← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

١٠٩ - قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ اختلفت القراءة فيه، فقرأ نافع وأهل الشام (أُسس بنيانُه) بضم الهمزة والنون (١) على غير تسمية الفاعل، وذكره أبو حاتم عن زيد بن ثابت ﵁. وقرأ عمارة بن صائد (أسَس) بالمد وفتح السين والنون (٢) في وزن آمن، وكذلك الثانية وهو (أسّس) واحد لأن (أفعل) و (فعّل) يتقاربان في التعدية. وقرأ الباقون بفتح الهمزة والنون وتشديد السين الأولى على تسمية الفاعل (٣)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. ﴿عَلَى تَقوَى مِنْ اللَّهِ﴾ قرأ عيسى بن عمر (تقوى) مُنَوَّنًا (٤). ﴿وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا﴾ (٥)، وقال أبو عبيد:

стр. 7247

الشفا الحدّ، وتثنيته شَفَوان (١). ﴿جُرُفٍ﴾ قرأ عاصم برواية أبي بكر، وابن عامر وحمزة (وخلف والكسائي) (٢) (جُرْف) بالتخفيف وقرأ الباقون بالتثقيل (٣)، وهما لغتان، وهي البئر التي لم تطوَ (٤). وقال أبو عبيدة: هو الهوّة وما يجرفه السيل من الأودية (٥). ﴿هَارٍ﴾، أي: هائر (٦)، وهو الساقط الَّذي يتداعى بعضه في أثر بعض كما ينهار الرمل والشيء الرخو. يقال: (هائر) ثم يقلب ويؤخر ياؤها فيقال: (هارٍ)، كما يقال:

стр. 7248

(شاكِ (١) السلاح) و (شائك السلاح)، و (عاقٍ) و (عائق)، قال الشاعر: وَلَم يَعُقْني عَن هَواهَا عَاق وقيل: هو من (هار يَهار) إذا انهدم (٢)، مثل (خاف يخاف)، وهذا مَثَلٌ لضعف نياتهم (٣) وقلة بصيرتهم في عملهم. ﴿فَانهَارَ﴾ فانتثر (٤)، يقال: هار وانهار وتهوّر، بمعنى واحد إذا سقط وانهدم، ومنه قيل: (تهوّر الليل) إذا ذهب أكثره، وفي مصحف أبيّ ﵁ (فانهارت) (٥) ﴿بِهِ﴾ قواعده ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْظَّالِمِينَ﴾ قال قتادة: والله ما تناهى أن وقع في النار، وذُكر لنا أنَّه حُفِر بقعة منها فرُئي الدخان يخرج منه (٦) (٧). وقال جابر بن عبد الله ﵄: "رأيت الدخان يخرج من مسجد

стр. 7249

الضرار" (١). وقال خلف بن ياسين الكوفي (٢): حججت مع أبي (٣) في زمان بني أمية، فرأيت بالمدينة مسجدًا بقبلتين (٤)، يعني مسجد رسول الله ﷺ بقباء (٥) وفيه قبلة بيت المقدس، فلما كان زمان أبي جعفر، قالوا: يدخل الجاهل فلا يعرف القبلة! فهذا البناء الَّذي ترون، جرى على يدي عبد الصمد بن علي، ورأيت مسجد المنافقين الَّذي ذكره الله تعالى في القرآن، وفيه جحر يخرج منه الدخان، وهو اليوم مزبلة (٦).

стр. 7250

١١٠ - قوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً﴾ شكًّا ونفاقًا ﴿فِي قُلُوبِهِم﴾ يحسبون أنهم في بنيانهم محسنين، كما حُبِّب العجل إلى قوم موسى ﵇، قاله ابن عباس وابن زيد (١). وقال الكلبي: حسرة وندامة؛ لأنهم ندموا على بنائه (٢). وقال السدي وحبيب (٣) والمبرد: لا يزال هدم بنيانهم الَّذي بنوا ﴿رِيبَة﴾، أي حزازةً (٤) وغيظًا في قلوبهم (٥).

