← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

أي فِي طاعة عمرو. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى؛ تؤخذ منهم الجزية فإذا قبلوها لم يُقاتلوا، وتؤخذ الجزية أَيضًا من الصابئين (١) والسامرة (٢)، لأن سبيلهم فِي أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا، وتؤخذ الجزية أَيضًا من المجوس (٣)، لأنه قد قيل أنَّهم

стр. 6932

كانوا من أهل الكتاب فرُفِع كتابهم (١).

стр. 6933

[١٤٢٢] أخبرنا أبو محمَّد عبد الله بن حامد الوزان (١)، قال: أنا أَحْمد بن محمَّد بن الحسن (٢)، قال: نا محمَّد بن يحيى (٣)، قال: نا عثمان بن صالح (٤)، قال: نا ابن وهب (٥)، قال: أخبرني يونس (٦)، عن ابن شهاب (٧)، قال: حَدَّثني سعيد بن المسيّب (٨): أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (٩)، وأن عمر ﵁ أخذها من

стр. 6934

مجوس السواد (١)، وأن عثمان بن عفان ﵁ أخذها من بربر (٢) (٣).

стр. 6935

[١٤٢٣] أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أنا أَحْمد بن محمَّد بن الحسن (٢)، حدثنا محمَّد بن يحيى (٣) وأَحمد بن يوسف (٤)، قالا: نا أبو عاصم (٥)، عن جعفر بن محمَّد (٦)، عن أَبيه (٧) قال: قال

стр. 6936

عمر بن الخطاب ﵁: لا أدري كيف أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب" (١).

стр. 6937

قال أبو عاصم: مشيت ميلًا، وهرولت ميلًا حتَّى سمعت من جعفر ابن محمَّد حديثًا؛ يعني هذا الحديث. وإنما منعنا من نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم؛ لأن أصل الفروج والأطعمة على الحظر، ولا يجوز الإقدام عليهما بالشكّ (١). قال الحسن: قاتل رسول الله ﷺ أهل هذِه الجزيرة (٢) من العرب على الإِسلام ولم يقبل منهم غيره؛ وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد آخر على هذِه الطُّغْمة فِي شأن أهل الكتاب ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، وما سواهما بدعة وضلالة (٣).

стр. 6938

ولا تؤخذ الجزية من أهل الأوثان (١). وقوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ وهي ما يعطي المعاهد على عهده (٢)، والجمع الجزى، وهي فِعلَة من جزى يجزي؛ إذا قضى ما عليه، والجزية مثل القِعدة والجِلْسة (٣). ومعنى الكلام حتَّى يُعطوا الخراج عن رقابهم الذي (٤) يبذلونه

стр. 6939

للمسلمين دفعًا عنهم (١). وأما قدرها فقال أنس ﵁: قسّم النَّبِيّ ﷺ على كل محتلم (٢) دينارًا (٣)، وقسّم عمر بن الخطاب ﵁ على الفقراء من أهل الذمّة اثني عشر درهمًا، وعلى الأوساط أربعة وعشرين درهمًا، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين درهمًا، ولم يجاوز به خمسين درهمًا (٤)، وليس شيئًا مؤقتًا ولكن على قدر الطاقة (٥).

стр. 6940

وقوله ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: بالنقد من (١) يده إِلَى يد من يدفع إليه، كما يقال: كلَّمته فمًا لفم (٢). وقال أبو عبيدة: يقال لكل من أعطى شيئًا كُرهًا من غير طيب نفس منه: أعطاه عن يد (٣). وقال القتيبي: يقال: أعطاه عن يد وعن ظهر يد؛ إذا أعطاه مبتدئًا غير مكافئ (٤). وقال ابن عباس ﵄ وأبو عبيد (٥): هو أنَّهم يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين، ولا يجيئون بها ركبانًا ولا يرسلون بها (٦). ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ذليلون مقهورون (٧). قال ابن عباس ﵄: يتلتلون بها تلتلةً (٨).

стр. 6941

وقال عكرمة (١): معنى الصغار هو أن تأخذها وأنت جالس وهو قائم (٢). وقال الكلبي: هو أنَّه إذا أعطى الجزية صُفِع فِي قفاه (٣) وقيل: إعطاؤه إياها هو الصغار (٤). وقيل: هو أنَّه لا تقبل فيها رسالة ولا وكالة (٥). وقيل: هو أن تجرى عليهم أحكام الإِسلام (٦).

