← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

وقال بعضهم: نزلت في مانعي الزكاة خاصة (١). وهو أولى الأقاويل بالصحة، يدل عليه: [١٤٤٠] ما أخبرنا أبو محمَّد عبد الله بن حامد الأصفهاني (٢)، قال: أنا أبو يحيى أحمد بن محمَّد بن إبراهيم السمرقندي (٣)، نا محمَّد بن نصر المروزي (٤)، نا محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب (٥)، نا عبد العزيز بن المختار (٦)،

стр. 7002

حدثنا سهيل (١)، عن أبيه (٢)، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مضى صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا سمي عليها (٣) في نار حهنم, فتجعل صفائح بها فيكوى بها جبينه وجنباه؛ حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين أنس سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار, وما من صاحب إبلٍ لا يؤدي زكاتها, إلا بطح (٤) لها بقاعٍ قرقر (٥) أوفر ما كانت (٦)، تسير (٧) عليه، كلما مضى عليه آخراها رُدّت عليه أَولاها, حتى يحكم الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار, وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقرٍ كأوفر ما كانت، فتطؤه

стр. 7003

بأظلافها (١) وتنطحه بقرونها, وليس (٢) فيها عقصاء (٣) ولا جلحاء (٤)، كلما مضى عليه أخراها رُدّت عليه أولاها حتى يحكم الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". قال سهيل: فلا أدري أذكر البقر أم لا؟ (٥) وروى ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: "من ترك بعده كنزًا، مثّل

стр. 7004

له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يتبعه، يقول: ويلك! ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يُلقِمَه يده فيقضقضها (١)، ثم يُلقمه سائر جسده" (٢).

стр. 7005

٣٦ - قوله : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُور﴾ يعني عدد شهور "السنة ﴿عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ قراءة العامة بفتح العين والشين، وقراءة أبي جعفر ﴿اثنا عشْر﴾ بجزم العين (١). وقرأ طلحة بن سليمان بسكون الشين (٢) ﴿شَهْرًا﴾ نصب على التمييز. وهي المحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، وشهر رمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. فأما المحرم؛ فسمي بذلك لتحريم القتال فيه، وسمّي صفرًا؛ لأن مكة تصفر من الناس فيه؛ أي: تخلو، وقيل: وقع فيه وجاء فاصفرّت وجوههم، وقال أبو عبيدة: سمي صفرًا لأنه صفرت فيه رِطَابُهُم من اللبن، وشهرا ربيع سمّيا بذلك لإنبات الأرض وإمراعها فيهما، وقيل: لارتباع القوم؛ أي إقامتهم، وجماديان سمّيا بذلك لجمود المياه فيهما (٣)، وسمي رجبًا؛ لأنهم كانوا يرجبونه؛ أي يعظمونه، يقال: رجَبْتُه ورجَّبتُهُ -بالتخفيف والتشديد-؛ إذا (٤) عظمته، قال الكميت:

стр. 7006

ولا غَيرُهُم أَبغِي لِنَفْسيَ جُنَّةً ... ولا غيرُهم ممّن أُجلُّ وأرجُبُ وقيل: سمي بذلك لترك القتال فيه، من قول العرب: رجلٌ أرجب إذا كان أقطع لا يمكنه العمل. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن (١) في الجنة نهرًا يقال له: رجب، ماؤه أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل، من صام يومًا من رجب شرب منه" (٢). وقال ابن عمر (٣): سمّي شعبان لتشعب القبائل فيه، وروى زياد بن ميمون أن النبي ﷺ قال: "سمّي شعبان لأنه يتشعب فيه خير كثير

стр. 7007

لرمضان" (١). وقد مضى القول في رمضان، وسمي شوالًا لِشَولانِ النوق للقاح بأذنابها فيه، وقال أبو زيد (٢) البلخي: سمي بذلك لأن القبائل كانت تشول فيه، أي تبرح (٣) عن أمكنتها، ويسمى ذا القعدة لقعودهم فيه عن القتال، وذا الحجة لقضاء حجهم فيه، والله أعلم (٤). وقال بعض البلغاء: إذا رأت العرب السادات قد تركوا العادات وحرموا الغارات قالوا: محرّم، وإذا ضَعُفت أركانهم ومرضت أبدانهم واصفَرَّت ألوانهم قالوا: هذا صفر، وإذا ازهرت البساتين وظهرت الرياحين قالوا: ربيعان، وإذا قلّ النماء (٥) وجمد الماء

