← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

أي أثر حسن. وقال آخر (١): مَنْ يجعل الله عليه إصبعا ... في الخير أو في الشر يلقه معا (٢) فالإصبع أيضًا في اللغة الملك، فمعنى الحديث بين مملكتين من ممالكة، وهما الإزاغة والإقامة والتوفيق والخذلان (٣).

стр. 6722

قال الشاعر (١): حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مُغِلَ الإصبع (٢) " (٣) ٢٥ - قوله : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ أي: اختبارا وبلاء يصيبكم، وقال ابن زيد: الفتنة الضلالة (٤). ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ اختلفوا في وجه قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ من الإعراب، فقال أهل البصرة: قوله: (لا تصيبن) ليس بجواب ولكنّه نهي بعد نهي، فلو كان جوابًا ما دخلت النون. وقال أهل الكوفة: أمرهم ثمّ نهاهم، وفيه طرف من الجزاء، وإن كان نهيًا. كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ (٥) أمرهم ثمّ نهاهم، وفيه تأويل الجزاء وتقديره: واتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم. وقال الكسائي: وقعت النون في الجزاء، ثم كان التحذير، ولو

стр. 6723

قلت: قم لا أغضب عليك، لم يكن فيه النون لأنّه جزاء محض (١). وقال الفراء: هو جزاء فيه طرف من النهي، كما تقول: انزل عن الدابة لا تطرحك، ولا تطرحنك، (فهذا جواب الأمر بلفظ النهي، ومعناه: إن تنزل عنه لا يطرحنّك) (٢). قال ابن عباس ﵄: نزلت هذِه الآية في أصحاب النبيّ ﷺ خاصة، وقال: أمر الله تعالى المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب (٣). وقال الحسن: نزلت في عليّ وعمار وطلحة والزبير ﵃ (٤)، وقال الزبير: لقد قرأنا هذِه الآية زمانا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. فخُلِّفنا حتّى أصابتنا خاصّة (٥). قال السدي: هذِه نزلت في أهل بدر خاصّة، فأصابتهم (٦) يوم الجمل، فاقتتلوا (٧).

стр. 6724

وقال عبد الله بن مسعود ﵁ ما منكم من أحد إلّا هو مشتمل على فتنة، إنّ الله يقول: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١) فأيّكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلّات الفتن (٢). [١٤٠١] وأخبرنا ابن هَمِرْدان (٣) قال: أخبرنا ابن يوسف (٤)، قال: حدثنا ابن يزيد (٥)، قال: حدثنا هشام بن عبيد الله (٦) حدثنا أبو أُمية (٧) عن عبد الله بن لَهِيعة (٨) عن يزيد بن أبي حبيب (٩)، عمن ذكر (١٠) عن حذيفة بن اليمان ﵁ (١١)، قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون بين أناس من أصحابي أشياء يغفرها الله لهم بصحبتهم

стр. 6725

إياي، يستنّ بهم فيها أناس من بعدهم يدخلهم الله بها النار" (١). [١٤٠٢] وبإسناده عن هشام (٢)، حدثنا جرير (٣) عن يحيى بن عبيد الله (٤)، عن أبيه (٥)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتّى تأتيَ فتنة عمياء مظلمة، المضطجع فيها خير من الجالس، والجالس فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي". فقال رجل من

стр. 6726

أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله إن أدركتني وأنا أسعى قال: "فامش"، قال: أفرأيت إن أدركتني وأنا أمشي. قال: "فقم"، قال: أفرأيت إن أدركتني وأنا قائم. قال: "فاجلس"، قال: أفرأيت إن أدركتني وأنا جالس. قال: "فقل هكذا بيدك -وضم يديه إلى جسده- حتّى تكون عبد الله المظلوم، ولا تكون عبد الله الظالم" (١) [١٤٠٣] وبإسناده عن جرير (٢)، عن يزيد بن أبي زياد (٣)، عن (يزيد بن) الأصم (٤)، عن حذيفة ﵁ قال: أتتكم فتن كقطع الليل المظلم، يهلك فيها كل شجاع بطل، وكل راكب مُوضِع، وكل خطيب مُصقع (٥). ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