стр. 6942

[١٤٢٤] أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: نا محمَّد بن جعفر (٢)، قال: نا علي بن حرب (٣)، قال: نا أسباط (٤)، قال: نا عبد العزيز بن سياه (٥)، عن حبيب بن أبي ثابت (٦)، قال: أتى ابن عباس ﵄ رجل فقال: الأرض من أرض الخراج يعجز عنها أهلها فأعْمُرُها وأزرَعُها وأؤدي؟ قال: لا، وجاءه آخر فقال له مثل ذلك، فقال: لا، وتلا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إِلَى قوله ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ يعمد أحدكم إِلَى الصغار فِي عنق أحدهم فينزعه فيجعله فِي عنقه (٧).

стр. 6943

وقال كليب بن وائل: قلت لابن عمر: اشتريت أرضًا، قال: الشري حسن، قلت: فإنِّي أعطي عن كل جريب أرضٍ درهمًا وقفيز طعام، قال: لا تجعل فِي عنقك صَغارًا (١). وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر ﵄ قال: ما يسّرني أن لي الأرض كلها بجزية خمسة دراهم؛ أقرُّ فيها (٢) بالصغار على نفسي (٣). * * *

стр. 6944

٣٠ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ الآية. روى سعيد بن جبير (١) وعكرمة (٢)، عن ابن عباس ﵄ قال: أتى رسول الله ﷺ سلّام بن مشكم والنعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف (٣) فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أنّ عزيرًا ابن الله؟ فأنزل الله تعالى فِي قولهم ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٤).

стр. 6945

وقرأ ابن محيصن وعاصم والكسائي ويعقوب (١) ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ بالتنوين، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقرأ الباقون بغير تنوين (٢). فمن نوّن قال: لأنه اسم خفيف فوجهه أن يصرف وإن كان أعجميًا مثل: نوح ولوط وهود، وقال أبو حاتم والمبرّد: الاختيار التنوين؛ لأنه ليس بصفة والكلام ناقص، وابن فِي موضع الخبر وليس بنعت، إنما يحذف التنوين (٣) فِي النعت إذا كان الاسم يستغني عن الابن، أو ينسب إِلَى اسم معروف أو لقب غَلَبَ عليه؛ مثل: محمَّد بن عبد الله، وهذا زيد بن عبد الله؛ لأن النعت والمنعوت كالشيء الواحد، فينوّن فِي الخبر ويحذف فِي الصفة. وربما أثبتوا التنوين فِي الصفة كقول الشَّاعر- أنشده الفراء- (٤): فإلّا يَكُن مَالٌ هناك فإنَّه ... سَيَأتِي ثَنَائي زيدًا ابن مُهَلل (٥)

стр. 6946

وأنشد الكسائي (١): جاريةً مِن قِس بن ثَعْلَبة ... كأنَّها حِلْيةُ سَيفٍ مُذْهَبَه وقال أبو عبيدٍ: هذا ليس بمنسوب إِلَى أَبيه إنما هو كقولك: زيد ابن الأمير وزيد ابن أخينا، فعزير مبتدأ وما بعده خبر له. ومن ترك التنوين فقال (٢) لأنه اسم أعجمي ويشبه اسمًا مصغّرًا (٣). وقال الفراء: لما كانت النُّون من عزير ساكنة وهي (٤) نون التنوين، والباء من الابن ساكنة، والتقى (٥) ساكنان حُذف الأول منهما استثقالًا

стр. 6947

لتحريكه؛ كما قال (١): لتحدثنّ بالأمير برّا وبالفتاة مدعسًا مكرا إذا غطيف السُّلمى فرّا فحذف النُّون للساكن الذي استقبلها (٢). وقال الزجاج: يجوز أن يكون الخبر محذوفًا تقديره: عزير ابن الله معبودنا (٣). قال عبيد بن عمير: إنما قال هذِه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء، وهو الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٤) (٥).

