← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

﴿وَتَوَدُّونَ﴾ تُريدون ﴿أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ يعني: العير التي ليس فيها قتال، والشوكة الشدة والقوة، وأصلها من الشوك ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ أي: يحققه ويعليه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأمره (١) إيّاكم بقتال الكفّار ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ فيستأصلهم. ٨ - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ الإسلام ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ الكفر، وقيل: الحق القرآن والباطل الشيطان ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون. ٩ - قوله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أي: تستجيرون به من عدّوكم، وتسألونه النصر عليهم، قال عمر ابن الخطاب ﵁: لمّا كان يوم بدر ونظر (٢) رسول الله ﷺ إلى كثرة المشركين، وقلّة المسلمين، دخل العريش هو وأبو بكر، واستقبل القبلة، وجعل يدعو ويقول: اللهمّ أنجز لي ما وعدتني! اللهمّ إن تُهلِك هذِه العصابة لا تعبد في الأرض! فلم يزل كذلك حتّى سقط رداؤه، فأخذ أبو بكر ﵁ رداءه وألقاه على منكبيه، ثمّ التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتَك ربّك، فإن الله سينجز لك ما وعدك! (٣).

стр. 6687

﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي﴾ أي: بأنّي، قرأ عيسى: (إِنّي) بكسر الألف وقال: (إنّي) (١) ﴿مُمِدُّكُمْ﴾ وزائدكم ومرسل إليكم مددًا وردءًا لكم ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ قرأ أهل المدينة ويعقوب (٢): ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الدال، والباقون بكسره (٣)، فمن كسره فمعناه: متتابعين بعضهم في أثر بعض، يقال: أردفته وردَفته بمعنى تبعته، وقال الشاعر (٤): إِذَا الجَوْزَاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتُ بِالِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا (٥) أراد ردفت. أي: جاءت بعدها، لأن الجوزاء أبدا (٦) تطلع بعد الثريا.

стр. 6688

ومن فتح فعلى المفعول، أي أردف الله المسلمين، وجاءهم بهم، فأمدّهم الله تعالى بالملائكة، ونزل جبريل ﵇ في خمسمائة مَلك مُجَنبة على الميمنة، وفيها أبو بكر ﵁، ونزل ميكائيل في خمسمائة على الميسرة، وفيها عليّ ﵁، وهم في صورة الرجال عليهم ثياب بيض، وعمائم بيض (١) أرخوا ما بين أكتافهم، فقاتلت الملائكة يوم بدر، ولم تقاتل يوم الأحزاب، ولا يوم حنين، ولاتقاتل أبدًا، إنّما يكون عددًا أو مددًا. وقال ابن عباس ﵄: بينما رجل من المسلمين يشتدّ في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أَقْدِم حَيْزُوم. أي: اسم فرسه، إذ نظر إلى المشرك أمامه خرّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم وشُق وجهه، كضربة السوط، فجاء الرجل فحدّث بذلك النبي الله ﷺ فقال: "صدقت ذلك من مدد السماء" فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين (٢). قال مجاهد: ما مُدّ النبيّ ﷺ مما ذكر الله سبحانه غير الألف من الملائكة مُرْدِفِينَ، التي ذكر الله في الأنفال، وأمّا الثلاثة والخمسة فكانت بُشرى (٣). ١٠ - قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ يعئي الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

стр. 6689

١١ - قوله : ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ قرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بفتح الياء ﴿النُّعَاسَ﴾ رفع، على أن الفعل له، واحتجّوا بقوله في سورة آل عمران: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ (١) فجعل الفعل له. وقرأ أهل المدينة (يُغشيكم) بضم الياء مخففة على أن الفعل لله موافقا (٢) لقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾، و ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، ﴿وَيُثَبِّتَ﴾ واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (٣) وقرأ عُروة بن الزبير والحسن وأبو رجاء وعكرمة والجحدري وعيسى وأهل الكوفة وابن عامر ويعقوب: (يُغشّيكم) بضمّ الياء مشدّدةً (٤). واختاره أبو عبيد وأبوحاتم لقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ (٥) والنعاسُ: النوم الخفيف، وقال أبو عبيدة: هو ابتداء النوم. (أمنة) بفتح الميم قراءة العامّة، وقرأ أبو حيوة وابن مُحَيصِن: أمْنة بسكون الميم وهو مصدر (٦)،