стр. 7008

قالوا: جُماديان، وإذا هاجت الرياح (١) وجرت الأنهار وترجبت الأشجار: قالوا رجب، وإذا بانت الفضائل (٢) وتشعبت القبائل قالوا: شعبان، وإذا حمي الفضا وطفئ جمر الغضا قالوا: رمضان، وإذا تكّشفت السحاب وكثرت الذئاب (٣) وشالت النوق الأذناب قالوا: شوال، وإذا قعد التجار عن الأسفار قالوا: ذو القعدة، وإذا قصدوا الحجّ من كلّ فجّ وأظهروا العج والثجّ قالوا: ذو الحجة (٤). ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وقيل: في قضائه الذي قضى ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ من المشهور ﴿أَرْبَعَةٌ﴾ أي: أربعة أشهر ﴿حُرُمٌ﴾ كانت العرب تعظمها وتحرم القتال فيها، حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه أو أخيه لم يَهِجهُ، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، واحدٌ فرد وثلاثةٌ سرد (٥)

стр. 7009

(أي متتابعة) (١). ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: الحساب (٢) المستقيم (٣) ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي في الأشهر الحرم (٤) بالعمل بمعصية الله وترك طاعته (٥).

стр. 7010

وقال ابن عباس: باستحلال القتل والغارة فيهنّ (١). وقال محمَّد بن إسحاق بن يسار: لا تجعلوا حلالها حرامًا ولا حرامها حلالًا كما فعل أهل الشرك وهو النسيء (٢). قال قتادة: إن العمل الصالح والأجر أعظم في الأشهر الحرم، والذنب والظلم فيهنّ أعظم من الظلم فيما سواهن، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا, ولكن الله يعظم من أمره ما شاء ويصطفي من خلقه صفايا (٣). ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ جميعًا، عامًّة، مؤتلفين غير مختلفين ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ وهي نصب على الحال (٤) ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم (٥):

стр. 7011

فقال قوم: إنه منسوخ (١)، قال قتادة وعطاء الخراساني: كان القتال كبيرًا في الأشهر الحرام ثم نسخ وأُحِل القت فيه بقوله ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ يقول فيهن وفي غيرهن (٢). وقال الزهريّ: كان رسول الله ﷺ يحرم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله من تحريم ذلك حتى نزلت براءة فأحل قتال المشركين (٣).

стр. 7012

وقال أبو إسحاق (١): سألت سفيان الثوري عن القتال في الشهر الحرام فقال: هذا منسوخ؛ وقد مضى، ولا بأس بالقتال فيه وفي غيره (٢). قالوا: ولأن النبي ﷺ غزا هوازن بحنين، وثقيفًا بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة، فدل على أنه منسوخ (٣). وقال الآخرون: هو (٤) غير منسوخ (٥).

стр. 7013

قال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي رباح ما يحل للناس أن يغزوا في الحَرَم ولا في الأشهر الحُرُم إلا أن يُقاتَلوا فيها وما نسخت (١). وقال ابن حيان (٢): نسخت هذِه الآية كل آية فيها رخصة (٣). ٣٧ - قوله تعال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قرأ الحسن وعلقمة وقتادة ومجاهد ونافع -غير ورش- وأبو عمرو

стр. 7014

وعيسى وعاصم وحمزة والأعمش والكسائي وابن عامر ويعقوب: النسيء ممدودًا مهموزًا (١) واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، وهو مصدر كالحرير والسعير والحريق ونحوها، (٢)، ويجوز أن يكون مفعولًا مصروفًا إلى فعيل مثل الجريح والقتيل والصريع تقديره: إنما الشهر المؤخر (٣). وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة والأشهب وشبل (إنما النسء) ساكنة

