الله ﷺ عن الخمس بعد الأربعة الأخماس، وقالوا: لِمَ يُرفع منّا هذا الخمس، لِمَ يُخرج منّا؟ . فقال الله تعالى: (قل الأنفال لله والرسول) (٢). يقسّمانها كما شاءا، وينفلان منها ما شاءا، ويرضخان منها ما شاءا. واختلفوا في هذِه الآية منسوخة أم محكمة؟ فقال مجاهد وعكرمة والسدي: هي منسوخة نسخها قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣) الآية فكانت الغنامْ يومئذ للنبيّ ﷺ خاصّة فنسخها الله بالخمس (٤). وقال عبد الرحمن بن زيد: هي ثابتة وليست منسوخة، وإنّما معنى ذلك قل الأنفال لله، وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة، والرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيها، ثمّ أنزل حكم الغنائم بعد الأربعين (٥) فإنّ لله خُمسه ولكم أربعة أخماس، وقال النبيّ ﷺ (٦): "وهذا الخمس مردود على

стр. 6673

فقرائكم" (١). وكذلك يقول في تنفيل الإمام بعض القوم واقتطاعه (٢) إياه لبلاء أبلاه، أو غَناء عنده، ففرّق بين الأنفال والغنائم. (قوله (٣): ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وذلك حين اختلفوا في الغنيمة أمرهم بالطاعة والجماعة، ونهاهم عن المفارقة والمخالفة. قال قتادة وابن جريج: كان نبيّ الله ﷺ ينفل الرجل من المؤمنين سَلَب الرجل من الكفّار إذا قتله (٤)، وكان ينفل الرجل على قدر غَنَائه وبلائه (٥)، حتّى إذا كان يوم بدر ملأ الناس أيديهم غنائم، فقال أهل الضعف: ذهب أهل القوّة بالغنائم! . فنزلت ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ليرد أهل القوّة على أهل الضعف (٦)، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرد بعضهم على بعض، وأمرهم الله بالطاعة فيها، فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ واختلفوا في وجه تأنيث ذات البين، فقال

стр. 6674

أهل البصرة: أضاف (ذات) إلى (البين) وجعله (ذاتًا) لأن بعض الأشياء يوضع عليه اسم المؤنث وبعضها يُذكر نحو: الدار والحائط أنّث الدار وذكّر الحائط (١). وقال أهل الكوفة: إنّما أراد بقوله (ذَاتَ بَيْنِكُمْ) الحال التي للبين، وكذلك إذات العشاء) يريد الساعة التي فيها العشاء، قالوا: ولم يضعوا مذكّرًا لمؤنّث ولا مؤنّثًا لمذكّر إلّا لمعنى (٢) . ٢ - قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣) يقول الله جل ثناؤه: وليس المؤمن بالذي يخالف الله ورسوله إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ﴾ فرقت (٤) ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ وهكذا هو في (٥) مصحف عبد الله (٦) ﵁. وقال السدي: هو الرجل أن يَظْلم، أو يهم لمعصية فيَنزع عنه (٧).

стр. 6675

﴿وَإِذَا تُلِيَتْ﴾) قُرئت ﴿عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقال ابن عباس ﵄ تصديقًا (١). وقال الضحاك: يقينا (٢). وقال الربيع بن أنس: خشية (٣). وقال عمير بن حبيب (٤) (وكانت له صحبة) (٥): إن للإيمان زيادة ونقصانا، قيل: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله (وحمدنا ٥) (٦) فذلك زيادته، وإذا سهونا وقصّرنا وغفلنا فذلك نقصانه (٧). وقال عَدي بن عَدي (٨): كَتَبَ إليّ عمر بن عبد العزيز: إن للإيمان سننًا وفرائض وشرائع فمن استكملها (٩) [فقد] استكمل الإيمان، (ومَنْ