стр. 6727

٢٦ - قوله : ﴿وَاذْكُرُوا﴾ يا معشر المهاجرين ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ في العدد ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مكّة في عنفوان الإسلام ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ﴾ يذهب بكم ﴿النَّاسُ﴾ كفّار مكّة، وقال وهب: فارس والروم (١). ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ إلى المدينة ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ يوم بدر أيدكم بالأنصار، وأمدّكم بالملائكة ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني الغنائم أحلها لكم، ولم يحلها لأحد قبلكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذلَّ الناس ذلا، وأشقاه عيشًا، وأجوعه بطنًا، وأعراه جلودًا، وأبينَه ضلالا، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات منهم رُدِّي في النار، معكوفين (٢) على رأس

стр. 6728

الحجرين الأشدين: فارس، والروم، يؤكلون ولا يأكلون، وما في بلادهم شيء عليه (١) يحسدون، والله ما نعلم (فيها قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر (٢) منزلا منهم، حتّى جاء الله بالإسلام، فمكّن به) (٣) في البلاد، ووسعبه في الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمه، فإن ربكم منعم يحبّ الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله تعالى (٤).

стр. 6729

٢٧ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. قال عطاء بن أبي رباح: حدّثني جابر بن عبد الله ﵄ أن أبا سفيان خرج من مكّة، فأتى جبريل ﵇ النبي ﷺ فقال: إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا. فقال النبيّ ﷺ لأصحابه: "إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا" قال: فكتب إليه رجل من المنافقين إن محمدًا يريدكم فخذوا حذركم. فأنزل الله هذِه الآية (١)، وقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من النبيّ ﷺ فيفشونه حتّى يبلغ المشركين (٢). وقال الزهري والكلبي: نزلت هذِه الآية في أبي لبابة الأنصاري ﵁ من بني عوف بن مالك وذلك أن رسول الله ﷺ حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا رسول الله ﷺ الصلح على ما صالح عليه إخوانهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أَذْرِعات (٣)

стр. 6730

وأَريحَا (١) من أرض الشام، فأبى أن يعطيهم ذلك رسول الله ﷺ إلَّا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر وكان مناصحًا لهم، لأن عياله وماله وولده كانت عندهم، فبعثه رسول الله ﷺ فأتاهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه أنّه الذبح فلا تفعلوا. قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، فنزل فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ فلمّا نزلت هذِه الآية شد نفسه على سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتّى أموت أو يتوب الله عليّ، فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعامًا ولا شرابًا حتّى خرّ مغشيًّا عليه، ثمّ تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك. قال: لا (٢) والله لا أحلّ نفسي حتّى يكون رسول الله ﷺ هو الَّذي حلّني فجاءه (٣) فحله بيده، ثمّ قال أبو لبابة: إن مَنْ تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، قال النبي

стр. 6731

- ﷺ : "يجزيك الثلث أن تصدق به" (١). وقال المغيرة بن شعبة ﵁: نزلت هذِه الآية في قتل عثمان بن عفان ﵁ (٢). قال محمد بن إسحاق: معنى الآية: لا تظهروا له من الحق بما يرضى به منكم، ثمّ تُخالفونه في السر إلى غيره (٣). وقال ابن عباس ﵄: لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سننه (٤). ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ قال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم (٥). وعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿وَتَخُونُوا﴾: نصبًا على جواب النهي، (والعرب تنصب جواب النهي بالواو) (٦)، قالوا كما

стр. 6732

تنصبه بالفاء. وقيل: هو نصب على الظرف (١). كقول الشاعر (٢): لا تَنْهَ عَنْ خلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (٣) وقال الأخفش: هو عطف على ما قبله من النهي، تقديره: ولا تخونوا أماناتكم (٤). وقرأ مجاهد: (أمانَتِكم) واحدة (٥). واختلفوا في معنى هذِه الأمانة، فقال ابن عباس: هو ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله ، والأعمال التي ائتمن الله سبحانه عليها العباد يقول لا تنقصوها (٦). وقال ابن زيد: معنى الأمانات هاهنا الدين، وهؤلاء المنافقون ائتمنهم الله على دينه فخانوه، إذ أظهروا الإيمان وأسرّوا الكفر (٧).

