← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

[١٤٤٦] أنا عبد الله بن حامد بن محمَّد (١)، أنا أحمد (٢) بن محمَّد ابن الحسن (٣)، نا محمَّد بن يحيى (٤)، قال: نا عبد الرزاق (٥)، قال: أنا معمر (٦)، عن الزهريّ (٧)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (٨)، عن أبي سعيد الخدري (٩) ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ يقسم قسمًا -قال ابن عباس ﵄: كانت غنائم هوازن (١٠) يوم حنين -إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميمي، وهو حُرقوص بن زهير (١١) أصل

стр. 7072

الخوارج، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: "ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ ! " فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فقال النبي ﷺ : "دعه فإن له أصحابًا يحتقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامِه، يمرقون من الدين (١) كما يمرق السهم من الرميّة (٢)، فينظر في قُذذه (٣) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نَضِيّه (٤) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رِصَافِه (٥) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نَصْله (٦)

стр. 7073

فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفَرْثُ والدّم، آيتهم (١) رجل أسود في إحدى يديه أو قال إحدى ثدييه (٢) مثل ثدي المرأة، أو مثل البَضْعَة تَدَرْدَر (٣)، يخرجون على فترة من الناس" (٤).

стр. 7074

وفي غير هذا الحديث: فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم تنجون. فنزلت ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية كلها. قال أبو سعيد ﵁: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن عليًا ﵁ حين قتلهم وأنا معه؛ جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله ﷺ (١). وقال الكلبي: نزلت في المؤلفة قلوبهم، وهم المنافقون، قال رجل منهم يقال له أبو الجَوَّاظ: لم تقسم بالسوية، فأنزل الله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢)، أي يعيبك (٣) في أمرها ويطعن عليك فيها، يقال: لَمَزَه وهَمَزَه؛ إذا عابه، ورجل همزة لمزة. قال رؤبة (٤):

стр. 7075

قاربتُ بين عَنَقي وجَمْزي ... في ظِلِّ عِضْوي بَاطِلي ولَمْزي وقال آخر (١): إذا لقيتكَ عَن شَحْطٍ تُكَاشِرُني ... وإن تغيبتَ كنتَ الهامِزَ اللُّمزه وقال مجاهد: يلمزك أي يروزك (٢)، يعني يختبرك. وقال عطاء: يغتابك. وقرأ الحسن والأعرج وأبو رجاء وسلّام ويعقوب (يلمُزُك) بضم الميم (٣).

стр. 7076

وروي عن ابن كثير (يُلْمِزُكَ) بضم الياء (١) من ألمز يُلمِز. وقرأ الأعمش: (يُلْمِّزُك) بضم الياء وتشديد الميم (٢)، وعن يعضهم (يلامزك) (٣)، وقرأ (٤) الباقون ﴿يَلْمِزُكَ﴾ بكسر الميم خفيفة. ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ وقرأ إياد (٥) بن لقيط (إذا هم ساخطون) (٦). قال ابن زيد: هم المنافقون، قالوا: والله ما يعيطها محمَّد إلا من أحب ولا يؤثر بها إلا هواه (٧).

стр. 7077

٥٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ في أن يوسع علينا من فضله فيغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس (١). قال ابن عباس ﵄: إنا إلى الله راغبون فيما يعطينا من الثواب ويصرف عنا من العقاب. ثم بيّن أهل سهمان الصدقات * * *

стр. 7078

٦٠ - فقال ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ لا للمنافقين. واختلف العلماء في صفة الفقير والمسكين. فقال ابن عباس، والحسن، وجابر بن زيد، والزهري، ومجاهد، وابن زيد: الفقير المتعفف عن المسألة، والمسكين المحتاج المسائل (١). وقال الضحاك وإبراهيم النخعي: الفقراء فقراء المهاجرين، والمسكين (٢) من لم يهاجر من المسلمين المحتاجين (٣).

стр. 7079

وقال قتادة: الفقير الزمن المحتاج، والمسكين الصحيح المحتاج (١). وروى ابن عُلَيّة (٢)، عن ابن عونٍ (٣)، عن ابن سيرين (٤)، عن عمر ابن الخطاب ﵁ قال: ليس الفقير الذي لا مال له؛ ولكن الفقير الأخْلَقُ الكَسْبِ. قال ابن عُلَية: الأخلق المحُارَف عندنا (٥).