стр. 7015

السين مهموزة على المصدر لا غير (١). وقرأ أبو جعفر وورش (النسيُّ) بالتشديد من غير همز (٢)، وروي ذلك عن ابن كثير (٣) على معنى المنسي، أي: المتروك، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٤) (٥) من النسيان. ويحتمل أن يكون أصله الهمز فخفف. واختلفوا في أصل الكلمة: فقال الأخفش: هو من التأخير (٦). ومنه النسأة في البيع، ويقال: أنسأ الله في أجله، ونسأ في أجله، أي أخّر. وقال قطرب: هو من الزيادة (٧). وكل زيادة حدثت في شيء فهو

стр. 7016

نسيء، ولذلك قيل للبن إذا كُثِّر بالماء (نسيء ونسوء)، وللمرأة الحبلي إنَسُوءٌ) لزيادة الولد فيها، وقد نَسَأتُ الناقة وأنسأتُها، إذا زجرتها ليزداد سيرها (١). قال قتادة: عَمَد ناسٌ من أهل الضلالة فزادوا صفرًا في الأشهر الحرم وكان يقوم قائمهم (٢) في الموسم فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرَّمت المحرم، فيُحَرِمونه ذلك العام، ثم يقوم في العام المقبل فيقول: ألا إن آلتهكم قد حرمت صفرًا، فيحرمونه ذلك العام، وكان يقال لهما صفران (٣). فأما معنى النسيء وبدء أمره على ما ذكره العلماء بألفاظ مختلفة ومعنى متفق عليه (٤)، فهو أن العرب كانت تحرم المشهور الأربعة وكان ذلك ما تمسكت به من ملة إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما

стр. 7017

السلام، وكانت العرب أصحاب حروب وغارات، فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر حُرُم متوالية لا يغزون فيها شيئًا (١)، وقالوا: لئن توالت علينا ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئًا لنهلكن، وإنما نصيب على ظهور دوابنا، وربما احتاجوا مع ذلك إلى تحليل المحرّم أو غيره من الأشهر الحرم بحرب تكون بينهم، فيكرهون استحلاله، ويكرهون تأخير حربهم، فنسؤوا؛ أي أخروا تحريم ذلك الشهر إلى الشهر الذي يليه، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فيحرمونه ويستحلون المحرّم، وكانوا يمكثون بذلك زمانًا يحرمون صفرًا وهم يريدون به المحرم، ويقولون هذا أحد الصَّفَرين. وقد تأول بعض الناس قول النبي ﷺ : "ولا صفر" (٢) على هذا،

стр. 7018

ثم يحتاجون أيضًا إلى تأخير صفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرّم، فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يمكثون بذلك ما شاء الله، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك فكذلك تتدافع شهرًا بعد شهر حتى استدار على السنة كلها فقام الإِسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به، وذلك بعد دهر طويل. وقال مجاهد: كان المشركون يحجون في كل شهرٍ عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في المشهور حتى وافقت حجة أبي بكر ﵁ التي حجها قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة، ثم حج النبي ﷺ في العام القابل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة، فذلك حين قال النبي ﷺ في خطبته: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" (١).

стр. 7019

أراد بذلك ﷺ أن أشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي الحجة، وبطل النسيء (١). واختلفوا في أول من نسأ: فقال ابن عباس والضحاك وقتادة ومجاهد: أول من نسأ النسيء بنو مالك بن كنانة (٢)

стр. 7020

وكانوا ثلاثة (١): أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم كل عام على حمار فيقول: أيها الناس إني لا أُعَاب ولا أُخَاب (٢) ولا مردّ لما أقول، إنا قد حرّمنا المحرم وأخرنا صفر، ثم (٣) يجيء العام المقبل فيقول: إنا قد حرمنا صفرًا وأخّرنا المحرم (٤). وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة، يقال له: نعيم ابن ثعلبة، وكان يكون على الناس بالموسم، فإذا همّ الناس بالصدر قام فخطب الناس فقال: لا مردّ لما قضيت، أنا الذي لا أعاب ولا أخاب (٥)، فيقول له المشركون: لبّيك، ثم يسألونه أن ينسأهم شهرًا يغيرون فيه، فيقول: إن صفرًا العام حرام، فإن قال ذلك؛ حلّوا الأوتار، ونزعوا الأسنة والأزجّة، فإن قال حلال؛ عقدوا الأوتار، وشدّوا الأزجة، وأغاروا على الناس. وكان من بعد نعيم بن ثعلبة رجل يقال له جنادة بن عوف، وهو الذي أدركه رسول

