وقال السدي: قالوا إذا قدمنا المدينة عَقَدْنَا على رأس عبد الله بن أُبي تاجًا نُباهي به، فلم يصلوا إليه (١).
وقال الكلبي: هم خمسة عشر رجلًا منهم عبد الله بن أُبَيِّ، وعبد الله ابن سعد بن أبي سرح (٢)، وطِعْمَة بن أبَيْرَق (٣)، والجلاس بن سويد، وأبو عامر بن النُّعمان، وأبو الأحوص، هَمّوا ليلًا (٤) بقتل النَّبِيّ ﷺ في غزوة تبوك، فأخبر جبريل ﵇ بذلك رسول الله ﷺ (٥).
стр. 7142
وقيل: هُم قريش همّوا بالنبي ﷺ فمنعه الله تعالى (١).
[١٤٥٠] وأنا عبد الله بن حامد (٢)، قال: أنا أبو محمَّد المزني (٣)، قال نا محمَّد بن عبد الله بن سليمان (٤)، قال: نا جعفر بن محمَّد بن الحسن (٥)، نا أبي (٦)، عن شريك (٧)، عن جابر (٨)، عن مجاهد (٩)، عن ابن عباس ﵁ في هذِه الآية قال: هو رجل من قريش، يقال له: الأسود، همّ بقتل رسول الله ﷺ (١٠).
стр. 7143
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ وما أنكروا منهم ولا رأوا سوءًا (١) ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وذلك أن مَولى للجُلاس قُتل، فأمر له رسول الله ﷺ بديته اثني عشر ألفًا فاستغنى (٢).
وقال الكلبي: كانوا قبل قدوم النَّبِيّ ﷺ في ضَنْكٍ من عيشهم، لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم رسول الله ﷺ استغنوا بالغنائم (٣)،
стр. 7144
وهذا المثل المشهور: اتق شرّ من أحسنت إليه (١).
ثم قال ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ من نفاقهم وكفرهم ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ يعرضوا عن الإيمان ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل والخزي ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنار ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية
[١٤٥١] أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمَّد الأَصْبهانِيّ (٢)، قال: أنا أَحْمد بن محمَّد بن إبراهيم السمرقندي (٣)، قال: نا محمَّد بن نصر (٤)، قال: حَدَّثني أبو الأَزْهَر (أَحْمد بن الأَزْهَر) (٥)، نا مروان ابن محمَّد (٦)، نا محمَّد بن شعيب (٧)، قال: نا معان بن رفاعة (٨)،
стр. 7145
عن علي بن يزيد (١)، عن القاسم بن عبد الرَّحْمَن (٢)، عن أبي أُمامة الباهليّ (٣) ﵁ قال: جاء ثعلبة بن حاطب الأَنْصَارِيّ إلى رسول الله ﷺ فقال: يَا رسول الله؛ ادعُ الله أن يرزقني مالًا، فقال رسول الله ﷺ : "ويحك يَا ثعلبة؛ قليلٌ تؤدي شكره خيرٌ من كثير لا تطيقه"، ثم أتاه (٤) بعد ذلك فقال: يَا رسول الله؛ ادع الله أن يرزقني مالًا، فقال رسول الله ﷺ : "أما لك في رسول الله أسوة حسنة، والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبًا وفضة لسارت"، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يَا رسول الله؛ ادع الله أن يرزقني مالًا، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالًا لأعطينّ كُلّ ذي حقٍّ حَقّهُ، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم ارزق ثعلبة مالًا، اللهم ارزق ثعلبة مالًا"، قال: فاتخذ غنمًا فنمت كما ينمى الذرّ (٥)، فضاقت عليه المدينة، فتنحّى عنها، فنزل واديًا من أوديتها وهي تنمى كما ينمى الدّود، وكان يصلي مع رسول الله ﷺ الظهر والعصر، ويصلي في غنمه سائر الصلوات، ثم كثرت ونمت حتَّى تباعد عن المدينة، فصار لا يشهد معه ﷺ إلَّا الجمعة، ثم كثرت ونمت فتباعد أَيضًا حتَّى كان لا يشهد جُمُعَةً ولا جماعة، فكان إذا كان يوم جمعة خرج يتلقّى النَّاس يسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله ﷺ ذات يوم
стр. 7146
