стр. 6861
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.
стр. 6862
وقال السدي وابن إسحاق والكلبي: هم من (١) قبائل بكر: بنو جذيمة (٢) وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الدئل (٣)، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش وعقدهم يوم الحديبية، إلى المدة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين قريش، فلم يكن نقضها إلَّا قريش (٤) وبنو الدئل من بني بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض العهد (٥) من بني بكر إلى مدّته (٦).
стр. 6863
وهذا القول أقرب إلى الصواب (١)، لأن هذِه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة، فكيف يقول لشيء، وقد مضى ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾؟ ! وإنما هم الذين قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ كما نقصتكم قريش، ولم يظاهروا عليكم أحدًا كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ .
٨ - قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾
مردود على الآية الأولى تقديره: كيف يكون لهؤلاء المشركين عهد؟ وقال الأخفش: كيف لا تقتلوهم (٢) وهم إن يظهروا عليكم يظفروا بكم فيغلبوكم؟ (٣).
﴿لَا يَرْقُبُوا﴾ قال ابن عباس ﵄: لا يحفظوا. وقال الضحاك: لا ينتظروا. وقال قطرب: لا يراعوا ﴿فِيكُمْ إِلًّا﴾ قال ابن عباس والضَّحَاك: قرابة (٤).
стр. 6864
стр. 6865
стр. 6866
стр. 6867
وكان عبيد بن عمير يقرأ: (جَبْرَئِلّ) -بالتشديد (١) -، يعني: عبد الله.
وفي الخبر أن ناسًا قدموا على أبي بكر ﵁ من قوم مسيلمة، فاستقرأهم أبو بكر ﵁ كتاب مسيلمة فقرأوا، فقال أبو بكر ﵁: إن هذا الكتاب (٢) لم يخرج من إلّ (٣).
والدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة: (لا يرقبوا (٤) في مؤمنٍ أيلًا) بالياء (٥)، يعني الله ، مثل جبريل وميكاييل.
стр. 6868
﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ عهدًا (١)، وجمعها ذمم، وقيل: تذممًا ممن لا عهد له (٢).
﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: يعطونكم ويرونكم بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم مثل قول المنافقين. ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ الإيمان ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ناكثون ناقضون كافرون.
٩ - قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾
وذلك أنَّهم كانوا نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ بأكلة أطعمهموها أبو سفيان بن حرب (٣).
وقال مجاهد: أطعم أبو سفيان حلفاءه وترك حلفاء محمَّد ﷺ (٤).
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فمنعوا النَّاس من الدخول في دينه (٥).
وقال عطاء: كان أبو سفيان يعطي الناقة والطعام ليصرف (٦) النَّاس
стр. 6869
بذلك عن متابعة النَّبِيّ ﷺ (١).
قال ابن عباس ﵄: وذلك أن أهل الطائف أمدّوهم بالأموال ليقوّوهم على حرب رسول الله ﷺ وعداوته لهم (٢).
﴿إِنَّهُمْ سَاءَ﴾: بئس ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
١٠ - قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾
يقول: لا تبقوا عليهم أيها المؤمنون كما لا يبقون عليكم لو ظهروا (٣) ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾: بنقض العهد.
١١ - قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾
من الشِّرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ قال الفرّاء: يعني: فهم إخوانكم (٤).
﴿فِي الدِّينِ﴾ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم ﴿وَنُفَصِّلُ﴾: ونبيّن ﴿الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن عباس ﵁: حرّمت هذِه الآية دماء أهل القبلة (٥).
стр. 6870
стр. 6871
١٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا﴾
نقضوا، يقال منه: نكث فلان قوى حبله إذا نقضها (١) ﴿أَيْمَانَهُمْ﴾: عهودهم ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾: عقدهم ﴿وَطَعَنُوا﴾: وقدحوا ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ فثلبوه وعابوه، وذلك أنَّهم قالوا: ليس دين محمَّد بشيء ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ قرأ أهل الكوفة (٢) وابن عامر ﴿أَئِمَّةَ﴾ بهمزتين (٣) على التحقيق؛ لأن أصلها أيمَّة مثل: مِثَال وأمثلة، وعِمَاد وأَعْمِدَة، ثم أُدغمت الميم التي هي عين أفعلة في الميم الثَّانية ونقلت حركتها إلى الهمزة الساكنة التي هي فاءُ الفعل فصارت: أئمة، وإنما كُتبت الهمزة الثَّانية ياءً لما فيها من الكسرة، وهي لغة تميم. وقرأ الباقون (أيمة) بتليين الهمزة الثَّانية طلبًا للخفّة (٤).
وأئمة الكفر رؤوس المشركين وقادتهم من أهل مكة (٥).