стр. 6690

قولك: أمنِتُ من كذا أمنًا وأمْنة وأمَنَة وأمانا كلّها بمعنى واحد، فلذلك نُصِب (منه) قال عبد الله بن مسعود ﵁: النعاس في القتال أَمَنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان (١). ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وذلك أن المسلمين نزلوا على كثيب أعفر ببدر تسوخ (٢) فيه الأقدام وحوافر الدواب، وسبقهم المشركون إلى ماء ببدر العظمى وغلبوهم عليه، وأصبح المسلمون بعضهم محدثين وبعضهم مجنبين، وأصابهم الظمأ ووسوس إليهم الشيطان، فقال: تزعمون أن فيكم نبي الله، وأنّكم أولياء الله، وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تُصلّون مجنبين ومحدثين فكيف ترجون أن تظهروا عليهم، قال: فأرسل الله مطرًا سأل منه الوادي، فشرب المسلمون، واغتسلوا وتوضّؤوا، وسقوا الرِّكَاب وملؤوا الأسقية، وأطفأ الغبار ولبّد الأرض، حتّى تثبت عليه الأقدامِ، وزالت وسوسة الشيطان وطابت أنفسهم (٣)، فذلك قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾.

стр. 6691

﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ من الأحداث والجنابة، وقرأ سعيد بن المسيب: (ليُطْهركم) بطاء ساكنة (١)، من أطهر الله ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: وسوسته، قرأ ابن محيصن: (رُجز) بضم الراء (٢)، وقرأ أبو العالية رجس بالسين (٣)، والعرب تعاقب بين السين والزاء فتقول: بزق وبسق، والسراط والزراط والأسد والأزد، ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ باليقين والصبر ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ حتّى لا تسوخ في الرمل بتلبيد الأرض، وقيل: بالصبر وقوّة القلب.

стр. 6692

١٢ - ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ الذين أمدّ بهم المؤمنين ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصرة ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: قوّوا قلوبهم، وصحّحوا عزائمهم، ونياتهم في الجهاد. وقيل: إنّ ذلك التثبيت حضورهم الحرب معهم. وقيل: بمعونتهم إياهم في قتال عدوهم. وقال أبو روق: هو أن الملك كان يتشبّه بالرجل الَّذي يعرفون وجهه، فيأتي الرجل من أصحاب النبيّ ﷺ فيقول: إنّي قد دنوت من المشركين، فسمعتهم يقولون والله لئن حملوا علينا لننكشفنّ، فيتحدّث بذلك المسلمون بعضهم بعضًا، فتقوى أنفسهم بذلك ويزدادون جرأة (١). وقال ابن إسحاق والمبرد: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: وازروهم (٢) ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ ثمّ علّمهم كيفية الضرب والقتل فقال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ قال بعضهم: هذا الأمر من الله متّصل بقوله: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقال آخرون: هو أمر من الله للمؤمنين. واختلفوا في قوله: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ فقال عطيّة والضحاك: معناه: فاضربوا الأعناق (٣)، كقوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٤).

стр. 6693

وقال رسول الله ﷺ : "إني لم أبعث لأُعَذِّب (١) بعذاب الله، وإنّما بُعثت بضرب الرقاب، وشدّ الوثاق" (٢). وقال بعضهم: (معناه: فاضربوا على الأعناق، فوق بمعنى على (٣)، وقال عكرمة (٤) معناه فاضربوا الرؤوس فوق الأعناق (٥). وقال ابن عباس ﵄: معناه فاضربوا الأعناق فما فوقها (٦)، (يعني الرؤوس والأعناق، نظيره قوله : ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٧) أي: اثنتين فما فوقهما) (٨). ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال عطيّة: يعني كل مفصل (٩).