стр. 6733

قال قتادة: اعلموا أنّ دين الله، فأدّوا إلى الله ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده، ومَنْ كانت عليه أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها (١). ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ٢٨ - قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ﴾ التي هي عند بني قريظة ﴿فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ٢٩ - قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ بطاعته وترك معصيته واجتناب خيانته ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ قال مجاهد: مخرجًا في الدنيا والآخرة (٢). وقال مقاتل بن حيان: مخرجًا في الدين من الشبهات (٣). وقال عكرمة: نجاة (٤). وقال الضحاك: بيانًا (٥). وقال مقاتل: منفذًا (٦). وقال الكلبي: نصرًا (٧). وقال ابن إسحاق: فصلا بين الحق والباطل، يظهر الله به حقكم، ويطفئ به باطل مَنْ خالفكم (٨).

стр. 6734

وقال ابن زيد: فرقانا يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل حتّى يهتدوا به ويعرفوه (١). والفرقان مصدر كالرحجان والنقصان. تقول: فرقت بين الشيء والشيء أفرق بينهما فرقًا وفرقانا وفروقا. ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ويمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ٣٠ - قوله : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية هذِه الآية معطوفة على قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ (٢) واذكر ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ (٣) لأن هذِه السورة مدنية. وهذا القول والمكر إنما كانا بمكة، ولكن الله ذكرهم بالمدينة كقوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ (٤) وكان هذا المكر على ما ذكره ابن عباس ﵄ وغيره من المفسّرين أن قريشًا لمّا أسلمت الأنصار، فرقوا أن يتفاقم أمر رسول الله ﷺ ، فاجتمع نفر من مشايخهم (٥) وكبارهم في دار الندوة، فتشاوروا في أمر رسول الله ﷺ ، وكانت رؤوسهم: عُتْبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا جهل، وأبا سفيان، وطُعَيْمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وأبا البَخْتَرِي بن هشام، وزَمْعَة بن الأسود، وحَكِيم بن حزام، ونُبَيْها ومُنُبّها ابني

стр. 6735

الحجاج، وأُميّة بن خلف، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: أنا شيخ من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضر معكم، ولن تعدموا مني رأيا ونصحا، قالوا: أُدُخل فدخل. فقال أبو البختري: أمّا أنا فأرى أن تأخذوا محمدا وتحبسوه في بيت، وتُشدِدوا وثاقه وتَسُدُّوا عليه باب البيت غير كُوَّة تلقون إليه طعامه وشرابه، وتتربصون به ريب المنون حتى يهلك فيه كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير والنابغة، وإنّما هو كأحدهم. فصرخ عدو الله إبليس الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل له فيكم آصرة، وقد سمع به مَنْ حولكم تحبسونه، فيوشك صَفُوه أن يثبوا عليكم، ويقاتلوكم عنه حتّى يأخذوه (من أيديكم) (١) ويمنعوه منكم، قالوا: صدق الشيخ. فقال هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي: أمّا أنا فأرى أن تحملوه على بعير، فتخرجوه من بين أظهركم، فلا يضركم ما صنع، وأين وقع إذا غاب عنكم، واسترحتم (وفرغنا منه، وأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت) (٢)، وكان أمره في غيركم. فقال إبليس: بئس الرأي رأيتم؛ تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاءكم فتخرجونه إلى غيركم، فيفسدهم كما أفسدكم، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاوة لسانه، وأخذ القلوب ما يسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم، ثمّ استعرض العرب

стр. 6736

لتجتمعن عليه، ثم ليأتين إليكم فيخرجكم من بلادكم، ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله الشيخ. فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره، إني أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش غلامًا وسيطًا، ثمّ يُعطى كل واحد منهم سيفًا صارمًا، ثمّ يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمّه في القبائل كلّها، ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلّها، وإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، فتؤدّي قريش ديته واسترحنا، فقال إبليس: صدق هذا الفتى، وهو أجودكم رأيًا، القول ما قال، لا رأي غيره، فتفرقوا على قول أبي جهل وهم مجمعون له، فأتى جبريل ﵇ النبيّ ﷺ وأخبره بذلك، وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذِن الله تعالى له عند ذلك بالخروج إلى المدينة، فأمر رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب ﵁ فنام في مضجعه، وقال: تسجَّ ببردي فإنّه لن يخلص إليك منهم أمر تكرهه، ثمّ خرج النبيّ ﷺ فأخذ قبضة من تراب، فأخذ الله أبصارهم عنه، وجعل يثير التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (١) ومضى إلى الغار من ثور (٢)، فدخله هو وأبو بكر، وخلّف عليّا بمكّة حتّى يؤدّي عنه الودائع التي قبله، وكانت الودائع توضع عنده لصدقه