стр. 6948

وروى عطية العوفي، عن ابن عباس ﵄ قال قالت اليهود عزير ابن الله؛ وإنما قالوا ذلك من أَجل أن عزيرًا كان فِي أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم، فعملوا بها ما شاء الله أن يعملوا، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق، وكان التابوت فيهم، فلما رأى الله تعالى أنَّهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء؛ رفع عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم، وأرسل الله تعالى عليهم مرضًا؛ فاستطلقت بطونهم (١) حتَّى جعل الرَّجل يمسّ كبده (٢)، حتَّى نسوا التوراة ونسخت من صدورهم وفيهم عزير، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم. وكان عزير رجلًا (٣) من علمائهم، فدعا الله عزيرٌ وابتهل إليه؛ أن يرد إليه الذي نسخ من صدورهم (٤)، فبينا هو يصلي مبتهلًا إِلَى الله تعالى إذ (٥) نزل نور من السماء (٦)، فدخل جوفه، فعاد إليه

стр. 6949

الذي كان ذهب من جوفه من التوراة فأذّن فِي قومه فقال: يَا قوم؛ قد أتاني الله بالتوراة وردّها إليّ! فعلِق بهم (١) يعلمهم، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا وهو يعلمهم، ثم إن التابوت نزل بعد ذلك وبعد ذهابه منهم، فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي (٢) كان عزيرٌ يعلمهم فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أوتي عزيرٌ هذا إلَّا لأنه ابن الله (٣). وقال السدي وابن عباس فِي رواية عمار بن أبي عمار: إنما قالت اليهود هذا؛ لأن العمالقة (٤) ظهرت عليهم فقتلوهم، وأخذوا التوراة، وهرب علماؤهم الذين بقوا ودَفَنُوا كتب التوراة فِي الجبال وغيرها، ولحق عُزير بالجبال والوحش (٥)، وجعل يتعبد فِي رؤوس الجبال ولا يخالط النَّاس ولا ينزل إليهم إلَّا يوم عيد، وجعل يبكي ويقول: يَا رب؛ تركت بني إسرائيل بغير عالِم! فجعل يبكي حتّى سقطت

стр. 6950

أشفار (١) عينيه، فنزل مرًّة إِلَى العيد فلما رجع فإذا (٢) هو بامرأةٍ قد مَثَلَت له عند قبر من تلك القبور؛ تبكي وتقول؛ يَا مطعماه! يَا كاسياه! ، فقال لها (٣) عزير: يَا هذِه اتقي الله واصبري واحتسبي؛ أما علمت أن الموت سبيل النَّاس (٤)، وقال لها: ويحك من كان يطعمك ويكسوك قبل هذا الرَّجل -يعني: زوجها الذي كانت تندبه- (٥)، قالت: الله، قال: فإن الله تعالى حي لم يمت! قالت: يَا عزير؛ فمن كان يعلّم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله! قالت: فلم تبكي عليهم؛ وقد علمت أن الموت حق، وأن الله حي لا يموت؟ فلما عرف عزير. أنَّه قد خُصِم ولّى مدبرًا، فقالت له: يَا عزير إنِّي لست بامرأة ولكني الدنيا (٦)، أما أنَّه سينبع لك فِي مصلَّاك عينٌ وتنبت لك شجرة، فكُلْ من ثمرة تلك الشجرة، واشرب من ماء تلك العين، واغتسل وصلّ ركعتين، فإنَّه يأتيك شيخ (٧)، فما أعطاك فخذ منه، فلما أصبح نبعت من مُصَلَّاه عين

стр. 6951

ونبتت شجرة، ففعل ما أمرته به (١)، فجاءه شيخ فقال له: افتح فاك! ففتح فاه، فألقى فيه شيئًا كهيئة الجمرة العظيمة، مجتمعًا كهيئة القوارير ثلاث مرات، ثم قال له: ادخل هذِه العين فامشي فيها حتَّى تبلغ قومك، قال: فدخلها فجعل لا يرفع قدمه إلَّا زِيد فِي علمه، حتَّى انتهى إِلَى قومه (٢)، فرجع إليهم وهو من أعلم النَّاس بهم بالتوراة، فقال: يا بني إسرائيل قد جئتكم بالتوراة! فقالوا: يَا عزير؛ ما كنت كذابًا! فربط على كل إصبع له قلمًا، وكتب بأصابعه كلها، حتَّى كتب التوراة كلها (٣) عن ظهر قلبه، فأحيا لهم التوراة وأحيا لهم السنة، فلما رجع العلماء استخرجوا كتبهم التي دفنوها، فعارضوها بتوراة عزير، فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاه الله هذا إلَّا أنَّه (٤) ابنه (٥).