стр. 7080

وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب (١). وقال أبو بكر العَبْسي (٢): رأى عمر بن الخطاب ﵁ مكفوفًا مطروحًا على باب المدينة، فقال له عمر ﵁: مالك؟ ! قال: اسْتَكْرُوني في هذِه الجزية، حتى إذا (٣) كُفّ بصري، تركوني فليس لي (٤) أحد يعودُ عليَّ بشيء، فقال عمر ﵁: ما أُنْصِفتَ إذًا، فأمر له بقوته وما يصلحه، ثم قال: هذا من الذين قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ هم زَمْنَى (٥) أهل الكتاب (٦).

стр. 7081

وقال ابن عباس ﵄: المساكين هم الطوافون، والفقراء فقراء المسلمين (١). [١٤٤٧] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٢)، قال: أنا محمد بن جعفر (٣)، نا أحمد بن عبد الله (٤) بن يزيد المؤدب (٥)، نا عبد الرزاق (٦)، أخبرنا (٧) معمر (٨)، عن همام بن منبه (٩)، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس المسكين هذا الطوّاف الذي يطوف على الناس تَرُدُّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد غِنى يُغنيه، ويستحي أن

стр. 7082

يسأل الناس، ولا يُفطَنُ له فيُتَصدّق عليه" (١). وقال الفراء: الفقراء أهل الصفّة، لم يكن لهم عشائر ولا مال، كانوا يلتمسون الفضل، ثم يأوون إلى مسجد رسول الله ﷺ ، والمساكين الطوافون على الأبواب (٢). وقال عبيد الله بن الحسن (٣): المسكين الذي يخشع ويستكين وإن لم يسأل، والفقير الذي يتحمّل ويقبل الشيء سرًّا ولا يخشع. وقال القتيبي: الفقير الذي له البلغة من العيش، والمسكين الذي لا

стр. 7083

شيء له (١)، واحتج بقول الشاعر (٢): أمَّا الفَقِيرُ الذي كَانتْ حَلوبَته ... وَفْقَ العيال فلم يُترك له سَبَد فجعل له حلوبة وجعلها وفقًا لعياله؛ أي قوتًا لا فضل فيه، يدل عليه ما روى عبد الرحمن بن أبزى ﵁ قال: كان ناس من المهاجرين، لأحدهم الدار، والزوجة، والعبد، والناقة يحج عليها ويغزو، فنسبهم الله إلى أنهم فقراء وجعل لهم سهمًا من الزكاة (٣). وقال محمد بن مسلمة: الفقير الذي له المسكن يسكنه والخادم الذي هو أسفل من ذلك (٤)، والمسكين الذي لا ملك له (٥).

стр. 7084

قال (١): وكل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيًا عن غيره، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) والمسكين المحتاج إلى كل شيء، ألم (٣) تر كيف حضَّ الله (٤) على إطعامه، وجعل الكفّارات من الأطعمة له، ولا فاقة أعظم من الحاجة إلى سدِّ الجَوعَة، وأما قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (٥) فإن تسميتهم ها هنا مساكين على جهة الرحمة والاستضعاف، لا لِمِلْكِهم السفينة؛ كما يقالُ لمن امتُحِن بنكبة، أو دُفِع إلى بَلِيَّة: مسكين. وفي الحديث: "مساكين أهل النار" (٦). وقال الشاعر (٧):

стр. 7085

مساكين أهلُ الحُبّ حَتى قُبُورُهُم ... عَليها تُراب الذلّ بين المقَابر ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾؛ يعني سعاتها وجباتها، الذين يتولون قبضها من أهلها، ووضعها في حقّها، ويعملون عليها، يُعطون ذلك بالسّعَاية؛ أغنياء كانوا أو فقراء (١). واختلفوا في قدر ما يُعطَون: فقال الضحاك: يُعطَون الثُّمُن من الصدقة (٢). وقال مجاهد: يأكل العُمَّال من السهم الثامن (٣). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: يعطون على قدر أعمالهم (٤). وهو قول الشافعي وأبي ثور، قالا: يعطون بقدر أجور أمثالهم، وإن كان أكثر من الثُّمنُ (٥)، يدل عليه قول عبد الرحمن بن زيد