стр. 7251

﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ﴾ تتصدع ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ فيموتوا، كقوله : ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (١) لأن الحياة تنقطع بانقطاع النياط (٢). وقرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم: (إلى أنْ) خفيفة اللام (٣) على الغاية، يدل عليه تفسير الضحاك وقتادة؛ لا يزالون في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبينوا (٤). واختلف القراء في قوله: ﴿تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾. فقرأ أبو جعفر وشيبة وابن عامر وحمزة والمفضل وحفص: ﴿تَقَطَّعَ﴾ بفتح التاء والطاء مشدّدًا (٥)، بمعنى: تتقطع ثم حذفت إحدى التائين. وقرأ ابن كثير ومجاهد ونافع وعاصم (٦) وأبو عمرو والكسائي: (تُقَطَّع) بضم التاء وتشديد الطاء (٧) على غير تسمية الفاعل، وهو

стр. 7252

اختيار أبي حاتم وأبي عبيد. وقرأ يعقوب: (تُقْطَع) بضم التاء خفيفة (١) من القطع. وروى عن ابن كثير: (تَقْطَع) بفتح التاء خفيفة، و (قلوبَهم) نصبًا (٢)، أي: تفعل أنت ذلك بهم. وقرأ ابن مسعود والأعمش (ولو قُطّعَت قُلُوبُهم) (٣) ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ١١١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله ﷺ ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفسًا، قال عبد الله بن رواحة ﵁: يا رسول الله؛ أشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: "اشترط لربي أَن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم" قالوا: فإذا فعلنا ذلك؛ فماذا لنا؟ قال: الجنّة قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾ (٤)

стр. 7253

يعني (١) ابتاع (٢) ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ وقرأ الأعمش: (بالجنّة) وهي قراءة عمر بن الخطاب ﵁ (٣) ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ قرأ النخعي، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وخلف، بتقديم المفعول على الفاعل، على معنى: فيقتل بعضهم، ويقتل الباقون. وقرأ الآخرون بتقديم الفاعل على المفعول (٤) ﴿وَعْدًا﴾ نصب على المصدر ﴿عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ بوعده ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. ثم هنّاهُم، فقال : ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ

стр. 7254

بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ قال قتادة: ثامنهم والله (١) فأغلى لهم (٢). قال الحسن: اسمعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله تعالى بها كلَّ مؤمن، والله ما على الأرض مؤمن إلَّا قد دخل في هذِه البيعة (٣). قال (٤): ومرّ أعرابي بالنبي ﷺ وهو يقرأ هذِه الآية فقال: كلام من هذا؛ قال: "كلام الله"، قال: بيعٌ والله مربح لا نُقيله ولا نستقيله، فخرج إلى الغزو فاستشهد (٥).

стр. 7255

[١٤٦٢] أنشدنا أبو القاسم الحبيبي (١)، قال: أنشدنا أبو الحسن العقيلي (٢)، (قال: أنشدنا بشر بن موسى الأسدي) (٣) قال: أنشدنا الأصمعي (٤) لجعفر الصادق (٥) ﵁ (٦): أُثَامِنُ بالنّفس النّفيسةِ رَبَّها ... فَليسَ لَهَا في الخَلق كُلِّهمِ ثَمَنْ بها نشتري الجنّات إنْ أَنَا بعْتُها ... بشيء سِوَاهَا إنَّ ذلكمُ غَبَنْ إذا (٧) ذهَبت نَفسي بدُنيَا أَصَبتُها ... فَقَد ذَهَب الدنيا (٨) وقد ذهب الثمنْ

стр. 7256

وكان الصادق يقول: أيا مَنْ ليست له هِمّة، إنه ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنّة، فلا تبيعوها إلَّا بِها (١). [١٤٦٣] وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي (٢)، قال: أنشدنا القاضي أبو الربيع محمد بن علي (٣)، قال: أنشدنا أبو علي الحسن ابن علي بن عاصم الكوفي (٤): من يشتري قُبّة في العَدن عَاليةً ... في ظِلِّ طُوبَى رَفيعَات مَبَانيها دلّالُها المصطفى والله بائِعُها ... ممن أراد وجبريلٌ مُنَاديها (٥)

стр. 7257

١١٢ - ثم وصفهم فقال ﴿التَّائِبُونَ﴾ أي: هم التائبون، وقرأ ابن مسعود ﵁ (التائبين) بالنصب إلى آخرها (١). قال المفسرون: تابوا من الشرك وبرئوا من النفاق (٢). ﴿الْعَابِدُونَ﴾ المطيعون الذين أخلصوا لله سبحانه العبادة (٣). وقال الحسن وقتادة: هم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم فعبدوا الله تعالى على أحايينهم كلها في السراء والضراء (٤).