стр. 7021

الله ﷺ (١) وروى جويبر (٢)، عن الضحاك (٣)، عن ابن عباس ﵄: أول من نسأ النسيء عمرو بن لُحَيّ بن قَمعة بن خِندِف (٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو رجل من بني كنانة يقال له: القلمّس في الجاهلية، وكان أهل الجاهلية لا يُغِير بعضُهم على بعض في الأشهر الحرم، يلقى الرجل قاتل أبيه وأخيه ولا يتعرض له، فيقول قائلهم: أخرجوا بنا، فيقال له: هذا المحرم! فيقول القلمّس: إني قد نسأته العام، هما العام صفران، فإذا كان العام

стр. 7022

القابل قضينا فجعلناهما محرّمين (١). وقال منافرهم (٢): ومِنَّا نَاسِيء الشَّهرِ القَلَمَّس وقال الكميت (٣):

стр. 7023

ونحنُ النَّاسئُونَ عَلَى مَعَدٍّ ... شُهُور الحلّ نَجعَلُها حَرَاما فهذا النسيء الذي قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ أهل المدينة وعاصم وأبو عمرو (يَضِلُّ) - بفتح الياء وكسر الضاد (١) -، واختاره أبو حاتم؛ لأنهم هم الضالون لقوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾. وقرأ الحسن وأبو رجاء (٢) وأبو عبد الرحمن وقتادة ومجاهد وابن محيصن (يُضِل) مضمومة الياء مكسورة الضاد (٣) ولها وجهان: أحدهما: أن يكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في محل النصب، أي: يضل الله به الذين كفروا، والوجه الثاني: أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ في محل الرفع على معنى: يضل به الذين كفروا الناس المقتدين بهم (٤).

стр. 7024

وقرأ أهل الكوفة -غير أبي بكر- (يُضَل) بضم الياء وفتح الضاد (١) - وهي قراءة ابن مسعود ﵁ (٢)، واختيار أبي عبيد، لقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾. ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ يعني: النسيء ﴿عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا﴾ ليوافقوا (٣). وقال ابن عباس ﵄: ليشابهوا (٤) ﴿عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قال المُورِّج: هو أنهم لم يحلوا شهرًا من الحرم إلا حرّموا مكانه شهرا من الحلال، ولم يحرموا شهرًا من الحلال (٥) إلا حللوا (٦) مكانه

стр. 7025

شهرًا من الحرم، لئلا يكون الحُرُم أكثر من الأربعة كما حرم الله، فيكون موافقًة للعدد فذلك المواطأة (١). ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. ٣٨ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾ الآية. هذا حث من الله تعالى رسوله ﷺ على غزاة تبوك (٢)، وذلك أن النبي ﷺ لما رجع من الطائف أمر بالجهاز لغزو الروم (٣)، وذلك في زمان عسرةٍ من الناس، وجدب من البلاد، وشدة من الحَرّ، حين ما أخرفت (٤) النخل، وطابت الثمار، فعظُم على الناس غزو الروم، وأحبوا الظلال والمقام في المسكن والمال، وشقّ عليهم الخروج إلى القتال، وكان رسول الله ﷺ قلَّ ما خرج في غزاة إلا كنّى عنها وورى بغيرها إلا غزوة تبوك، لبُعْد شُقّتِها وكثرة العدو وليتأهب الناس، فأمرهم بالجهاد (٥) وأخبرهم بالذي (٦) يريد، فلما

