← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

لقوله قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا ... يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سلَفَ (١) ٣٩ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك، وقال أبو العالية: بلاء (٢)، وقال الربيع: حتّى لا يفتن مؤمن عن دينه ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ التوحيد ﴿كُلُّهُ﴾ خالصُا ﴿لِلَّهِ﴾ سبحانه ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد (٣). وقال قتادة: حتّى يقال: لا إله إلاّ الله، عليها قاتل نبي الله ﷺ وإليها دَعا (٤). وقيل: حتّى تكون الطاعة والعبادة لله خالصة دون غيره (٥) ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفر والقتال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ٤٠ - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان وعادوا إلى قتال أهله ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم ومعينكم ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ الناصر. ٤١ - قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ حتّى الخيط والمخيط.

стр. 6757

واختلف العلماء في معنى الغنيمة والفيء، ففرّق قوم بينهما: قال الحسن بن صالح: سألت عطاء بن السائب عن الفيء والغنيمة فقال: إذا ظهر المسلمون على المشركين وعلى أرضهم، فأخذوهم عَنْوة، فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهي غنيمة، وأمّا الأرض فهو في سوادنا هذا فيء (١). وقال سفيان الثوري: الغنيمة ما أصاب المسلمون عنوة بقتال، والفيء ما كان عن صلح بغير قتال (٢). وقال قتادة: هما بمعنى واحد، ومصرفهما واحد (وهو قوله) (٣): ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٤) اختلف أهل التأويل في ذلك فقال بعضهم: قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مفتاح الكلام، ولله الدنيا والآخرة، وإنّما معنى الكلام: فأنّ للرسول خُمسه، وهو قول الحسن وقتادة وعطاء وإبراهيم، جعلوا سهم الله وسهم الرسول واحدًا، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس ﵄ قالوا: كانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس، فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، ويقسّم الخمس الباقي على خمسة أخماس: خمس للنبيّ ﷺ كان يحمله له ويصنع فيه ما شاء، وخمس لذوي القربى، وخمس لليتامى وخمس للمساكين وخُمس لابن السبيل. فسهم

стр. 6758

رسول الله ﷺ خمس الخمس (١)، وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ﴾ فإن لبيت الله خمسه. وهو قول الربيع وأبي العالية قالا: كان يجاء بالغنيمة فيقسمها رسول الله ﷺ خمسة أسهم، فيجعل أربعة أسهم لمن شهد القتال، ويعزل سهمًا فيضرب يده في جميع ذلك السهم، فما قبض عليه (٢) من شيء جعله للكعبة، وهو الذي سُميّ لله، ثمّ يقسّم ما بقي على خمسة أسهم: سهم للنبيّ ﷺ ، وسهم لذي القربى، وسهم اليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل (٣). وقال ابن عباس: سهم الله وسهم رسوله جميعًا لذوي القربى، وليس لله ولا لرسوله منه شيء. وكانت الغنيمة تُقسّم على خمسة أخماس، فأربعة منها لمن قاتل عليها، وخمس واحد يقسّم على أربعة: فربع لله وللرسول ولذوي القربى. فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبيّ ﷺ ، ولم يأخذ النبيّ ﷺ شيئًا من الخمس. والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل (٤). وأمّا قوله ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾: فهم قرابة رسول الله ﷺ الذين لا تحل لهم الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس مكان الصدقة، واختلفوا

стр. 6759

فيهم، فقال مجاهد وعليّ بن الحسين وعبد الله بن الحسن: هم بنو هاشم. وقال الشافعي ﵀: هم بنو هاشم، وبنو المطلب خاصّة (١)، واحتج في ذلك بما روى الزهري (٢) عن سعيد بن المسيب (٣) عن جبير بن مطعم (٤) ﵁ قال: لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذي القربى من خيبر علي بني هاشم والمطلب، مشيت أنا وعثمان بن عفان. فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء إخوتك بنو هاشم، لا نُنكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا، وإنّما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال لهم: "إنّهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد! " ثمّ شبك رسول الله ﷺ إحدى يديه بالأُخرى. (٥) وقال بعضهم: هم قريش كلّها (٦). كتب نَجدة إلى ابن عباس ﵄ يسأله عن ذي القربى فكتب إليه ابن عباس ﵄: كنا نقول: إنا هم، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلّها ذوو قربى (٧).