стр. 6737

وأمانته، وبات المشركون يحرسون عليًّا ﵁، وهو على فراش رسول الله ﷺ يحسبون أنّه النبيّ ﷺ ، فلمّا أصبحوا ثاروا إليه فرأوا عليًّا، وقد ردّ الله مكرهم وما ترك منهم رجلا إلاّ وضع على رأسه التراب، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري فاقتصوا أثره (١) وأرسلوا في طلبه، فلما بلغوا الجبل، فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، وقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسيج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاثة أيام، ثمّ قدم المدينة فذلك قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢). ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد ومِقْسم والسدي: ليوثقوك (٣). وقال قتادة: ليشدوك وثاقًا (٤).

стр. 6738

وقال عطاء وعبد الله بن كثير: ليسجنوك (١). وقال أبان بن تغلب وأبو حاتم: ليثخنوك بالجراحات والضرب (٢)، وأنشد (٣): فَقلتُ ويْحَكَ ماذا فِي صَحيفتكُمْ ... قالوا الخَليفَةُ أمْسَى مُثْبَتًا وجِعَا (٤) وقيل: معناه ليسحروك (٥). وروى ابن جريج (٦)، عن عطاء (٧) عن عبيد بن عمير (٨) عن المطلب ابن أبي وداعة (٩) ﵁، أن أبا طالب قال لرسول الله ﷺ هل تدري ما (ائتمر بك) (١٠) قومك؟ (قال: "نعم يريدون أن يسحروني، أو

стр. 6739

يقتلوني، أو يخرجوني" فقال: مَنْ أخبرك بهذا؟ قال: "ربّي! ") (١) قال: نِعم الرب ربّك فاستوصِ به خيرًا! فقال رسول الله ﷺ : "أنا استوصي به؟ ! بل هو يستوصي بي خيرًا" (٢). وقرأ (٣) إبراهيم النخعي (ليُبيِّتُوك) من البيات (٤).

стр. 6740

﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ قال الحسن: ويقولون ويقول الله (١)، وقال الضحاك: ويصنعون ويصنع الله (٢) ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ حيث استنقذك منهم وأهلكهم. ٣١ - قوله : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا﴾ يعني: النضر بن الحارث ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ وذلك أنّه كان يختلف تاجرًا إلى فارس والحيرة (٣)، فيسمع سجع (٤) أهلها، وذكرهم أخبار العجم، وغيرهم من الأُمم، ويمر باليهود والنصارى فرآهم يقرؤون التوراة والإنجيل، ويركعون ويسجدون، فجاء مكّة فوجد محمدًا يقرأ القرآن ويصلّي. فقال النضر: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أخبار الأُمم الماضية وأسماؤهم. قال السدي: أساجيع (٥) أهل الحيرة (٦). والأساطير

стр. 6741

جمع الجمع، وأصلها من قوله: سطرت. أي: كتبت، وواحدها سَطْر ثمّ يجمع: أَسْطَارا وسطورا، ثمّ يجمعان: أَساطِر وأساطير. وقيل: الأساطير واحدها أُسْطُورة وأَسْطَار (١)، والجمع القليل: أُسْطُر (٢). ٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ الآية نزلت أيضًا (٣) في النضر (٤) بن الحارث بن علقمة بن كلدة من بني عبد الدار. قال ابن عباس ﵄: لمّا قَصَّ رسول الله ﷺ شأن القرون الماضية، قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا، إنْ هذا إلاّ ما سطر الأوّلون في كتبهم. فقال عثمان بن مظعون ﵁: اتق الله فإن محمدًا يقول الحق. قال: فأنا أقول الحق. قال عثمان ﵁: فإن محمدًا يقول: لا إله إلاّ الله، قال: فأنا أقول لا إله إلاّ الله، ولكن هذِه بنات الله يعني الأصنام، ثم قال: ﴿اللَّهُمَّ﴾ (٥) ﴿إِنْ كَانَ هَذَا﴾ الذي يقوله محمد ﴿هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ وهو عماد وتوكيد وصلة في الكلام، والحق نُصب بخبر كان ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما أمطرتها على قوم لوط. قال أبو عبيدة: ما كان من العذاب. يقال: منه (٦) أمطر وما كان من