стр. 6676

لم يستكملها لم يستكمل الإيمان) (١). ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: يفوّضون إليه أُمورهم ويثقون به فلا يرجون غيره ولا يخافون سواه، والتوكل: التفعّل من الوكول. ٣ - قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ٤ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ يعني يقينًا صدقًا، تقديره: حَقُّوا حقا، كما تقول: صدقوا صدقا. وقال ابن عباس ﵄: برئوا من الكفر (٢). قال مقاتل: حقًّا لا شك في إيمانهم كشك المنافقين (٣). قال قتادة: استحقّوا الإيمان بحق، فأحقّه الله لهم (٤). وقال ابن عباس ﵄ أيضًا: مَنْ لم يكن منافقًا فهو مؤمن حقًّا (٥). [١٣٩٨] أخبرنا عبد الله بن محمد الرازي (٦)، قال (٧): حدثنا عليّ ابن محمد بن عمير (٨) قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم (٩) قال: حدثنا

стр. 6677

هشام بن عبيد الله (١) حدّثنا سلم (٢) بن سالم (٣) عن عُمر بن ذر (٤) عن إبراهيم التيمي (٥) قال: إذا سئل أحدكم أمؤمن أنت حقًّا؟ فليقل: إنّي مؤمن حقًّا فإن كان صادقًا فإنّ الله ﵎ لا يعذّب على الصدق ولكن يثيب عليه، وإن كان كاذبًا فما فيه من الكفر أشد عليه من قوله: إنّي مؤمن حقًّا (٦). وقال ابن أبي نَجِيح: سأل رجل الحسن (فقال له: أمؤمن أنت) (٧)؟ فقال: الإيمان إيمانان، فإن كنتَ تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنّة والنار والبعث والحساب فأنا بها مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم

стр. 6678

لا (١)؟ . وقال علقمة: كنّا في سفر فلقينا قومًا فقلنا: من القوم؟ فقالوا: نحن المؤمنون حقًّا، فلم ندرِ ما نجيبهم، حتّى لقينا عبد الله بن مسعود ﵁، فأخبرناه بما قالوا، قال: فما رددتم عليهم؟ قلنا: لم نرد عليهم شيئًا، قال: أفلا قلتم أَمِنْ أهل الجنّة أنتم؟ إِنَّ المؤمنين أهل الجنّة (٢). وقال سفيان الثوري: مَنْ زعم أنّه مؤمن حقًّا، أو عند الله، ثمّ لم يشهد أنّه في الجنّة، فقد آمن بنصف الآية دون النصف (٣). ووقف بعضهم (٤) على قوله: ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وقال: تم الكلام هاهنا. ثمّ قال: ﴿حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ﴾ فجعل قوله: ﴿حَقًّا﴾ تأكيدا لقوله: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٥). قال مجاهد: أعمال رفيعة (٦)، وقال عطاء: يعني درجات الجنّة يرتقونها بأعمالهم (٧). وقال هشام (بن عروة: يعني ما أعدّ الله لهم في الجنّة من لذيذ المآكل والمشارب وهنيء العيش (٨). وقال ابن مُحَيريز: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ

стр. 6679

عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ سبعون) (١) درجة، كلّ درجة خطو الفرس الجواد المُضَمَّر (٢) سبعين سنة (٣) ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: حسن عظيم وهو الجنّة. ٥ - قوله : ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ اختلفوا في الحالين لهذا الكاف التي في قوله: ﴿كَمَا﴾ وما الَّذي شُبِّه بإخراج الله نبيّه ﷺ من بيته بالحق. فقال عكرمة: معنى ذلك فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن ذلك خير لكم كما كان إخراج الله تعالى محمدًا ﷺ من بيته بالحق خيرًا لكم، وإن كرهه فريق منكم (٤). وقال مجاهد: يعني كما أخرجك ربّك يا محمد من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين، كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه. أي: أنّهم يكرهون القتال ويجادلونك فيه كما فعلوا ببدر (٥). وقال بعضهم: أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يمضي لأمره (٦) في الغنائم على كره من أصحابه، كما مضى لأمره في خروجه من بيته

