← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

٢٠ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ فضيلة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الذين افتخروا بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ الناجون من النار. ٢١ - قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)﴾ دائم. ٢٢ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ ٢٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية قال مجاهد: هذِه الآية متصلة بما قبلها منزلة في قصة العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة (١). وقال جويبر (٢)، عن الضحاك (٣)، عن ابن عباس ﵁ قال: لما أمر الله المؤمنين بالهجرة، وكان قبل فتح مكة من آمن ولم يهاجر لم يقبل الله إيمانه إلا بمجانبة الآباء والأقرباء إن (٤) كانوا كفارًا، فقال المسلمون: يا نبي الله! إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين نقطع آباءنا وعشائرنا (٥)

стр. 6897

وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا؛ فأنزل الله هذِه الآية (١). وقال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس ﵁: (لما أمر الله تعالى رسوله ﷺ والمؤمنين بالهجرة إلى المدينة) (٤)، جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته وقرابته: إنا قد أمرنا بالهجرة إلى المدينة فأخرجوا معنا إليها، فمنهم من يعجبه ذلك ويسارع إليه، ومنهم من يأبى على صاحبه أن يهاجر معه، فيقول الرجل لهم: والله لئن ضمني (٥) وإياكم دار الهجرة لا أنفعكم بشيء أبدًا، ولا أعطيكم ولا أنفق عليكم، ومنهم من تتعلق به زوجته وولده وعياله، فيقولون له: ننشدك الله أن (لا تضيعنا) (٦)، فيرقّ فيجلس ويدع الهجرة، فانزل الله تعالى هذِه الآية (٧).

стр. 6898

قال مقاتل: نزلت في التسعة (١) الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين (٢) بمكة، فنهى الله تعالى عن ولايتهم (٣). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ بطانة وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام. قوله: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا﴾ اختاروا ﴿الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ فيطلعهم على عورة الإسلام وأهله، ويؤثر المكث معهم على الهجرة والجهاد ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ العاصون، والواضعون الولاية غير موضعها. ٢٤ - ثم قال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد للمتخلفين عن الهجرة والجهاد ﴿إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ وقرأ أبو رجاء (وعشيراتكم) بالألف على

стр. 6899

الجمع، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم، واختلف فيه عن عاصم (١). ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ كسبتموها (٢). وقال قتادة: أصبتموها (٣) ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ وهو ضد النفاق، وأصله البقاء (٤). قال الشاعر (٥): كَسدْنَ مِنْ الفَقْر في قَومِهنَّ ... وقدْ زادَهُنّ مَقامي كُسُودا ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ فسكنتموها (٦).

стр. 6900

وقال السدي: يعني القصور والمنازل (١) ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ فانتظروا (٢) ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال عطاء: بقضائه (٣)، وقال مجاهد ومقاتل: يعني بفتح مكة (٤) ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ لا يرشد ولا يوفّق ﴿الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ الخارجين من طاعته إلى معصيته.

стр. 6901

٢٥ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيها المؤمنون ﴿فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾؛ أي مشاهد وأماكن حرب تستوطن (١) فيها أنفسكم على لقاء العدو (٢)، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ يعني في يوم حنين، وهو وادٍ بين مكة والطائف (٣). وقال عروة بن الزبير: هو وادٍ إلى جنب ذي المجاز (٤). وأجري (٥) لأنه اسم لمذكر، وقد يترك إجراؤه ويراد به اسم البلدة التي هو بها، ومنه قول الشاعر (٦):

стр. 6902

نَصَرُوا نَبيَّهَم وشَدُّوا أَزْرَهُ ... بحنين يومَ تَواكَلَ الأَبْطَالُ وكانت قصة حنين على ما ذكره المفسرون بروايات كثيرة (١) لفّقتها ونسّقتها لتكون أقرب إلى الأفهام وأحسن للنظام، أنّ رسول الله ﷺ أفتتح مكّة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان، ثم خرج متوجهًا إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر ألفا، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من الطلقاء (٢)؛ قاله قتادة (٣).

стр. 6903

وقال مقاتل: كانوا أحد عشر ألفًا وخمسمائة (١). وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف، وكانوا يومئذٍ أكثر ما كانوا قطّ (٢). وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف النصري، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو ابن عمير الثقفي، فلما التقى الجمعان قال رسول الله ﷺ : "لن نُغلب اليوم من قِلة" (٣). ويقال: بل قال ذلك رجل من المسلمين

стр. 6904

يقال له سلمة (١) بن سلامة (٢). فسار رسول الله ﷺ (٣) ووكلوا إلى كلمة الرجل. فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم المشركون وخلوا عن الذراري ثم نادوا: يا حماة السوء اذكروا الفضائح فتراجعوا وانكشف المسلمون.

