стр. 7211
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.
стр. 7212
وذُكِر عن ابن عباس ﵁: أن المرّة الأولى إقامة الحدود عليهم، والأخرى عذاب القبر (١).
وقال الحسن: إحدى المرّتين أخذ الزكاة من أموالهم، والأخرى عذاب القبر (٢).
وقال ابن إسحاق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير حِسْبَة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم في الآخرة والخلد فيه (٣).
وفي بعض التفاسير: أن الأولى ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم والأخرى عذاب القبر (٤).
стр. 7213
وقيل: تفسيره في سورة النحل ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (١).
وقال مقاتل بن حيان: الأول بالسيف يوم بدر، والثاني عند الموت (٢).
وروى معمر، عن الحسن قال: عذاب النبي وعذاب القبر (٣).
يعني بعذاب النبي ﷺ قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ (٤).
وقال عطاء: الأمراض في الدنيا، [والعذاب في] (٥) الآخرة (٦).
وذلك أنّه من مَرِض من المؤمنين كفّر الله عنه سيئاته ومحّص عنه ذنوبه، وأبدله لحمًا خيرًا من لحمه ودمًا خيرًا من دمه، وأعقبه ثوابًا عظيمًا، ومن مرض من المنافقين زاده الله تعالى نفاقًا وإثمًا وضعفًا؛ كما قال في هذِه السورة ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ (٧) الآية.
стр. 7214
يريد أنهم يمرضون في كل عام مرة أو مرتين ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ عذاب جهنم شديد فظيع.
وقال الربيع: بلايا الدنيا وعذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب عظيم؛ عذاب جهنم (١).
وقال إسماعيل بن أبي زياد: أحد العذابين ضرب الملائكة الوجوه والأدبار، والثاني عند البعث يُوَكّلُ بهم عُنُقٌ من النار.
وقال الضحاك: مرة في القبر ومرة في النار، وقال: المرة الأولى بإحراق مسجدهم مسجد الضرار، والثاني إحراقهم بنار جهنم (٢).
وقيل: مرّة بإنفاقهم أموالهم معك وهم لك أعداء، والأخرى طاعتهم لك وقتلهم (٣) أولياءهم بأمرك (٤).
стр. 7215
وقيل: مرة بإنفاق أموالهم، ومرة بقتلهم بالسيف إن أظهروا ما في قلوبهم.
١٠٢ - قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ﴾
يعني ومن أهل المدينة آخرون ومن الأعراب، وليس براجع إلى المنافقين.
﴿اعْتَرَفُوا﴾ أقرّوا ﴿بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو إقرارهم وتوبتهم ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾؛ أي بعمل آخر سيئ، وضع الواو موضع الباء؛ كما يقال: استوى الماء والخشبة، أي بالخشبة، وخلطت الماء واللبن؛ أي باللبن (١).
والعمل السيئ؛ تخلفهم عن رسول الله ﷺ وتركهم الجهاد.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعسى ولعل من الله تعالى واجب (٢)، وهما حرفا تَرَجِّ (٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
نزلت هذِه الآية في قوم تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزاة تبوك ثم ندموا على ذلك وتذمموا وقالوا: نكون في الكِنّ والظلال مع النساء
стр. 7216
ورسول الله ﷺ وأصحابه في الجهاد واللأواء، والله لنُوثقنّ أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقنا ويعذرنا، فأوثقوا أنفسهم إلى سواري (١) المسجد، فلما رجع رسول الله ﷺ قرّبهم فرآهم فقال: "من هؤلاء؟ " فأُخبِر النبي ﷺ بذلك، وقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك، فعاهدوا الله أن لا يُطْلِقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم، فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم؛ رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين! " فأنزل الله تعالى هذِه الآية. فلما نزلت أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم وعَذَرهم (٢)، فلما أُطْلِقوا قالوا: يا رسول الله؛ هذِه أموالنا التي خلَّفَتْنَا عنك؛ فتصدق بها عنّا وطهَرنا واستغفر لنا، فقال رسول الله ﷺ : "ما أُمِرتُ أن آخذ من أموالكم شيئًا"، فأنزل الله تعالى
١٠٣ - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية (٣).
واختلفوا في أعداد هؤلاء التائبين وأنسابهم:
فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا عشرة رهط، منهم أبو لبابة (٤).