стр. 6694

وقال ابن عباس وابن جريج والضحاك: يعني الأطراف (١). والبنان جمع بَنانة، وهي (أطراف الأصابع من اليدين والرجلين) (٢)، واشتقاقه من قولهم أَبَنَّ بالمكان: إذا قام به (٣). قال الشاعر (٤): أَلا لَيْتَنِي قَطَّعْتُ مِنِّي بَنَانَةً ... وَلاقَيْتُهُ في البَيْتِ يَقْظَانَ حاذِرَا (٥) وقال يمان بن رئاب: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ يعني: الصناديد، ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني: السفلة (٦). والصحيح: هو القول الأوّل. قال أبو داود المازني ﵁ (وكان شهد بدرا) (٧): تبعت رجلا

стр. 6695

من المشركين لأضربه يوم بدر، فوقع رأسه بين يديّ قبل أن يصل إليه سيفي، (فعرفت أنّه قتله غيري (١). وروى أبو أُمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لقد رأيتنا يوم بدر، وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك، فيقع رأسه من جسده قبل أن يصل إليه السيف (٢). وقال ابن عباس ﵄: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتّى صعدنا في جبل يُشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة على مَنْ يكون الدَّبْرة (٣) (فننتهِبُ مع من ينتهب) (٤).

стр. 6696

قال: فبينما نحن في الجبل إذ دنت منّا (١) سحابة، فسمعنا فيها حَمْحَمة (٢) الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حَيْزُوم. قال: فأمّا ابن عمّي فانكشف قناع قلبه (٣) فمات مكانه، وأمّا أنا فكدت أهلك ثمّ تماسكت (٤). قال عكرمة: قال أبو رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأَسْلَمتْ أم الفضل وأسلمتُ معها. وكان العباس ﵁ يهاب قومه ويكره أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرّق في قومه، وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلّف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة. وكذلك صنعوا، لم يتخلّف رجل إلّا بعث مكانه رجلا. فلمّا جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوّة وعزّا. قال: وكنت

стр. 6697

رجلا ضعيفًا، وكنت أعمل القداح (١) أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إنّي لجالس فيها أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرّنا ما جاء من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتّى جلس على طُنْبِ الحجرة (٢)، فكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم! فقال أبو لهب: هلُمّ إليّ يا ابن أخي، فعندك الخبر! فجلس إليه والناس (٣) قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني، كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء، والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم اكتافنا يقتلوننا ويأسرون كيف شاؤوا! وايمُ الله، مع ذلك ما لمتُ الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بُلْق (٤) بين السماء والأرض ما تُلِيق شيئًا (٥) ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع ﵁: فرفعت طرف الحجرة

стр. 6698

بيدي، ثمّ قلت: تلك الملائكة (١). قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض، ثمّ برك عليّ يضربني، وكنت رجلا ضعيفًا. فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته، فضربته ضربة فلقت رأسه شجة منكرة، وقالت: تستضعفه إن غاب عنه سيّده، فقام مولّيًا ذليلا، فو الله ما عاش إلّا سبع ليال حتّى رماه الله تعالى بالعدَسَة (٢) فقتله (٣)، ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثًا ما يدفنانه، حتّى أنتن في بيته، وكانت قريش تتقي العدَسَة، كما يتّقي الناس الطاعون، حتّى قال لهما رجل من قريش: ويحكما ألا تستحيان! إنَّ أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه. فقالا: إنّا نخشى هذِه القرحة، قال: فانطلقا فأنّا معكما، فما غسلوا إلّا قذف الماء عليه من بعيد ما لمسوه، ثمّ احتملوه فدفنوه بأعلى مكّة إلى جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتّى واروه (٤). وروى مِقْسم عن ابن عباس ﵁ قال: كان الَّذي أسر العباس أبا

стр. 6699

اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة وكان أبو اليسر رجلا (مجموعًا (١)، وكان العباس رجلا) (٢) جسيمًا، فقال رسول الله ﷺ لأبي اليسر: كيف أسرت العباس يا أبا اليسر؟ ! فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : "لقد أعانك عليه مَلَك كريم" (٣). ١٣ - قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ﴾