стр. 6905

قال قتادة: وذكر لنا أن الطلقاء انجفلوا (١) يومئذٍ بالناس (٢). وسأل رجل البراء بن عازب ﵁ فقال: أفررتم يوم حنين؟ فقال: كانت هوازن رُماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ (٣). قال الكلبي: كان حول رسول الله ﷺ يومئذٍ ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس عنه (٤). وقال الآخرون: لم يبق يومئذٍ مع النبي ﷺ غير العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان (بن الحارث) (٥)، وأيمن ابن أم أيمن، وقتل يومئذٍ بين يدي رسول الله ﷺ (٦).

стр. 6906

فطفق رسول الله ﷺ يُركِّضُ بغلته نحو الكفار ولا يألوا، وكانت بغلة شهباء أهداها له فروة الجذامي. [١٤٢١] أنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أنا العبيدي (٢)، قال: أنا أحمد بن نجدة (٣)، قال: نا (٤) الحماني (٥)، نا شريك (٦)، عن أبي إسحاق (٧)، قال: قيل للبراء (٨) ﵁: أكان النبي ﷺ فيمن ولّى دبره يوم حنين؟ قال: لا والذي لا إله إلا هو ما ولّى رسول الله ﷺ دُبُره قط، لقد رأيته وأبو سفيان بن الحارث آخِذٌ بالرِّكاب، والعباس ﵁ آخِذٌ بلجامِ الدَّابة وهو يقول:

стр. 6907

"أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب" (١)

стр. 6908

قالوا: ثم قال رسول الله ﷺ للعباس ﵁: "نادِ؛ يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين" وكان العباس ﵁ رجلًا صيِّتًا (جهوري الصوت) (١)، فيروى من شدة صوت العباس أنه أُغير يومًا على مكة؛ فنادى: واصباحاه، فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها (٢) - قال: فجعل ينادي: يا عباد الله؛ يا أصحاب الشجرة (٣)، يا أصحاب سورة البقرة؛ فعطف المسلمون حين سمعوا صوته عطفة النمرة (٤) على أولادها، فقالوا: لبيك، لبيك، وجاءوا عنقًا واحدًا، فالتفت رسول الله ﷺ فإذا عصابة من الأنصار، فقال: "هل معكم غيركم؟ " فقالوا: يا رسول الله لو عمدت إلى بِرْك الغِمَاد (٥) من اليمن لكنّا

стр. 6909

معك، ثم أقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون وتنادت الأنصار: يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة علي بني الحارث بن الخزرج فتنادوا، فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال: "هذا حين حمي الوطيس" (١). ثم أخذ بيده كفًّا من حصى فرماهم بها وقال: "شاهت الوجوه" ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة". قال: فوالله ما زال أمرهم مدبرًا وحدُّهم كليلًا حتى هزمهم الله (٢).

стр. 6910

وقال يعلي بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منَّا أحد يومئذٍ إلا وامتلأت عيناه من ذلك التراب (١). وقال يزيد بن عامر وكان في المشركين يومئذٍ: فانصرفنا ما يلقى أحد منا أحدًا؛ وكأنّ أعيننا عميت (٢).

стр. 6911

فأنجز الله تعالى وعده، وأنزل نصره وجنده، فقهر المشركين ونصر المسلمين. قال سعيد بن جبير: أمدّ الله نبيّه ﷺ بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين (١). وقال الحسن: كانوا ثمانية آلاف (٢). وقال عطاء: كانوا ستة عشر ألفًا. وقال سعيد بن المسيب (٣): حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ لم يقفوا لنا حلب شاة، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله ﷺ ، فتلقّانا رجال بيض الثياب حسان

стр. 6912

الوجوه، قالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا، فكانت إيَّاها (١)؛ يعني الملائكة (٢). وفي الخبر أن رجلًا من بني نصر يقال له: شجرة (٣)، قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البُلق والرجال عليها (٤) ثياب بيض ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة، وما كان قتلُنا إلا بأيديهم. فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ فقال: تلك الملائكة (٥). قال الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان قال: أستدبرت رسول الله يوم حنين وأنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة، وكانا قد قُتِلا يوم أحد، فأطلع الله تعالى رسوله ﷺ على ما في نفسي، فالتفت إليَّ وضرب في صدري، وقال: "أعيذك بالله يا شيبة".