стр. 6680

لطلب العير وهم كارهون (١). وقيل: معناه يسألونك عن الأنفال مجادلة، كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجتنا للعير ولم تعلمنا قتالا فنستعد له (٢). وقيل: معناه أُولئك هم المؤمنون حقًّا كما أخرجك ربّك من بيتك بالحق (٣). وقال بعضهم: الكاف بمعنى (على) تقديره: امض على الَّذي أخرجك ربّك، قاله ابن حيّان: عن الكلبي (٤). وقال أبو عبيدة: هو بمعنى القسم مجازها: والذي أخرجك، الأن (ما) في موضع (الَّذي) (٥). وجوابه يجادلونك وعليه يقع القسم تقديره يجادلونك والله الَّذي أخرجك) (٦) من بيتك بالحق. وقيل: الكاف بمعنى (إذ) تقديره: واذكر إذأخرجك ربّك من بيتك المدينة إلى بدر بالحق (٧). ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لطلب المشركين.

стр. 6681

٦ - ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ أي: في القتال، وذلك أن المؤمنين لمّا (١) أيقنوا بالشوكة، والحرب يوم بدر، وعرفوا أنّه القتال كرهوا ذلك. وقالوا: يا رسول الله لم تعلمنا أنّا نلقى العدو، فنستعد لقتالهم، وإنّما خرجنا للعير. فذلك جدالهم إياه، ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أنّك لا تصنع إلّا ما أمرك الله به. وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ حين يدعون للإسلام، لكراهيتهم إيّاه، ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٢). ٧ - قوله : ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ قال ابن عباس وابن الزبير (٣) وابن يسار والسدي: أغار كُرْز بن جابر (٤) القرشي على سرح المدينة حتّى بلغ الصفراء (٥). فبلغ النبيّ ﷺ ، فركب في أثره، فسبقه ﷺ . فرجع النبيّ ﷺ ، فأقام سنته. ثم

стр. 6682

إن أبا سفيان أقبل من الشام في عير لقريش فيها عمرو بن العاص وعمرو بن هشام، ومخرمة بن نوفل الزهري، في أربعين راكبًا من كبار (١) قريش وفيها تجارة عظيمة وهي اللطيمة (٢)، حتّى إذا كانوا قريبًا من بَدْر بلغ النبيّ ﷺ ذلك، فندب أصحابه إليه وأخبرهم بكثرة المال، وقلّة العدد (٣)، وقال: "هذِه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعلّ الله أن يُنفِلكُموها" (٤). فخرجوا لا يُريدون (٥) إلّا أبا سفيان والركب لا يرونها إلّا غنيمة لهم، وخفّ بعضهم وثقل بعض، وذلك أنّهم لم يظنّوا أنّ رسول الله ﷺ يَلقى حربًا. فلمّا سمع أبو سفيان بمسير النبيّ ﷺ استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري (٦)،

стр. 6683

فبعثه إلى مكّة، وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لعيرهم في أصحابه، فخرج ضمضم سريعًا إلى مكّة، وخرج الشيطان في صورة سراقة بن جعشم (١)، فأتى مكّة فقال: إن محمدًا وأصحابه قد عرضوا لعيركم، ولا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فغضب أهل مكّة، وانتدبوا وتنادوا ألا يتخلف عنا أحد إلّا هدمنا داره واستبحناه، وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه حتّى بلغ واديًا يقال له: ذَفِرَان (٢)، فأتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عيرهم، فخرج رسول الله ﷺ (حتّى إذا كان بالرَّوْحَاء (٣) أخذ عينًا للقوم فأخبره بهم، وبعث النبي ﷺ أيضًا عينا له من جُهَينة (٤) حليفًا