стр. 7217
وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: كانوا ثمانية، منهم هلال، وأبو لبابة، وكردم، ومِردَاس، وأبو قيس (١).
وقال قتادة والضحاك: كانوا سبعة، منهم جَدّ بن قيس، وأبو لبابة، وجذام (٢)، وأوس، كلهم من الأنصار (٣).
وقال عطية، عن ابن عباس ﵄: كانوا خمسةً، أحدهَم أبو لبابة (٤).
وقال آخرون: نزلت في أبي لبابة خاصة، واختلفوا في ذنبه:
стр. 7218
فقال مجاهد: نزلت هذِه الآية في أبي لبابة حين قال لقريظة: إن نزلتم (١) على حكمه فهو الذبح، وأشار إلى حلقة، وقد مضت القصة في سورة الأنفال، فندم وتاب وأقرّ بذنبه، فأنزل الله هذِه الآية (٢).
وقال الزهري: نزلت في تخلّفه عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية، وقال: والله لا أحل نفسي منها، ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت أو يتوب الله تعالى عليّ! فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعامًا ولا شرابًا حتى خرّ مغشيًا عليه، فأنزل الله تعالى ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية، فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحلّ نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يَحُلّني، فجاء النبي ﷺ فحلّه بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله؛ إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله ورسوله (٣)، قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث (٤).
стр. 7219
قالوا جميعًا: فأخذ رسول الله ثُلث أموالهم (١) وترك الثلثين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ولم يقل: أموالهم، فلذلك لم يأخذها كلها.
وقال الحسن وقتادة: هؤلاء سوى الثلاثة الذي خُلّفوا (٢).
﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ بها من ذنوبهم، القراءة بالرفع حالًا لا جوابًا؛ أي: خذ من أموالهم صدقةً مُطهِّرةً ومزيةً لهم (٣)،
كقول الحطيئة (٤):
стр. 7220
مَتَى تَأتِهِ تَعشُو إلى ضَوء نَاره ... تَجد خيَر نار عِندَهَا خَيرُ موقِدِ
أي: عاشيًا.
وقرأ مسلمة بن محارب: (تُطَهرْهم وتُزَكِّهَم) بالجزم على الجواب (١)، وقرأ الحسن (تُطْهِرُهُم) خفيفة، من أَطْهَرَ يُطهِرُ (٢).
﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ أي: تطهرهم (٣)، وقيل: تصلحهم (٤)، وقيل: ترفعهم من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين، وقيل: تُنمِي أَموَالَهم (٥).
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ واستغفر لهم وادع لهم، وقيل: هو قول الوالي إذا أخذ الصدقة: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت. والصلاة
стр. 7221
стр. 7222
تَقُول بنتِي وَقَدْ قُرِّبت مرتحِلَا ... يَارَبِّ جنِّبْ أبي الأوصَابَ والوَجَعا
عليكِ مِثل الذي صَلّيتِ فاغتنمِي ... يَومًا فَإنَّ لِجَنب المرء مُضطجعَا
﴿إِنَّ صَلَاتَكَ﴾ قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر على الواحد (١)، ها هنا وفي سورة (هود) (٢) والمؤمنون (٣)، واختاره أبو عبيد، قال: لأن الصلاة عندي أكثر من الصلوات، وروي ذلك عن ابن عباس ﵄، ألا تسمع الله يقول ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٤). فهذِه (٥) صلاة الأبد، والصلوات للجمع القليل؛ كقولك: ثلاث صلوات وأربع وخمس.
وقرأ الباقون كلها بالجمع، واختاره أبو حاتم وقال: من زعم أن
стр. 7223
الصلوات أقل من الصلاة؛ لأن الجمع بالتاء تقليل فقد غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (١) وقال: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ (٢) لم يرد التقليل.
﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: رحمة لهم (٣).
وقال قتادة: وقارٌ لهم (٤).
وقال الكلبي: طمأنينة لهم أن الله تعالى قد قبل منهم (٥).
وقال أبو معاذ: تزكية لهم منك (٦).
وقال أبو عبيدة: تثبيت لهم (٧). ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
[١٤٥٧] أخبرنا عبد الله بن حامد (٨)، قال: أنا عبد الله بن محمد
стр. 7224
стр. 7225
قال ابن كيسان: ليس هذا صدقة الفرض، إنما هو صدقة كفارة اليمين (١).