стр. 7026

علم الله تعالى تثّاقُل الناس أنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾؛ أيُّ شيء أمركم ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ﴾؛ أي إذا قال لكم رسول الله ﷺ ﴿انْفِرُوا﴾ أخرجوا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأصل النفر مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاجه على ذلك، يقال: نفر فلان إلى ثغر (١) كذا ينفر نفرًا ونفيرًا، ومنه نفور الدابة ونفارها (٢). ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ تباطأتم (٣)، وقال المبرد: أخلدتم إلى ذلك (٤). ومعناه: لزمتم أرضكم ومساكنكم (٥)، وأصله: تثاقلتم فأدغمت التاء في الثاء وأحدثت لها ألف ليتوصل إلى الكلام بها, وليمكن الابتداء بها (٦)، كقوله ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا﴾ (٧) و ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا﴾ (٨) ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ (٩) وأنشد الكسائي (١٠):

стр. 7027

تُولي الضّجيعَ إذَا مَا اشْتَاقَهَا خَصِرًا ... عَذْبَ المَذَاق إذا مَا اتّابعَ القُبَلُ أي: تتابع. ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: بخفض الدنيا ودعتها عوضًا عن نعيم الآخرة وثوابها (١) ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. ثم أوعدهم على ترك الجهاد فقال: ٣٩ - ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾ وقرأ عبيد بن عمير (تنفُروا) بضم الفاء (٢) وهما لغتان. ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الآخرة، وقيل: هو احتباس القَطْرِ عَنْهم (٣). وسأل نجدة بن نفيع (٤) ابن عباس ﵄ عن هذِه الآية فقال: إن

стр. 7028

رسول الله ﷺ استنفر حيًا من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم (١). ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ بكم ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ خيرًا منكم وأطوع (٢). وقال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس (٣). وقال أبو روق: هم أهل اليمن (٤).

стр. 7029

﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ بترككم النفير؛ لأنه لا حاجة به إليكم (١). ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ٤٠ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ هذا إعلام من الله تعالى أنه هو المتكفل بنصر رسوله ﷺ وإظهار دينه أعانوه أو لم يعينوه، وأنه قد نصره حين كان أولياؤه قليلًا وأعداؤه كثيرًا، فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدة. فقال عز من قائل: إن لا تنفروا أيها المؤمنون إذا استنفركم، ولا تنصروه إذا استنصركم، فالله معينه ومغنيه عنكم كما نصره ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢). وقيل معناه: إن لم تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا من مكة، حين مكروا به وأرادوا تبييته وهموا بقتله (٣) ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ نصب على الحال (٤)، أي: وهو أحد الاثنين، والاثنان رسول الله ﷺ وأبو بكر الصديق (٥) ﵁. ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ وهو نقب في جبل بمكة يقال له ثور (٦).

стр. 7030

﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ أبي بكر ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ بالعون والنصرة (١). ولم يكن حزن أبي بكر ﵁ جبنًا منه، ولا سوء ظنّ، وإنما كان إشفاقًا منه على رسول الله ﷺ ؛ وذلك أنه قال: يا رسول الله؛ إن قُتلتُ فأنا رجل واحد، وإن قتلتَ هلكت الأمّة (٢). [١٤٤١] يدل عليه ما أخبرنا الحسن بن محمَّد بن الحسن بن جعفر (٣)، قال: نا إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم (٤) ومحمد بن صالح بن هانئ (٥) -واللفظ له-، قالا: نا الحسين بن الفضل

стр. 7031

البجلي (١)، حدثنا عفان بن مسلم الصفّار (٢)، نا همام (٣)، عن ثابت (٤)، عن أنس ﵁ (٥)، أن أبا بكر ﵁ حدثه قال: قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: "لو أن أحدًا نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا"، فقال: "يا أبا بكر؛ ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما" (٦).

стр. 7032

قال مجاهد: مكث رسول الله ﷺ في الغار ثلاثًا (١). قال عروة: وكان لأبي بكر ﵁ منيحة من غنم، وكان عامر بن فهيرة ﵁ يروح بتلك الغنم على رسول الله ﷺ بالغار (٢). وقال قتادة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ يختلف إليهما، فلما أراد رسول الله ﷺ الخروج، جاءهم بناقتين، فانطلقوا وكانوا أربعة: النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أريقط الليثي (٣).

