← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

وقال الحسن ﵀: بعث الله محمدًا ﷺ وأمره أن يدعو الناس إلى التوحيد والطاعة وفرض عليه الشرائع وأمره بقتال من قاتله من المشركين فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (١)، وكان لا يقاتل إلا من قاتله، وكان كافًّا عن أهل العهود الذين كانوا يعاهدونه الثلاثة والأربعة أشهر (٢) حتى ينظروا في أمرهم؛ فإما أن يسلموا وإما أن يُؤذَنوا بحرب (٣)، ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم وأجَّلهم أربعة أشهر على أن يسلموا وإما أن يؤذنوا بحرب (٤)، ولم يكن لأحد منهم أجل أكثر من أربعة أشهر؛ لا من كان له عهد قبل البراة ولا من لم يكن له عهد، فكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر وأحل دماء المشركين كلهم من أهل (٥) العهد وغيرهم بعد انقضاء الأجل (٦). قال عبد الرحمن بن زيد: نَقَضَ كُلّ عهدٍ كان أكثر من أربعة أشهر؛ فردّه إلى الأربعة (٧). وقال محمَّد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة؛ وذلك أن رسول الله ﷺ عاهد قريشًا عام الحديبية على أن يضعوا

стр. 6827

الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض فدخلت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ، ودخل بنو بكر في عهد قريش، وكان مع ذلك (١) عهود (٢) بين رسول الله ﷺ وبين قبائل من (٣) العرب خصائص، فعدت بنو بكر على خزاعة ونقضوا (٤)، فنالت منها ورفدتهم قريش بالسلاح، فلما تظاهر بنو بكر وقريش (على خزاعة) (٥) ونقضوا عهدهم، خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله ﷺ وقال: يا رب إني ناشدٌ محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا كنت لنا أبَّا وكنا ولدا ... ثُمّت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرًا عتدا (٦) ... وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجرّدا ... أبيض مثل الشمس ينمو صُعُدا

стр. 6828

إن سليم خسفًا وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشًا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك الموكدا وزعموا أن لست تدعوا أحدا ... وهم أذل وأقل عددا هم بيّتونا بالحطيم هجّدا ... وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله ﷺ : "لا نصرت إن لم أنصركم" وخرج وتجهز إلى مكة، وفتح الله مكة، وهي سنة ثمان من الهجرة (١). ثم لما خرج إلى غزاة تبوك وتخلّف من تخلف من المنافقين وأرجفوا الأراجيف، جعل المشركون ينقضون عهودهم، فأمره الله تعالى بإلقاء عهودهم إليهم ليأذنوا بالحرب، وذلك قوله : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٢) الآية. فلما كانت سنة تسع؛ أراد رسول الله ﷺ الحج، ثم قال: إنه ربما (٣) يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أُحِب أن أحج حتى لا

стр. 6829

يكون ذلك، فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ تلك السنة أميرًا على الموسم ليقيم للناس الحج، وبعث معه بأربعين آية (١) من صدر (براءة) ليقرأها على أهل الموسم، فلما ساء دعا رسول الله ﷺ عليًا ﵁ وقال: "اخرج بهذِه القصة من صدر (براءة) وأذِّن بذلك في الناس إذا اجتمعوا" فخرج علي ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء (٢) حتى أدرك أبا بكر ﵁ بذي الحليفة (٣)، فأخذها منه، فرجع أبو بكر ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنَزَل في شأني شيء؟ فقال: "لا, ولكن لا يُبلّغ عن غيري إلاّ (٤) رجل منّي، أما ترضى يا أبا بكر أنّك كنت معي في الغار، وأنك