стр. 6760

واختلفوا في حكم سهم رسول الله ﷺ ، وسهم ذي القربى بعد رسول الله ﷺ . فقال ابن عباس والحسن: يجعلان في الخيل والسلاح، والعدّة في سبيل الله ومعونة الإسلام وأهله (١). وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان أبو بكر ﵁ وعمر يجعلان سهم النبيّ ﷺ في الكُراع (٢) والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان عليّ ﵁ يقول فيه قال: كان أشدَّهم فيه (٣). قال الزهري: أتى العباس وفاطمة أبا بكر ﵁ يطلبان ميراثهما من فَدَك (٤) وخَيْبَر (٥)، فقال لهما أبو بكر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 6761

"نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة" (١) فانصرفا. وقال قتادة: وكان سهم ذوي القربى طُعمة لرسول الله ﷺ ما كان حيًّا. فلمّا تُوُفي جعل لأولي الأمر بعده (٢)، وقال عليّ ﵁: يعطى كل إنسان نصيبه من الخمس لا يعطى غيره، ويلي الإمام سهم الله ورسوله (٣). وقال بعضهم: سهم رسول الله ﷺ مردود بعده في الخمس، والخمس بعده مقسوم على أربعة أسهم: على ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (٤). وقال آخرون: بل سهم رسول الله ﷺ ، وسهم ذوي القربى مردودان في الخمس، والخمس مقسوم على ثلاثة أسهم: على اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وهو قول جماعة من أهل العراق (٥). وقال عمرو بن عبسة ﵁: صلّى بنا رسول الله ﷺ إلى جنب بعير من المغنم، فلمّا فرغ أخذ وبرة من جنب البعير، فقال: "إنّه لا يحلّ لي

стр. 6762

من هذا المغنم مثل هذا إلاّ الخمس، والخمس مردود فيكم" (١). وقال آخرون: الخمس كلّه لقرابة رسول الله ﷺ (٢)، قال المنهال ابن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن عليّ، وعليّ بن الحسين عن الخمس فقالا: هو لنا، فقلت لعلي: إن الله تعالى يقول: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فقال: أيتامنا ومساكيننا (٣). وأمّا اليتامى فهم أطفال المسلمين الذين قد هلك آباؤهم، والمساكين أهل الفاقة والحاجة من المسلمين، وابن السبيل المسافر المنقطع. وقال ابن عباس: هو الفقير الضعيف الذي ينزل بالمسلمين (٤). ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمد ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم فرق فيه بين الحق والباطل ببدر ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ جمع المسلمين وجمع المشركين وهو يوم بدر وكان رأس المشركين عتبة ابن ربيعة وكان يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ٤٢ - قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ يا معشر المسلمين ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ شفير الوادي الأدنى إلى

стр. 6763

المدينة ﴿وَهُمْ﴾ يعني عدوكم من المشركين ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ بشفير الوادي الأقصى من المدينة يعني: أبا سفيان والعير ﴿مِنْكُمْ﴾ إلى ساحل البحر، كان رسول الله ﷺ بأعلى الوادي والمشركون بأسفله، والعير قد انخرم به أبو سفيان على الساحل حتى قدم به مكّة. وفي (العدوة) قراءتان: كسر العين، وهي قراءة أهل مكّة والبصرة. وضم العين، وهي قراءة الباقين (١) واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وهما لغتان مشهورتان كالكِسوة والكُسوة، والرِشوة والرُشوة. وينشد بيت الراعي (٢): وَعَيْنَانِ حُمْرٌ مَآقِيهِمَا ... كَمَا نَظَرَ العِدْوَةَ الجُؤْذَرُ (٣) بكسر العين. وينشد بيت أوس بن حجر:

стр. 6764

وَفَارِس لا تَحُلُّ الخَيْلُ عُدْوَتَهُ ... وَلَّوْا سِرَاعًا، وَمَا هَمُّوا بِإقْبَالِ (١) بالضم. والدنيا: تأنيث الأدنى، والقصوى تأنيث الأقصى. وكان المسلمون خرجوا ليأخذوا العير، وخرج الكفار ليمنعوها، فالتقوا من غير ميعاد، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ لقلتكم وكثرة عدوكم ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ من نصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه (ليهلك) هذِه اللام مكررة على اللام في قوله: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا﴾ كأنه قال: فعل بكم ما فعل ببدر ليقضي الله أمرا كان مفعولا و ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أي: ليموت مَنْ يموت على بينة رآها، وعِبْرة عاينها، أو حجّة قامت عليه ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ وكذلك حياة من يحيا لوعده ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢) وقال محمد بن إسحاق: ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه، وقطعت عذره، ويؤمن من آمن على مثل ذلك (٣).