وقال عكرمة: هي صدقة الفرض (٢).
فلما نزلت توبة هؤلاء؛ قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين:
هؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يُكَلَّمون ولا يجالسون فما لهم؟ !
١٠٤ - فقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ (٣)
ومعنى أخذ الصدقات قبولها.
[١٤٥٨] أخبرنا عبد الله بن حامد (٤)، قال: نا محمد بن يعقوب (٥)، قال: أنا الربيع بن سليمان (٦)،
стр. 7226
أنا الشافعي (١)، أنا سفيان بن عيينة (٢)، عن ابن عجلان (٣)، عن سعيد بن يسار (٤)، عن أبي هريرة ﷺ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده؛ ما من عبد يتصدق بصدقة (٥) من كسب طيب ولا يقبل الله إلَّا طيبا؛ ولا يصعد إلى الله (٦) إلَّا طيب -إلَّا كان إنما يضعها في يد الرحمن؛ فيربّيها له كما يربي أحدكم فُلُوّه، حتى إن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم، ثم قرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٧).
стр. 7227
١٠٥ - قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾
قال مجاهد: هذا وعيد لهم (١).
وفي الخبر "لو أن رجلًا عبد الله في صخرة لا باب لها ولا كُوَّة؛ لخرج عمله إلى الناس كائنًا ما كان" (٢).
стр. 7228
١٠٦ - قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾
مُؤخَّرون (١) ﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ ليقضي فيهم ما هو قاضٍ. وهم الثلاثة الذين خلفوا (٢)، لم يُوثِقوا أنفسهم بالسواري، ولم يُبالِغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة ﵁ وأصحابه، فوقفهم رسول الله ﷺ خمسين ليلة، ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، وأمر نساءهم باعتزالهم، حتى شَفَّهم (٣) القلق، ونَهِكَهُم الحزن، وضاقت عليهم الأرض برُحْبِها، وكانوا من أهل بدر ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فجعل أناس (٤) يقولون: هلكوا إذا لم ينزل لهم عذر، وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم، فصاروا مُرْجَئين لأمر الله؛ لا يدرون أيُعَذّبون أو يُرحَمون؟ حتى تاب الله تعالى عليهم بعد خمسين ليلة، ونزلت ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾.
стр. 7229
١٠٧ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ الآية
قال المفسرون: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء، وبعثوا إلى رسول الله ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم فصلّى فيه، فحسدتهم أخوتهم بنو غنم بن عوف بن غنم، وقالوا: نبني مسجدًا ونرسل إلى رسول الله ﷺ يصلي فيه كما صلى في مسجد إخوتنا؛ وليصلِّ فيه أبو عامر الراهب (١) إذا قدم من الشام، وكان أبو عامر رجلًا منهم، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة ﵁؛ وكان قد ترهّب في الجاهلية وتنصّر ولبس المسوح، فلما قدم النبي ﷺ المدينة (٢) قال له أبو عامر: ما هذا الذي جئت به؟ قال: "جئت بالحنيفية؛ دين إبراهيم ﵇"، قال أبو عامر: فأنا عليها، فقال النبي ﷺ : "فإنك لست عليها"، قال: بلى؛ ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها، فقال النبي ﷺ "ما فعلتُ؛ ولكني جئت بها بيضاء نقية"، قال أبو عامر: أمات الله الكاذب منّا طريدًا شريدًا
стр. 7230
وحيدًا غريبًا، فقال النبي ﷺ : "آمين" وسمّاه أبا عامر الفاسق، فلما كان يوم أحد؛ قال أبو عامر لرسول الله ﷺ : لا أجد قومًا يقاتلونك إلَّا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن يئس وخرج هاربًا إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجدًا؛ فإني ذاهبٌ إلى قيصر ملك الروم؛ فآت بجندٍ من الروم فأُخرج محمدًا وأصحابه (١).