стр. 6742

الرحمة: مطر (١). ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: ببعض ما عذبت به الأُمم، وفيه نزل: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ (٢) قال عطاء: لقد نزل في النضر بضع عشرة آية من كتاب الله (٣). فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر. قال سعيد بن جبير: قتل رسول الله ﷺ يوم بدر ثلاثة من قريش صبرا: المطعم بن عدي وعقبة ابن أبي معيط والنضر بن الحارث. وكان النضر أسيرا لمقداد (فلمّا أمر بقتله) (٤) قال المقداد: أسيري يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "إنّه كان يقول في كتاب الله ما يقول! " قال المقداد: أسيري يا رسول الله! قالها ثلاث مرّات. فقال رسول الله ﷺ في الثالثة: "اللهمّ أغْنِ المقداد من فضلك! ". فقال المقداد: هذا الذي أردت (٥).

стр. 6743

٣٣ - قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية. اختلفوا في معنى هذِه الآية فقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذِه حكاية عن المشركين، أنهم قالوها وهي متصلة بالآية الأُولى، وذلك أن المشركين كانوا يقولون: والله إنَّ الله لا يعذبنا ونحن نستغفر، ولا يعذب أُمة ونبيّها معها، وذلك من قولهم، ورسول الله بين أظهرهم، فقال الله تعالى لنبيّه ﷺ يذكر له جَهالتهم وغِرَّتهم واستفتاحهم على أنفسهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية. وقالوا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. ثمّ قال ردّا عليهم: ٣٤ - ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وإن كنت بين أظهرهم، وإن كانوا يستغفرون. ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١). وقال الآخرون: هذا كلام مستأنف، وهو قوله سبحانه تعالى حكاية عن نفسه ، ثمّ اختلفوا في وجهها وتأويلها: فقال ابن أَبْزى وأبو مالك والضحاك: تأويلها: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مقيم بين أظهرهم. قالوا: ونزلت هذِه الآية على النبيّ ﷺ -وهو مقيم بمكّة، ثمّ خرج النبيّ ﷺ من بين أظهرهم. وبقيت بها بقية من المسلمين يستغفرون. ثم نزلت بعد خروجه عليه حين استغفر أُولئك

стр. 6744

بها ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثمّ خرج أُولئك البقية من المسلمين من بينهم فعذبوا، وأذن الله في فتح مكّة، فهو العذاب الذي وعدهم (١). وقال ابن عباس ﵄: لم تعذِّب قرية حتّى خرج النبيّ والذين آمنوا ويَلْحق بحيث أُمر، فقال: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) يعني المسلمين، فلما خرجوا قال الله: (وما لهم ألا يعذبهم الله) فعذبهم يوم بدر. (٢) وقال بعضهم: هذا الاستغفار راجع إلى المشركين، ومعنى الآية: وما كان الله ليعذب هؤلاء المشركين ما دمتَ فيهم، وما داموا يستغفرون. وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت ويقولون لبيك لبيك لا شريك إلاّ شريكا هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك. هذِه رواية أبي زُميل عن ابن عباس ﵄. وروى أبو معشر عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء). الآية، فلمّا أمسوا ندموا على ما قالوا، وقالوا: غفرانك اللهم. فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣). (وقال أبو موسى الأشعري ﵁: إنّه كان فيكم أمانان. قوله: ﴿وَمَا

стр. 6745

كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١) فأمّا النبيّ ﷺ فقد مضى، وأمّا الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يوم القيامة (٢). وقال قتادة والسدي وابن زيد معناه: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون: (أن لو استغفروا، يقول إن القوم لو كانوا يستغفرون لما عذبوا، ولكنهم لم يكونوا يستغفرون) (٣)، ولو استغفروا وأقروا بالذنوب لكانوا مؤمنين (٤). وقال مجاهد وعكرمة: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يسلمون، يقول: لو أسلموا لمّا عُذّبوا (٥). وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: ربهم من قد سبق له من الله الدخول في الإيمان (٦). ورُوي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك) (٧): وهم يستغفرون. أي: يصلّون (٨).