стр. 6700

خالفوا الله ﴿وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ١٤ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: هذا العقاب الَّذي أعجلته لكم أيّها الكفّار ببدر ﴿فَذُوقُوهُ﴾ عاجلا ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ آجلا في المعاد ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾ وفي فتح أنّ وجهان من الإعراب: أحدهما الرفع والآخر النصب. فأمّا الرفع فعلى نية تكرير ﴿ذَلِكُمْ﴾ تقديره: ذلكم فذوقوه، وذلكم أن للكافرين عذاب النار، وأمّا النصب فعلى وجهين: (أحدهما: بنية فعل مضمر: ذلكم فذوقوه فاعلموا. أي: وأيقنوا أن للكافرين، والآخر) (١) بمعنى: وبأن للكافرين فلما حذف الباء نصب (٢). ١٥ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ مجتمعين متزاحفين بعضهم إلى بعض، والتزاحف التداني والتقارب. قال الأعشى: لِمَنِ الظَّعَائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ ... عَوْمَ السَّفِينِ إِذَا تَقَاعَسَ يُجْدَفُ (٣) والزحف مصدر، لذلك لم يجمع كقولهم: قوم عَدْل، ورضا ﴿فَلَا

стр. 6701

تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ يقول: فلا تولّوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم، ولكن اثبتوا لهم. ١٦ - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ ظهره، وقرأ الحسن ساكنة الباء (١)، ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ (إلا متحرفا لقتال) أي: منعطفًا مستطردًا لقتال عدوّه، يطلب عورة له يمكنه إصابتها، فيكرّ عليه. ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾ منضمًّا صائرًا ﴿إِلَى فِئَةٍ﴾ جماعة من المؤمنين يفيئون، فيرجعون به معهم إلى القتال ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. واختلف العلماء في حكم (٢) قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية هل هو خاص في أهل بدر؟ أم هو في المؤمنين جميعًا. فقال أبو سعيد

стр. 6702

الخدري ﵁: إنّما كان ذلك يوم بدر خاصة، ولم يكن لهم أن ينحازوا، (ولو انحازوا لانحازوا) (١) إلى المشركين، ولم يكن يومئذ في الأرض مسلم غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبيّ ﷺ ، فأمّا بعد ذلك فإنّ المسلمين بعضهم فئة لبعض. وبمثله قال الحسن والضحاك وقتادة (٢). وقال يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله لمن فرّ يوم بدر النار، فقال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية، فلمّا كان يوم أُحد بعد ذلك قال: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ (٣) ثمّ كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، فقال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (٤) ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) (٦). وقال عطاء بن أبي رباح: هذِه الآية منسوخة بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (٧) فليس لقوم أن يفروا من مثلَيْهم. فنسخت تلك الآية هذِه العدّة (٨). وقال الكلبي: من قُتِل اليوم في الجهاد مقبلا أو مدبرًا فهو شهيد،

стр. 6703

ولكن يَسبق المُقبل المدبر إلى الجنّة (١). روى جرير (٢) عن منصور (٣) عن إبراهيم (٤) قال: انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين هلكت (٥) فررت من الزحف، فقال عمر ﵁ أنا فئتك (٦). وقال محمد بن سيرين: لمّا قُتل أبو عبيد جاء الخبر إلى عمر ﵁ فقال: لو انحاز إليَّ كنت له فئة، فأنا فئة كل مسلم (٧). = [١٣٩٩] أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الله (٨)، (قال أخبرنا على ابن محمد بن عمير (٩)، قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم (١٠)، قال حدثنا

стр. 6704

هشام بن عبيد الله (١)) (٢) حدثنا جرير (٣) عن يزيد بن أبي زياد (٤) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٥) عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: كنّا في جيش بعثنا رسول الله ﷺ فحاص القوم حيصة، فانهزمنا وكنّا نفرا، فقلنا نهرب في الأرض، ولا نأتي الرسول حياءً ممّا صنعنا فدخلنا البيوت، ثمّ قلنا: يا رسول الله نحن الفرارون، فقال رسول الله ﷺ : "بل أنتم الكرارون، إنّا فئة المسلمين" (٦). وقال بعضهم: بل حكمها عام في كل من ولى عن العدو منهزما (٧). قال رسول الله ﷺ لبعض أهله (٨): "لا تُولِّ من الزحف وإن هلكوا