стр. 6765

قال قتادة: ليضل من ضل عن بينة، ويهتدي من اهتدى على بيّنة (١). وقال عطاء: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ عن علم بما وجد (٢) فيه من الفجور، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ عن يقين وعلم بأنه لا إله إلاّ هو (٣). وفي (٤) ﴿حَيَّ﴾ قراءتان، قرأ أهل المدينة: (حَيِيَ) (٥) بياءين مثل: خشي على الأصل، وقرأ الباقون (حَيّ) بياء واحدة مشددة على الإدغام (٦)، لأنّه في الكتاب بياء واحدة ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ٤٣ - قوله : ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ يا محمد يعني المشركين ﴿فِي مَنَامِكَ﴾ أي: في نومك، وقيل: في موضع نومك، وهو عينك (٧) ﴿قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ لجبنتم ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ﴾ اختلفتم ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ وذلك أنّ الله

стр. 6766

تعالى أراهم إياه في منامه قليلا، فأخبر النبي ﷺ الصحابة بذلك، وكان تثبيتًا لهم ونعمة من الله عليهم شجعهم بها على عدوهم. فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ قال ابن عباس ﵄: سلم الله أمرهم حين أظهرهم على عدوهم (١). ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢).

стр. 6767

٤٤ - قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ قال مقاتل: وذلك أن النبيّ ﷺ رأى في المنام أن العدو قليل قبل لقاء العدو، فأخبر النبيّ ﷺ أصحابه بما رأى، فقالوا: رؤيا النبيّ ﷺ حق؛ القوم قليل، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين (لتصديق رؤيا) (١) النبيّ ﷺ (٢). قال عبد الله بن مسعود: لقد قُللوا في أعيننا يوم بدر، حتّى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال أراهم مائة. فأسرنا رجلا فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا (٣). ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين ﴿فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ قال السدي: قال ناس من المشركين: إن العير قد انصرفت فارجعوا، فقال أبو جهل: الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه؟ فلا ترجعوا حتّى تستأصلوهم، ولا تقتلوهم بالسلاح خذوهم أخذًا، لا يعبد الله بعد اليوم، إنّما محمد وأصحابه أكلة جزور فاربطوهم بالحبال، يقوله من القدرة على نفسه (٤). قال الكلبي: استقلّ المؤمنون المشركين، والمشركون المؤمنين، ليجترئ بعضهم على بعض (٥). ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ كائنًا في علمه، بنصر الإسلام

стр. 6768

وأهله وذل الشرك وأهله، وقال محمد بن إسحاق: ليقضي الله أمرا كان مفعولا بالانتقام من أعدائه والإنعام على أوليائه (١) ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ٤٥ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ أي: جماعة كافرة ﴿فَاثْبُتُوا﴾ لقتالهم ولا تنهزموا ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: أدعوا الله بالنصر عليهم والظفر بهم. قال قتادة: أمر الله بذكره أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيف (٢) ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تنجحون بالنصر والظفر. ٤٦ - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا﴾ ولا تختلفوا ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ أي: تجبنوا وتضعفوا. وقرأ الحسن ﵀: (فَتَفْشِلُوا) بكسر الشين (٣). ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قال مجاهد: نصركم، وذهبت ريح أصحاب محمد حين نازعوه يوم أُحد (٤). وقال السدي: جرأتكم وجِدَّكم (٥). وقال مقاتل: حدتكم (٦).