стр. 6952

وقال الكلبي: إنَّ (بختنصر) لما ظهر علي بني إسرائيل وهدم بيت المقدس وقتل منهم (١) من قرأ التوراة به، كان عزير إذ ذاك غلامًا صغيرًا، فاستصغروه ولم يقتلوه (٢)، ولم يُدرَ أنَّه يقرأ التوراة، فلما تُوفِّي مائة سنة رجعت (٣) بنو إسرائيل إِلَى بيت المقدس وليس منهم (٤) من يقرأ التوراة، وبعث الله تعالى عزيرًا ليجدّد لهم التوراة ويكون لهم آية، أتاهم عزير فقال: أنا عزير، فكذبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم عزيرًا؛ فأمل علينا التوراة نكتبها، فكتبها وقال: هذِه التوراة، ثم إن رجلًا قال: إن أبي حدّثني عن جدّي أن التوراة جعلت فِي خابية ثم دفنت فِي (كَرْم)، فانطلقوا معه حتَّى احتفروها وأخرج التوراة، فعارضوها بما كتب لهم عزير، فوجدوها لم يغادر منه (٥) حرفًا ولا آيةً، فعجبوا وقالوا: إن الله تعالى لم يقذف التوراة فِي قلب رجل واحدٍ منّا بعد ما ذهبت من قلوبنا إلَّا لأنه ابنه، فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله. وأما النصارى فكان شركهم أنَّهم كانوا على دين الإِسلام إحدى وثمانين سنة بعد ما رُفِع عيسى ﵇، يُصَلّون إِلَى القبلة ويصومون رمضان، حتَّى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان فِي اليهود

стр. 6953

رجل شجاع يقال له: بولس (١)؛ قتل جملة من أصحاب عيسى ﵇، ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى وكفرنا وجحدنا والنار مصيرنا؛ فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النَّار، وإني أحتال فأضلهم حتَّى يدخلوا النَّار (٢)، وكان له فرس يقال له (العُقاب) يقاتل عليها، فعرقب فرسه وأظهر الندامة ووضع على رأسه التُّراب، فقال (٣) له النصارى: من أَنْتَ؟ قال: بولس عدوّكم، فنوديت من السماء ليست لك توبة إلَّا أن تتنصّر، وقد تبت. فأدخلوه الكنيسة، ودخل بيتًا سنة لا يخرج منه ليلًا ولا نهارًا حتَّى تعلّم الإنجيل، ثم خرج وقال: نوديت أن الله قبل توبتك، فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إِلَى (بيت الله المقدس) (٤) واستخلف عليهم نسطور وعلّمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، ثم توجه إِلَى الروم وعلّمهم (اللاهوت والناسوت) وقال: لم يكن عيسى بإنس فُيؤنّس، ولا بجسم فيجسّم، ولكنه ابن الله، وعلّم رجلًا يقال له: يعقوب ذلك، ثم دعا رجلًا يقال له مَلْكَا، فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحداً واحدًا؛ وقال لكل واحد منهم: أَنْتَ خالصتي، ولقد رأيت عيسى فِي المنام ورضي عني، وقال لكل

стр. 6954

واحد منهم: إنِّي غدًا أذبح نفسي فادع إِلَى نحلتك، ثم دخل المذبح فذبح نفسه وقال: أنا أفعل ذلك لمرضاة عيسى، فلمّا كان يوم الثالث (١) دعا كل واحدٍ منهم النَّاس إِلَى نحلته، فتبع كل واحد طائفةٌ من النَّاس، واقتتلوا واختلفوا إِلَى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث (٢). ﴿ذَلِكَ﴾ يعني: قول النصارى بأن المسيح ابن الله ﴿قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يقولونه بألسنتهم من غير علم. قال أهل المعاني: إن الله تعالى لم يذكر قولًا مقرونًا بذكر الأفواه والألسن إلاّ وكان ذلك القول زورًا (٣)، كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٤) وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٥) وقوله:

стр. 6955

﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (١) (٢). ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ قال ابن عباس ﵄: يشبهون (٣)، وعنه أَيضًا: يحكون (٤). وقال مجاهد: يواطئون. وقال الحسن: يوافقون (٥). وقيل: يمالئون ويعاونون. وفيه لغتان: يضاهئون بالهمز، وهي قراءة عاصم (٦)، ويضاهون بغير همز، وهي قراءة العامة (٧)، يقال: ضاهيته وضاهأته بمعنى واحد (٨). ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ قال قتادة والسدي: ضاهت النصارى

стр. 6956

قول اليهودي من قبل، فقالت النصارى: المسيح ابن الله؛ كما قالت اليهود: عزير ابن الله (١). وقال مجاهد: يضاهون قول المشركين حين قالوا: اللات والعزى ومناة بنات الله (٢). وقال الحسن (٣): شبّه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة، وكذلك قال لمشركي العرب حين حكى عنهم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ ثم قال ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٤) (٥).