قال ابن عباس ﵄: نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وسائر
стр. 6872
стр. 6873
стр. 6874
وجهان: أحدهما: لا تصديق لهم (١)، يدل عليه تأويل عطية العوفي قال: لا دين لهم (٢).
والوجه الآخر: لا تؤمنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، فيكون مصدرًا من الأمان (٣) الذي هو ضد الإخافة (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٥) ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾؛ أي لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم (٦). وقيل: عن الكفر (٧).
стр. 6875
ثم قال حاضًّا للمسلمين على جهاد المشركين
١٣ - ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾
نقضوا عهودهم ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ محمَّد ﷺ من مكة ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾ بالقتال ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: يوم بدر (١) (٢).
وقال أكثر المفسرين: أراد بدؤوكم بقتال خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ (٣).
﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أتخافونهم فتتركون قتالهم ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ تخافوه في ترككم قتالهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 6876
١٤ - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾
يقتلهم الله ﴿بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ﴾: ويذلهم بالأسر والقهر (١) ﴿وَيَنْصُرْكُمْ﴾: ويظهركم ﴿عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ﴾: ويبرئ داء قلوب ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ بما كانوا ينالونه من الأذى والمكروه منهم.
وقال مجاهد والسدي: أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ (٢).
١٥ - ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾
كربها ووجدها بمعونة قريش بكرًا (٣) عليهم (٤)
стр. 6877
ثم قال مستأنفًا: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهديه للإسلام؛ كما فعل بأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو (١)، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقرأ الأعرج (٢) وعيسى وابن أبي إسحاق: (ويتوب) (٣) بالنصب على الصرف (٤).
١٦ - قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾
أظننتم، وإنما أدخل الميم؛ لأنه من الاستفهام المعترض في وسط الكلام، فأدخلت فيه (أم) (٥) ليفرّق بينه وبين الاستفهام المبتدأ (٦).
стр. 6878
واختلفوا في المخاطبين بهذِه الآية:
فروى الضحاك، عن ابن عباس ﵄ قال: يعني بها قومًا من المنافقين كانوا يتوسلون إلى رسول الله ﷺ بالخروج معه إلى الجهاد؛ دفاعًا وتعذيرًا والنفاق في قلوبهم (١).
وقال سائر المفسرين (٢): الخطاب للمؤمنين حين شقّ على بعضهم القتال وكرهوه فأنزل الله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾ فلا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من الكاذب والمطيع من العاصي.
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ ولم ير الله (٣)، والألف صلة (٤) ﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم (٥).
стр. 6879
وقال قتادة: وليجة: خيانة (١). وقال الضحاك: خديعة (٢). وقال ابن الأنباري: الوليجة: الدخيلة، والولجاء الدخلاء (٣).
وقال القتيبي: خليطًا وردءًا (٤). وقال عطاء: أولياء (٥). وقال الحسن: هي الكفر والنفاق (٦). وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة (٧).
стр. 6880
وأصله من الولوج، ومنه سمّي الكناس الذي يلج فيه الوحش تولجًا (١).
وقال العجاج:
متخذًا منها الكِنَاس تولجًا (٢)
فوليجة الرَّجل من يختصه بِدُخْلَةِ (٣) أمره دون النَّاس (٤)، يقال: هو وليجتي، وهم وليجتي؛ للواحد والجميع (٥).
وقال أَبان بن تغلب (٦):
فَبئسَ الوليجةُ للهاربين ... وللمعتدينَ وأهل الرِّيَبْ (٧)
стр. 6881
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قراءة العامة (١) بالتاء لقوله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾.
وروى الحسين الجعفي عن أبي عمرو بالياء، ومثله روي عن يعقوب أيضَّا (٢).
١٧ - قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾
قال ابن عباس ﵄: لما أُسِر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيّروه بكفره بالله وقطيعة (٣) الرحم، وأغلظ عليّ ﵁ له القول، فقال له العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟ قال له على ﵁: ألكم محاسن؟ ! فقال: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك المعاني! فأنزل الله تعالى ردًّا على العباس: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا﴾ (٤).
يقول (٥) ما ينبغي للمشركين أن يعمروا، قراءة العامة بفتح الياء
стр. 6882
وضم الميم من عَمَر يَعْمُر.
وقرأ ابن السَّميفع: (يُعمِروا) -بضم الياء وكسر الميم (١) -؛ أي يعينوا على العمارة ويجعلونه (٢) عامرًا.
ويريد أن المساجد إنما تُعمر لعبادة (٣) الله وحده، فمن كان بالله كافرًا فليس من شأنه أن يعمرها (٤).
وقال الحسن: يقول: ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام (٥).
واختلف القُرّاء في قوله: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ هو: فقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وحميد وابن كثير وأبو عمرو: (مسجد الله) بغير ألف (٦)، أرادوا المسجد الحرام.