стр. 6769

وقال عطاء: جَلَدكم (١). وقال يمان: غَلَبَتكم (٢). وقال النضر بن شميل: قوتكم (٣). وقال الأخفش: دولتكم (٤). وقال ابن زيد: هو ريح النصر، لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله يضرب وجوه العدو، فإذا كان كذلك لم يكن لهم قوام (٥). ومنه قول النبيّ ﷺ : "نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور" (٦). ويقال للرجل إذا أقبلت الدنيا عليه بما يهواه: الريح اليوم (٧) لفلان (٨). قال عبيد بن الأبرص: كَمَا حَمَيْنَاكَ يَوْمَ النَّعْفِ مِنْ شَطَبٍ ... وَالفَضْلُ لِلقَوْمِ مِنْ رِيحٍ وَمِنْ عَدَدِ (٩)

стр. 6770

يعني (مر البأس والكثرة) (١) وقال الشاعر (٢): يَا صَاحِبَيَّ ألا لاحَيَّ بِالْوَادِي ... إلاّ عبِيدٌ قُعُودْ بَيْنَ أذوَاد أتُنْظِرَانِ قَلِيلًا رَيْثَ غَفَلَتِهِم ... أمْ تَعْدُوَانِ فَإِنَّ الرِّيحَ لِلْعَادِي (٣) [١٤٠٦] وأنشدني أبو القاسم المذكر (٤) قال: أنشدني أبو نصر (٥) ابن محمد بن الحسين الكرخي الكاتب (٦): إذَا هَبّتْ رِيَاحُكَ فاغتَنِمْهَا ... فَإِنَّ لِكُلِّ عَاصِفَةٍ سُكُونُ وَلا تَغْفَلْ عَنِ الإِحْسَانِ فِيْهِا ... فَلا تَدْرِي الرُّكُودُ مَتَى يَكُونُ (٧)

стр. 6771

﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٤٧ - قوله ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾ فخرا وأشَرًا ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ معطوف على قوله: بطرًا ورئاء الناس، معناه: يبطرون ويراءون الناس، إذ لا يعطف مستقبل على ماض. ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وهؤلاء أهل مكّة خرجوا يوم بدر ولهم بغيٌ وفخر. فقال رسول الله ﷺ : "اللهمّ إن قريشًا أقبلت بفخرها وخيلائها لتحادك ورسولك" (١).

стр. 6772

قال ابن عباس ﵄: لمّا رأى أبو سفيان أنّه أحرز عِيره، أرسل إلى قريش: إنّكم خرجتم لتمنعوا عيركم، فقد نجاها الله فارجعوا. فوافى الركب الذي بعثهم أبو سفيان ليأمروا قريشًا بالرجعة بالجُحْفَة (١)، وقال لهم: انصرفوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجعن حتّى نرد بدرًا، وكان موسمًا من مواسم العرب، يجتمع لهم بها سوق كل عام، فنقيم بها ثلاثة أيام، وننحر الجزر، ونطعِم الطعام، ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا (٢) العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا (٣). فوافوها فسُقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان، فنهى الله (٤) عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النيّة والحسبة (٥) في نصرة دينه ومؤازرة نبيه. ٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ وكان تزيين ذلك لهم (٦) على ما قاله ابن عباس وابن إسحاق

стр. 6773

والسدي والكلبي وغيرهم: إن قريش لمّا أجمعت المسير، ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة بن الحارث، فكاد ذلك أن يُثنيهم، فجاء إبليس في جُند من الشياطين معه راية، فتبدى في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم الشاعر الكناني ثم المدلجي، وكان من أشراف كنانة، ﴿وَقَالَ﴾ لهم ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ أي: مجير لكم من كنانة (١). قال الشاعر: يا ظالمي أنّى تروم ظُلامتي ... والله من كل الحوادث جاري (٢) ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ أي: التقى الجمعان، ورأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء وعلم أنّه لا طاقة لهم بهم ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. قال الضحاك: ولّى مدبرًا (٣). قال النضر بن شميل: رجع القَهقرى على قفاه هاربًا (٤). وقال قطرب وأبان بن تغلب: رجع من حيث جاء (٥). قال الشاعر (٦):

стр. 6774

نَكَصْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ يَوْمَ جِئْتُمْ ... تُزَجّونَ أَنْفَالَ الخَمِيسِ العَرَمْرَمِ (١) وقال عبد الله بن رواحة: فلمّا رأيتم رسول الإله ... نكصتم وراءكم هاربينا (٢). (﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ رب العالمين) (٣) قال الكلبي: لما التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة آخذًا بيد الحارث بن هشام، فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: يا سراقة أين تخذلنا (٤) على هذا الحال؟ فقال: إنِّي أرى ما لا ترون، فقال: والله ما نرى إلا جَعاسِيس (٥) يثرب. فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ فقال الحارث: فهلاّ كان هذا أمس، فدفع في صدر الحارث فانطلق، وانهزم الناس، فلمّا قدموا مكة قالوا:

стр. 6775

هزم الناسَ سراقة، فبلغ ذلك سراقة. فقال: بلغني أنكم تقولون إني هزمت الناس (١)، فو الله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، قالوا: أما أتيتنا في يوم كذا فحلف لهم، فلمّا أسلموا علموا أن ذلك كان من الشيطان (٢). قال الحسن في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾: رأى إبليسُ جبريلَ ﵇ مُعْتَجِرًا (٣) يمشي بين يدي النبي ﷺ ، وفي يده اللجام يقود الفرس ما ركب (٤). [١٤٠٧] سمعت أبا القاسم الحبيبي (٥) يقول: سمعت أبا زكريا العنبري (٦) يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي (٧) يقول: أفخر بيت قيل في الإسلام قول بعض الأنصار شعرا (٨):

стр. 6776

وَبِبِئْرِ بَدْرٍ إذْ يَرُدّ وُجُوهَهُمْ ... جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمّدُ (١) وقال قتادة ومحمد بن إسحاق قال إبليس: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وصدق عدو الله، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ وكذب عدوّ الله، والله ما به مخافة الله ولكن علم أنّه لا قوة له ولا منعة (٢) فأوردهم وأسلمهم، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرّأ منهم (٣). وقال عطاء: إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يُهلِك (٤). وقال الكلبي: خاف أن يأخذه جبريل ﵇ ويعرّفهم حاله فلا يطيعوه (٥). وقيل معناه: إني أخاف الله. أي: أعلم صِدَق وعده لأوليائه لأنه كان على يقين من أمره (٦). ورأيت في بعض التفاسير: إني أخاف الله

стр. 6777

عليكم (١)، ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ قال بعضهم هذا حكاية من إبليس. وقال آخرون: انقطع الكلام عند قوله: ﴿أَخَافُ اللَّهَ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢). [١٤٠٨] أخبرنا (أبو عمرو) (٣) أحمد بن أبي (٤) الفراتي (٥) قال: أخبرنا أحمد بن عمر الإسبيجاني (٦) قال: حدثنا محمد بن نصر المروزي (٧) قال: حدثنا يحيى بن يحيى (٨) قال: قرأت على مالك (٩)، عن إبراهيم بن أبي عبلة (١٠)، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز (١١) أن رسول الله قال: "ما يُرى (١٢) الشيطان يومًا هو فيه أصغر

стр. 6778

ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لمّا يرى من تنزل الرحمة، وتجاوزه عن الذنوب العظام، إلا ما رُئي يوم بدر، وذلك أنه رأى جبريل وهو يزع الملائكة" (١). ٤٩ - قوله : ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك ونفاق ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني المؤمنين دِينُهُم هؤلاء قوم كانوا بمكة مستضعفين حبسهم آباؤهم وأقرباؤهم من الهجرة، فلمّا خرجت قريش إلى بدر أخرجوهم كرهًا، فلمّا بصروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدّوا، وقالوا: غرّ هؤلاء دينهم. فقتلوا جميعًا منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة (٢)، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن

стр. 6779

منبه بن الحجاج والوليد بن عتبة، وعمرو بن أمية. (﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فلما قُتلوا مع المشركين ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم. فذلك قوله تعالى: ٥٠ - ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ لو تعاين يا محمد ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: يقبضون أرواحهم ببدر ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ حال. أي: ضاربين وجوههم ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ قال سعيد بن جبير، ومجاهد: يريد أستاهم، ولكن الله تعالى كريم يكني (١) " (٢). وقال مُرّة الهمداني وابن جريج: وجوههم ما أقبل منهم، وأدبارهم ما أدبر منهم، وتقديره: ويضربون أجسادهم (كلها (٣). وقال ابن عباس: كانوا إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم) (٤) بالسيوف، وإذا ولّوا أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم (٥). وقال الحسن: قال رجل: يا رسول الله، إني رأيت بظهر أبي جهل