стр. 6957

وقال القتيبي: يريد أن من كان فِي عصر النَّبِيّ ﷺ من اليهود والنصارى يقولون ما قاله أوّلوهم (١). ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس ﵄: لعنهم الله، وكل شيء فِي القرآن قُتِل فهو لعن (٢). ومثله (٣) قول أَبان بن تغلب؛ وأنشد (٤): قَاتَلَهَا الله تَلْحَاني وَقَدْ عَلِمَتْ ... أَنِّي لِنَفسي إفْسَادي وإصْلَاحِي وقال ابن جريج: قاتلهم الله؛ أي: قتلهم الله بمعنى التعجب (٥).

стр. 6958

﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، أي: يكذبون ويصرفون عن الحقّ بعد قيام الدلالة عليه (١). ٣١ - قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾. قال الضحاك: والأحبار العلماء، واحدهم حَبْر وحِبْر -بكسر الحاء وفتحها؛ والكسر أجود (٢)، وكان يونس الجرمي يزعم أنَّه لم

стр. 6959

يسمع فيه إلَّا بكسر الحاء ويحتجّ بقول النَّاس: هذا مداد حِبر. يريدون مداد عالِم (١). والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد فِي دينهم، يقال: واهب ورُهبان مثل فارس وفُرْسان، وأصله من الرهبة وهي الخوف؛ كأنهم يخافون الله (٢). ﴿أَرْبَابًا﴾ سادةً ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يطيعونهم فِي معاصي الله. [١٤٢٥] أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمَّد الوزان (٣)، قال: أنا أَحْمد بن جعفر بن محمَّد بن عبيد الله المنادي (٤)، قال: نا أبو الفضل أَحْمد بن ملاعب بن حيان المخرّمي (٥)، قال: نا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي (٦)،

стр. 6960

نا عبد السلام بن حرب الملاّئي (١)، نا عَفيف (٢) بن أعين من أهل الجزيرة، عن مصعب بن سعد (٣)، عن عدي بن حاتم ﵁ (٤) قال: أتيت رسول الله ﷺ وفي عُنُقي صليب من ذهب، فقال لي: "يَا عدي؛ اطرح هذا الوثن من عُنُقك"، قال: فطرحته، ثم انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة (براءة)، قرأ هذا الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه﴾ " حتَّى فرغ منها، فقلت له: إنَّا لسنا نعبدهم، فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتستحلونه (٥)؟ " فقلت: بلى؛ قال: "فتلك عبادتهم" (٦).

стр. 6961

[١٤٢٦] وأخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أنا أَحْمد (٢) بن محمَّد (٣)، نا نصر بن محمَّد بن الحارث (٤)، نا هنّاد بن السري (٥)،

стр. 6962

نا أبو الأحوص (١)، عن عطاء (٢)، عن أبي البختري (٣) فِي قول الله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه﴾ قال: "أما إنهم لم يُصلّوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية" (٤). وقال الرَّبيع: قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية فِي بني إسرائيل؟ قال: كانت الربوبية أنَّهم وجدوا فِي كتاب الله ما أُمِروا به

стр. 6963

وما نُهُوا عنه؛ فقالوا: لن يسبق أحبارنا بشيء منه (١)، فما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم (٢). وقال أهل المعاني: معناه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب؛ حيث أطاعوهم فِي كل شيء، كقوله ﴿قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ (٣)، أي كالنار (٤). قال عبد الله بن المبارك: وَهَل بَدَّلَ الدِّيْنَ إلَّا المُلُوك ... وأَحْبَارُ سُوء وَرُهْبَانُها قوله تعالى: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ﴾ نزّه نفسه ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ القراءة بالياء، وقرأ ابن أبي إسحاق بالتاء (٥).