стр. 6830

صاحبي على الحوض؟ " قال: بلى يا رسول الله (١) * * *

стр. 6831

قال جابر ﵁: كنت مع علي ﵁ حين أتبعه رسول الله ﷺ أَبا بكر ﵁، فلما كنا بالعرج (١) ثوّبَ بصلاة الصبح، فلما استوى أبو بكر ﵁ ليُكَبِّر، سمع الرغاء، فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله ﷺ العضباء (٢)، لقد بدا لرسول الله ﷺ في الحج! فإذا عليها عليّ ﵁، فقال أبو بكر ﵁: أمير أم مأمور؟ قال: بل أرسلني رسول الله ﷺ بـ (براءة) أقرأها على النَّاس. فسار معه (٣) أبو بكر ﵁ (أميرًا على الحج (٤) وعلى ﵁) (٥) ليؤذن بـ (براءة)، فقدما مكة فلما كان قبل التروية (٦) بيوم، قام أبو بكر ﵁، فخطب النَّاس وحدّثهم عن مناسكهم، وأقام للنَّاس الحج، والعرب إذ ذاك تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج، حتَّى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب ﵇، فأذّن في النَّاس بالذي أُمِرَ به (٧)، وقرأ عليهم سورة براءة (٨).

стр. 6832

قال الشعبي (١): حَدَّثني مُحرّر بن أبي هريرة (٢) عن أَبيه (٣) قال: كنت مع على ﵁ حين بعثه النَّبِيّ ﷺ ينادي، وكان إذا صَحلَ (٤) صوته ناديتُ. قلت: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع: "لا يطف (٥) بالكعبة عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته، ولا يدخل البيت (٦)

стр. 6833

إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا مشرك" (١). قالوا: فقال المشركون:

стр. 6834

نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلَّا من الطعن والضرب (١)، وطفقوا يقولون: اللهم إنَّا قد مُنِعْنا أن نَبَرَّك (٢). ثم لما كانت سنة عشر حج النَّبِيّ ﷺ حجّة الوداع، وقفل إلى المدينة، ومكث بقية ذي الحجّة والمحرم وصفرًا وليالي من شهر ربيع الأول، حتَّى لحق بالله . ٣ - قوله : ﴿وَأَذَانٌ﴾ عطف على قوله (براءة) (٣) "أي: إعلام، ومنه الأذان بالصلاة، يُقال: آذنته فأذن؛ أي: أعْلَمتُه فَعَلِم، وأصله من الأُذن؛ أي: أوقعته في أذنيه (٤).

стр. 6835

وقال عطية العوفي وسليمان بن موسى الشَّاميّ: الأذان القصص؛ فاتحة براءة إلى قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية، وذلك ثمان وعشرون آية (١). ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ واختلفوا فيه، فقال أبو جحيفة وعطاء وطاوس ومجاهد: هو يوم عرفة (٢). وهي رواية عكرمة عن ابن عباس ﵄ (٣). يدل عليه حديث أبي الصهباء (٤) البكري قال: سألت علي بن أبي

стр. 6836

طالب ﵁ عن يوم الحج الأكبر، فقال: إن رسول الله ﷺ بعث أَبا بكر بن أبي قُحافة ﵄ يقيم للنَّاس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتَّى أتى عرفة فخطب النَّاس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إليّ، فقال: قم يَا علي؛ فأدّ رسالة رسول الله ﷺ ! فقمت، فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صَدَرْنَا (١)، حتَّى أتينا مني، فرميت الجمرة ونحرت البدنة، ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضروا كلهم خطبة أبي بكر يوم عرفة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط (٢) أقرؤها عليهم، فمن ثمّ إخال حسبتم أنَّه يوم النحر؛ ألا وهو يوم عرفة (٣). وروى شهاب بن (٤) عباد العصري (٥)،

стр. 6837

عن أَبيه (١) قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: هذا يوم عرفة يوم الحج الأكبر، فلا يصومنّه أحد، قال: فحججت بعد أبي، فأتيت المدينة، فسألت عن أفضل أهلها، فقالوا: سعيد بن المسيّب، فأتيته، فقلت: إنِّي سألت عن أفضل أهل المدينة فقالوا: سعيد بن المسيّب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة فقال: أُخبرك عن من هو أفضل منّي مائة ضعف: عمر، أو ابن عمر ﵄ كان ينهى عن صومه ويقول: هو يوم الحج الأكبر (٢).