стр. 7086

قال: لم يكن عمر ولا أولئك يعطون العامل الثمن، إنما كانوا يفرضون له بقدر عمله (١). وقال مالك وأهل العراق: إنما ذلك إلى الإمام واجتهاده؛ يعطيهم الإمام قدر ما يرى (٢). ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قال قتادة: هم (٣) ناس من الأعراب وغيرهم كان نبي الله ﷺ يعطيهم يتألفهم بالعطية كيما يؤمنوا (٤). وقال معقل بن عبيد الله: سألت الزهري عن المؤلفة قلوبهم، فقال: من أسلم من يهودي أو نصراني، قلت: وإن كان غنيًا؟ قال: وإن كان غنيًّا (٥). وقال ابن عباس ﵄: هم قوم أسلموا، كانوا يأتون رسول الله ﷺ

стр. 7087

فيُرضِخ لهم من الصدقات شيئًا (١)، فإذا أعطاهم (٢) من الصدقة فأصابوا منها خيرًا، قالوا: هذا دين صالح! وإن كان غير ذلك، عابوه وتركوه (٣). وقال ابن كيسان: هم قوم من أهل الحرب، كان النبي ﷺ يتألفهم بالصدقات لِيَكُفّوا عن حَرْبِه. وقال الكلبي ويحيى بن أبي كثير (٤) وغيرهما (٥): هم ذوو الشرف من الأحياء (٦)، كان رسول الله ﷺ يعطيهم ليجبر به إسلام قومهم، وهم الذين قسم بينهم يوم حنين الإبل، وهم: من بني مخزوم: الحارث بن

стр. 7088

هشام وعبد الرحمن بن يربوع، ومن بني أمية: أبو سفيان بن حرب، ومن بني جُمح: صفوان بن أمية، ومن بني عامر بن لؤي: سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى، ومن بني أسد بن عبد العزى: حكيم بن حزام، ومن بني هاشم: أبو سفيان بن الحارث (١) بن عبد المطلب، ومن بني فزازة: عيينة بن حصن بن (٢) حذيفة بن بدر، ومن بني تميم: الأقرع بن حابس، ومن بني نضر: مالك بن عوف بن مالك، ومن بني سُليم: العباس بن مرداس، ومن بني ثقيف: العلاء بن جارية (٣)، أعطى النبي ﷺ كل رجل منهم مائة ناقة؛ إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى وعباس بن مرداس؛ فإنه أعطي كل واحد منهم خمسين ناقة (٤)، فقال العباس بن مرداس في ذلك للنبي ﷺ

стр. 7089

أتجعلَ نُهْبي ونُهْبَ العبيد ... بين عيينة والأقرع وما كان حِصن ولا حابسٌ ... يفوقان مِرداس (١) في مجمع وقد كنت في الحرب ذا قدرة (٢) ... فلم أُعْطَ شيئًا ولم أُمْنَع إلا أوابل (٣) أُعْطِيتُهما ... عَديدٍ قوائمها الأربع وكانت نهابا تلافيتها ... بكَرِّي على الناس (٤) بالأجدع وإيقاظي القوم أن يَرْقُدوا ... إذا هَجَعَ النَّاس لم أَهْجَع وما كنتُ دون امريء منهما ... ومن تخفض (٥) اليوم لا يُرْفَع

стр. 7090

فأعطاه النبي ﷺ مائة ناقة (١)، وأعطي حكيم بن حزام سبعين ناقة، فقال: يا رسول الله؛ ما كنت أدري أن أحدا أحقّ بعطائك منّي؟ فزاده عشرة أبكار، ثم زاده عشرة أبكار، حتى أتّمها له مائة، فقال حكيم ﵁: يا رسول الله؛ أعطيّتك التي رغبتُ عنها خير أم هذِه التي زدت؟ فقال: "لا، بل التي رغبتَ عنها"، فقال: والله لا آخذ غيرها، فأخذ السبعين، فمات حكيم ﵁ -وهو أكثر قريش مالًا (٢).

стр. 7091

فقال النبي ﷺ : "أعطي رجلًا وأترك الآخر، والذي أترك أحبّ إليَّ من الذي أعطي، ولكني أتألف هذا بالعطية، وأكل المؤمن إلى إيمانه" (١). وقال صفوان بن أمية ﵁: لقد أعطائي رسول الله ﷺ ما أعطاني

стр. 7092

وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ (١). ثم اختلفوا في وجود (٢) المؤلفة قلوبهم اليوم، وهل يعطون من الصدقة وغيرها أم لا؟ فقال الحسن: أما المؤلفة قلوبهم، فليس اليوم (٣). وقال الشعبي: إنه لم يبق في الناس اليوم من المؤلفة قلوبهم أحد، إنما كانوا على عهد رسول الله ﷺ فلما ولي أبو بكر ﵁ انقطعت الرّشي (٤).