واختاره أبو حاتم لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، وقرأ الباقون: (مساجد) بالألف على الجمع، واختاره أبو عبيد؛ لأنه أعم القراءتين (٧).
стр. 6883
قال الحسن: وإنما قال: ﴿مَسَاجِدَ﴾؛ لأنه قبلة المساجد كلها وإمامُها (١).
وذكر أبو حاتم أن عمران بن حدير (٢) قال لعكرمة: أتقرأ ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ وإنما هو مسجد واحد؟ فقال عكرمة: إن الصفا والمروة من مساجد (٣) الله (٤).
وقال الفراء: ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد، ألا ترى الرجل على البرذون يقول: أخذت في ركوب البراذين؟ ويقال للرجل: إنه لكثير الدرهم والدينار. وتقول العرب: (عليه أخلاق نعل وأسمال ثوب) (٥).
стр. 6884
قال الفراء: وأنشدني أبو الجراح العقيلي (١):
جَاء الشِّتاءُ وقَميصِي أخْلاقُ ... شَراذمٌ يَضْحكُ منَي النّواق (٢)
يعني: ابنه.
وقوله: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ أراد وهم شاهدون، فلما طرحت (وهم) نصبت (٣).
وقال الحسن: لم يقولوا: نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بكفرهم (٤).
وقال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يُسأل ما أنت (٥)؟ فيقول: نصراني، واليهودي فيقول: يهودي، والصابئ
стр. 6885
فيقول: صابئ، ويقال للمشرك ما دينك؟ فيقول: مشرك (١).
وقال جويبر (٢) عن الضحاك (٣)، عن ابن عباس ﵄: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم وإقرارهم أنها مخلوقة (٤).
وذلك أن كفار قريش نصبوا أصنامهم خارجًا من بيت الله الحرام عند القواعد، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف وعلينا ثياب قد أصبنا فيها المعاصي، وكانوا يُصفِّقون ويصفِّرون ويقولون:
إنْ تَغْفِر اللهمّ تَغْفِر جَمَّا ... وأيُّ عَبدٍ لَكَ لا أَلَمَّا
стр. 6886
وكلما طافوا شوطًا سجدوا لأصنامهم، ولم يزيدوا (١) بذلك من الله إلا بُعدًا (٢). فأنزل الله تعالى هذِه الآية: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.
وقال الكلبي (٣)، عن أبي صالح (٤)، عن ابن عباس ﵁: معناه شاهدين على رسولهم بالكفر؛ لأنه ليس من بطن إلا ولدته (٥).
١٨ - ثم قال: ﴿أَنْ يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾
قراءة العامة بالألف، وقرأ الجحدري: (مسجد الله) على الواحد (٦)؛ أراد المسجد الحرام: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى
стр. 6887
الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ﴾ وعسى من الله واجب (١) ﴿أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
روى (٢) أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ " (٣).
стр. 6888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 6889
١٩ - قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية.
[١٤٢٠] أنا عبد الله بن حامد بن محمد الوزان (١)، قال: أنا أحمد ابن محمد (٢) بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي (٣)، قال: نا أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني (٤) في سنة تسع وستين ومائتين، نا أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي (٥)، نا معاوية بن سلام (٦)، عن زيد بن سلّام (٧)، عن أبي سلّام (٨)، نا النعمان بن بشير ﵁ (٩) قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد أن أسقي الحاج (١٠). وقال الآخر: ما أبالي أن لا
стр. 6890
أعمل عملًا بعد أن أعمر المسجد الحرام (١). وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم.
فزجرهم عمر ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ -وهو يوم الجمعة، ولكنّي إذا صليت دخلت فاستفتيت رسول الله ﷺ فيما اختلفتم فيه ففعل، فأنزل الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
стр. 6891
وروى علي بن أبي طلحة (١)، عن ابن عباس قال: قال العباس بن عبد المطلب (٢): لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج. فأنزل الله تعالى (هذِه الآية) (٣)؛ يعني أن ذلك كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك (٤).
وروى عطية العوفي، عن ابن عباس قال: إن المشركين قالوا: عمارة بيت الله وقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفتخرون بالحرم، يستكبرون من أجل أنهم أهلُه وعُمّاره، فأنزل الله تعالى هذِه الآية، وأخبرهم أن عمارتهم المسجد الحرام، وقيامهم على السقاية، لا ينفعهم عند الله مع الشرك بالله، وأن الإيمان بالله
стр. 6892
والجهاد مع نبيّه خير مما هم عليه (١).
وقال الحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرظي: نزلت في علي بن أبي طالب والعباس (٢) بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة، وذلك أنهم أفتخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه ولو أشاء بتّ فيه!
وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بتُّ في المسجد! وقال علي ﵁: ما أدري ما تقولون، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٣).