стр. 6838

وقال معقل بن داود (١): سمعت ابن الزُّبير ﵄ يقول: يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر، فلا يَصُمْه أحد (٢). وقال غالب بن عبيد الله: سألت عطاء عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم عرفة؛ فأفض منها قبل طلوع الفجر (٣). وقال قيس بن مخرمة ﵁: خطب رسول الله ﷺ عشية عرفة (٤)، ثم قال: أما بعد، وكان لا يخطب إلَّا قال: أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر (٥). وقال نافع بن جبير وقيس بن عباد (٦) وعبد الله بن شداد والشعبي والنخعي والسدّي وابن زيد: هو يوم النحر (٧).

стр. 6839

وهو إحدى (١) الروايتين عن علي ﵁. قال يحيى بن الجزار (٢): خرج عليٌّ يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبّانة (٣)، فجاءه رجل فأخذ بلجام دابّته وسأله عن الحج الأكبر، فقال: هو يومك هذا، خَلِّ سبيلها (٤). وقال عياش (٥) العامري: سُئل عبد الله بن أبي أوفى ﵁ عن يوم الحج الأكبر فقال: سبحان الله هو يوم النحر، يوم تهراق فيه الدماء، ويحلق فيه الشعر، ويحلّ فيه الحرام (٦).

стр. 6840

وروى الأَعمش (١) عن عبد الله بن سنان (٢) قال: خطبنا المغيرة بن شعبة (٣) ﵁ على ناقة له يوم الأضحى، فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر (٤). وروى شعبة (٥)، عن أبي بشر (٦) قال: اختصم علي بن عبد الله بن عباس (٧) ورجل من آل شيبة في يوم الحج الأكبر، فقال عليّ: هو يوم النحر، وقال الذي من آل شيبة: هو يوم عرفة، فأرسلوا إلى سعيد بن جبير (٨) فسألوه، فقال: هو يوم النحر، ألا ترى أن من فاته يوم عرفة لم

стр. 6841

يفته الحج، وإذا فاته يوم النحر فقد فاته الحج؟ ! (١). يدل عليه: [١٤١٨] ما أخبرنا عبد الله بن حامد (٢)، قال: أنا أبو بكر أَحْمد بن إسحاق الفقيه (٣)، أنا أَحْمد بن إبراهيم بن ملحان (٤)، قال: نا يحيى بن بكير (٥)، نا الليث (٦)، عن عقيل (٧)، عن الزُّهْرِيّ (٨)، عن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن (٩)، عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجّة في نفر بعثهم يوم النحر يؤذنوا (١٠) بمنى: لا يحج بعد العام

стр. 6842

مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف النَّبِيّ ﷺ عليًا ﵁ يأمره أن يؤذن بـ (براءة). قال أبو هريرة: فأذن معنا عليّ أهل مني يوم النحر بـ (براءة) (١). [١٤١٩] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٢)، قال: أنا أَحْمد بن محمَّد

стр. 6843

ابن الحسن (١)، قال: نا محمَّد بن يحيى (٢)، نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد (٣)، نا أبي (٤)، عن صالح (٥)، عن ابن شهاب (٦)، أن حميد بن عبد الرَّحْمَن (٧) أخبره، أن أَبا هريرة ﵁ أخبره، أن أَبا بكر ﵁ بعثه في الحجّة التي أمّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجّة الوداع في رهط يؤذنون في النَّاس: أن لا يحجّنّ بعد العام مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان، وكان حميد يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر من أَجل حديث أبي هريرة ﵁ (٨).