стр. 6705

فاثبت" (١). وقال ابن عباس ﵄: أكبر الكبائر الشرك بالله والفرار من الزحف لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية (٢). ١٧ - قوله : ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ الآية قال أهل التفسير والمغازي: لمّا ورد رسول الله ﷺ على بدر قال: "هذِه مصارع القوم إن شاء الله! "، فلمّا طلعوا عليه، قال رسول الله ﷺ : "هذِه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها (٣) يكذبون رسولك، اللهمّ إنّي أسألك ما وعدتّني" فأتاه جبريل ﵇ (٤) وقال: خذ قبضة من التراب فارمهم بها، فقال رسول الله ﷺ لمّا التقى

стр. 6706

الجمعان لعلّي ﵁: "أعطني قبضة من حصباء الوادي" فناوله كفا من حصى عليه تراب، فرمى رسول الله ﷺ بها في وجوه القوم، وقال: "شاهت الوجوه". فلم يبق مشرك إلّا دخل في عينيه وفمه ومنخريه منها شيء، ثمّ ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت تلك الرمية سبب الهزيمة (١). وقال حكيم بن حزام: لمّا كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء كأنّه صوت (حصاة وقعت في طَسْت) (٢)، ورمى رسول الله ﷺ تلك الرمية فانهزمنا (٣). وقال قتادة وابن زيد: ذكر لنا أنّ رسول الله ﷺ أخذ يوم بدر ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم، (وحصاة في ميسرتهم القوم، وحصاة بين أظهرهم) (٤)، وقال: "شاهت الوجوه" فانهزموا (٥).

стр. 6707

وروى الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أنزلت هذِه الآية في قتل أُبي بن خلف الجمحي، وذلك أنّه أتى رسول الله ﷺ بعظم حائل وهو يفتّه فقال: يا محمد آلله يُحيي هذا وهو رميم؟ فقال النبيّ ﷺ : يُحييه الله ثمّ يميتك ثمّ يدخلك النار. فلمّا كان يوم بدر أسر ثمّ فدي، فلمّا افتدى قال لرسول الله ﷺ : إن عندي فرسًا أَعلِفُها كل يوم فَرْقَ (١) ذرة لكي أقتلك عليها، فقال رسول الله ﷺ : بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلمّا كان يوم أُحُد أقبل أُبيّ بن خلف يركض فرسه تلك حتّى دنا من رسول الله ﷺ فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه، وقال لهم رسول الله ﷺ : استأخروا، فاستأخروا فقام رسول الله ﷺ بحربة في يده فرمى بها أُبي بن خلف، فكسر بالحربة ضلعًا من أضلاعه، فرجع أبي إلى أصحابه ثقيلا فاحتملوه وطفقوا يقولون: لا بأس، فقال أبي: والله لو كانت بالناس كلهم لقتلهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله، فانطلق به أصحابه ينعشونه حتّى مات ببعض الطريق، فدفنوه ففي ذلك أنزل الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٢).

стр. 6708

وروى صفوان بن عمرو عن (عبد الرحمن) (١) بن جبير أنّ رسول الله ﷺ يوم خيبر دعا بقوس فأُتي بقوس طويلة فقال: جيئوني بقوس غيرها، فجاؤوه بقوس كَبْداء (٢)، فرمى النبيّ ﷺ الحِصَن، فأقبل السهمُ يهوي حتّى قتل كنانة بن أبي الحُقَيق وهو على فراشه. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. فهذا سبب نزول الآية (٣). فأمّا معناها: فإن الله تعالى أضاف القتل والرمي إلى نفسه؛ لأنّه كان منه التسبيب والتسديد، ومن رسوله والمؤمنين الضرب والحذف والإرسال، وكذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة

стр. 6709

من الله الإنشاء والإيجاد بالقدرة القديمة التامَّة، ومن الخلق الاكتساب بالقوى المحدثة، وفي هذا أقوى دليل على ثبوت مذهب أهل الحق وبطلان قول القدريّة (١). وقيل: إنّما أضافهما سبحانه (٢) إلى نفسه لئلّا يعجب (٣) القوم، قال مجاهد: قال هذا: قتلت، وقال هذا: قتلت. فأنزل الله هذِه الآية (٤). وقال الحسين بن الفضل: أراد (٥) فلم يميتوهم ولكن الله، وأنتم جرحتموهم، لأن إخراج الروح إليه لا إلى غيره. قالوا (٦): ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: أوصل وبلغ