فبنوا مسجدًا على جنب مسجد قباء، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلًا: جذام (٢) بن خالد ومن داره أخرج المسجد، وثعلبة بن حاطب، ومعتّب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر (٣)، وعبَّاد بن حُنيف أخو سهل بن حنيف، وحارثة (٤) بن عامر، وابناه مُجمِّع وزيد، ونبتل بن الحارث، وبحرج وبجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت، وكان يصلي بهم مجمع بن حارثة (٥)، فلما فرغوا منه أتوا
стр. 7231
رسول الله ﷺ -وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله؛ إنا قد بنينا مسجدًا لذي العِلَّة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال رسول الله : "إني على جناح سفر وحال شغل، ولو (١) قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه".
فلما انصرف رسول الله ﷺ من تبوك ونزل بـ (ذي أوان) بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار (٢)، أتوه فسألوه إتيان مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فنزل عليه القرآن، وأخبره الله تعالى خبر مسجد الضرار وما همّوا به، فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم (٣) ومعن بن عدي (٤) وعامر بن السكن (٥) والوحشي (٦) قاتل حمزة ﵁ (٧)، وقال لهم: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله؛
стр. 7232
فاهدموه وأحرقوه".
فخرجوا سريعًا (١) حتَّى أتوا سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال لهم مالك: انظروني (٢) حتَّى أخرج إليكم بنارٍ من أهلي، فدخل أهله (٣) فأخذ سعفًا من النخل فأشعل فيه نارًا، ثم خرجوا يشتدّون حتَّى دخلوا المسجد وفيه أهله، فحرّقوه وهدموه، وتفرّق عنه أهله (٤). وأمر النبي ﷺ أن يتخذ ذلك كُنَاسة (٥) يُلقى فيها الجيف والنتن والقمامة.
ومات أبو عامر الراهب الفاسق (٦) بالشام وحيدًا غريبًا (٧).
وفيه يقول كعب بن مالك ﵁ (٨):
стр. 7233
معاذَ الله مِن فِعل خَبيثٍ ... كسَعيكَ في العَشيرة عبد عمرو
وقلتَ بأنَّ لي شَرَفًا وذكرًا ... فَقَد بَايعتَ (١) إيمانًا بكفر
قال عكرمة: سأل عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا منهم: ماذا أعنت في هذا المسجد؟ فقال: أعنت فيه بسارية، فقال عمر ﵁: أبشر بها في عنقك في نار جهنم (٢).
وروي أن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته؛ ليأذن لمجمع بن حارثة فيأمّهم في مسجدهم، فقال: لا، ولا نُعمة عين، أليس بإمام مسجد الضرار، فقال له مجمع ﵃: يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ، فوالله لقد صلّيت فيه وإني لا أعلم ما قد أضمروا عليه، ولو علمتُ ما صليت معهم فيه؛ كنت غلامًا قارئًا للقرآن وكانوا شيوخًا قد عشوا (٣)، وكانوا لا يقرءون من القرآن شيئًا فصلّيت ولا أحسب ما صنعتُ إثمًا (٤) إلَّا أنهم يتقربون إلى الله تعالى، ولم أعلم ما في أنفسهم.
стр. 7234
فعذره عمر ﵁ وصدّقه، وأمره بالصلاة في مسجد قباء (١)، فهذِه قصة مسجد الضرار الَّذي أنزل الله تعالى فيه ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل المدينة والشام (الذين) بغير واو (٢)، وكذلك هو في مصاحفهم (٣).
﴿ضِرَارًا﴾ لمسجد قباء، قال عطاء: لما فتح عمر بن الخطاب ﵃ (٤) الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وأمرهم أن لا يتخذوا في مدينتهم مسجدين يضار أحدهما صاحبه (٥).
وروى ليث أن شقيقًا لم يدرك الصلاة في مسجد بني غاضرة (٦)، فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلّوا بعد، فقال: لا أحب أن أصلي فيه، فإنه بني على ضرار، وكل مسجد بني ضرارًا ورياءً وسمعة فإن أصله ينتهي إلى مسجد الضرار (٧).
стр. 7235
﴿وَكُفْرًا﴾ ونفاقًا ﴿وَتَفرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنَ﴾ يُفرّقون به جماعتهم؛ لأنهم كانوا يصلّون جميعًا في مسجد قباء، فبنوا مسجد الضرار ليصلي بعضهم فيه دون مسجد قباء، وبعضهم في مسجد قباء، فتخلفوا بسبب ذلك وتفرقوا ﴿وَإِرْصَادًا﴾ وانتظارًا وتوكُّفًا (١) وإعدادًا ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو أبو عامر الراهب، الَّذي سمّاه رسول الله ﷺ الفاسق، ليصلي فيه إذا رجع من الشام فيظهر على رسول الله ﷺ .