فقال: "ما فعل ثعلبة"؟ قالوا: يَا رسول الله؛ اتخذ ثعلبةُ غَنَمًا ما يسعُها وادٍ، فقال رسول الله ﷺ : "يَا ويحَ ثعلبة، يَا ويحَ ثعلبة، يَا ويحَ ثعلبة"، فأنزل الله تعالى آية الصدقة (١)، فبعث رسول الله ﷺ رجلًا من بني سليم ورجلًا من بني جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذان، وقال لهما رسول الله ﷺ : "مُرّا بثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم فخذا صدقاتهما"، فخرجا حتَّى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ ، فقال: ما هذِه إلَّا جِزْية، ما هذِه إلَّا أخت الجزية؛ انطلِقا حتَّى تَفْرُغَا ثم عودا إليّ، فانطلقا وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خِيار أسنان إِبِلِه فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما (رأوها قالوا) (٢): ما يجب (٣) هذا عليك، قال: خذاه فإن نفسي بذلك طيبة، (فأخذاها منه) (٤)، فمرّا على النَّاس وأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني (٥) كتابكما، فقرأه ثم قال: ما هذِه إلَّا جزية، ما هذِه إلَّا أخت الجزية؛ اذهبا حتَّى أرى رأيي، قال: فأقبلا، فلما رآهما رسول الله ﷺ قبل أن يُكلِّمَاه قال: "يَا ويحَ ثعلبة، يَا ويحَ ثعلبة" ثم دعا للسُّلَمي بِخير، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ
стр. 7147
الصَّالِحِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتَّى أتاه فقال: ويحُك يَا ثعلبة؛ قد أنزل الله تعالى فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتَّى أتى النَّبِيّ ﷺ فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: "إن الله ﵎ منعني أن أقبل منك صدقتك"، فجعل يحثو على رأسه التُّراب، فقال له رسول الله ﷺ : "هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني"، فلما أبى رسول الله ﷺ أن يقبض صدقته رجع إلى منزله، وقُبض رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئًا، ثم أتى أَبا بكر ﵁ حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ﷺ وموضعي من الْأَنصار فاقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ ؛ أنا لا أقبلها منك، فقُبِضَ أبو بكر ﵁ ولم يقبلها، فلما وُلّيَ عمر ﵁ أتاه فقال: يَا أمير المُؤْمنين اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ﵇ ولا أنا أقبلُها (١)، فقبض ولم يقبلها، فلما وُلِّي عثمان ﵁ أتاه فسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ﵄، أنا لا أقبلها منك، فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان ﵁ (٢).
стр. 7148
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: أتى ثعلبة مجلسًا من الْأَنصار، فأشهدهم فقال: ليِّن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حقِّ حقّه، وتصدقت منه ووصلت منه (١) القرابة! فابتلاه الله تعالى، فمات ابن عَمِّ له، فورّثه مالًا، فلم يَفِ بما قال، فأنزل الله تعالى
стр. 7149
هذِه الآية (١).
وقال مقاتل: مر ثعلبة على الْأَنصار وهو محتاج فقال: لئن آتاني الله من فضله لأصدقن ولأكونن من الصالحين، فآتاه الله من فضله؛ وذلك أن مولى لعمر بن الخطاب ﵁ قتل رجلا من المنافقين خطأ، فدفع النَّبِيّ ﷺ ديته إلى ثعلبة؛ وكان قرابة المقتول، فبخل ومنع حق الله؛ فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢).
وقال الحسن ومجاهد: نزلت هذِه الآية في ثعلبة بن حاطب، ومعتب (٣) بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف خرجا على ملأ قعود فقالا: والله لئن رزقنا الله مالًا لنصدقن، فلما رزقهما
стр. 7150
الله تعالى بخلا به (١).