стр. 7258

﴿الْحَامِدُونَ﴾ الله على كل حال، وفي كل نعمة. ﴿السَّائِحُونَ﴾ الصائمون. [١٤٦٤] أخبرنا أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن علي المطّوعي (١) بقراءتي عليه، قال: نا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفَّار (٢)، نا عبد الله بن محمد بن النعمان (٣)، نا زيد بن عوف (٤)، نا أبو عوانة (٥)، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "السائحون: الصائمون" (٦).

стр. 7259

وروى شيبان بن عبد الرحمن (١)، عن أشعث (٢) قال: سألت سعيد ابن جبير (٣) ﵀ عن السائحين فقال: هم الصائمون، ألم ترّ أن الله إذا ذكر الصائمين لم يذكر السائحين، وإذا ذكر السائحين لم يذكر الصائمين (٤).

стр. 7260

قال سفيان بن عيينة: إنما قيل للصائم سائح؛ لأنه تارك اللذات كلها من المطعم والمشرب والنِّكَاح (١). وقال الشاعر في الصوم (٢): تراه يصلي ليله ونهاره ... يظل كثير الذكر لله سائحا وقال الحسن: السائحون الذين صاموا عن الحلال، وأمسكوا عن الحرام، وها هنا والله أقوام رأيناهم يصومون عن الحلال، ولا يمسكون عن الحرام، والله ساخطٌ عليهم (٣). وقال عطاء: السائحون الغزاة والمجاهدون (٤).

стр. 7261

[١٤٦٥] وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون (١) بقرءاتي عليه، أنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عديّ (٢)، نا أبو زرعة (٣)، ثنا عبد الله بن عمر القرشي (٤)،

стр. 7262

نا الوليد (١) بن بكير (٢)، عن عمر بن نافع (٣) قال: سمعت عكرمة (٤) وسئل عن قول الله تعالى ﴿السَّائِحُونَ﴾ قال: هم طلبة العلم (٥). ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ يعني المصلين ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال بسام بن عبد الله: المعروف السنة، والمنكر البدعة. ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس ﵄: القائمون على طاعة الله تعالى (٦).

стр. 7263

وقال الحسن ﵀: أهل الوفاء ببيعة الله (١). ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ١١٣ - قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ واختلف العلماء في سبب نزول هذِه الآية: فروى الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: لمَّا حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ ، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أُميّة، فقال له رسول الله ﷺ : "أيْ عمّ، إنك أعظم الناس عليّ حقًّا، وأحسنهم عندي يدًا، ولأنت أعظم على حقًّا من والدي، فقل كلمة تجب لك بها شفاعتي يوم القيامة، قل: (لا إله إلَّا الله) أحاجّ لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: يا أبا طالب؛ أترغب عن مِلّة عبد المطلب، فلم يزالا يُكَلِّمَانِه حتَّى قال آخر شيء تكلّم به: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أُنْهُ" فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. ونزلت (٢) الآية (٣).

стр. 7264

وقال الحسين بن الفضل: وهذا بعيد؛ لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبي ﷺ بمكة. وقال عمرو بن دينار: قال النبي ﷺ : "استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتَّى ينهاني عنه ربي"، فقال أصحابه: ونحن والله لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي ﷺ لعمِّه، فأنزل الله هذِه الآية (١).

