← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

٣٣ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي﴾ يعني الذي يأبى إلَّا إتمام دينه ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدًا ﷺ ﴿بِالْهُدَى﴾ قال ابن عباس: بالقرآن (١)، وقيل: ببيان فرائضه على خلقه (٢) ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ وهو الإِسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه (٣) وينصره ويظفره ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على سائر الملل كلها ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ واختلف العلماء فِي معنى هذِه الآية. فقال ابن عباس ﵁: الهاء عائدة إِلَى الرسول ﷺ -يعني: ليعلمه شرائع الدين كلها، فيظهره عليها حتَّى لا يخفى عليه منها شيء (٤). وقال آخرون: الهاء راجعة إِلَى تمام (٥) دين الحق (٦).

стр. 6967

وقال أبو هريرة والضَّحَاك: ذلك عند خروج عيسى بن مريم ﵉؛ إذا خرج اتبعه أهل كل دين، وتصير الملل كلها واحدة، فلا يبقى أهل دين إلَّا دخل فِي الإِسلام أو (١) أدى الجزية إِلَى المسلمين (٢). وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي ولا يبقى أحد إلَّا دخل فِي المسلمين أو (٣) أدى الخراج (٤). وقال الكلبي: لا يبقى دين إلَّا ظهر عليه الإِسلام، وسيكون ذلك ولم يكن بعد، ولا تقوم الساعة حتَّى يكون ذلك (٥). قال المقداد بن الأسود ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا (٦) يبقى على ظهر الأرض بيت وبرٍ ولا مدر إلَّا أدخله الله كلمة

стр. 6968

الإِسلام، إما بِعِزّ عزيز، وإما بذلّ ذليل، إما يعزّهم يجعلهم من أهله فيعزوا به، وإما يذلهم فيدينون له" (١). [١٤٢٧] أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمَّد بن الحسن بن حبيب الكجي (٢) (قال: حدثنا أبو جعفر محمَّد بن سليمان بن منصور (٣)، حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي (٤) قال) (٥) نَّا أبو عاصم

стр. 6969

النَّبِيل (١)، نا عبد الحميد -هو ابن جعفر (٢) -، عن سويد أو الأسود بن العلاء (٣)، عن أبي سلمة (٤)، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يذهب الليل والنهار حتَّى تُعبد اللات والعزى" قالت: قلت: يَا رسول الله؛ ما كنت أظن أن يكون ذلك بعد ما أنزل الله تعالى على رسوله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ قال: "يكون ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة؛ فيقبض من كان فِي قلبه مثقال ذرةٍ من خير، ثم يبقى من لا خير فيه، ويرجع النَّاس إِلَى دين آبائهم" (٥).

стр. 6970

وقال الحسين بن الفضل: معناه ليظهره على الأديان كلها بالحجج الواضحة والبراهين اللائحة، فتكون حُجة هذا الدين أقوى (١). وقال أَيضًا: قد فعل الله ذلك، ونجزت هذِه العِدة لقوله (٢) تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٣) الآية. وقال بعضهم: هو أن يظهر الإِسلام فِي كل موضع؛ بأن لا يجري على أهله صغار أيّ موضع كانوا، فلا تؤخذ منهم جزية كما تؤخذ من أهل الذمّة. وقيل معناه: ليظهره على الأديان التي حول النَّبِيّ ﷺ ويقاتلونه على الدين، فيظهره على دينهم ويغلبهم فِي ذلك المكان (٤). وقيل: هو جريان حكمنا (٥) عليهم والله أعلم. * * *

стр. 6971

٣٤ - وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ [يعني العلماء والقراء من أهل الكتاب] (١) ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يقول يأخذون الرشى فِي أحكامهم، ويحرفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتبًا يقولون هذِه من عند الله ويأخذون بها ثمنًا قليلًا من سفلتهم (٢)، وهي المآكل التي كانوا يصيبونها منهم على تكذيبهم محمدًا ﷺ ، ولو آمنوا به لذهبت عنهم تلك المآكل (٣). ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ ويصرفون النَّاس ويمنعونهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ يعني: ويأكلها أَيضًا بالباطل الذين يكنزون الذهب والفضة (٤). [١٤٢٨] سمعت أَبا القاسم الحسن (٥) بن محمَّد بن جعفر السدوسي (٦)، يقول: سمعت أَبا الحسين المظفر بن محمَّد بن غالب الهمذاني (٧)، يقول: سمعت إبراهيم بن محمَّد بن عرفة الأَزدِيّ نفطويه (٨) يقول: سُمّي ذهبًا لأنه يذهب ولا يبقى، وسميت فضَّة