وقال الضحاك: نزلت في رجال من المنافقين: نبتل بن الحارث، وجد بن قيس، وثعلبة بن حاطب، ومعتب (٢) بن قشير قالوا: لئن آتانا الله من فضله لنصّدّقن، فلمّا آتاهم الله من فضله، وبسط لهم الدنيا، بَخِلوا به ومنعوا الزكاة (٣).
وقال الكلبي: نزلت في حاطب بن أبي ثعلبة (٤) ﵁، كان له مال بالشَّام فأبطأ عليه، فجهد بذلك جهدًا شديدًا، فحلف بالله: لئن آتانا الله من فضله من رزقه؛ يعني المال الذي بالشَّام، لأصّدقن منه ولأَصلَنَّ ولأؤدينّ حق الله منه، فأتاه الله تعالى بذلك المال، فلم يفعل ما
стр. 7151
قال، فأنزل الله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ﴾ (١)، يعني من (٢) المنافقين ﴿مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ لنتصدّقنّ ولنؤدينّ حق الله تعالى منه ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي لنعملن عمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة الرَّحم والنفقة في الخير.
٧٦ - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ﴾ الله (٣) ﴿مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
٧٧ - قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾
فأتبعهم، وقيل: فجازاهم ببخلهم، قال النابغة (٤):
فمن أَطَاعَ فأعْقِبْهُ بطاعَتِهِ ... كما أطاعك وادْلُلْهُ على الرَّشَدِ
﴿نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ حرمهم التوبة ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ قال مصعب (٥) بن ثابت: إنما هو شيء نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به، ألم تسمع الله تعالى يقول:
стр. 7152
٧٨ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ (١).
[١٤٥٢] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٢)، قال: أنا مكّيّ بن عبدان (٣)، قال: نا عبد الله بن هاشم (٤)، قال: نا عبد الله بن نمير (٥)، أنا الأَعمش (٦)، عن عبد الله بن مرة (٧)، عن مسروق (٨)، عن عبد الله بن عمرو (٩) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعٌ من كُنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه
стр. 7153
خصلةٌ من النفاق حتَّى يَدَعَهَا: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خُصم (١) فَجَرْ" (٢).
[١٤٥٣] وأخبرنا أبو عمرو الفُراتي (٣)، قال: أنا أبو نصر السرخسي (٤)،
стр. 7154
قال: نا محمَّد بن الفضل (١)، نا إبراهيم بن يوسف (٢)، نا النضر (٣)، عن الأشعث (٤)، عن الحسن (٥) ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنَّه مؤمن: من (٦) إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (٧).
стр. 7155
وقال عبد الله بن مسعود ﵁ اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، أنزل الله تعالى تصديق ذلك في كتابه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ إلى قوله ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (١).