وقال ابن سيرين ومرّة الهمداني: قال على ﵁ للعباس: ألا تهاجر؟ ألا تلحق بالنبي ﷺ ؟ فقال: ألستُ في أفضل من الهجرة،
стр. 6893
ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟ ! فنزلت هذِه الآية (١).
وقال مجاهد: لما أُمروا بالهجرة قال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة أخو (٢) بني عبد الدار: وأنا صاحب الكعبة فلا نهاجر. فأنزل الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ (٣).
والسقاية مصدر كالرعاية والحماية (٤). وقرأ الضحاك (سُقاية الحاج) بضم السين (٥)، وهي لغة.
стр. 6894
وفي معنى الآية وجهان: أن تجعل الكلام مختصرًا تقديره: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله، وجهاد من جاهد في سبيل الله، وهذا كما تقول: السخاء حاتم، والشعر زهير (١). قال الشاعر (٢):
لَعَمْرُكَ مَا الفِتْيانُ أنْ تَنْبتَ اللِّحَى ... ولكِنَّمَا الفِتيانُ كُلُّ فَتى نَدِي
والوجه الآخر: أن تجعل السقاية والعمارة بمعنى الساقي والعامر، تقديره: أجعلتم ساقي الحاج (٣) وعامر المسجد الحرام. كقوله ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤)، أي: للمتقين (٥). يدل على هذا التأويل
стр. 6895
قراءة عبد الله بن الزبير وأبي وجزة السعدي (أجعلتم سُقاة الحاج وعَمَرة المسجد الحرام) على جمع الساقي والعامر (١).
﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال الحسن: لما نزلت هذِه الآية؛ قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا. فقال رسول الله ﷺ : "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا" (٢).
قال الحسن: وكانت السقاية نبيذ زبيب.
стр. 6896
٢٠ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾
فضيلة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الذين افتخروا بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ الناجون من النار.
٢١ - قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)﴾
دائم.
٢٢ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾
٢٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية
قال مجاهد: هذِه الآية متصلة بما قبلها منزلة في قصة العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة (١).
وقال جويبر (٢)، عن الضحاك (٣)، عن ابن عباس ﵁ قال: لما أمر الله المؤمنين بالهجرة، وكان قبل فتح مكة من آمن ولم يهاجر لم يقبل الله إيمانه إلا بمجانبة الآباء والأقرباء إن (٤) كانوا كفارًا، فقال المسلمون: يا نبي الله! إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين نقطع آباءنا وعشائرنا (٥)
стр. 6897
وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا؛ فأنزل الله هذِه الآية (١).
وقال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس ﵁: (لما أمر الله تعالى رسوله ﷺ والمؤمنين بالهجرة إلى المدينة) (٤)، جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته وقرابته: إنا قد أمرنا بالهجرة إلى المدينة فأخرجوا معنا إليها، فمنهم من يعجبه ذلك ويسارع إليه، ومنهم من يأبى على صاحبه أن يهاجر معه، فيقول الرجل لهم: والله لئن ضمني (٥) وإياكم دار الهجرة لا أنفعكم بشيء أبدًا، ولا أعطيكم ولا أنفق عليكم، ومنهم من تتعلق به زوجته وولده وعياله، فيقولون له: ننشدك الله أن (لا تضيعنا) (٦)، فيرقّ فيجلس ويدع الهجرة، فانزل الله تعالى هذِه الآية (٧).
стр. 6898
قال مقاتل: نزلت في التسعة (١) الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين (٢) بمكة، فنهى الله تعالى عن ولايتهم (٣). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ بطانة وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام. قوله: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا﴾ اختاروا ﴿الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ فيطلعهم على عورة الإسلام وأهله، ويؤثر المكث معهم على الهجرة والجهاد ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ العاصون، والواضعون الولاية غير موضعها.
٢٤ - ثم قال: ﴿قُلْ﴾
يا محمد للمتخلفين عن الهجرة والجهاد ﴿إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ وقرأ أبو رجاء (وعشيراتكم) بالألف على
стр. 6899
الجمع، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم، واختلف فيه عن عاصم (١). ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ كسبتموها (٢).
وقال قتادة: أصبتموها (٣) ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ وهو ضد النفاق، وأصله البقاء (٤).
قال الشاعر (٥):
كَسدْنَ مِنْ الفَقْر في قَومِهنَّ ... وقدْ زادَهُنّ مَقامي كُسُودا
﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ فسكنتموها (٦).
стр. 6900
وقال السدي: يعني القصور والمنازل (١) ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ فانتظروا (٢) ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال عطاء: بقضائه (٣)، وقال مجاهد ومقاتل: يعني بفتح مكة (٤) ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ لا يرشد ولا يوفّق ﴿الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ الخارجين من طاعته إلى معصيته.