стр. 6972

لأنها تنفضَّ؛ أي تتفرّق فلا تبقى، وحسبك بالاسمين دلالة على فنائهما، وأنه لا بقاء لهما (١). اختلف العلماء فِي معنى الكنز: [١٤٢٩] فأخبرنا (٢) عبد الله بن حامد بن محمَّد (٣)، أنا أَحْمد بن محمَّد بن إبراهيم (٤)، نا محمَّد بن نصر (٥)، نا إسحاق (٦)، أنا المعتمر (٧)، عن عبيد الله (٨) عن نافع (٩)، عن ابن عمر ﵄ قال:

стр. 6973

كل مال أُدِّي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض (١).

стр. 6974

ومثله قال ابن عباس (١) والضَّحَاك والسدّي (٢). [١٤٣٠] ويدل عليه ما أخبرنا (٣) عبد الله بن حامد (٤)، أنا (٥) أَحْمد ابن محمَّد بن إبراهيم (٦)، نا محمَّد بن نصر (٧)، نا أبو قدامة (٨) نا مُحَمَّد بن بكر (٩)،

стр. 6975

أنا ابن جريج (١)، قال: أخبرني أبو الزُّبير (٢)، أنَّه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شرّه وليس بكنز (٣).

стр. 6976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6977

[١٤٣١] يدل عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد (١) الوزان، أنا أَحْمد ابن محمَّد بن يحيى البزَّاز (٢)، نا أبو الأَزْهَر (٣)، نا عبد الرزاق (٤)، قال: أخبرني الثَّوريّ (٥)، عن منصور (٦)، عن عمرو بن مرة (٧)، عن سالم بن أبي الجعد (٨) قال: لما نزلت هذِه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال النَّبِيّ ﷺ : "تبًا للذهب، تبًا للفضة! " يقولها ثلاثًا، فشق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال المهاجرون: أي المال نتخذ؟ قال عمر ﵁: فإنِّي أسأل النَّبِيّ ﷺ عن ذلك، قال فأدركته فقلت: يَا رسول الله؛ إن المهاجرين قالوا: أيّ المال نتخذ؟ فقال رسول الله ﷺ : "لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجة مؤمنة؛ تعين أحدكم على دِينه" (٩).

стр. 6978

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6979

[١٤٣٢] وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (١)، أنا مكّيّ بن عبدان (٢)، أنا محمَّد بن يحيى (٣)، نا محمَّد بن عبيد (٤)، نا الأَعمش (٥)، عن المعرور بن سويد (٦)، عن أبي ذر ﵁ (٧) قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو فِي ظل الكعبة، فلما رآني قد أقبلت قال: "هم الأخسرون (٨) ورب الكعبة، هم الأخسرون (٩) ورب الكعبة"، قال: فدخلني غمّ وجعلت أتنفس، قال: قلتُ: هذا شيء حدث فيَّ؟ قال: "لا" (١٠)، قلت: من هم فداك أبي وأمي؟ قال: "الأكثرون، إلَّا من قال بالمال في عباد الله هكذا وهكذا، عن يمينه

стр. 6980

وعن شماله ومن خلفه، وقليل ما هم" (١). [١٤٣٣] وأخبرنا (٢) شعيب بن محمَّد بن شعيب البيهقي (٣)، أنا مكّيّ بن عبدان التَّمِيمِيّ (٤)، أنا أَحْمد بن الأَزْهَر (٥)، نا روح بن عبادة (٦)، عن سعيد (٧)،

стр. 6981

عن قتادة (١) قال: ذُكر لنا أن أبا ذر (٢) وأبا هريرة ﵁ كانا يقولان: كل صفراء وبيضاء أوكى عليها صاحبها فهي كنز حتى يُفرِّغها (٣). [١٤٣٤] وبإسناده عن روح (٤)، عن مرزوق بن عبد الله أبو عبد الله الشامي (٥)، عن شريح (٦) -رجل من أهل الشام لقيه بواسط- عن أبي ذر ﵁ (٧) قال: من ترك بيضاء أو حمراء كوي بها يوم القيامة (٨).