стр. 6684

للأنصار يدعى ابن أُرَيْقِط فأتاه بخبر القوم، وسبقت العير رسول الله ﷺ ) (١). فنزل جبريل فقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إمّا العير وإمّا قريشا، وكان العير أحب إليهم. فاستشار النبيّ ﷺ أصحابه في طلب العير وحرب النفير. فقام أبو بكر ﵁ فقال: وأحسن. ثم قام عمر ﵁ فقال وأحسن. ثمّ قام المقداد بن عمرو ﵁ فقال: يا رسول الله ﷺ امض لما أمرك الله، ونحن معك والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٢) ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون، فو الَّذي بعثك بالحق لو سرتَ بنا إلى بَرْك الغِمَاد (٣) -يعني مدينة الحبشة- لجالدنا معك مَنْ دُونه حتّى نبلغه! فقال له رسول الله ﷺ خيرًا، ودعا له بخير. ثمّ قال لهم رسول الله ﷺ : "أشيروا عليّ أيُّها الناس! " وإنّما يُريد الأنصار، وذلك أنّهم حين بايعوه بالعقبة فقالوا: يا رسول الله إنّا برآء من ذِمامك حتّى تصل إلى ديارنا، فإذا

стр. 6685

وصلت إلينا فأنت في ذمامِنا نمنعك ممّا نمنع عنه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله ﷺ يتخوّف ألا يكون الأنصار ترى عليها نُصرتَه إلّا على مَنْ دَهمه بالمدينة من عدّوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ من بلادهم، فلمّا قال ذلك رسول الله ﷺ . قال له سعد بن معاذ ﵁: والله لكأنّك تُريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل"، قال: فقد آمنّا بكَ وصدّقناك، وشهدنا بما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فو الَّذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدًا، إنّا (لصُبُر عند الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء) (١)، ولعل الله أن (٢) يريك منا ما تَقرُّ به عينك، فسر بنا على بركة الله! ففرح بذلك رسول الله ﷺ ، ونشّطه قول سعد. ثمّ قال: سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا، فإنّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني انظر إلى مصارع القوم (٣). فذلك قوله : ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ أي: الفريقين أحدهما أبو سفيان مع العير، والأُخرى أبو جهل مع النفير

стр. 6686

﴿وَتَوَدُّونَ﴾ تُريدون ﴿أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ يعني: العير التي ليس فيها قتال، والشوكة الشدة والقوة، وأصلها من الشوك ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ أي: يحققه ويعليه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأمره (١) إيّاكم بقتال الكفّار ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ فيستأصلهم. ٨ - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ الإسلام ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ الكفر، وقيل: الحق القرآن والباطل الشيطان ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون. ٩ - قوله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أي: تستجيرون به من عدّوكم، وتسألونه النصر عليهم، قال عمر ابن الخطاب ﵁: لمّا كان يوم بدر ونظر (٢) رسول الله ﷺ إلى كثرة المشركين، وقلّة المسلمين، دخل العريش هو وأبو بكر، واستقبل القبلة، وجعل يدعو ويقول: اللهمّ أنجز لي ما وعدتني! اللهمّ إن تُهلِك هذِه العصابة لا تعبد في الأرض! فلم يزل كذلك حتّى سقط رداؤه، فأخذ أبو بكر ﵁ رداءه وألقاه على منكبيه، ثمّ التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتَك ربّك، فإن الله سينجز لك ما وعدك! (٣).

стр. 6687

﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي﴾ أي: بأنّي، قرأ عيسى: (إِنّي) بكسر الألف وقال: (إنّي) (١) ﴿مُمِدُّكُمْ﴾ وزائدكم ومرسل إليكم مددًا وردءًا لكم ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ قرأ أهل المدينة ويعقوب (٢): ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الدال، والباقون بكسره (٣)، فمن كسره فمعناه: متتابعين بعضهم في أثر بعض، يقال: أردفته وردَفته بمعنى تبعته، وقال الشاعر (٤): إِذَا الجَوْزَاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتُ بِالِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا (٥) أراد ردفت. أي: جاءت بعدها، لأن الجوزاء أبدا (٦) تطلع بعد الثريا.