стр. 6710

(إلى المرميين) (١) بها وملأ عيونهم منها (٢). وقال ابن إسحاق: ولكن الله رمى. أي: لم يكن ذلك عن رميتك لولا الَّذي جعل الله فيها من نصرك، وما ألقى في صدور عدوك منها حتّى هزمهم (٣). وقال أبو عبيدة: تقول العرب: رمى الله لك. أي: نصرك (٤). وقال الأخفش: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: وفّقك وسدّد رميتك (٥). ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أي: ولينعم على المؤمنين نعمة حسنة عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر والمثوبة. وقال ابن إسحاق: أي: ليعرِّف (٦) المؤمنين من نعمته عليهم، في إظهارهم على عدوهم مع قلّة عددهم وكثرة عدوّهم، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا نعمه (٧). ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم سميع لأسرارهم عليم بإضمارهم. ١٨ - قوله : ﴿ذَلِكُمْ﴾ الَّذي ذكرت من القتل والرمي والإبلاء الحسن ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: واعلموا أن الله، وفي فتح (أنَّ) من الوجوه ما في قوله: ﴿ذَلِكُمْ

стр. 6711

فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ (١) وقد بيناها. ﴿مُوهِنُ﴾ مضعف ﴿كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ قرأ أهل الحجاز والشام والبصرة: (مُوَهِّنٌ) بالتشديد والتنوين، (كَيْدَ) نصبًا، وقرأ أهل الكوفة (مُوهِنٌ) بالتخفيف والتنوين (كَيْدَ) نصبًا، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن محيصن والأعمش وحفص: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ﴾ مخفّفة مضافة بالجر (٢)، فمن نوّن كان معناه: سيوهن، ومَنْ خفف فلطلب الخِفة، كقوله: ﴿مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ (٣) و ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ (٤) ووهن وأوهن لغتان صحيحتان فصيحتان. ١٩ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ وذلك أنّ أبا جهل بن هشام قال يوم بدر: اللهمّ أيُّنا كان أفجر، وأقطع للرحم، وأتانا بما لا يعرف، فأحِنْه (٥) الغداة (٦)، فاستجاب الله

стр. 6712

دعاءه، وجاءه بالفتح، فضربه ابنا عفراء عوف ومعوذ، وأجهز (١) عليه عبد الله بن مسعود (٢). وقال السدي والكلبي: كان المشركون حين (٣) خرجوا إلى النبيّ ﷺ من مكّة، أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهمّ انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين! فأنزل الله هذِه الآية (٤). وقال عكرمة: قال المشركون اللهمّ لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فأنزل الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ أي: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء (٥). وقال أُبي بن كعب وعطاء الخراساني: هذا خطاب لأصحاب رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى للمسلمين: إِن تَسْتَفْتِحُوا فقد جاءكم الفتح. أي: إن تستنصروا الله، وتسلوه الفتح والنصر، فقد جاءكم الفتح والنصر (٦).

стр. 6713

وقال خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله ﵇ فقلنا: ألا تستنصر الله لنا، فاحمر وجهه. وقال: "كان الرجل قبلكم يؤخذ، فيحفر له في الأرض، ثمّ يجاء بالمنشار فيقطع بنصفين ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ما يصرفه عن دينه، ولُيتِمنَّ الله هذا الأمر حتّى يسير الراكب من صنعاء (١) إلى حضرموت لا يخشى إلّا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون" (٢). ثمّ قال للكفّار: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن الكفر بالله وقتال نبيّه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ لحربه وقتاله ﴿نَعُدْ﴾ بمثل الوقعة التي أوقعت بكم يوم بدر. وقيل: وإن تعودوا للاستفتاح نعد لفتح محمد (٣)، ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ أهل المدينة والشام: (وَأَنَّ اللهَ) بفتح الألف، بمعنى: ولأن الله، وقيل: هو معطوف على قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (٤) وقرأ الباقون بالكسر على الابتداء (٥)، واختاره أبو