وقرأ الأعمش: (وإرصادا للذين حاربوا الله) (٢).
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ ما أردنا ببنائه ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ إلَّا الفعلة الحسنى، وهو الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المصير (٣) إلى مسجد رسول الله ﷺ (٤).
﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ في قيلهم وحلفهم.
стр. 7236
ثم قال الله تعالى لنبيه ﵇:
١٠٨ - ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ﴾
اللام فيه لام الابتداء والقسم (١)، تقديره: والله لمسجدٌ ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ أي: بني أصله وابتدئ بناؤه ﴿مِن أَوَّلِ يَوْمٍ﴾؛ أي: من أول يوم بني، وقيل معناه: منذ أول يوم وضع أساسه (٢)، قاله المبرد وأنشد لزهير (٣):
لِمن الدّيار بقُنّة الحِجْر ... أقْوينَ من حِجَج ومن دَهْر
أي: منذ حجج ومنذ دهر (٤).
﴿أَحَقُّ﴾ أولى ﴿أَنْ تَقُومَ فِيْهِ﴾ مُصَلّيًا.
стр. 7237
واختلفوا في المسجد الَّذي أسس على التقوى ما هو:
فقال قوم: هو مسجد رسول الله ﷺ الَّذي فيه منبره وقبره.
[١٤٥٩] أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أنا العبيدي (٢)، قال: نا أحمد بن نجدة (٣)، نا الحماني (٤)، نا عبد العزيز بن محمد (٥)، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع (٦)، عن ابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري (٧) ﵁ قالوا: المسجد الَّذي أسس على التقوى مسجد رسول الله ﷺ (٨).
стр. 7238
[١٤٦٠] يدل عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني (١)، أنا عبد الله بن عبد الرحمن العسكري (٢)، نا عبد الرحمن بن محمد بن منصور (٣)، نا يحيى بن سعيد (٤)، عن حميد الخراط (٥)، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن (٦)، يقول: حدثني عبد الرحمن ابن أبي سعيد الخدري (٧) قال: قلت: وأيّ شيء سمعت أباك يذكر في المسجد الَّذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله؛ أي المساجد المسجد الَّذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا؛
стр. 7239
مسجد المدينة" (١).
[١٤٦١] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٢)، قال: أنا أبو محمد المزني (٣)، قال: نا محمد بن عبد الله بن سليمان (٤)، قال: نا أبو بكر (٥) وعثمان (٦)، قالا: نا حاتم بن إسماعيل (٧)، عن أُنيس بن أبي يحيى (٨)، عن أبيه (٩)، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه قال: امترى رجل من خُدرة ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الَّذي أسّس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله ﷺ ، وقال
стр. 7240
стр. 7241
стр. 7242
﴿فِيهِ﴾ من (١) حاصريه ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوْا﴾ من الأحداث والجنايات والنجاسات بالماء.
وقال الكلبي: هو غسل الأدبار بالماء.
وقال عطاء: كانوا يستنجون بالماء ولا ينامون الليل على الجنابة (٢).
يُروى أن رسول الله ﷺ قال لأهل قباء لما نزلت هذِه الآية: "إن الله تعالى قد أثنى عليكم في الطهور فما هو؟ " قالوا: إنا نستنجي بالماء (٣).
стр. 7243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 7244
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾؛ أي المتطهرين فأدغمت التاء في الطاء لقرب مخرجيهما.
وقال يزيد بن شجرة ﵁ (١): أتت الحمى رسول الله ﷺ في صورة جارية سوداء، فقال لها رسول الله ﷺ : "من أنتِ؟ " قالت: أنا أمُّ مِلدَم، أُنْشِفُ الدّم وآكلُ اللحم وأُصفِّر الوجه (٢) وأرقق الجلد وأدقق العظم، فقال لها رسول الله ﷺ : "مُرّي فاقصُدي الأنصار"؛ فإن لهم علينا حقوقًا، فَحُمَّ الأنصار، فلمّا كان من الغد قال: ما للأنصار؟ قالوا: حُمُّوا عن آخرهم، فقال: قوموا بنا نعودهم، فعادوهم (٣)، وجعل يقول: "أبشروا فإنها كفارة وطهور"، فقالوا: يا رسول الله؛ ادع الله أن يديمها علينا أيامًا حتَّى تكون كفارة لذنوبنا، فأنزل الله تعالى يثني عليهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ
стр. 7245
стр. 7246
١٠٩ - قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾
اختلفت القراءة فيه، فقرأ نافع وأهل الشام (أُسس بنيانُه) بضم الهمزة والنون (١) على غير تسمية الفاعل، وذكره أبو حاتم عن زيد بن ثابت ﵁.