стр. 6688

ومن فتح فعلى المفعول، أي أردف الله المسلمين، وجاءهم بهم، فأمدّهم الله تعالى بالملائكة، ونزل جبريل ﵇ في خمسمائة مَلك مُجَنبة على الميمنة، وفيها أبو بكر ﵁، ونزل ميكائيل في خمسمائة على الميسرة، وفيها عليّ ﵁، وهم في صورة الرجال عليهم ثياب بيض، وعمائم بيض (١) أرخوا ما بين أكتافهم، فقاتلت الملائكة يوم بدر، ولم تقاتل يوم الأحزاب، ولا يوم حنين، ولاتقاتل أبدًا، إنّما يكون عددًا أو مددًا. وقال ابن عباس ﵄: بينما رجل من المسلمين يشتدّ في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أَقْدِم حَيْزُوم. أي: اسم فرسه، إذ نظر إلى المشرك أمامه خرّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم وشُق وجهه، كضربة السوط، فجاء الرجل فحدّث بذلك النبي الله ﷺ فقال: "صدقت ذلك من مدد السماء" فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين (٢). قال مجاهد: ما مُدّ النبيّ ﷺ مما ذكر الله سبحانه غير الألف من الملائكة مُرْدِفِينَ، التي ذكر الله في الأنفال، وأمّا الثلاثة والخمسة فكانت بُشرى (٣). ١٠ - قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ يعئي الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

стр. 6689

١١ - قوله : ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ قرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بفتح الياء ﴿النُّعَاسَ﴾ رفع، على أن الفعل له، واحتجّوا بقوله في سورة آل عمران: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ (١) فجعل الفعل له. وقرأ أهل المدينة (يُغشيكم) بضم الياء مخففة على أن الفعل لله موافقا (٢) لقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾، و ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، ﴿وَيُثَبِّتَ﴾ واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (٣) وقرأ عُروة بن الزبير والحسن وأبو رجاء وعكرمة والجحدري وعيسى وأهل الكوفة وابن عامر ويعقوب: (يُغشّيكم) بضمّ الياء مشدّدةً (٤). واختاره أبو عبيد وأبوحاتم لقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ (٥) والنعاسُ: النوم الخفيف، وقال أبو عبيدة: هو ابتداء النوم. (أمنة) بفتح الميم قراءة العامّة، وقرأ أبو حيوة وابن مُحَيصِن: أمْنة بسكون الميم وهو مصدر (٦)،

стр. 6690

قولك: أمنِتُ من كذا أمنًا وأمْنة وأمَنَة وأمانا كلّها بمعنى واحد، فلذلك نُصِب (منه) قال عبد الله بن مسعود ﵁: النعاس في القتال أَمَنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان (١). ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وذلك أن المسلمين نزلوا على كثيب أعفر ببدر تسوخ (٢) فيه الأقدام وحوافر الدواب، وسبقهم المشركون إلى ماء ببدر العظمى وغلبوهم عليه، وأصبح المسلمون بعضهم محدثين وبعضهم مجنبين، وأصابهم الظمأ ووسوس إليهم الشيطان، فقال: تزعمون أن فيكم نبي الله، وأنّكم أولياء الله، وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تُصلّون مجنبين ومحدثين فكيف ترجون أن تظهروا عليهم، قال: فأرسل الله مطرًا سأل منه الوادي، فشرب المسلمون، واغتسلوا وتوضّؤوا، وسقوا الرِّكَاب وملؤوا الأسقية، وأطفأ الغبار ولبّد الأرض، حتّى تثبت عليه الأقدامِ، وزالت وسوسة الشيطان وطابت أنفسهم (٣)، فذلك قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾.
следующие страницы →