стр. 6780

مثل الشراك (١)! قال ذاك ضرب الملائكة (٢). وقال الحسين بن الفضل: ضرب الوجوه عقوبة كفرهم، وضرب الأدبار عقوبة معاصيهم (٣). ﴿وَذُوقُوا﴾ فيه إضمار، أي (٤): ويقولون لهم ذوقوا ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ في الآخرة. وقال الحسن: هذا يوم القيامة يقول لهم خزنة جهنم: ذوقوا عذاب الحريق (٥). ورأيت في بعض التفاسير: كان مع الملائكة مقامع (٦) من حديد كلمّا ضربوا التهبت نارا في الجراحات. فذلك قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٧). ومعنى قوله ذوقوا: قاسُوا واحتملوا. قال الشاعر (٨):

стр. 6781

فذوقوا كما ذُقْنا غَدَاة مُحَجَّرٍ ... من الغيظ في أكبادنا والتحوُّبِ (١) وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار تقول العرب: اركب هذا الفرس فذقه، وانظر فلانًا فذق ما عنده (٢). قال الشماخ في وصف قوس: فَذَاقَ، فَأَعْطَتْهُ مِنَ اللِّينِ جَانِبًا ... كفَى وَلَهًا أن يُغْرِقَ السَّهْمَ حَاجِزُ (٣) وأصله من الذوق بالفم. ٥١ - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ﴾ كسبت وعملت ﴿أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ يأخذهم من غير جرم. وفي محل (أنّ) وجهان من الإعراب: أحدهما النصب عطفًا على قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ تقديره: وبأن الله، والآخر: الرفع عطفًا على

стр. 6782

قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ معناه: وذلك أن الله (١). ٥٢ - قوله : ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال ابن عباس ﵄: كفعل آل فرعون (٢). وقال الضحاك: كصنيعهم (٣). وقال مجاهد وعطاء: كسنّتهم (٤). وقال يمان: كمثالهم، يعني: أن أهل بدر فعلوا كفعل آل فرعون من الكفر والتكذيب، ففعل الله بهم كما فعل بآل فرعون من الإهلاك والعذاب (٥). وقال الكسائي: كشأن آل فرعون جحدوا كما جحدتم، وكفروا كما كفرتم (٦). قال الأخفش والمؤرج وأبو عبيدة: كعادة آل فرعون (٧). ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ (فعاقبه الله) (٨) ﴿بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

стр. 6783

٥٣ - قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة، أطعمهم الله من جوع، وآمنهم من خوف، وبعث إليهم محمدًا ﷺ ، فغيّروا نعمة الله، وتغييرها كفرانها وترك شكرها (١). وقال السدّي: نعمة الله محمَّد ﷺ أنعم به على قريش فكفروا به وكذبوه، فنقله إلى الأنصار (٢). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ٥٤ - قوله- ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفار الأمم ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بعضًا بالرجفة، وبعضًا بالخسف، وبعضًا بالمسخ، وبعضًا بالحصب، وبعضا بالريح، وبعضًا بالماء، وكذلك أهلكنا كفار (مكة يوم) (٣) بدر بالسيف والقتل ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. ٥٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾) (٤). ٥٦ - قوله ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ [١٤٠٩] سمعت أبا القاسم بن حبيب (٥)، سمعت أبا بكر بن عبدوس (٦) يقول: (مِن) هاهنا صلة يريد الذين عاهدتهم (٧).

стр. 6784

[١٤١٠] وسمعته يقول: سمعت أبا سهل محمَّد بن محمَّد بن الأشعث (١) يقول: دَخَلَت (مِنْ) لأن المعنى: الذين أخذت منهم العهد (٢)، وقيل: عاهدت منهم. أي: معهم (٣). ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ وهم بنو قريظة، نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال النبي ﷺ وأصحابه، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم الثانية، فنقضوا العهد ومالؤوا الكفار على رسول الله ﷺ يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فوافقهم على مخالفة رسول الله ﷺ ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ لا يخافون الله في نقض العهد. ٥٧ - ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ ترينّهم وتجدنّهم ﴿فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: فنكّل بهم مَنْ وراءهم (٤).