стр. 7265

وروى جعفر بن عون، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب قال: بلغني أنَّه لما اشتكى أبو طالب شكواه (التي قبض فيها) (١)، قالت له قريش: يا أبا طالب؛ أرسل إلى ابن أخيك فيرسل إليك من هذِه الجنّة التي يزعم؛ تكون لك شفاء! فخرج الرسول حتَّى وجد رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁ معه جالس، فقال: يا محمد؛ إن عمَّك يقول لك: يا ابن أخي إني كبير ضعيف سقيم؛ فأرسل إليَّ من جنتك هذِه التي تذكر، من طعامها وشرابها شيئًا يكون لي فيه شفاء، فقال أبو بكر ﵁: إن الله حرمها على الكافرين، قال: فرجع إليهم الرسول، وقال: بلَّغْتُ محمدًا الذي أرسلتموني به، فلم يُحِرْ إليّ شيئًا، فقال أبو بكر: إن الله حرمها على الكافرين، قال: فسكت، فحملوا أنفسهم عليه حتَّى أرسل رسولًا من عنده، فوجده الرسول في مجلسه، فقال له مثل ذلك، فقال له (٢) رسول الله ﷺ : "إن الله حرمها على الكافرين، طعامها وشرابها"، ثم قام في أثره حتَّى دخل معه البيت (٣)، فوجده مملوءًا رجالًا، فقال: خلّوا بيني وبين عمي، فقالوا: ما نحن بفاعلين؛ وما أنت أحقُّ به منّا، إن كانت لك قرابة فإن لنا قرابةً مثل قرابتك، فجلس إليه فقال: "يا

стр. 7266

عمّ، جزيت عني خيرًا، كفلتني صغيرًا، وحضنتني (١) كبيرًا، فجزيت عني خيرًا، يا عمَّاه، أَعِنِّي على نفسك بكلمةٍ أشفعُ لك بها عند الله يوم القيامة" قال: وما هي يا ابن أخي؟ قال: "قل: لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له" قال: إنك لي لناصح، والله لولا أن تُعَيَّرَ بها بعدي يقال: جَزعَ عَمُّك عند الموت؛ لأقررت بها عينك، قال: فصاح القوم: يا أبا طالب أنت رأس الحنيفية مِلّة الأشياخ، فقال: على ملة الأشياخ، لا تَحدّثُ نساء قريش أني جزعت عند الموت، فقال رسول الله ﷺ : "لا أزال أستغفر لك ربي حتَّى يردّني"، فاستغفر له بعدما مات، فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قرابتنا وقد استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه، وهذا محمد ﷺ يستغفر لعَمِّه فاستغفر المسلمون للمشركين، فنزلت هذِه الآية (٢).

стр. 7267

والدليل على أن أبا طالب مات كافرًا: [١٤٦٦] ما أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أنا المزني (٢)، قال: نا أحمد بن نجدة (٣)، نا سعيد بن منصور (٤)، حدثنا أبو الأحوص (٥)، نا أبو إسحاق (٦)، قال: قال علي ﵁: لما مات أبو طالب أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن عمّك الضالّ قد مات، فقال لي: "اذهب فادفنه ولا تحدثنّ شيئًا (٧) حتَّى تأتيني"، فانطلقت فواريته، ثم رجعت إلى النبي ﷺ وعليّ أثر التراب، فدعا لي بدعوات ما يسُرُّني أن لي بها ما على الأرض من شيء (٨).

стр. 7268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7269

وقال أبو هريرة وأبو بريدة ﵄: لما قدم النبي ﷺ مكة أتى قبر أُمِّه آمنة، فوقف عليه حتَّى حميت عليه الشمس؛ رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها، فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، فقام فبكى وأبكى من حوله ثم قال: "إني استأذنت ربي أن أزورها فأذن لي، واستأذنته أن استغفر لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت" (١)، فما رئي باكيًا

стр. 7270

أكثر من يومئذٍ. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: كانوا يستغفرون لأمواتهم المشركين فنزلت هذِه الآية، فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتَّى يموتوا (١).

стр. 7271

وقال قتادة: قال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : يا نبي الله؛ إن من آبائنا من كان يُحْسِن الجوار، ويصل الأرحام، ويفكّ المعاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال: "بلى وأنا والله لأستغفرن لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه"، فأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (١)، أي: ما ينبغي للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين. وقال أهل المعاني: (ما كان) في القرآن على وجهين: أحدهما: بمعنى النفي كقوله : ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ (٢) و ﴿وَمَا كَانَ لِنَفسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (٣) و ﴿وَمَا كَانَ لِنَفسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ﴾ (٤). والآخر: بمعنى النهي؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (٦).