وقرأ عمارة بن صائد (أسَس) بالمد وفتح السين والنون (٢) في وزن آمن، وكذلك الثانية وهو (أسّس) واحد لأن (أفعل) و (فعّل) يتقاربان في التعدية.
وقرأ الباقون بفتح الهمزة والنون وتشديد السين الأولى على تسمية الفاعل (٣)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم.
﴿عَلَى تَقوَى مِنْ اللَّهِ﴾ قرأ عيسى بن عمر (تقوى) مُنَوَّنًا (٤).
﴿وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا﴾ (٥)، وقال أبو عبيد:
стр. 7247
الشفا الحدّ، وتثنيته شَفَوان (١). ﴿جُرُفٍ﴾ قرأ عاصم برواية أبي بكر، وابن عامر وحمزة (وخلف والكسائي) (٢) (جُرْف) بالتخفيف وقرأ الباقون بالتثقيل (٣)، وهما لغتان، وهي البئر التي لم تطوَ (٤).
وقال أبو عبيدة: هو الهوّة وما يجرفه السيل من الأودية (٥).
﴿هَارٍ﴾، أي: هائر (٦)، وهو الساقط الَّذي يتداعى بعضه في أثر بعض كما ينهار الرمل والشيء الرخو.
يقال: (هائر) ثم يقلب ويؤخر ياؤها فيقال: (هارٍ)، كما يقال:
стр. 7248
(شاكِ (١) السلاح) و (شائك السلاح)، و (عاقٍ) و (عائق)، قال الشاعر:
وَلَم يَعُقْني عَن هَواهَا عَاق
وقيل: هو من (هار يَهار) إذا انهدم (٢)، مثل (خاف يخاف)، وهذا مَثَلٌ لضعف نياتهم (٣) وقلة بصيرتهم في عملهم.
﴿فَانهَارَ﴾ فانتثر (٤)، يقال: هار وانهار وتهوّر، بمعنى واحد إذا سقط وانهدم، ومنه قيل: (تهوّر الليل) إذا ذهب أكثره، وفي مصحف أبيّ ﵁ (فانهارت) (٥) ﴿بِهِ﴾ قواعده ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْظَّالِمِينَ﴾ قال قتادة: والله ما تناهى أن وقع في النار، وذُكر لنا أنَّه حُفِر بقعة منها فرُئي الدخان يخرج منه (٦) (٧).
وقال جابر بن عبد الله ﵄: "رأيت الدخان يخرج من مسجد
стр. 7249
الضرار" (١).
وقال خلف بن ياسين الكوفي (٢): حججت مع أبي (٣) في زمان بني أمية، فرأيت بالمدينة مسجدًا بقبلتين (٤)، يعني مسجد رسول الله ﷺ بقباء (٥) وفيه قبلة بيت المقدس، فلما كان زمان أبي جعفر، قالوا: يدخل الجاهل فلا يعرف القبلة! فهذا البناء الَّذي ترون، جرى على يدي عبد الصمد بن علي، ورأيت مسجد المنافقين الَّذي ذكره الله تعالى في القرآن، وفيه جحر يخرج منه الدخان، وهو اليوم مزبلة (٦).
стр. 7250
١١٠ - قوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً﴾
شكًّا ونفاقًا ﴿فِي قُلُوبِهِم﴾ يحسبون أنهم في بنيانهم محسنين، كما حُبِّب العجل إلى قوم موسى ﵇، قاله ابن عباس وابن زيد (١).
وقال الكلبي: حسرة وندامة؛ لأنهم ندموا على بنائه (٢).
وقال السدي وحبيب (٣) والمبرد: لا يزال هدم بنيانهم الَّذي بنوا ﴿رِيبَة﴾، أي حزازةً (٤) وغيظًا في قلوبهم (٥).