قلت: وهذا خبر صعب الظاهر، فمن لم يعلم تأويله عَظُم خطؤُه. وتفسيره:
[١٤٥٤] ما أخبرني شيخي الحسن بن محمَّد بن الحسن بن
стр. 7156
جعفر (١)، قال: حَدَّثني أبي (٢)، عن جدي الحسن بن جعفر (٣)، نا محمَّد بن يزيد السلمي (٤)، نا حماد بن قيراط (٥)، عن بكير بن معروف (٦)، عن مقاتل بن حيان (٧) قال: كنت على قضاء سمرقند (٨) فقرأت يومًا حديث المقبري (٩)، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف". فتوزعّ فكري وتقسّم قلبي وخفت على نفسي وعلى جميع النَّاس وقلت: من ينجو من هذِه الخصال، فأخللت بالقضاء وأتيت بخارى (١٠) وسألت علماءها فلم أجد فَرَجًا،
стр. 7157
فأتيت مرو (١) فلم أجد فرجًا، فأتيت نيسابور (٢) فلم أجد عند علمائها فرجًا، فبلغني أن (٣) شهر بن حوشب بجرجان (٤) فأتيته وعرضت عليه قصتي وسألته عن الخبر، فقال لي: يَا أخي أنا منذ سمعت هذا الحديث كالحبّة على المقلى (٥) خوفًا، فعليك بسعيد بن جبير فإنَّه يتوارى بالري (٦) فاطلبه، واسأله, لعلك تجد لي ولك وللمسلمين عنده فرجًا، فأتيت الريَّ وطلبت سعيدًا، فأتيته وعرضت عليه
стр. 7158
القصة، وسألته عن معنى الخبر، فقال: أنا كديدان الخلّ في الخلّ منذ سمعت هذا الحديث، وإني خائف عليك وعلى نفسي من هذِه الخصال، ولقد قاسيتَ وعانيتَ سفرًا طويلًا وبلايا، فعليك بالحسن البَصْرِيّ فإنِّي أرجو أن تجد عنده لي ولك وللمسلمين فرجًا، فأتيت البصرة (١) وطلبت الحسن ﵀، وقصصت عليه القصة بطولها، فقال: رحم الله شهرًا وسعيدًا؛ بلغهما نصف الخبر ولم يَبْلغهما النصف الآخر (٢)، إن رسول الله ﷺ لمّا قال هذا الخبر شغل قلوب صحابته مَلِيًّا، وهابوه أن يسألوه، فأتوا فاطمة ﵂، وذكروا لها شُغْل قلوبهم بالخبر، فأتت فاطمة ﵂ رسول الله ﷺ فأخبرته بشغل قلوب أصحابه، فأمر سلمان ﵁ فنادى: الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا صعد المنبر وقال: "يَا أيها النَّاس، أما إنِّي كنت قلت لكم: ثلاث من كنّ فيه فهو منافق: إذا حدّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، ما عنيتُكم بِهِنَّ (٣) أنما عنيتُ المنافقين، أمّا قولي: إذا حدّث كذب فإن المنافقين أتوني وقالوا لي: والله إن إيماننا كإيمانك؛ وتصديق قلوبنا كتصديق قلبك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ (٤)، وأما
стр. 7159
قولي: إذا اؤتمن خان فإن الأمانة الصلاة؛ والدين كلُّه أمانة؛ قال الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ (١) وفيهم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾ (٢)، وأما قولي: إذا وعد أخلف فإن ثعلبة بن مالك (٣) أتاني فقال: إنِّي مولع بالسائمة، ولي غنيمات، فادع الله تعالى أن يبارك فيهنّ، فدعوت الله، فنمت وزادت حتَّى ضاقت الفجاج بها، فسألته الصدقات، فأبى عليّ وبَخِل بها، فأنزل الله تعالى فيه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ إلى قوله ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ ".
فَسُرِّيَ عن أصحاب رسول الله ﷺ وكبّروا وتصدقوا بمال عظيم (٤).
وروى شبابة (٥)، عن محمَّد المُحْرِم (٦) قال: سمعت الحسن (٧)
стр. 7160
يقول: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ من كُنّ فيه فهو منافق؛ وإن صام وصلّى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". فقلت للحسن: يَا أَبا سعيد؛ والله (١) لئن كان لرجل عليّ دينٌ، فلقيني، فتقاضاني وليس عندي، وخفتُ أن يحبسني ويهلكني، فوعدته أن أقضيه رأس الهِلال، فلم أفعل؛ أنا؟ قال: هكذا جاء الحديث.
ثم حدّث عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنّ أباه لمّا حضره الموت قال: زوّجوا فلانًا ابنتي؛ فإنِّي وعدته أن أزوجه؛ لا ألقى الله تعالى بثلث النفاق، قال قلت: يَا أَبا سعيد؛ ويكون ثلث الرَّجل (٢) منافقًا وثلثاه مؤمنًا؟ قال: هكذا جاء الحديث.