стр. 6982

[١٤٣٥] وبه عن روح (١)، عن حماد (٢)، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي (٣)، عن أبي الضيف (٤)، عن أبي هريرة ﵁ قال: من ترك عشرة آلاف درهم جُعلت صفائح يعذب بها صاحبها يوم القيامة قبل القضاء (٥). [١٤٣٦] وبإسناده عن روح (٦)، عن شعبة (٧)، عن سماك بن حرب (٨)، قال: سمعت ملحان بن ثروان (٩) قال: سمعت عمار بن

стр. 6983

ياسر (١) يقول: إن أهل المائدة سألوا المائدة فلما نزلت كفروا بها، وإن قوم صالح ﵇ سألوا الناقة؛ فلما أعطوها كفروا بها، وإنكم قد نهيتم عن كنز الذهب والفضة فستكنزونها. فقال رجل: نكنزها؟ ! وكأنه عجيب من قوله، قال: نعم، ويقتل عليه بعضكم بعضًا. وقال شعبة: كان نصل سيف أبي هريرة ﵁ من فضة، فنهاه عنه أبو ذر ﵁ وقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها" (٢).

стр. 6984

وروى قتادة (١)، عن شهر بن حوشب (٢)، عن أبي أمامة صُديّ بن عجلان ﵁ (٣) قال: مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار، فقال النبي ﷺ : "كيّة" ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال النبي ﷺ : "كيّتان" (٤).

стр. 6985

وأولى الأقاويل بالصواب القول الأول؛ لأن الوعيد وارد في منع الزكاة لا في جمع المال الحلال. يدل عليه قوله ﷺ : "من أدى زكاة ماله فقد أدى الحق الذي عليه، ومن زاد فهو خير له" (١).

стр. 6986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6987

وقوله ﷺ : "نعِمَّا (١) المال الصالح للرجل الصالح" (٢). وقول ابن عمر ﵄ وقد سئل عن هذِه الآية فقال: من كنزها فلم يؤدّ زكاتها فويل له، ثم قال: ما أبالي لو كان لي مثل أحدٍ ذهبًا أعلم عدده أزكيه، وأعمل بطاعة الله (٣).

стр. 6988

وأصل الكنز في كلام العرب: كل شيء مجموع بعضه إلى بعض على ظهر الأرض كان أو في بطنها (١). يدل على ذلك قول الشاعر (٢):

стр. 6989

لا دَرَّ دَرِّي إنْ أَطْعَمْتُ نَازلَهُم ... قَرْف الحيي وعِنْدِي البرُّ مَكْنُوز أراد مجموعًا بعضه إلى بعض. وكذلك تقول العرب للشيء المجتمع: مكتنزًا، لانضمام بعضه إلى بعض. وقرأ يحيى بن يعمر يكنُزون بضم النون (١)، وقراءة العامة بالكسر وهما لغتان، مثل (يعكُفون ويعكِفون) و (يعرِشون ويعرُشون). ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: ولا ينفقونهما. اختلف النحاة فيه: فقال قطرب: أراد الزكاة أو الكنوز أو أعيان الذهب والفضة. وقال الفراء: استغنى بالخبر عن أحدهما في عائد الذِّكر عن الآخر لدلالة الكلام على أن الخبر عن الآخر مثل الخبر عنه (٢)، وذلك

стр. 6990

موجود في كلام العرب وأشعارها، قال الشاعر (١): نحنُ بما عِندَنا وأنتَ بمَا ... عِندَكَ راض والرَّأي مختلفُ ولم يقل راضون (٢).