стр. 6913

فأرعدت (١) فرائصي، فنظرت إليه وهو أحبّ إليّ من سمعي وبصري، فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأن الله قد أطلعك على ما في نفسي (٢). فلما هزم الله المشركين وولّوا مُدبرين، انطلقوا حتى أتوا أوطاس (٣) وبها عيالهم وأموالهم فبعث رسول الله ﷺ إلى أوطاس رجلًا من الأشعريين يقال له أبو عامر، وأمّره على الناس فسار إليهم، فاقتتلوا بها، ثم إن الله تعالى هزمهم، وسَبَوا عيال المشركين، وهرب أميرهم مالك بن عوف النصري فأتى الطائف فتحصن بها،

стр. 6914

وأُخِذ ماله وأهله فيمن أُخذ، وقُتِل أمير المسلمين أبو عامر ﵁ (١). ثم إن رسول الله ﷺ أتى الطائف من فوره ذلك فحاصرهم بقية ذلك الشهر (٢)، فلما دخل ذو القعدة -وهو شهر حرام لا يحلّ فيه القتال- انصرف عنهم فأتى الجعرانة (٣) فأحرم منها بُعمرة، وقسم بها السبي والمال غنائم حنين وأوطاس، وتألّف أناسًا منهم (٤): أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فأعطاهم، وجعل يعطي الرجل منهم الخمسين والمائة من الإبل، فقالت الأنصار: أمِنَ الرجل وآثرَ قومه، ياللعجب! إن أسيافنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا تُرَدُّ عليهم، فبلغ رسول الله ﷺ وهو في قبّة (٥) من أدم (٦)، فجمعهم، فقال لهم: "يا معشر

стр. 6915

الأنصار! ما هذا الذي بلغني عنكم؟ " فقالوا: هو الذي بلغك -وكانوا لا يكذبون- فقال: "ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم أذّلة فأعزّكم الله بي، وكنتم وكنتم". فقال سعد بن عبادة: ائذن لي فأتكلّم، فقال: تكلّم، فقال: أما قولك كنتم ضلالًا فهداكم الله بي، فكنّا كذلك، وأما قولك كنتم أذلّة فأعزّكم الله بي (١) فقد علمت العرب أنه ما كان حيّ من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منّا. فقال عمر ﵁: يا سعد أتدري من تكلم؟ قال: يا عمر أكلّم رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار واديًا لسلكت وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت أمرءًا من الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي (٢)، فاقبلوا من مُحسِنهم وتجاوزوا عن مسيئهم". ثم قال: "يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالشاء والإبل وتنقلبوا برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟ " فقالت الأنصار: رضينا عن الله ورسوله، والله ما قلنا ذلك إلا ضِنّا (٣) بالله

стр. 6916

ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم". فلما قدم النبي ﷺ المدينة فقال: "أما إن خطيب الأنصار لو قال: كنتَ طريدًا فآويناك، وكنت خائفًا فأمّنّاك (١)، وكلنت مخذولًا فنصرناك، وكنتَ وكنتَ لكان قد صدق" فبَكتِ الأنصار، وقالوا (٢): بل الله ورسوله أعظم علينا منّا. قال قتادة: وذُكر لنا أن ظِئر (٣) النبي ﷺ التي أرضعته من بني سعد أتته يوم حنين فسألته سبايا حنين (٤)، فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أملكهم؛ إنما لي نصيبي منهم، ولكن ائتيني غدًا فسليني والناس عندي، فإني إذا أعطيتك نصيبي أعطاك الناس" فجاءت الغد فبسط لها ثوبه، فقعدت عليه، ثم سألته ذلك، فأعطاها نصيبه، فلما رأى الناس ذلك أعطوها أنصباءهم (٥). قال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا يومئذٍ ستة آلاف سبي (٦).

стр. 6917

قال أنس ﵁: وكان رسول الله ﷺ أمر مناديًا فنادى يوم أوطاس: "ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، ولا غير (١) الحبالى حتى يُستبرأن بحيضة" (٢).