قال: فحججت، فلقيت عطاء بن أبي رباح ﵀ فأخبرته بالحديث الذي سمعته من الحسن؛ وبالذي قال لي، قال: أفعجزت أن تقول له: أخبرني عن إخوة يوسف ﵇؟ ألم يعِدُوا أباهم فأخلفوه؟ وحدثوه فكذبوه؟ وائتمنهم فخانوا؟ أمنافقين كانوا؟ ! ألم يكونوا أنبياء، أبوهم نبي وجدّهم نبي؟ فقلت لعطاء (٣): يَا أَبا محمَّد؛ فحدِّثني بأصل هذا (٤) الحديث، فقال: حَدَّثني جابر بن عبد
стр. 7161
الله ﵄، أن رسول الله ﷺ إنما قال هذا الحديث في المنافقين خاصة، الذين حدثوا النَّبِيّ ﷺ فكذبوه، وائتمنهم على سِرِّه فخانوه؛ ووعدوا أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه، قال: وخرج أبو سفيان من مكة، فأتى جبريل ﵇ النَّبِيّ ﷺ فقال: إن أَبا سفيان في مكان كذا وكذا، فقال النَّبِيّ ﷺ لأصحابه: إن أَبا سفيان في مكان كذا وكذا؛ اخرجوا إليه واكتموا، فكتب رجل من المنافقين إليه أن محمدًا ﷺ يريدكم فخذوا حذركم، فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (١) وأنزل في المنافقين ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ فإذا أتيت الحسن؛ فأقرئه مني السلام، وأخبره بأصل الحديث، وبما قلت لك، فقدمت على الحسن، فقلت: يَا أَبا سعيد، إن عطاءً أخاك يُقْرِؤك السلام، وأخبرته بالحديث الذي حدّث، فأخذ الحسن بيدي فاشالها، قال: يَا أهل العراق؛ أعجزتم أن تكونوا مثل هذا؛ سَمِع مِنّا حديثًا، فلم يقبله مِنّي حتَّى استنبط أصله، صدق عطاء، هكذا الحديث، وهذا في المنافقين خاصّة (٢).
стр. 7162
٧٩ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
قال أهل التفسير: حث رسول الله ﷺ أصحابه على الصدقة، فجاءه عبد الرَّحْمَن بن عوف ﵁ بأربعة آلاف درهم، وقال: يَا رسول الله؛ مالي ثمانية آلاف، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي، فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت" , فبارك الله في مال عبد الرَّحْمَن؛ حتَّى أنَّه خَلَّف امرأتين يوم مات، فبلغ ثُمُن مالِهِ لهما مائة أَلْف وستين أَلْف درهم، لكل واحدةٍ ثمانون ألفًا، وتصدّق يومئذٍ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسقٍ من تمر، وجاء أبو عقيل الأَنْصَارِيّ، واسمه الحثحاث (١) بصاع من تمر، وقال: يَا رسول الله؛ بتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير الماء حتَّى نِلْتُ صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر، فأمر رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات، فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرَّحْمَن
стр. 7163
وعاصم إلَّا رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي (١) عقيل، ولكنه أحبّ أن يذكُر نفسه ليُعْطى من الصدقة، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ (٢)، أي: يعيبون ويغتابون المطّوّعين المتبرعين من المُؤْمنين في الصدقات.
وقال النضر بن شميل: هو الطيب نفسه بالصدقة، يعني عبد الرَّحْمَن وعاصمًا ﵄.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ طاقتهم، يعني أَبا عقيل.
وقرأ عطاء والأعرج: جَهدهم بفتح الجيم وهما لغتان، مثل الوُجد والوَجد، والضمّ لغة أهل الحجاز، والفتح لغة أهل نجد (٣).
وكان (٤) الشعبي يُفرّقُ بينهما فيقول: الجَهد في العمل، والجُهد في القوت (٥).
стр. 7164
وقال القتيبي: الجُهد الطاقة، والجَهد المشقّة (١).
قوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾؛ أي: جازاهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وروى ابن عُليَّة (٢)، عن الجريري (٣)، عن أبي السليل (٤) قال: وقف على الحِجْرِ رجلٌ فقال: حَدَّثني أبي أو عمّي قال: شهدت رسول الله ﷺ -وهو يقول: "من يتصدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة"، قال: وعليّ عِمامة لي، فنزعت منها (لَويًا أو لويتين) (٥) لأتصدق بها، ثم أدركني ما يدرك ابن آدم، فعصبت بها رأسي، قال: فجاء رجلٌ لا أرى بالبقيع رجلًا أقصرَ منه قائمةً، ولا أشدّ سوادًا, ولا أدمَ وجهًا منه، يقول ناقةً لا أرى بالبقيع ناقةً أحسنَ ولا أجملَ منها، فقال: هي وذو بطنها صدقة يَا رسول الله،
стр. 7165
وألقى إليه بِخِطَامِها، قال: فلمزه رجلٌ جالس فقال: إنه ليتصدق بها ولهي خيرٌ منه، فنظر إليه رسول الله ﷺ فقال: "بل هو خير منك ومنها"؛ يقول ذلك ثلاثًّا، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١).
٨٠ - قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
يعني لهؤلاء المنافقين ﴿أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لفظه أمر ومعناه جزاء؛ تقديره: إن استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم (٢).
стр. 7166
﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ والسبعون عند العرب غاية مستقصاة لأنه جمع سبعة، والسبعة تتمة عدد الخلق كالسموات والأرض، والبحار، والأقاليم، والأعضاء (١).
ورأيت في بعض التفاسير: أن استغفر لهم سبعين مرّة بإزاء صلاتك على حمزة لن يغفر الله لهم (٢).
قال الضحاك: لما نزلت هذِه الآية قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قد رخص لي فسأزيد على السبعين لعل الله أَن يغفر لهم" فأنزل الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٣)(٤).
стр. 7167
وذكر عروة بن الزُّبير أن هذِه الآية نزلت في عبد الله بن أُبيّ؛ حين قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على محمدٍ وأصحابه لانفضوا من حوله! وهو القائل: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأزلَّ؛ فأنزل الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النَّبِيّ ﷺ : لأزيدن على السبعين! فأنزل الله : ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (١) فأبى الله تعالى أن يغفر لهم (٢).
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
٨١ - قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾
عن غزاة تبوك ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ بقعودهم ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ﷺ ، قال قطرب والمورّج: يعني مخالفةً لرسول الله ﷺ حين سار وأقاموا.
وقال أبو عبيدة: يعني بعد رسول الله ﷺ ، وأنشد (٣):
стр. 7168
عَقبَ الرَّبيعُ خِلافَهُم فَكَأنَّما ... بَسَطَ الشَّواطِبَ بينهُنَّ حَصِيرا (١)
أي بعدهم، ويدل على هذا التأويل قراءة عمرو بن ميمون (خَلْفَ رسول الله) (٢).
﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ﴾ وكانت غزاة تبوك في شدة من الحُر ﴿قُلْ﴾ لهم يَا محمَّد ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ يعلمون؛ وكذلك هو في مصحف عبد الله.
٨٢ - ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾
في الدنيا ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ في الآخرة، وتقديرها: فليضحكوا قليلا فسيبكون كثيرًا (٣) ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
قال أبو موسى الأَشْعريّ ﵁: إن أهل النَّار ليبكون الدموع في النَّار؛ حتَّى لو أُجْرِيتِ السُّفُن في دموعهم لَجَرَت، ثم إنهم ليبكون الدمَ بعد الدموع، ولمِثْلِ ما هم فيه فليُبْكَ (٤).
стр. 7169
وقال ابن عباس ﵄: إن أهل النفاق ليبكون في النَّار عُمُرَ الدنيا فلا يرقأ لهم دمع، ولا يكتحلون بنوم (١).