стр. 7093

وهذا قول أهل العراق (١). يدل عليه حديث عمر بن الخطاب ﵁ حين جاءه عيينة بن حصن فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢)، "إن الإسلام أجلّ من أن يُرشى عليه"؛ أي ليس اليوم مؤلفة (٣). وروى أبو عوانة، عن مهاجرٍ أبي الحسن قال: أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة، وهما على بيت المال، فأخذاها، ثم جئت مرة أخرى فوجدت أبا وائل وحده، فقال: ردّها فضعها مواضعها، قلت: فما أصنع بنصيب المؤلفة قلوبهم؟ قال: ردّه على الآخرين (٤).

стр. 7094

وقال أبو جعفر محمد بن عليّ رحمهما الله: اليوم المؤلفة قلوبهم ثابتة (١). وهو قول أبي ثور قال: لهم سهم يُعطيهم الإمام قدر ما يرى. وقال الشافعي ﵀: المؤلفة قلوبهم ضربان: ضرب مشركون فلا يُعطّون، وضرب مسلمون أشراف مطاعون يجاهدون فيقوى بهم المسلمون، فأرى أن يُعطوا من سهم النبي ﷺ -وهو خُمس الخُمس ما يُتألفون به سوى سُهمانهم مع المسلمين. يدّل عليه أن النبي ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وأعز أهله، فأما سهمهم من الزكاة فأرى أن يصرف في تقوية الدين وسدّ خلّة المسلمين، ولا يعطى مشرك يتألف على الإسلام؛ لأن الله تعالى أغنى دينه عن ذلك (٢). ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ مختصر؛ أي وفي فك الرقاب من الرقّ (٣). واختلفوا فيهم: فقال أكثر الفقهاء: هم المكاتبون (٤). وهو قول الشافعي (٥) والليث ابن سعد.

стр. 7095

ويروى أن مكاتبًا قام إلى أبي موسى الأشعري ﵁ -وهو يخطب الناس يوم الجمعة، فقال له (١): أيها الأمير؛ حُثّ الناس عَلَيّ (٢)! فحث عليه أبو موسى ﵁، فألقى الناس ملآءة وعِمامةً وخاتمًا، حتى ألقوا سوادًا كثيرًا، فلما رأى أبو موسى ﵁ ما ألقى الناس قال: أجمعوه! فجمعوه، ثم أَمَر به فبيع، فأعطى المكاتب مكاتبته، ثم أعطى الفضل في الرقاب، ولم يردّه على الناس، وقال: إنما أُعِطِيَ النّاسُ في الرقاب (٣). وقال ابن عباس والحسن: يُعتَق من الرقاب (٤). وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور (٥). وقال سعيد بن جبير والنخعي: لا يُعتق من الزكاة رقبةٌ كاملة، ولكن يُعطئ منه في رقبة، ويُعَان به مُكاتب (٦).

стр. 7096

وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ (١). وقال الزهري: سهم الرقاب نصفان، نصف لكل مُكَاتب ممن يدّعي الإسلام، والنصف الباقي يُشترى به رقاب ممن قد صلّي وصام وقَدُمَ إسلامه من ذكر وأنثى يعتقون (٢). ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ قال قتادة: هم قوم غَرَّقتهم الديون في غير إملاق، ولا تبذير، ولا فساد (٣).

стр. 7097

وقال مجاهد: الغارمون من احترق بيته أو ذهب السيلُ بِماله أو ادّان على عياله (١). وقال أبو جعفر الباقر ﵁: الغارمون الذين يستدينون في غير فساد، ينبغي للإمام أن يقضي عنهم من بيت المال (٢). وقال ابن زيد: الغارم الذي يَدخلُ عليه الغُرم (٣). قال الشافعي ﵀: الغارمون صنفان: صنف ادّانوا في مصلحتهم أو في معروف أو غير معصية، ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد، فيعطون في غُرمهم، وصنف ادانوا في حِمَالات