стр. 6746

وقال الحسن: هذِه الآية منسوخة بالآية التي تلتها: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فقاتلوا بمكّة فأصابهم الجوع والحصر (١). وروى عبد الوهاب عن مجاهد ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: وفي أصلابهم من يستغفر (٢). ثم قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: وما يمنعهم من أن يُعذّبوا. وقيل: (أَنْ) زائدة (٣). ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ المؤمنون أين (٤) كانوا وحيث كانوا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ٣٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ هو الصفير، يقال: مَكَا يمكو مَكْوا ومُكاءً. وقال عنترة:

стр. 6747

وَحَلِيل غَانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلا ... تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأعْلَمِ (١) أي تصوت. ومنه قيل: مكت است الدابة مُكاء، إذا نفخت بالريح ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ هي التصفيق. وقال جعفر بن أبي ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن قوله: ﴿إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ فجمع كفيه نمّ نفخ فيها صفيرًا (٢). وقال ابن عباس ﵄: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة (يصفرون ويصفقون (٣). وقال مجاهد: كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبيّ ﷺ في الطواف ويستهزئون به) (٤)، ويدخلون

стр. 6748

أصابعهم في أفواههم ويصفرون يخلطون عليه طوافه وصلاته (١). وقال مقاتل: كان النبيّ ﷺ إذا صلّى في المسجد قام رجلان من المشركين عن يمينه فيصفران ويصفقان، ورجلان كذلك عن يساره، ليخلطوا على النبيّ ﷺ صلاته، وهم من بني عبد الدار فقتلهم الله ببدر (٢). وقال السدي: المُكاء (٣) الصفير على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له: المُكَّاء (٤). قال الشاعر (٥): إذَا غرَّدَ المُكَّاءُ في غَيْرِ روْضَةٍ ... فَوَيلٌ لأهْلِ الشَّاءِ والحُمُراتِ (٦) وقال سعيد بن جبير وابن إسحاق وابن زيد: التصدية صدهم (٧) عن بيت الله، وعن دين الله، وعن الصلاة، وهي على هذا التأويل التصدد

стр. 6749

فقلبت إحدى الدالين ياءً، كما يقال تظنيْت (١) من الظن. تَقَضِّيَ البازي (إذا البازي كسر) (٢)، يراد؛ تَظننْتُ (٣) وتقضَّض (٤). وقال الراجز (٥): ضنت بخد وجلت عن خدِّ إني لمن غَرّ والهَوى أُصدي (٦) وقرأ المفضل عن عاصم: (وما كان صلاتهم) بالنصب (إلا مكاء وتصدية) بالرفع جل الخبر في الصلاة (٧).

стр. 6750

كما قال القطامي: قِفي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يا ضباعا ... ولا يَكُ مَوْقِفٌ مِنْك الوَداعا (١) وسمعت (أبا القاسم يقول: سمعت) (٢) مَنْ يقول: كان المكاء أذانهم، والتصفيق إقامتهم (٣). ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (يوم بدر) (٤) ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. ٣٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: ليصرفوا الناس عن دين الله، قال سعيد بن جبير، وابن أبزى: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أُحد ألفين من الأحابيش (٥)

стр. 6751

يقاتل بهم النبيّ ﷺ سوى من استجاش من العرب (١). وفيهم يقول كعب بن مالك ﵁: فَجِئْنَا إلَى مَوْجٍ مِنْ البَحْرِ وَسْطَهُ ... أَحَابِيشُ مِنْهُمْ حَاسرٌ وَمُقَنَّعُ (٢) ثَلاثَةُ آلافٍ وَنَحْنُ نَصِيَّةٌ ... ثَلاثُ مِئِينٍ إنْ كَثُرْنَ فَأَرْبَعُ (٣) وقال الحكم بن عُتيبة: نزلت في أبي سفيان بن حرب أنفق على المشركين يوم أُحُد أربعين أوقية (٤)، وكانت الأوقية اثنين وأربعين

стр. 6752

مِثْقالا (١). وقال ابن إسحاق عن رجاله: لما أُصيب (٢) قريش من أصحاب القليب يوم بدر، فرجع فَلُّهم (٣) إلى مكّة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أميّة في رجال من قريش أُصيب آباؤهم وأبناؤهم (٤) وإخوانهم ببدر، فكلّموا أبا سفيان بن حرب، ومَنْ كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدًا قد وتركم (٥)، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرنا بمن أُصيب منا! ففعلوا. فأنزل الله فيهم) (٦) هذِه الآية (٧).