[١٤٥٥] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٢)، أنا مكّيّ بن عبدان (٣)، أنا عبد الله بن هاشم بن حيّان (٤)، نا يحيى بن سعيد
стр. 7170
القطَّان (١)، عن شعبة (٢)، عن قتادة (٣)، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" (٤).
٨٣ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾
ردّك الله يَا محمَّد من غزاة تبوك ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ يعني من المتخلفين، وإنما قال طائفة منهم؛ لأنه ليس كل من تخلف عن تبوك كان منافقًا ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ معك في غزاة أخرى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾، في سَفَر ﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾، عقوبة لهم على
стр. 7171
تخلّفهم ﴿إِنَّكُمْ﴾ لأنكم ﴿رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في غزاة تبوك ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾.
قال ابن عباس ﵁: الرجال الذين تخلفوا بغير عذر (١).
وقال الضحاك: النساء والصبيان (٢).
وقيل: المرضى والزمنى (٣).
وقيل: مع المُخَالِفِين، قال الفراء: يقال: عبدٌ خالف وصاحب
стр. 7172
خالف؛ إذا كان مخالفًا (١).
وقيل: خِسَاسُ النّاس وأدنياؤهم، يقال: فلانٌ خالفةُ أهلِهِ إذا كان دونهم (٢).
وقيل: مع أهل الفساد، من قولهم: خَلَفَ الرَّجل على أهله يَخْلُف خُلُوفًا إذا فَسَد، ونبيذ خَالِف؛ أي: فاسد، وخَلَف اللبن خُلوفًا إذا حَمُضَ من طول وضعه في السِّقَاء، وخلف فم الصائم: إذا تغيرت ريحه، ومنه خلف سوءٍ (٣).
وقرأ مالك بن دينار: (مع الخَلِفِين) بغير أَلْف.
٨٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية.
قال المفسرون بروايات مختلفة: بعث عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله ﷺ ليأتيه وهو مريض، فلمّا دخل عليه (٤) رسول الله ﷺ ، قال له: أهلكك حُبُّ يهود، قال: يَا رسول الله؛ إنّي لم أبعث إليك لِتُؤَنِّبَني (٥)، إنما بعثت إليك لتستغفر لي، وسأله أن يكفنه في قميصه ويصلي عليه (٦).
стр. 7173
فلما مات عبد الله (بن أبيّ) (١)، انطلق ابنه إلى النَّبِيّ ﷺ ودعاه إلى جنازة أَبيه، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "ما اسمك؟ " قال: الحباب بن عبد الله، فقال ﷺ : "أَنْتَ عبد الله بن عبد الله، إن الحباب هو الشيطان (٢) ".، ثم انطلق رسول الله ﷺ ، فلما قام، قال له عمر بن الخطاب ﵇: يَا رسول الله، أتصلي على عدوّ الله بن أبيّ بن سلول، القائل يوم كذا كذا وكذا؛ يعدّ أيامه، ورسول الله ﷺ يتبسم، حتَّى إذا أكثر عليه قال: "أخر عنّي يَا عمر، إنِّي قد خُيّرت فاخترت، قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ولو أعلم أني إنْ زدتُ على السبعين غُفر له (٣)
стр. 7174
لزدت" ثم شهّده وكفنه في قميصه، ونفث في جلده، ودلاّه في قبره (١)، قال عمر ﵁: فعجبت بعد من جُرأتي على رسول الله ﷺ ، فما لبث رسول الله إلَّا يسيرًا حتَّى نزلت عليه ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (٢).
﴿وَلَا تَقُمْ﴾ ولا تقف ﴿عَلَى قَبْرِهِ﴾ وقيل: ولا تتولّ دفنه؛ من قولهم: قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. فما صلّى رسول الله ﷺ -بعدها على منافق، ولا قام
стр. 7175
على قبره حتَّى قُبِض (١). فكُلِّم رسول الله ﷺ فيما فَعَلَ بعبد الله بن أبيّ، فقال رسول الله ﷺ : "وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله شيئًا (٢)، والله إنِّي كنت أرجو أن يسلم به أَلْف من قومه" (٣).