стр. 6714

عبيد وأبو حاتم لأن في قراءة عبد الله (والله مَعَ المُؤْمَنَين) (١). ٢٠ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: ولا تُدْبروا عن رسول الله ﷺ مخالفين (له ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُون﴾ أمره ونهيه. وقال ابن عباس) (٢) ﵄: وأنتم تسمعون القرآن ومواعظه (٣). ٢١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ (يعني المنافقين والمشركين الذين سمعوا كتاب الله بآذانهم فقالوا سمعنا) (٤) ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ يعني: لا يتّعظون بالقرآن ولا ينتفعون بسماعهم، فكأنهم لم يسمعوه على الحقيقة. ٢٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابّ﴾ يعني: أن شرّ ما دبّ على وجه الأرض من خلق الله ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾، قال الأخفش: كل محتاج إلى غذاء فهو دابة (٥). ﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ﴾ عن الحق فهم لا يسمعون ولا يقولون. قال ابن زيد: هم صم القلوب وبُكمها وعُميها! وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لَا

стр. 6715

تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١) (٢). وقال ابن عباس وعكرمة: هم بنو عبد الدار بن قصي كانوا يقولون نحن صُمٌّ بُكم عُمّي عمّا جاء به محمد، فلا نسمعه ولا نجيبه، فقتلوا جميعًا بأُحد، وكانوا أصحاب اللواء (٣). ولم يسلم منهم إلّا رجلان مصعب بن عمير وسُويبط بن حَرملة. ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (أمر الله) (٤). ٢٣ - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ صدقًا وإسلامًا ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ لرزقهم الفهم والعلم بالقرآن ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ عن القرآن ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن الإيمان لعلم الله فيهم وحكمه عليهم بالكفر. ٢٤ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ اختلفوا في قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: قال السدي: هو الإيمان يحييهم بعد موتهم. أي: كفرهم (٥). وقال مجاهد: هو للحق (٦). وقال قتادة: هو هذا القرآن فيه الحياة

стр. 6716

والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة (١). (وقال ابن إسحاق: لما يحييكم: يعني الحرب، والجهاد التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم.) (٢)، وقال القتيبي: لما يحييكم: (لما يُبقيكم) (٣) يعني الشهادة، وقرأ قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٤) (٥) واللام في قوله (لما) بمعنى (إلى). ومعنى الاستجابة في هذِه الآية الطاعة، يدلُّ عليه ما [١٤٠٠] أخبرنا (أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد النيسابوري (٦)، قال: أخبرنا) (٧) أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، ثنا محمد بن عبد الوهاب (٨)، أخبرنا خالد بن مَخْلد (٩)،

стр. 6717

حدثنا محمد بن جعفر (١)، قال (٢): حدثني العلاء بن عبد الرحمن (٣) عن أبيه (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: مرّ رسول الله ﷺ على أُبي بن كعب وهو قائم يصلّي فصاح له فقال: "تعال (٥) يا أُبي" فعجل أُبي في صلاته، ثمّ جاء إلى رسول الله ﷺ . قال: "ما منعك يا أُبي أن تُجيبني إذ دعوتُك؟ أليس الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٦) " قال: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلّا أجبتك، وإن كنت مصليا، قال: "تحب أن أُعلمّك سورة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها؟ " قال أُبي: نعم يا رسول الله. قال: "لا تخرج من باب المسجد حتّى تعلمها" والنبيّ ﷺ يمشي يريد أن يخرج من باب المسجد، فلما بلغ الباب ليخرج قال له أُبي: السورة يا رسول الله، فوقف فقال: "نعم كيف تقرأ في صلاتك؟ " فقرأ أُبي أُمّ القرآن. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ما أُنزلت في

стр. 6718

التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها، وإنّها لهي السبع المثاني التي أتاني الله " (١). قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، قال سعيد بن جبير: معناه يحول بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر (٢)، وقال ابن عباس والضحاك: يحول بين الكافر وطاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته (٣). وقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يعمل (٤)، وروى خُصَيف عنه قال: يَحُول (٥) بين قلب الكافر وأن

стр. 6719

يعمل خيرًا (١). وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه (٢). وقال قتادة: معنى ذلك أنّه قريب من قلبه، ولا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره. وهي كقوله : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٣) (٤) وقيل: هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في تلك الحال الضعيفة ساءت ظنونهم، واختلجت (٥) صدروهم، فقيل لهم: قاتلوا في سبيل الله، واعلموا أن الله يحول بين المرء وبين ما في قلبه، فيبدّل الخوف أمنًا، والجُبن جُرأة. (٦) وقيل: يحول بينه وبين مراده، لأن الأجل حال دون الأمل، والتقدير منع من التدبير. وقرأ الحسن: (بين المرّ) بتشديد الراء من غير همزة (٧)، وقرأ الزهري: (بين المُرء) بضم الميم والهمزة (٨) وهي لغات صحيحة.