стр. 6785

وقال قتادة: عظ بهم مَنْ سواهم من الناس (١). وقال سعيد بن جبير: أنذر بهم مَنْ خلفهم (٢). وقال ابن زيد: (أخِفْهم بما تصنع بهؤلاء) (٣). وقيل: فرَّق جمع كل ناقض بما يبلغ من هؤلاء (٤). وقال عطاء: أثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم من أهل مكة وأهل اليمن (٥). وقال (ابن كيسان) (٦): اقتلهم قتلا يهرب عنك مَن يراهم (٧). وقال القتيبي: سمِّع بهم (٨)، وأنشد (٩): أُطوّف في الأباطح كل يوم ... مخافة أن يُشرّد بي حكيمُ (١٠)

стр. 6786

وأصل التشريد: التطريد، والتفريق، والتبديد. (١) قرأ ابن مسعود ﵁ (فَشَرِّذْ) بالذال المعجمة وهما واحد (٢). وقال قطرب: التشريذ بالذال: التنكيل، وبالدال: التفريق (٣). ﴿مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: مَنْ ورائَهم. وقيل: مَنْ يأتي خلفهم (٤). وقرأ الأعمش: (مِنْ خَلْفِهم) بكسر الميم والفاء (٥) تقديره: فشرِّد بهم مِنْ خلفِهم من عمل بمثل عملهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يعتبرون فلا ينقضون العهد. ٥٨ - ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ تعلمنّ يا محمد ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾ معاهدين لك ﴿خِيَانَةً﴾ نَكْث عقدٍ، ونَقْض عهدٍ لما يظهر لك منهم من آثار الغدر والخيانة، كما ظهر لك من قريظة، والنضير ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ فاطرح إليهم عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ وهذا من فصيحات القرآن، ومعناه: فناجزهم (الحرب فأَخْبِرهم) (٦)، وأَعْلِمهم قبل حربك إياهم أنك فسخت العهد بينك

стр. 6787

وبينهم، حتى تصير أنت وهم على سواء من العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب أُهْبَتها، وتبرأ من الغدر. وقال الوليد بن مسلم: على سواء. أي: على مهل وذلك قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (١) (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾. ٥٩ - قوله- ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ قرأ أبو جعفر، وابن عامر (وحمزة وحفص) (٣) بالياء على معنى (لايحسبن الذين كفروا أنهم سبقوا) سابقين (٤) فائتين من عذابنا، وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب (٥) (إنهم) قرأ العامة بالكسر على الابتداء. وقرأ أهل الشام بالفتح (٦) [ويكون (لا) صلة، تقديره: ولا تحسبن الذين كفروا أن سبقوا أنّهم] (٧) ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾ أي: يفوتون.

стр. 6788

٦٠ - قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أي: من الآلات حتى تكون قوة لكم عليهم من الخيل والكراع والسلاح. [١٤١] أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس المزكي (١) سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، أخبرنا أبو العباس عبد الله بن يعقوب بن إسحاق (الكرماني (٢) سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، قال) (٣): أخبرنا عبد الله بن محمَّد بن زكريا بن بكر الكرماني (٤)، حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا أسامة بن زيد الليثي (٥)، عن صالح بن كيسان (٦)، عن رجل (٧)، عن عقبة بن عامر الجهني (٨) ﵁ أن النبي ﷺ قرأ على المنبر، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، فقال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي (ألا إن القوة الرمي) (٩) " (١٠).

стр. 6789

وروى ضَمْرَة بن ربيعة، عن رجاء بن أبي (١) سلمة قال: لقي رجل مجاهدًا بمكة ومع مجاهد جُوالِق (٢) فقال مجاهد: هذا من القوة، ومجاهد يتجهز للغزو (٣). وقال عكرمة القوة الحصون ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الإناث (٤) ﴿تُرْهِبُونَ﴾ تخوفون ﴿بِهِ﴾ قال ابن عباس ﵄: تخزون (٥). وقرأ يعقوب: (تُرهّبون) بتشديد الهاء (٦)، وهما لغتان: أرهبته ورهّبته.