وذُكِر أن النَّبِيّ ﷺ أسرّ إلى حذيفة اثني عشر رجلًا من المنافقين، فقال: "ستة يكفيهم الله بالدبيلة سراجٌ من نار تأخذ أحدهم حتَّى تخرج (٤) إلى صدره، وستة يموتون موتًا". فسأل عمر حذيفة ﵄ عنهم، قال: ما أنا بمخبرك بأحد منهم ما كان حيًا، فقال عمر ﵁: يَا حذيف؛ أمنهم أنا؟ قال: لا، قال: أفي عُمّالي منهم أحد؟ قال: رجل واحد، قال: فكأنما دُلَّ عليه عمر ﵁ حتَّى نَزَعَه من غير أن يُخبَره به.
стр. 7176
٨٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾.
٨٦ - ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾
ذو الغنى منهم في القعود ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ في رحالهم
٨٧ - ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾
يعني النساء ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
٨٨ - ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾
يعني الحسنات (١).
وقال المبرد: يعني الجواري الفاضلات (٢)، قال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ (٣)، واحدها خيرة، وهي الفاضلة من (٤) كل شيء (٥)
стр. 7177
قال الشَّاعر (١):
ولقدْ طَعَنْتُ مَجَامِع الرَّبلات ... ربلات هند خَيْرَة الملِكات
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
٨٩ - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾.
٩٠ - قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾
قرأ ابن عباس والضَّحَاك وأبو عبد الرَّحْمَن وحميد ويعقوب وقتيبة ومجاهد: (الْمُعْذِرون) خفيفة (٢) وهم المجتهدون المبالغون في العذر.
وقال الضحاك: هم رهط عامر بن الطفيل؛ جاءوا إلى رسول الله ﷺ يوم تبوك دفاعًا عن أنفسهم، فقالوا: يَا رسول الله؛ إن نحن غزونا معك تُغير أعراب طيئّ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قد أنبأني من أخباركم، وسيغنيني الله
стр. 7178
عنكم" (١).
وقال ابن عباس ﵄: هم الذين تخلفوا بعذر بإذن رسول الله ﷺ (٢).
وقرأ مسلمة ﵀ (المعّذّرون) بتشديد العين والذال، ولا وجه لها؛ لأن الميم (٣) لا تدغم في العين لبعد مخرجيهما.
وقرأ الباقون بتشديد الذال وهم المقصّرون، يقال: أعذر في الأمر إذا بالغ فيه، وعذّر إذا قصّر.
وقال الفراء: أصله المعتذرون، فأدغمت التاء في الذال، ونقلت حركة التاء إلى العين (٤).
قوله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قراءة العامة بتخفيف الذال، يعنون: المنافقين.
وقرأ أبيّ والحسن (كذّبوا الله) بالتشديد (٥).
стр. 7179
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ثم ذكر أهل العذر فقال تعالى:
٩١ - ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾
قال ابن عباس ﵄: يعني الزمنى والمشايخ والعجزة (١).
﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾؛ يعني الفقراء ﴿حَرَجٌ﴾ مأثم ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في مغيبهم.
﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال قتادة: نزلت في عائذ (٢) بن عمرو ﵁ وأصحابه (٣).
وقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن زائدة وهو ابن أم مكتوم ﵁، وكان ضرير البصر، فقال: يَا نبي الله إنِّي شيخ كبير (٤)، ضرير البصر،
стр. 7180
خفيف الحال، نحيف الجسم، وليس لي قائد؛ فهل لي رخصة في التخلف عن الجهاد؟ فسكت النَّبِيّ ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١).
٩٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾
نزلت في البكّائين وكانوا سبعة: في معقل بن يسار، وصخر بن خنساء وهو الذي كان وقع على امرأته في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يُكَفِّر (٢)، وعبد الله بن كعب الأَنْصَارِيّ، وعُلْبة (٣) بن زيد الأَنْصَارِيّ، وسالم بن عمير (٤)،