стр. 6844

وقال ابن عيينة (١)، عن ابن جريج (٢)، عن مجاهد (٣) قال: يوم الحج الأكبر حين الحج أيام مني كُلها، ومجامع المشركين حين كانوا بعكاظ (٤)

стр. 6845

وذي المجاز (١) ومجنّة (٢)، ويوم نادى فيه عليّ ﵇ بما نادى (٣). وكان سفيان الثَّوريّ يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها مثل يوم صفّين (٤)

стр. 6846

ويوم الجمل (١) ويوم بُعاث (٢)، يراد به الحين والزمان, لأن كل حرب من هذِه الحروب دامت أيامًا كثيرة (٣). واختلفوا أَيضًا في السبب الذي لأجله (٤) قيل لهذا اليوم يوم الحج الأكبر: فقال الحسن: سمّي الحج الأكبر من أَجل أنَّه اجتمع فيه المسلمون والمشركون (٥).

стр. 6847

وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل: يوم الحج الأكبر كان حجة الوداع اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين، ولم يجتمع قبله ولا بعده (١). وروى منصور وحماد عن مجاهد قال: كان يُقال الحج الأكبر القِران، والحج الأصغر إفراد الحج (٢).

стр. 6848

وقال الزُّهْرِيّ والشعبي وعطاء: الحج الأكبر الحج، والحج الأصغر العمرة، قيل لها الأصغر لنقصان عملها من عمل الحج (١). ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ وقرأ عيسى (إنّ الله) بالكسر (٢) على الابتداء؛ لأن الأذان قول (٣)، (وقرأ الباقون بالفتح) (٤). ﴿بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ قراءة العامة بالرفع (٥) على الابتداء،

стр. 6849

وخبره مضمر تقديره: ورسوله أَيضًا بريء (١)، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب (رسولَه) بالنصب (٢) ردًّا على اسم الله، ولم يقل: بريئان؛ لأنه يرجع (٣) إلى كل واحد منهما، كقول الشَّاعر (٤): (فمن يَكُ أمسى بالمدينة رحلُه) (٥) ... فإنِّي وقيّارًا بها لغريبُ وروي عن الحسن (ورسولِه) بالخفض على القسم (٦). وبلغني أن أعرابيًا سمع رجلًا يقرأ هذِه القراءة (٧) فقال: إن كان الله بريئًا من رسولِه فأنا منه بريء أَيضًا، وأخذ الرَّجل بتلابيبه وجَرّه إلى

стр. 6850

عمر بن الخطاب ﵁، فقصَّ الأعرابي قصته وقوله أَيضًا، فعند ذلك أمرَ عمرُ ﵇ بتعليم (١) العربية (٢). ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ رجعتم من كفركم وأخلصتم التوحيد (٣) ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الإيمان وأبيتم إلَّا الإقامة على الكفر (٤) ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ﴾ خَبرَّ (٥) ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

стр. 6851

٤ - ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ وهو استثناء من قوله ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى النَّاس إلَّا مِن عَهْد الذين عاهدتم ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ من عهدكم الذي عاهدتموه عليه ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾: ولم يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ من عدوّكم، لا بأنفسهم ولا بسلاح ولا بخيل ولا رجال ولا مال. وقرأ (١) عطاء بن يسار: (ثم لم ينقضوكم) -بالضاد المعجمة (٢) - من (نقض العهد، وقراءة العامة بالصاد لقوله ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾. فأوفوا لهم بعهدهم ﴿إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾: أجلهم الذي عاهدتموهم) (٣) عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. وهم بنو ضمرة (٤) وبنو كنانة (٥)، وكان بقي لهم من مدتهم تسعة

стр. 6852

أشهر فأمر بإتمامها لهم (١). ٥ - قوله : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾: انقضى ومضى وخرج، يُقال منه: سلخنا شهر كذا نسلخه سلخا وسلوخًا؛ بمعنى: خرجنا منه، قال الشَّاعر: إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلًا سلخي المشهور وإهلالي (٢) ومنه قيل: شاة مسلوخة للمنزوعة من جلدها، وحية سالخ إذا خرجت من جلدها (٣). ﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وهي أربعة، ثلاثة سرد، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد، وهو: رجب (٤).