стр. 6753

وقال الضحاك: هم أهل بدر (١)، وقال (مقاتل و) (٢) الكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا: أبو جهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ونبيه ومنبه ابنا الحجّاج، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، وحكيم بن حزام، وأبي بن خلف، وزَمْعة بن الأسود، والحارث بن عامر، والعباس بن عبد المطلب وكلهم من قريش، وكانوا يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر (٣). قال الله : ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ فلا يظفرون ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منهم خصّ الكفّار لأجل مَنْ أسلم منهم ﴿إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. ٣٧ - ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ﴾ بذلك ﴿الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الكافر من المؤمن (٤) فيُنزِل المؤمن الجنان والكافر النيران. وقال الكلبي: يعني العمل الخبيث من العمل الطيب الصالح، فيُثيب على الأعمال الصالحة الجنّة، ويثيب على الأعمال الخبيثة النار (٥). وقال ابن زيد: يعني الإنفاق الطيب في سبيل الله من الإنفاق

стр. 6754

الخبيث في سبيل الشيطان فيجعل نفقاتهم في قعر جهنم، ثمّ يقال لهم: الحقوا بها (١). وقال مُرّة الهمْدان: يعني يميز المؤمن في علمه السابق الذي خلق (٢) حين خلقه طيبًا، من الخبيث الكافر في علمه السابق الذي خلقه خبيثًا، وذلك أنّهم كانوا على ملة الكفر فبعث الله الرسول بالكتاب فميّز الخبيث من الطيب فمن اتبعه استبان (أنّه طيب ومن خالفه استبان) (٣) أنّه خبيث (٤). ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: فوق بعض ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ أي: يجمعه حتّى يصير مثل السحاب المركوم وهو المجتمع الكثيف ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ فوحد الخبر عنهم لتوحيد قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾ ثمّ قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ فجمع، رده إلى أول الخبر، يعني قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين غَبنت صفقتهم، وخسِرت تجارتهم لأنّهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة. ٣٨ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أبي سفيان وأصحابه ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن الشرك وقتال محمد ﷺ ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: مضى من ذنوبهم قبل الإسلام ﴿وَإِنْ

стр. 6755

يَعُودُوا﴾ لقتال محمد ﷺ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ في نصر الأنبياء، والأولياء، وهلاك الكفّار، والأعداء مثل: يوم بدر. [١٤٠٤] سمعت الحسن بن محمد (١)، يقول: سمعت أبي (٢) يقول: سمعت عليّ بن محمد الوراق (٣) يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي (٤) يقول: إنّي لأرجو أنّ توحيدا (٥) لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر، لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب (٦). [١٤٠٥] وأنشدني أبو القاسم الحبيبي (٧)، قال: أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد الزيدي (٨) (في هذا الشعر) (٩): يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ... ثمّ انتهى عمّا أتاه واقترف

стр. 6756

لقوله قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا ... يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سلَفَ (١) ٣٩ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك، وقال أبو العالية: بلاء (٢)، وقال الربيع: حتّى لا يفتن مؤمن عن دينه ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ التوحيد ﴿كُلُّهُ﴾ خالصُا ﴿لِلَّهِ﴾ سبحانه ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد (٣). وقال قتادة: حتّى يقال: لا إله إلاّ الله، عليها قاتل نبي الله ﷺ وإليها دَعا (٤). وقيل: حتّى تكون الطاعة والعبادة لله خالصة دون غيره (٥) ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفر والقتال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ٤٠ - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان وعادوا إلى قتال أهله ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم ومعينكم ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ الناصر. ٤١ - قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ حتّى الخيط والمخيط.