стр. 6964

٣٢ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: يبطلوا دين الله بألسنتهم بتكذيبهم إياه (١) وإعراضهم عنه (٢). وقال الكلبي: أي يردون القرآن بألسنتهم تكذيبًا له (٣). وقال ابن عباس ﵁: يريد اليهود والنصارى أن يلزموا (٤) توحيد الرحمن المخلوقين الذين لا يليق بهم الربوبية. وقال الضحاك: يريدون أن يَهلِك مُحَمَّدٌ وأصحابه ولا يعبد الله بالإِسلام (٥). ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾؛ أن يعلن (٦) دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به رسوله (٧) ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وإنما دخلت إلَّا

стр. 6965

لأن فِي أبيت طرفًا من الجحد، ألا ترى أنّ قولك أبيت أن أفعل كقولك لم أفعل (١)، ولما فيه من الحذف تقديره: ويأبى الله كل شيء إلَّا أن يتمّ نُورَه (٢). كما قال الشاعر (٣): وهَلْ لي أُمٌّ غَيرُها إنْ تَرَكْتُها ... أَبَى الله إلَّا أَنْ أَكُونَ له ابنمَا (٤) * * *

стр. 6966

٣٣ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي﴾ يعني الذي يأبى إلَّا إتمام دينه ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدًا ﷺ ﴿بِالْهُدَى﴾ قال ابن عباس: بالقرآن (١)، وقيل: ببيان فرائضه على خلقه (٢) ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ وهو الإِسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه (٣) وينصره ويظفره ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على سائر الملل كلها ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ واختلف العلماء فِي معنى هذِه الآية. فقال ابن عباس ﵁: الهاء عائدة إِلَى الرسول ﷺ -يعني: ليعلمه شرائع الدين كلها، فيظهره عليها حتَّى لا يخفى عليه منها شيء (٤). وقال آخرون: الهاء راجعة إِلَى تمام (٥) دين الحق (٦).

стр. 6967

وقال أبو هريرة والضَّحَاك: ذلك عند خروج عيسى بن مريم ﵉؛ إذا خرج اتبعه أهل كل دين، وتصير الملل كلها واحدة، فلا يبقى أهل دين إلَّا دخل فِي الإِسلام أو (١) أدى الجزية إِلَى المسلمين (٢). وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي ولا يبقى أحد إلَّا دخل فِي المسلمين أو (٣) أدى الخراج (٤). وقال الكلبي: لا يبقى دين إلَّا ظهر عليه الإِسلام، وسيكون ذلك ولم يكن بعد، ولا تقوم الساعة حتَّى يكون ذلك (٥). قال المقداد بن الأسود ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا (٦) يبقى على ظهر الأرض بيت وبرٍ ولا مدر إلَّا أدخله الله كلمة

стр. 6968

الإِسلام، إما بِعِزّ عزيز، وإما بذلّ ذليل، إما يعزّهم يجعلهم من أهله فيعزوا به، وإما يذلهم فيدينون له" (١). [١٤٢٧] أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمَّد بن الحسن بن حبيب الكجي (٢) (قال: حدثنا أبو جعفر محمَّد بن سليمان بن منصور (٣)، حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي (٤) قال) (٥) نَّا أبو عاصم

стр. 6969

النَّبِيل (١)، نا عبد الحميد -هو ابن جعفر (٢) -، عن سويد أو الأسود بن العلاء (٣)، عن أبي سلمة (٤)، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يذهب الليل والنهار حتَّى تُعبد اللات والعزى" قالت: قلت: يَا رسول الله؛ ما كنت أظن أن يكون ذلك بعد ما أنزل الله تعالى على رسوله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ قال: "يكون ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة؛ فيقبض من كان فِي قلبه مثقال ذرةٍ من خير، ثم يبقى من لا خير فيه، ويرجع النَّاس إِلَى دين آبائهم" (٥).

стр. 6970

وقال الحسين بن الفضل: معناه ليظهره على الأديان كلها بالحجج الواضحة والبراهين اللائحة، فتكون حُجة هذا الدين أقوى (١). وقال أَيضًا: قد فعل الله ذلك، ونجزت هذِه العِدة لقوله (٢) تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٣) الآية. وقال بعضهم: هو أن يظهر الإِسلام فِي كل موضع؛ بأن لا يجري على أهله صغار أيّ موضع كانوا، فلا تؤخذ منهم جزية كما تؤخذ من أهل الذمّة. وقيل معناه: ليظهره على الأديان التي حول النَّبِيّ ﷺ ويقاتلونه على الدين، فيظهره على دينهم ويغلبهم فِي ذلك المكان (٤). وقيل: هو جريان حكمنا (٥) عليهم والله أعلم. * * *
следующие страницы →