стр. 6853

وقال مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب: هي شهور العهد (١). وقيل لها حُرُم؛ لأن الله تعالى حرّم على المُؤْمنين فيها دماء المشركين والتعرض لهم إلَّا على سبيل الخير. ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الحل والحرم ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ وأسروهم (٢). ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾: وامنعوهم دخول مكة والتصرف في بلاد الإِسلام ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: على كل طريق ومرقب، يقال: رصدت فلانًا أرصده رصدًا إذا رقبته (٣).

стр. 6854

وقال عامر بن الطفيل (١): ولقد علمت وما إخال سواه ... إن المنية للفتى بالمرصدِ ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ من الشِّرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ يقول: دعوهم فليتصرفوا في أمصارهم ويدخلوا مكة ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿غَفُوُرُ﴾ لمن تاب ﴿رَحِيمٌ﴾ به. واختلف العلماء في حكم هذِه الآية: فقال الحسين بن الفضل: نُسِخَت بهذِه الآية كلُّ آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء (٢). وقال الضحّاك: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٣) (٤).

стр. 6855

وقال قتادة: بل هي ناسخة لقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١). والصحيح أن حكم هذِه الآية (٢) ثابت وأنها غير منسوخة إحداهما بصاحبتها (٣)، لأن المن والقتل والفداء لم يزل من حكم رسول الله ﷺ فيهم من أول حرب حاربهم وهو يوم بدر، ويدل عليه قوله تعالى ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ والأخذ هو (٤) الأسر، والأسر إنما يكون للقتل أو الفداء أو المنّ، والدليل عليه أَيضًا حديث عطاء قال: أتي النَّبِيّ ﷺ بأسير يقال له: أبو أُمامة، وهو سيد اليمامة، فقال له النَّبِيّ

стр. 6856

- ﷺ : "يَا أَبا أُمامة أيها أحب إليك أُعتقك أم (١) أفاديك أم أقتلك أم تسلم؟ " فقال: إن تعتق تُعتِق عظيمًا، وإن تفاد تفاد عظيمًا، وإن تقتل تقتل عظيمًا، وأما أن أُسلم؛ فوالله لا أسلم أبدًا. قال: "فإنِّي أعتقك". فقال: إنِّي أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أنك رسول الله، وكانت ميرة (٢) مكة من قبل اليمامة فقال لأهل مكة: والله (٣) الذي لا إله إلَّا هو لا نأتيكم بميرة أبدًا ولا حبَّة من قبل اليمامة حتَّى تؤمنوا بالله ورسوله، فأضرّ بأهل مكة، فكتبوا إلى النَّبِيّ ﷺ وهم له حرب يشكون ذلك إليه، فكتب إلى أبي أُمامة (٤) ﵁: "لا تقطع عنهم ميرة كانت من قبلك" ففعل ذلك أبو أُمامة ﵁ (٥).

стр. 6857

٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ معناه: وإن استجارك أحد, لأن حروف الجزاء لا تلي غير الفعل (١)، كقول الشَّاعر (٢):

стр. 6858

عَاودْ هَواكَ وإنْ مَعهُودُها (١) حَزنَا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي وإن حزن معهودها. وقال آخر (٢): أتجزعُ إنْ نَفسٌ أتَاها حِمامُها ... فهلّا التي عن بَين جَنبيكَ تدْفعُ! ! ومعنى الآية: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم ﴿اسْتَجَارَكَ﴾؛ أي استعاذ بك واستأمنك (٣) بعد انسلاخ الأشهر الحُرُم؛ ليسمع كلام الله ﴿فَأَجِرْهُ﴾: فأعذه وأمِّنه ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فتقيم عليه حجّة الله وتبين له دين الله ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ فإن أسلم فقد نال عزّ الإِسلام وخير الدنيا والآخرة وصار رجلًا من المسلمين، وإن أبي أن يسلم فأبلغه مأمنه: دار قومه، فإن قاتلك بعد ذلك فقدرت عليه فاقتله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ دين الله وتوحيده.