стр. 7272

﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ بموتهم على الكفر. وتأول بعضهم الاستغفار في هذِه الآية على الصلاة، فقال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل هذِه القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا؛ لأني لم أسمع الله تعالى حجب الصلاة إلَّا عن المشركين بقوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية (١). ثم عذر خليله إبراهيم ﵇ فقال عز من قائل: ١١٤ - ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾. قال علي بن أبي طالب ﵇: لما أنزل الله ؛ خبرًا عن إبراهيم ﵇ قَال ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ (٢) سمعت رجلًا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فقلت له: تستغفر لهما (٣) وهما مشركان؟ فقال: ألم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فأنزل الله هذِه الآية، وأنزل قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ (٤) الآية (٥).

стр. 7273

وقوله: ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ يعني: إلَّا. بعد موعدة (١) ﴿وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ قال بعضهم: الهاء في إياه عائدة على إبراهيم ﵇، وذلك أن أباه وعده أن يُسْلِم، فعند ذلك قال له: سأستغفر لك ربي (٢)، وقال بعضهم: هي راجعة إلى أبي إبراهيم، وذلك أن إبراهيم ﵇ وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه؛ وهو قوله: ﴿سَأَسْتَغفِرُ

стр. 7274

لَكَ رَبِّى﴾ وقوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ الآية (١)، يدل عليه قراءة الحسن (وعدها أياه) بالباء (٢). ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ بموته على الكفر ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾، وقيل معناه: فلما تبين له في الآخرة أنَّه عدو لله (٣)، وذلك على ما ورد في الأخبار؛ أن إبراهيم ﵇ يقول يوم القيامة: ربِّ والدي، رب والدي، فإذا كانت الثالثة يُرِيهِ الله تعالى أباه، فيقول له إبراهيم ﵇: إني كنت آمرك في الدنيا فتعصيني، ولستُ تارككَ (٤) اليوم لشيء (٥)، فخذ بحقوي، فيتعلق به حتَّى يريد الجواز على الصراط،

стр. 7275

حتَّى إذا أراد أن يجاوزه به حانت من إبراهيم ﵇ التفافة؛ فإذا هو بأبيه في صورة ضبع، فيخلي عنه ويتبرأ منه يومئذ (١). وعلى هذا التأويل يكون معنى الكلام الاستقبال، تقديره: يتبين، ويتبرأ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ اختلفوا في معناه (٢):

стр. 7276

فروى شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد مرسلًا: أن رسول الله ﷺ سئل عن الأوّاه، قال: "الخاشع المتضرع" (١). وقال أنس ﵁: تكلمت امرأة عند رسول الله ﷺ بشيء كرهه، فنهاها عمر ﵁، فقال رسول الله ﷺ : "دعوها فإنها أواهة"، قيل: يا رسول الله؛ وما الأوّاهة قال: "الخاشعة" (٢).

стр. 7277

[١٤٦٧] وأخبرنا أبو نعيم الأزهري (١)، قال: نا أبو عوانة (٢)، نا عمر بن سهل البصري (٣)، نا يعقوب بن إسحاق الحضرمي (٤)، نا جعفر ابن سليمان (٥)، قال: سمعت أبا عمران الجوني (٦) يذكر، عن عبد الله ابن رباح (٧)، عن كعب (٨) في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ قال: كان إذا ذكر النار قال: أوّاه (٩).

стр. 7278

وقال عبد الله بن مسعود وعبيد (١) بن عمير: الأوّاه الدّعّاء. وقال الضحاك: هو الخاشع الدعاء (٢). وروى الأعمش (٣)، عن الحكم (٤)، عن يحيى بن الجزار (٥) قال:

стр. 7279

جاء أبو العبيدين (١) رجل من سواءة (٢) -وكان ضريرًا- إلى ابن مسعود (٣) ﵁ فقال: يا أبا عبد الرحمن؛ من نسأل إذا لم نسألك! ما (٤) الأوّاه؟ فكأن ابن مسعود ﵁ رقّ له، فقال: الأوّاه: الرحيم (٥). وقال الحسن وقتادة: الأوّاه؛ الرحيم بعباد الله. وقال أبو ميسرة: الأوّاه؛ الرحيم بلغة الحبشة (٦).