стр. 7033

قال الزهريّ: لما دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر الغار أرسل الله زوجًا من حمام حتى باضتا في أسفل الثقب، والعنكبوت حتى نسج بيتًا، فلما جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام وبيت العنكبوت قال: لو دخلاه لتكسّر البيض وتفسخ بيت العنكبوت فانصرف (١). وقال النبي ﷺ : "اللهم أعمِ أبصارهم" فعميت أبصارهم عن

стр. 7034

دخوله وجعلوا يضربون يمينًا وشمالًا حول الغار (١). [١٤٤٢] وأنا أبو محمَّد عبد الله بن حامد الفقيه (٢)، أنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه (٣)، نا أخبرنا موسى بن الحسن بن عباد (٤)، نا عفان بن مسلم (٥)، نا السري بن يحيى (٦)، حدثنا محمَّد ابن سيرين (٧) قال: ذُكِر رجال في (٨) عهد عمر ﵁، فكأنهم فضّلوا عمر على أبي بكر ﵁ قال: فبلغ ذلك عمر ﵁ فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله ﷺ ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر ﵁، فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله

стр. 7035

- ﷺ فقال: "يا أبا بكر؛ مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي؟ " فقال: يا رسول الله؛ أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي أمامك (١). فقال: "يا أبا بكر؛ لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟ " قال: نعم والذي بعثك بالحق. فلما انتهينا إلى الغار قال أبو بكر ﵁: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الغار، فدخل فاستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الحجرة فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الحجرة، فدخل فاستبرأها (٢) ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل. فقال عمر ﵁: والذي نفسي بيده؛ لتلك الليلة خير من آل عمر (٣). [١٤٤٣] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٤)، أنا أبو بكر بن إسحاق (٥)،

стр. 7036

أنا محمَّد بن إسحاق السراج (١)، نا إسماعيل بن أبي الحارث (٢)، نا داود بن المحبَّر (٣)، عن أبي عوانة (٤)، عن فراس (٥)، عن الشعبي (٦)، قال: لقد عاتب الله تعالى أهل الأرض جميعًا غير أبي بكر في هذِه الآية (٧). وقال (٨) أبو بكر الصديق ﵁ (٩):

стр. 7037

قال النبي ولم يجزع يرقّدني (١) ... ونحن في سدف من ظلمة الغار لا تخش شيئًا فإن الله ثالثنا ... وقد تكفل لي منه بإظهار وإنما كيد من تخشى بوادره ... كيد الشياطين قد كادت لكفار والله مهلكهم طرًّا بما صنعوا ... وجاعل المنتهى منهم إلى النار قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ سكونه وطمأنينته (٢) ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي على رسول الله ﷺ (٣). وقال ابن عباس ﵄: على أبي بكر الصديق ﵇، فأما النبي ﷺ

стр. 7038

فكانت السكينة عليه قبل ذلك (١). ﴿وَأَيَّدَهُ﴾. وقرأ مجاهد: (وآيده) -بالمد (٢) - ﴿بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾. وهم الملائكة ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾؛ أي المقهورة المغلوبة ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ رفع على الابتداء (٣)، وقرأ يعقوب: وكلمة الله بالنصب على العطف (٤)

стр. 7039

﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾ العالية، قال ابن عباس ﵄: الكلمة السفلى كلمة الشرك، والعليا لا إله إلا الله (١). ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ٤١ - قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قال أبو الضحى (٢): أول آية نزلت من (براءة) هذِه الآية (٣). قال مجاهد: قالوا فينا الثقيل وذو الحاجة والضيعة (٤) والشغل والمنتشرِ أمرُهُ فأنزل الله هذِه الآية وأبى أن يعذرهم (٥).

стр. 7040

واختلفوا في معنى الخفاف والثقال: فقال أنس والحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة وشِمْر بن عطية (١) ومقاتل بن حيان: شبابًا وشيوخًا (٢).
следующие страницы →