стр. 6790

﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ قال مجاهد: هم (١) بنو قريظة (٢). (وقال السدّي: أهل فارس (٣). وقال ابن زيد: هم المنافقون لا تعلمونهم لأنهم معكم) (٤) يقولون: لا إله إلا الله، ويغزون معكم (٥). وقال بعضهم: كفار الجن (٦). وقال بعضهم: هم كل عدو للمسلمين غير الذين أمر النبي ﷺ أن يشردّ بهم (٧). ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ يدّخر ويوفّر لكم أجره ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. ٦١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ أي (٨): وإن مالوا إلى الصلح ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أي: فصل إليها وصالحهم. قالوا: وكانت هذه قبل براءة ثم (٩) نسخت بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١٠) وقوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

стр. 6791

بِاللَّهِ﴾ (١) الآية ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). ٦٢ - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يغدروا ويمكروا بك. وقال مجاهد: يعني قريظة (٣). ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كافيك الله. ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ قال السدّي: يعني الأنصار (٤). ٦٣ - ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وجمع بين قلوب الأوس والخزرج (٥) على دينه بعد حرب سمير (٦)، فصيرّهم جميعًا بعد أن كانوا أشتاتًا، وإخوانًا بعد أن كانوا أعداءً.

стр. 6792

﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. روى ابن عون عن عمير بن إسحاق قال: كنّا نتحدث أن أول مايرفع من الناس الألفة (١). ٦٤ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ الآية. [١٤١٢] أخبرنا ابن فنجويه (٢)، قال: حدثنا ابن حبش المقري (٣)، قال: حدثنا محمَّد بن أحمد بن عثمان (٤)، قال: حدثنا إبراهيم بن نصر (٥)، حدثنا الحِمَّاني (٦) حدثنا جرير (٧)، عن يعقوب (٨)، عن جعفر ابن أبي المغيرة (٩) عن سعيد بن جبير (١٠)، قال: أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلًا وستّ نسوة، ثم أسلم عمر ﵁ فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ﴾ (١١).

стр. 6793

﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ قال أكثر المفسرين: محل ﴿مِنَ﴾ خَفْض عطفًا على الكاف، في قوله ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾، ومعنى الآية: حسبك (١) الله (٢) وحسب مَنِ اتبعك مِن المؤمنين (٣). وقال بعضهم: هو رَفع عطفًا على اسم الله، تقديره: حسبك الله ومتّبعوك مِن المؤمنين (٤). ٦٥ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حُثّهم ﴿عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ رجلًا ﴿صَابِرُونَ﴾ محتسبون ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ من عدوّهم ويقهروهم ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ صابرة محتسبة تثبت عند لقاء العدو ﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ من أجل أن المشركين قوم يقاتلون

стр. 6794

على غير احتساب، ولا طلب ثواب، فهم لا يثبتون إذا صدقتموهم القتال خشية أن يُقتلوا، وصورة الآية خبر ومعناها أمر. وكان هذا يوم بدر فرض على الرجل من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين، فثقلت على المؤمنين وضجّوا، فخفّف الله عنهم، فنزل قوله: ٦٦ - ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (أي في الواحد عن قتال عشرة، والمائة عن قتال الألف، قرأ عاصم وحمزة وخلف ﴿ضَعْفًا﴾ بفتح الضاد، وقرأ الباقون بضمها، إلا أن أبا جعفر قرأ (ضُعَفَاء) بالمد من غير تنوين على جمع ضعيف (١) مثل شركاء) (٢). قوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ من الكفّار ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فَرَدَّ من عشرة إلى اثنين، فإذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يَفِرُّوا منهم (٣)، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم القتال، وجاز لهم أن ينحازوا (٤) عنهم.

стр. 6795

٦٧ - قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية روى الأعمش (١) عن عمرو بن مرة (٢) عن أبي عبيدة (٣) عن عبد الله ابن مسعود ﵁ (٤) قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، قال رسول الله ﷺ : ما تقولون في هؤلاء؟ فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم واستأنهم (٥)، لعلّ الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وقال عمر ﵁: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، قدّمهم فاضرب أعناقهم! ومكِّن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، ومكّني من فلان نسيب لعمر فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر، قال عبد الله بن رواحة ﵁: يا رسول الله انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارًا، فقال العباس: قَطَعَتْك رَحِمُك، فسكت عنهم (٦) رسول الله ﷺ (فلم يجبهم) (٧)، ثم قام فدخل. فقال ناس: يأخذ (٨) يقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ يقول
следующие страницы →