стр. 6991

وقال آخر (١): رَمَاني بأمْر كُنتُ مِنهُ ووالِدِي ... بَريئًا ومِن أَجل الطّويّ رَمَاني ولم يقل بريئين. وقال آخر (٢): إنَّ شَرخَ الشَّباب والشَّعَر الأسود ... مَا لم يُعاضَ كان جُنونا ولم يقل يعاضيا. وقال ابن الأنباري: قصد الأغلب والأعم؛ لأن الفضة أعم من

стр. 6992

الذهب، مثل قوله ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ (١) ردّ الكناية (٢) إلى الصلاة لأنها أعمَ، وقوله ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٣) ردّ الكناية إلى التجارة لأنها أهمّ وأفضل (٤). ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ فأخبرهم وأنذرهم ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ٣٥ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ أي: تُدخل النار فيوقد عليها؛ يعني الكنوز ومنه يقال: أحميتُ الحديدة في النار (٥) ﴿فَتُكْوَى﴾ فتحرق ﴿جِبَاهُهُمْ﴾ جباه كانزيها ﴿وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ قال عبد الله بن مسعود ﵁: والذي لا إله غيره ما من رجل يكون بكنز فيوضع دينار على دينار، ولا درهم على درهم، ولكن يُوسَّع جلده، فيوضع كل دينار ودرهم على جسده (٦).

стр. 6993

سُئِل أبو بكر الوراق: لِمَ خصّ الجباه والجنوب والظهور بالكيّ؟ قال: لأن الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير انقبض، وإذا ضمّه وإياه مجلس ازورّ عنه وولى ظهره عليه (١). وقال محمَّد بن علي الترمذي: ذلك لأنه يبذخ ويشمخ مسألة، ويقع على كنزه بجنبيه فيتساند إليه. قال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة فبينا (٢) أنا في حلقةٍ فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخشن الثياب حسن الوجه (٣)، فقام عليهم،

стр. 6994

فقال: بشّر الكانزين برَضْفٍ (١) يحمى عليها في نار جهنم فيوضع على حَلمة ثدي أحدهم حتى تخرج من نُغْضِ كتفه (٢)، وتوضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمه ثدييه، ويزلزل (٣)، (ويكوى الجباه والجنوب والظهور حتى يلتقي الحرُّ في أجوافهم) (٤)، قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا (٥)، قال: فأدبر، فاتبعته، حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم! فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا (٦)، قال: فإذا هو أبو ذرّ ﵁.

стр. 6995

﴿هَذَا﴾؛ أي يقال لهم هذا ﴿مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١) (٢) ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) (٣)، أي: تجحدون حقوق الله في أموالكم وتمنعونها. واختلف العلماء في حكم هذِه الآية، وفيمن نزلت فيهم: [١٤٣٧] فأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمَّد (٤)، أنا أحمد بن محمد بن الحسن (٥)، نا محمد بن يحيى (٦)، نا أحمد بن شبيب بن سعيد الحبطي (٧)، نا أبي (٨)، عن يونس (٩)،

стр. 6996

عن ابن شهاب (١)، عن خالد بن أسلم (٢)، عن ابن عمر ﵄ وسئل عن قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فقال ابن عمر: إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله طهرًا للأموال (٣). [١٤٣٨] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٤)، أنا أحمد بن محمَّد بن إبراهيم (٥)، نا محمَّد (٦) بن نصر (٧)، نا الحجاج بن يوسف (٨)

стр. 6997

ومحمد بن يحيى (١)، قالا: نا يحيى بن يعلق بن الحارث المحاربي (٢)، نا أبي (٣)، نا غيلان بن جامع المحاربي (٤)، عن عثمان بن (٥) اليقظان (٦)، عن جعفر بن إياس (٧)، عن مجاهد (٨)، عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذِه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، كبر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحدٌ منا يدع لولده مالًا يبقى بعده! قال عمر ﵁: أنا أفرج عنكم، فانطلقوا، وانطلق عمر ﵁ واتبعه

стр. 6998

ثوبان، فأتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، إنه قد كبر على أصحابك هذِه الآية، فقال: "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث في أموال تبقى بعدكم، ثم قال: ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء: المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته" (١).