стр. 6918

ثم إن ناسًا من هوازن أقبلوا مسلمين بعد ذلك فقالوا: يا رسول الله! أنت خير الناس وأبرُّ الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا! فقال النبي ﷺ : "إن عندي من ترون، وخير القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم"، فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا! فقام النبي ﷺ خطيبًا فقال: "إن هؤلاء قد (١) جاءوني مسلمين وإنّا خيّرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئًا، (فأما ما أصاب بنو هاشم فقد رددناه إليهم) (٢)، فمن كان بيده منهم شيء فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك، ومن لا فليُعطِنا، وليكن قرضًا علينا حتى نصيب شيئًا فنعطيه مكانه، (ومن لم يرد ففديته خمسون من الإبل) (٣) ". فلما رأى الناس أن رسول الله ﷺ قد ردّ قالوا: يا نبي الله قد رضينا وسلمنا، فقال: "إني لا أدري لعلّ منكم من لا يرضى فمُرُوا عرفاءَكم فليرفعوا ذلك إلينا".

стр. 6919

فرفعت (١) إليه العرفاء أن قد رضوا وسلّموا (٢). وردّوا جميعًا غير رجل واحد وهو صفوان بن أمية؛ لأنه وقع على امرأة أصابها فحملت (٣) منه، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾. ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ حتى قلتم: (لن نُغلب اليوم) (٤) من قلّة ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ كثرتكم ﴿شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي برَحبها وسَعتِها وهو ما المصدر ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ﴾ عن عدوكم ﴿مُدْبِرِينَ﴾ منهزمين. ٢٦ - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من بعد الهزيمة ﴿سَكِينَتَهُ﴾ يعني الأمنة والطمأنينة، وهي فعيلة من

стр. 6920

السكون (١). ﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾؛ يعني: الملائكة (٢). ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتل والأسر وسبي العيال وسلب الأموال (٣). ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. ٢٧ - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهديه إلى الإسلام، ولا يؤاخذه بما سلف منه ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لعباده المؤمنين ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم. ٢٨ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قال الضحّاك وأبو عبيدة (٤): قَذَرٌ (٥). وقال ابن الأنباري: خَبَث (٦).

стр. 6921

يقال: رجل نجس وامرأة نجس، ورجلان وامرأتان نَجس، ورجال ونساء نَجس، لا يثنى ولا يؤنث ولا يجمع؛ لأنه مصدر، فأما النِجْس -بكسر النون وجزم الجيم- فلا يقال إلا إذا قيل معه رِجس، فإذا أُفرِد قيل نَجِس -بفتح النون وكسر الجيم (١) - أو نَجُس -بضم الجيم- (٢). وقرأ ابن السميفع (إنما المشركون أنجاس) (٣)، كقولك أخباث على الجمع. واختلفوا في معنى النجس، والمعنى (٤) الذي من أجله سمّاهم بذلك: فروي عن ابن عباس ﵁ بإسنادٍ واهٍ: ما المشرك (٥) إلا رجس؛ خنزير أو كلب (٦).

стр. 6922

وهذا غير مرضي من القول لمعنيين: أحدهما: أنه روي عنه من وجه غير حميد فلا يصح عنه. والآخر: أن هذِه نجاسة الحكم لا نجاسة العين؛ لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير لما طهرهم الإسلام، ولا استوى في النهي عن دخول المشركين المسجد الحرام وغيره من المساجد. واحتجّ من قال أن أعيانهم نجسة بما روي أنّ عمر بن عبد العزيز كتب: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١). وبما روي عن الحسن أنه قال: لا تصافحوا المشركين، فمن صافحهم فليتوضأ (٢). وقال قتادة: سمّاهم نجسًا لأنهم يُجنبون ولا يغتسِلُون، ويُحدثون ولا يتوضؤن (٣).

стр. 6923

فَمُنِعوا من دخول المسجد لأن الجنب لا ينبغي له أن يدخل المسجد. وقال الحسين بن الفضل: هذِه نجاسة الحكم لا نجاسة العين، سُمّوا نجسًا على الذمّ. يدل عليه ما روي أن النبي ﷺ لقي حذيفة ﵁ فأخذ ﷺ بيده، فقال حذيفة: يا رسول الله! إني جنب، فقال: "إن المؤمن لا ينجس" (١). قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ قال أهل المعاني (٢): أراد بهذا منعهم من دخول الحرم؛ لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد

стр. 6924

قربوا المسجد الحرام (١). قال عطاء: الحرم كلّه قِبلة ومسجد، وتلا هذِه الآية (٢). قال جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ : "لا يدخل الحرم إلا أهلُ الجزية أو عبدٌ لرجلٍ من المسلمين، ونساؤهم حِلّ لكم" (٣).

стр. 6925

وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾؛ يعني العام الذي حجّ فيه أبو بكر ﵁ بالناس ونادى عليٌّ ﵁ ببراءة، وهي سنة تسع من الهجرة (١).