стр. 7098

وصلاح ذات بينٍ ومعروف، ولهم عروضٌ (١) إن بيعت أضرَّ بِهِم (٢)، فيُعطى هؤلاء وتُوفَّر عروضهم، وذلك إذا كان دَينُهم في غير فسقٍ ولا تبذير ولا معصية، فأمّا من ادّان في معصية الله تعالى فلا أرى أن يعطي (٣). وأصل الغرم الخسران والنقصان (٤)، ومنه الحديث في الرَّهن: "له غنمه وعليه غرمه" (٥). ومن ذلك قيل للعذاب غرام، قال الله تعالى:

стр. 7099

﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ (١)، وفلان مغرم بالنساء؛ أي مُهلك بهنَّ، وما أشدّ غَرامه وِإغرامَه بالنساء (٢). وأما قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فهم الغزاة والمرابطون والمحتاجون، فأما إذا كانوا أغنياء فاختلفوا فيه: فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏: لا يعطى الغازي إلا أن يكون منقطعًا محتاجًا (٣).

стр. 7100

وقال الشافعي ومالك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ﵏: يعطى الغازي منها وإن كان غنيًا (١). يدل عليه قول النبي ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة، رجل عَمِل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو كان له جار تُصُدِّقَ عليه فأهداها له" (٢).

стр. 7101

وأما ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ فالمسافر المجتاز، سمي ابن السبيل للزومه إياه، كقول الشاعر (١): أنا ابن الحَرْب رَبَّتْني وَليدًا ... إلى أَنْ شِبت واكْتَهَلَت لَدَاتي وقال مجاهد والزهري: لابن السبيل حق من الزكاة وإن كان غنيًا إذا كان منقطعًا به (٢). وقال مالك وفقهاء العراق ﵏: هو الحاجُّ المنقطع (٣). وقال الشافعي: ابن السبيل من جيران الصدقة، الذين يريدون السفر في غير معصيةٍ فيعجزون عن بلوغ سفرهم إلا بمعونة (٤).

стр. 7102

وقال قتادة: هو الضيف (١) (٢). ﴿فَرِيضَةً﴾ واجبة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ وهي (٣) نصب على القطع في قول الكسائي (٤)، وعلى المصدر في قول سيبويه، أي فرض الله هذِه الأشياء فريضة (٥). وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة (٦) (فريضةٌ) رفعًا (٧) فجعلها خبرًا؛ كما

стр. 7103

تقول: إنما زيد خارج. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. واختلف العلماء في كيفية قسم الصدقات المذكورة في هذِه الآية، وهل يجب لكل صنف من هؤلاء الأصناف الثانية فيها حق واجب، أو ذلك إلى رب المال ومن يتولّي قسمها في أنّ له أن يعطي جميع ذلك من شاء من الأصناف الثانية: فقال بعضهم: له قسمها ووضعها في أي هؤلاء الأصناف شاء، وإنما سمى الله تعالى الأصناف الثانية في الآية؛ إعلامًا منه أن الصدقة لا تخرج من هذِه الأصناف إلى غيرها، لا إيجابًا لقسمها بينهم (١)، وهو قول عمر بن الخطاب، وحذيفة، وابن عباس، وابن جبير، وعطاء، وأبي العالية، وميمون بن مهران، وأبي حنيفة ﵏ (٢). [١٤٤٨] أخبرنا عبد الله بن حامد (٣)، قال: أنا أبو بكر المطيري (٤)،

стр. 7104

قال: نا علي بن حرب (١)، قال: نا ابن فضيل (٢)، قال: نا عطاء (٣)، عن سعيد (٤): ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية. قال: أيُّ هذِه الأصناف وجدت أجزاك أن تعطيه وحده صدقتك (٥). وكان الشافعي ﵀ يجري الآية على ظاهرها ويقول: إذا تولّي ربُّ المال قَسْمَها؛ فإن عليه وضعها في ستة أصناف؛ لأن سهم المؤلفة ساقط، وسهم العاملين يبطل بقَسْمِهِ إيَّاها، وإن تولى الإمام قسمها فعليه أن يقسمها على سبعة أصناف، ولا يجزي أن يعطي من كل صنف منهم أقلَّ من ثلاثة أنفس، ولا يصرف منها سهم ولا شيء منه عن (٦) أهله ما دام من أهله أحد يستحق، ولا يخرج من بلد وفيه أهله، وتُردّ حصّة من لم يوجد من أهل السهمان