стр. 6757

واختلف العلماء في معنى الغنيمة والفيء، ففرّق قوم بينهما: قال الحسن بن صالح: سألت عطاء بن السائب عن الفيء والغنيمة فقال: إذا ظهر المسلمون على المشركين وعلى أرضهم، فأخذوهم عَنْوة، فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهي غنيمة، وأمّا الأرض فهو في سوادنا هذا فيء (١). وقال سفيان الثوري: الغنيمة ما أصاب المسلمون عنوة بقتال، والفيء ما كان عن صلح بغير قتال (٢). وقال قتادة: هما بمعنى واحد، ومصرفهما واحد (وهو قوله) (٣): ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٤) اختلف أهل التأويل في ذلك فقال بعضهم: قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مفتاح الكلام، ولله الدنيا والآخرة، وإنّما معنى الكلام: فأنّ للرسول خُمسه، وهو قول الحسن وقتادة وعطاء وإبراهيم، جعلوا سهم الله وسهم الرسول واحدًا، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس ﵄ قالوا: كانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس، فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، ويقسّم الخمس الباقي على خمسة أخماس: خمس للنبيّ ﷺ كان يحمله له ويصنع فيه ما شاء، وخمس لذوي القربى، وخمس لليتامى وخمس للمساكين وخُمس لابن السبيل. فسهم

стр. 6758

رسول الله ﷺ خمس الخمس (١)، وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ﴾ فإن لبيت الله خمسه. وهو قول الربيع وأبي العالية قالا: كان يجاء بالغنيمة فيقسمها رسول الله ﷺ خمسة أسهم، فيجعل أربعة أسهم لمن شهد القتال، ويعزل سهمًا فيضرب يده في جميع ذلك السهم، فما قبض عليه (٢) من شيء جعله للكعبة، وهو الذي سُميّ لله، ثمّ يقسّم ما بقي على خمسة أسهم: سهم للنبيّ ﷺ ، وسهم لذي القربى، وسهم اليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل (٣). وقال ابن عباس: سهم الله وسهم رسوله جميعًا لذوي القربى، وليس لله ولا لرسوله منه شيء. وكانت الغنيمة تُقسّم على خمسة أخماس، فأربعة منها لمن قاتل عليها، وخمس واحد يقسّم على أربعة: فربع لله وللرسول ولذوي القربى. فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبيّ ﷺ ، ولم يأخذ النبيّ ﷺ شيئًا من الخمس. والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل (٤). وأمّا قوله ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾: فهم قرابة رسول الله ﷺ الذين لا تحل لهم الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس مكان الصدقة، واختلفوا

стр. 6759

فيهم، فقال مجاهد وعليّ بن الحسين وعبد الله بن الحسن: هم بنو هاشم. وقال الشافعي ﵀: هم بنو هاشم، وبنو المطلب خاصّة (١)، واحتج في ذلك بما روى الزهري (٢) عن سعيد بن المسيب (٣) عن جبير بن مطعم (٤) ﵁ قال: لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذي القربى من خيبر علي بني هاشم والمطلب، مشيت أنا وعثمان بن عفان. فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء إخوتك بنو هاشم، لا نُنكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا، وإنّما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال لهم: "إنّهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد! " ثمّ شبك رسول الله ﷺ إحدى يديه بالأُخرى. (٥) وقال بعضهم: هم قريش كلّها (٦). كتب نَجدة إلى ابن عباس ﵄ يسأله عن ذي القربى فكتب إليه ابن عباس ﵄: كنا نقول: إنا هم، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلّها ذوو قربى (٧).

стр. 6760

واختلفوا في حكم سهم رسول الله ﷺ ، وسهم ذي القربى بعد رسول الله ﷺ . فقال ابن عباس والحسن: يجعلان في الخيل والسلاح، والعدّة في سبيل الله ومعونة الإسلام وأهله (١). وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان أبو بكر ﵁ وعمر يجعلان سهم النبيّ ﷺ في الكُراع (٢) والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان عليّ ﵁ يقول فيه قال: كان أشدَّهم فيه (٣). قال الزهري: أتى العباس وفاطمة أبا بكر ﵁ يطلبان ميراثهما من فَدَك (٤) وخَيْبَر (٥)، فقال لهما أبو بكر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
следующие страницы →