стр. 6859

قال الحسن: وهذِه الآية محكمة إلى يوم القيامة وليست بمنسوخة (١). قال سعيد بن جبير: جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب ﵇ فقال: إن أراد الرَّجل منا أن يأتي محمدًا بعد انقضاء هذا الأجل فيسمع كلام الله أو يأتيه بحاجةٍ قُتل؟ ! فقال على ﵁: لا؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية (٢). ٧ - قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ على وجه التعجب ومعناه جحد؛ أي لا يكون لهم عهد (٣)، كما تقول في الكلام: هل أَنْتَ إلَّا واحد منا؟ ! أي: ما أنتَ؟ وكيف يُستبقى مثلك؟ ! أي: لا يستبقى، ومنه (٤):

стр. 6860

هل أَنْتَ إلَّا أصبع دميتِ ... وفي سبيل الله ما لقيتِ؟ ! ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ واختلفوا فيه: فقال ابن عباس ﵄: هم قريش (١). وقال قتادة وابن زيد: هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله ﷺ في الحديبية (٢).

стр. 6861

قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾؛ أي على عهدهم (١) ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ بالوفاء، فلم يستقيموا ونقضوا العهد وأعانوا بني بكر (٢) على خزاعة، فضرب لهم رسول الله ﷺ -بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم، إما أن يسلموا وإما أن يلحقوا بأيّ بلاد شاءوا، فأسلموا قبل الأربعة أشهر وقبل وقبل (٣) (٤).

стр. 6862

وقال السدي وابن إسحاق والكلبي: هم من (١) قبائل بكر: بنو جذيمة (٢) وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الدئل (٣)، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش وعقدهم يوم الحديبية، إلى المدة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين قريش، فلم يكن نقضها إلَّا قريش (٤) وبنو الدئل من بني بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض العهد (٥) من بني بكر إلى مدّته (٦).

стр. 6863

وهذا القول أقرب إلى الصواب (١)، لأن هذِه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة، فكيف يقول لشيء، وقد مضى ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾؟ ! وإنما هم الذين قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ كما نقصتكم قريش، ولم يظاهروا عليكم أحدًا كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ . ٨ - قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ مردود على الآية الأولى تقديره: كيف يكون لهؤلاء المشركين عهد؟ وقال الأخفش: كيف لا تقتلوهم (٢) وهم إن يظهروا عليكم يظفروا بكم فيغلبوكم؟ (٣). ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾ قال ابن عباس ﵄: لا يحفظوا. وقال الضحاك: لا ينتظروا. وقال قطرب: لا يراعوا ﴿فِيكُمْ إِلًّا﴾ قال ابن عباس والضَّحَاك: قرابة (٤).

стр. 6864

وقال يَمَان: رَحِمًا. دليله قول حسّان بن ثابت ﵁ (١): لعمرك إنَّ إلَّك من قريش ... كإلِّ السَّقْب من رَال النّعامِ وقول ابن مقبل (٢): أفسدَ النَّاس خُلُوفْ خَلَفُوا ... قطعوا الإلَّ وأعرَاق الرَّحِمْ

стр. 6865

وقال قتادة: الإلُّ: الحِلف (١)، دليله قول أوس بن حجر (٢): لولا بنو مالكٍ والإلّ مَرقَبةٌ ... ومالكٌ فيهُ الآلاء والشّرفُ (وقال السّدي وابن زيد: هو العهد (٣)، ولكنه كُرِّر لَمَّا اختلف اللفظان وإن كان معناهما واحدًا (٤)، (كقول الشَّاعر) (٥):
следующие страницы →