стр. 7105

على من وُجِد منهم (١)، وهذا قول عمر بن عبد العزيز وعكرمة والزهري (٢). ثم رجع إلى ذكر المنافقين فقال: ٦١ - ﴿وَمِنْهُم﴾ يعني ومن المنافقين ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ ﷺ ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ نزلت في جذام (٣) بن خالد، والجلاس (٤) بن سويد، وغياس بن قيس، ومخشي بن خويلد، وسماك بن زيد (٥)، وعُبيد بن هِلال، ورفاعة بن عبد المنذر (٦)، وعبيدة بن مالك (٧)، ورفاعة بن زيد (٨)، كانوا يؤذون

стр. 7106

النبي ﷺ ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا؛ فإنَّا نخافُ أن يَبلُغَه ما تقولون فيقعَ بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيُصَدِّقَنا بما نقول؛ فإنما محمد أُذن سامعة، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١). وقال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث (٢)، وكان رجلًا أدلم، ثائر الشعر، أحمر العينين، أسفع (٣) الخدين، مشوَّه الخلقة، وهو الذي قال النبي ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث" (٤) وكان يَنُمُّ حديث النبي ﷺ إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أُذُن، من حَدَّثَه شيئًا صدَّقه، نقولُ ما شئنا ثم نأتيه ونحلف له فيصدقنا عليه، فأنزل الله ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ

стр. 7107

﴿يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ (١). يسمع من كل أحدٍ، ويقبل ما يقال له، ومثله (أُذْنَهُ) على وزن (فُعلَة) (٢)، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع، وأصلها من (أَذِنَ يأذَنُ أذنًا) إذا استمع (٣)، ومنه قول النبي ﷺ : "ما أذن الله بشيء كإذنه لنبيٍّ يتغنى بالقرآن" (٤). وقال عدي بن زيد (٥):

стр. 7108

أيها القلب تعلَّل بددن ... إن همّي في سماع وأُذُن وقال الأعشى (١): صمّ إذا سمعوا خيرًا ذُكِرتُ به ... وإن ذُكرتُ بسوء عندهم أذنوا [١٤٤٩] وكان أستاذنا أبو القاسم الحبيبي (٢)، يحكي عن أبي زكريا العنبري (٣)، عن أبي العباس الأزهري (٤)، عن أبي حاتم السجستاني (٥) أنه قال: هو أذن؛ أي ذو أذنٍ سامِعَة (٦).

стр. 7109

﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ قراءة العامَّة بالإضافة؛ أي أذن خير لا أذن شر، وقرأ الحسن وأشهب العقيليُّ والأعشى والبُرجُميُّ (أذنٌ خير) مرفوعتين منونين (١) ومعناه: إن كان محمد كما وصفتموه؛ فإن يسمعْ منكم ويُصدّقْكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم (٢). ثم كذبهم فقال: لا بل ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي يصدقهم ويقبل منهم. يقال: (آمنت له (٣) وآمنت به) (٤) بمعنى: صدَّقته؛ كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٥) وقوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (٦)، أي رَدَفِكُم، ويرهبون ربهم (٧). ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ قرأ الحسن وطلحة والأعمش وحمزة (ورحمةٍ) خفضًا على معنى أذنُ خيرٍ وأذن رحمةٍ، وهي قراءة عبد الله وأبي رضي الله

стр. 7110

عنهما، وقرأ الباقون (ورحمة) بالرفع (١)، بمعنى: هو أذن خير وهو رحمة، جعل الله سبحانه محمدًا ﷺ مفتاح الرحمة ومصباح الظلمة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ٦٢ - قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾. قال قتادة والسدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت، فوقعوا في النبي ﷺ وقالوا: لئن كان ما يقول محمد حقًّا؛ لنحن شرٌّ من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له: عامر بن قيس (٢)، فحقَّروه وقالوا هذِه المقالة، فغضب الغلام وقال: والله إنَّ ما يقول محمد حقّ وأنتم شرٌّ من الحمير، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فدعاهم، فسألهم، فحلفوا أن عامرًا كذاب، وحلف عامر أنهم كذبة، فصدَّقهم النبي ﷺ . فجعل عامر يقول: اللهم صدّق الصادق وكذّب الكاذب، وقد كالن قال بعضهم (٣) في ذلك: يا معشر المنافقين والله إني
следующие страницы →