стр. 6720

﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُون﴾ فيجزيكم بأعمالكم، قال أنس بن مالك ﵁: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك، فقلنا: يا رسول الله آمنّا بك فهل تخاف علينا؟ قال: "إن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبه كليف شاء إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه" (١). (والإصبع في اللغة الأثر الحسن، فمعنى قوله: بين إصبعين: بين أثرين من آثار الربوبية، وفيها الإزاغة والإقامة) (٢). (قال الشاعر (٣): صلاة وتسبيح وإعطاء سائل ... وذو رحم ينال منك وإصبع (٤)

стр. 6721

أي أثر حسن. وقال آخر (١): مَنْ يجعل الله عليه إصبعا ... في الخير أو في الشر يلقه معا (٢) فالإصبع أيضًا في اللغة الملك، فمعنى الحديث بين مملكتين من ممالكة، وهما الإزاغة والإقامة والتوفيق والخذلان (٣).

стр. 6722

قال الشاعر (١): حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مُغِلَ الإصبع (٢) " (٣) ٢٥ - قوله : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ أي: اختبارا وبلاء يصيبكم، وقال ابن زيد: الفتنة الضلالة (٤). ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ اختلفوا في وجه قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ من الإعراب، فقال أهل البصرة: قوله: (لا تصيبن) ليس بجواب ولكنّه نهي بعد نهي، فلو كان جوابًا ما دخلت النون. وقال أهل الكوفة: أمرهم ثمّ نهاهم، وفيه طرف من الجزاء، وإن كان نهيًا. كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ (٥) أمرهم ثمّ نهاهم، وفيه تأويل الجزاء وتقديره: واتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم. وقال الكسائي: وقعت النون في الجزاء، ثم كان التحذير، ولو

стр. 6723

قلت: قم لا أغضب عليك، لم يكن فيه النون لأنّه جزاء محض (١). وقال الفراء: هو جزاء فيه طرف من النهي، كما تقول: انزل عن الدابة لا تطرحك، ولا تطرحنك، (فهذا جواب الأمر بلفظ النهي، ومعناه: إن تنزل عنه لا يطرحنّك) (٢). قال ابن عباس ﵄: نزلت هذِه الآية في أصحاب النبيّ ﷺ خاصة، وقال: أمر الله تعالى المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب (٣). وقال الحسن: نزلت في عليّ وعمار وطلحة والزبير ﵃ (٤)، وقال الزبير: لقد قرأنا هذِه الآية زمانا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. فخُلِّفنا حتّى أصابتنا خاصّة (٥). قال السدي: هذِه نزلت في أهل بدر خاصّة، فأصابتهم (٦) يوم الجمل، فاقتتلوا (٧).

стр. 6724

وقال عبد الله بن مسعود ﵁ ما منكم من أحد إلّا هو مشتمل على فتنة، إنّ الله يقول: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١) فأيّكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلّات الفتن (٢). [١٤٠١] وأخبرنا ابن هَمِرْدان (٣) قال: أخبرنا ابن يوسف (٤)، قال: حدثنا ابن يزيد (٥)، قال: حدثنا هشام بن عبيد الله (٦) حدثنا أبو أُمية (٧) عن عبد الله بن لَهِيعة (٨) عن يزيد بن أبي حبيب (٩)، عمن ذكر (١٠) عن حذيفة بن اليمان ﵁ (١١)، قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون بين أناس من أصحابي أشياء يغفرها الله لهم بصحبتهم

стр. 6725

إياي، يستنّ بهم فيها أناس من بعدهم يدخلهم الله بها النار" (١). [١٤٠٢] وبإسناده عن هشام (٢)، حدثنا جرير (٣) عن يحيى بن عبيد الله (٤)، عن أبيه (٥)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتّى تأتيَ فتنة عمياء مظلمة، المضطجع فيها خير من الجالس، والجالس فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي". فقال رجل من
следующие страницы →