стр. 6926

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية. قال المفسرون: كان المشركون يجيئون إلى البيت بالطعام ويتجرون ويتبايعون، فلما منعوا من دخول الحرم شقّ ذلك على المسلمين، وألقى الشيطان في قلوبهم الحزن، وقال لهم: من أين تأكلون وتعيشون وقد نفي المشركون وانقطعت عنكم العير (١)، فقال المؤمنون: يا رسول الله؛ قد كنا نصيب من تجاراتهم وبياعاتهم والآن تنقطع عنا الأسواق وتهلك التجارة ويذهب ما كنا نصيب فيها (٢) من المرافق، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ (٣). وقال عمرو بن فائد: معناه: وإذ خفتم؛ لأن القوم كانوا قد خافوا، وذلك نحو قول القائل إن كنت أبي فأكرمني؛ بمعنى: إذ كنت (٤). عيلةً: فقرًا وفاقةً (٥)،

стр. 6927

يقال: عال يعيل عيلةً وعيولةً (١). قال الشاعر (٢): ولا يَدْري الفَقِيرُ مَتى غِنَاهُ ... ولا يدري الغَنّي مَتى يَعِيلُ وفي مصحف عبد الله ﵁ (وإن خفتم عائلة) (٣)، أي خصلة تعول عليكم؛ أي تشقّ. ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قال عكرمة: فأغناهم الله من فضله، وذلك أنه أنزل عليهم المطر مِدْرارًا، فكَثُر خيرُهم حين ذهب المشركون (٤).

стр. 6928

وقال مقاتل: أسلم أهل جُدة (١) وصنعاء (٢) وجُرَش (٣) من أهل اليمن، وحملوا الطعام إلى مكة على ظهور الإبل والدواب، وكفاهم الله ما كانوا يتخوفون (٤).

стр. 6929

وقال الكلبي: أخصبت تبالة (١) وجُرَش فكفاهم الله تعالى ما أهمّهم (٢). وقال الضحاك وقتادة: عوّضهم الله منها ما هو خير لهم وهو الجزية فأغناهم بها، وذلك قوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. قال مجاهد (٣): نزلت هذِه الآية حين أمر رسول الله ﷺ بحرب الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك (٤). وقال الكلبي: نزلت في بني قريظة والنضير من اليهود، فأراد رسول الله ﷺ قتالهم فصالحوه، فكانت أول جزية أصابها أهل

стр. 6930

الإسلام، وأول ذُلّ أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين (١). ٢٩ - قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أراد الدين الحق، فأضاف الاسم إلى الصفة (٢). وقال قتادة: الحق هو الله ، ودينه الإسلام (٣). وقال أبو عبيدة: معناه ولا يطيعون الله طاعة أهل الإسلام، وكل من أطاع ملكًا أو ذا سلطان فقد دان له دينًا (٤). قال زهير (٥): لَئِن حَللتَ بِوادٍ في بني أَسَدٍ ... في دينِ عَمروٍ وحالت بيننا فَدَكُ

стр. 6931

أي فِي طاعة عمرو. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى؛ تؤخذ منهم الجزية فإذا قبلوها لم يُقاتلوا، وتؤخذ الجزية أَيضًا من الصابئين (١) والسامرة (٢)، لأن سبيلهم فِي أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا، وتؤخذ الجزية أَيضًا من المجوس (٣)، لأنه قد قيل أنَّهم

стр. 6932

كانوا من أهل الكتاب فرُفِع كتابهم (١).

стр. 6933

[١٤٢٢] أخبرنا أبو محمَّد عبد الله بن حامد الوزان (١)، قال: أنا أَحْمد بن محمَّد بن الحسن (٢)، قال: نا محمَّد بن يحيى (٣)، قال: نا عثمان بن صالح (٤)، قال: نا ابن وهب (٥)، قال: أخبرني يونس (٦)، عن ابن شهاب (٧)، قال: حَدَّثني سعيد بن المسيّب (٨): أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (٩)، وأن عمر ﵁ أخذها من

стр. 6934

مجوس السواد (١)، وأن عثمان بن عفان ﵁ أخذها من بربر (٢) (٣).

стр. 6935

[١٤٢٣] أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أنا أَحْمد بن محمَّد بن الحسن (٢)، حدثنا محمَّد بن يحيى (٣) وأَحمد بن يوسف (٤)، قالا: نا أبو عاصم (٥)، عن جعفر بن محمَّد (٦)، عن أَبيه (٧) قال: قال
следующие страницы →