стр. 6999

وقال بعض الصحابة: هي في أهل الكتاب خاصة (١). وقال السدي: هي في أهل القبلة (٢). وقال الضحاك: هي عامّة في أهل الكتاب وفي المسلمين (٣)، من كسب مالًا حلالًا فلم يعط من حق الله تعالى كان كنزًا وإن قلّ وكان على وجه الأرض، وما أعطي حق الله منه لم يكن كنزًا وإن كان كثيرًا ودفنه في الأرض. [١٤٣٩] أخبرنا عبد الله بن حامد (٤)، أخبرنا أحمد بن محمَّد بن إبراهيم (٥)، نا محمَّد بن نصر (٦)،

стр. 7000

نا عمرو بن زرارة (١)، أنا هشيم (٢)، أنا حصين (٣)، عن زيد بن وهب (٤)، قال: مررت بالرّبذة (٥) فإذا أنا بأبي ذرّ ﵁، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذِه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه كلام في ذلك، فكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إليّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر الناس عليّ حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان ﵁، فقال لي: إن شئت تنحّيتَ فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّروا عليّ حبشيًا لسمعت وأطعت (٦).

стр. 7001

وقال بعضهم: نزلت في مانعي الزكاة خاصة (١). وهو أولى الأقاويل بالصحة، يدل عليه: [١٤٤٠] ما أخبرنا أبو محمَّد عبد الله بن حامد الأصفهاني (٢)، قال: أنا أبو يحيى أحمد بن محمَّد بن إبراهيم السمرقندي (٣)، نا محمَّد بن نصر المروزي (٤)، نا محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب (٥)، نا عبد العزيز بن المختار (٦)،

стр. 7002

حدثنا سهيل (١)، عن أبيه (٢)، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مضى صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا سمي عليها (٣) في نار حهنم, فتجعل صفائح بها فيكوى بها جبينه وجنباه؛ حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين أنس سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار, وما من صاحب إبلٍ لا يؤدي زكاتها, إلا بطح (٤) لها بقاعٍ قرقر (٥) أوفر ما كانت (٦)، تسير (٧) عليه، كلما مضى عليه آخراها رُدّت عليه أَولاها, حتى يحكم الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار, وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقرٍ كأوفر ما كانت، فتطؤه

стр. 7003

بأظلافها (١) وتنطحه بقرونها, وليس (٢) فيها عقصاء (٣) ولا جلحاء (٤)، كلما مضى عليه أخراها رُدّت عليه أولاها حتى يحكم الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". قال سهيل: فلا أدري أذكر البقر أم لا؟ (٥) وروى ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: "من ترك بعده كنزًا، مثّل

стр. 7004

له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يتبعه، يقول: ويلك! ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يُلقِمَه يده فيقضقضها (١)، ثم يُلقمه سائر جسده" (٢).

стр. 7005

٣٦ - قوله : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُور﴾ يعني عدد شهور "السنة ﴿عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ قراءة العامة بفتح العين والشين، وقراءة أبي جعفر ﴿اثنا عشْر﴾ بجزم العين (١). وقرأ طلحة بن سليمان بسكون الشين (٢) ﴿شَهْرًا﴾ نصب على التمييز. وهي المحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، وشهر رمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. فأما المحرم؛ فسمي بذلك لتحريم القتال فيه، وسمّي صفرًا؛ لأن مكة تصفر من الناس فيه؛ أي: تخلو، وقيل: وقع فيه وجاء فاصفرّت وجوههم، وقال أبو عبيدة: سمي صفرًا لأنه صفرت فيه رِطَابُهُم من اللبن، وشهرا ربيع سمّيا بذلك لإنبات الأرض وإمراعها فيهما، وقيل: لارتباع القوم؛ أي إقامتهم، وجماديان سمّيا بذلك لجمود المياه فيهما (٣)، وسمي رجبًا؛ لأنهم كانوا يرجبونه؛ أي يعظمونه، يقال: رجَبْتُه ورجَّبتُهُ -بالتخفيف والتشديد-؛ إذا (٤) عظمته، قال الكميت:
следующие страницы →