стр. 7280

وروى عطية، عن ابن عباس ﵄: الأوّاه؛ المؤمن بالحبشية. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: الأوّاه؛ المؤمن التوّاب. وقال مجاهد: الأوّاه الموقن الوفي (١)، وهو رواية أبي ظبيان (٢) عن ابن عباس (٣)، وعلي بن الحكم عن الضحاك. وقال عكرمة: هو المستيقن بلغة الحبشة، ألا ترى أنك إذا قلت للحبشيّ الشيءّ فعَرَفَه، قال: أوّه. وقال ابن أبي نجيح: هو المؤتمن. وقال الكلبي (٤): الأوّاه المسبّح الَّذي يذكر الله في الأرض القفرة الموحشة.

стр. 7281

وقال عقبة بن عامر ﵁: الأوّاه الكثير الذكر لله سبحانه (١). وروى الحكم، عن الحسن بن مسلم (بن ينّاق) (٢)، أن رجلًا كان يكثر ذكر الله سبحانه ويسبّح، فذُكِر ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنه أوّاه". وقيل: هو الذي يكثر تلاوة القرآن. قال ابن عباس ﵄: دفَنَ رسول الله ﷺ ميّتًا فقال: "رحمك الله إن كنت لأواهًا"؛ يعني: تلَّاءً للقرآن (٣). وقيل: هو الذي يجهر صوته بالذكر والدعاء والقرآن، ويكثر التلاوة.

стр. 7282

وكان إبراهيم ﵇ يقول كثيرًا: آه من النار قبل أن لا ينفع آه. وروى شعبة، عن أبي يونس القشيري (١)، عن قاصٍّ كان بمكة، يحدث عن أبي ذر ﵁ قال: كان رجل يطوف بالبيت ويقول: في دعائه: أوّه أوّه. فشكاه أبو ذر ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: "دعْهُ فإنه أوّاه"، فخرجتُ ذات ليلة؛ فإذا رسول الله ﷺ يدفن ذلك الرجل ليلًا ومعه المصباح (٢). وقال النخعي: الأوّاه الفقيه. وقال الفراء: هو الذي يتأوه من الذنوب (٣). وقال سعيد بن جبير: الأوّاه المعلم للخير. وقال عبد العزيز بن يحيى: هو المشفق. وكان أبو بكر ﵁ يسمّى الأوّاه لشفقته ورأفته (٤). وقال عطاء: هو الراجع عن كلّ ما يكره الله . وقال أيضًا: هو الخائف من النار.

стр. 7283

وقال أبو عبيدة: هو المُتَأوّه شفقًا وفرقًا، والمتضرع يقينًا ولزومًا للطاعة (١). قال الزجّاج: انتظم قول أبي عبيدة جميع ما قيلَ في الأوّاه (٢). وأصله من التأوّه، وهو أن تسمع للصَّدر صوتًا من تنفُّس الصعداء (٣)، والفعل منه: أوه وتأوّه. قال المثقب العبدي (٤) يصف ناقةً (٥): إذا ما قمت أرحلُها بليل ... تأوّه آهة الرَّجل (٦) الحزين

стр. 7284

وقال الراجز (١): فأوّه الراعي وضوضا الجلبة ولا يقال منه: فَعَلَ يَفْعَلُ (٢). ﴿حَلِيمٌ﴾ عمّن سَبَّه ونالهُ بالمكروه، وذلك أنه صلوات الله وسلامه (٣) عليه استغفر لأبيه عند وعِيدِه إيّاه وشتمه، وهو قوله (٤) تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (٥) فقال له: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٦) (٧). وقال ابن عباس ﵄: الحليم السيد (٨).

стр. 7285

١١٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ يعني: وما كان الله ليحكم عليكم بالضلال بعد استغفاركم للمشركين قبل أن يتقدم إليكم بالنهي. وقال مجاهد: بيان الله سبحانه للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، وبيانه لهم في معصيته ومخالفته وطاعته عامّة، فافعلوا أو ذروا (١). وقال مقاتل والكلبي: لما أنزل الله تعالى الفرائض، فعمل بها الناس، جاء ما نسخها من القرآن، وقد مات ناس وهم يعملون الأمر الأوّل من القبلة والخمر وأشباه ذلك، فسألوا عنه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ (٢) يعني: ما كان الله ليبطل (٣) عمل قوم عملوا بالمنسوخ حتى يبين لهم الناسخ.
следующие страницы →