← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

وقال عقبة بن عامر ﵁: الأوّاه الكثير الذكر لله سبحانه (١). وروى الحكم، عن الحسن بن مسلم (بن ينّاق) (٢)، أن رجلًا كان يكثر ذكر الله سبحانه ويسبّح، فذُكِر ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنه أوّاه". وقيل: هو الذي يكثر تلاوة القرآن. قال ابن عباس ﵄: دفَنَ رسول الله ﷺ ميّتًا فقال: "رحمك الله إن كنت لأواهًا"؛ يعني: تلَّاءً للقرآن (٣). وقيل: هو الذي يجهر صوته بالذكر والدعاء والقرآن، ويكثر التلاوة.

стр. 7282

وكان إبراهيم ﵇ يقول كثيرًا: آه من النار قبل أن لا ينفع آه. وروى شعبة، عن أبي يونس القشيري (١)، عن قاصٍّ كان بمكة، يحدث عن أبي ذر ﵁ قال: كان رجل يطوف بالبيت ويقول: في دعائه: أوّه أوّه. فشكاه أبو ذر ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: "دعْهُ فإنه أوّاه"، فخرجتُ ذات ليلة؛ فإذا رسول الله ﷺ يدفن ذلك الرجل ليلًا ومعه المصباح (٢). وقال النخعي: الأوّاه الفقيه. وقال الفراء: هو الذي يتأوه من الذنوب (٣). وقال سعيد بن جبير: الأوّاه المعلم للخير. وقال عبد العزيز بن يحيى: هو المشفق. وكان أبو بكر ﵁ يسمّى الأوّاه لشفقته ورأفته (٤). وقال عطاء: هو الراجع عن كلّ ما يكره الله . وقال أيضًا: هو الخائف من النار.

стр. 7283

وقال أبو عبيدة: هو المُتَأوّه شفقًا وفرقًا، والمتضرع يقينًا ولزومًا للطاعة (١). قال الزجّاج: انتظم قول أبي عبيدة جميع ما قيلَ في الأوّاه (٢). وأصله من التأوّه، وهو أن تسمع للصَّدر صوتًا من تنفُّس الصعداء (٣)، والفعل منه: أوه وتأوّه. قال المثقب العبدي (٤) يصف ناقةً (٥): إذا ما قمت أرحلُها بليل ... تأوّه آهة الرَّجل (٦) الحزين

стр. 7284

وقال الراجز (١): فأوّه الراعي وضوضا الجلبة ولا يقال منه: فَعَلَ يَفْعَلُ (٢). ﴿حَلِيمٌ﴾ عمّن سَبَّه ونالهُ بالمكروه، وذلك أنه صلوات الله وسلامه (٣) عليه استغفر لأبيه عند وعِيدِه إيّاه وشتمه، وهو قوله (٤) تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (٥) فقال له: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٦) (٧). وقال ابن عباس ﵄: الحليم السيد (٨).

стр. 7285

١١٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ يعني: وما كان الله ليحكم عليكم بالضلال بعد استغفاركم للمشركين قبل أن يتقدم إليكم بالنهي. وقال مجاهد: بيان الله سبحانه للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، وبيانه لهم في معصيته ومخالفته وطاعته عامّة، فافعلوا أو ذروا (١). وقال مقاتل والكلبي: لما أنزل الله تعالى الفرائض، فعمل بها الناس، جاء ما نسخها من القرآن، وقد مات ناس وهم يعملون الأمر الأوّل من القبلة والخمر وأشباه ذلك، فسألوا عنه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ (٢) يعني: ما كان الله ليبطل (٣) عمل قوم عملوا بالمنسوخ حتى يبين لهم الناسخ.

стр. 7286

وقال الضحاك: وما كان الله ليعذب قومًا (١). ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ما يأتون وما يذرون ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ثم عظَّم نفسه فقال تعالى ١١٦ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يحكم فيهما بما يشاء ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ١١٧ - قوله : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال ابن عباس ﵄: ومن تاب الله تعالى عليه لم يُعذّبْه أبدًا. واختلفوا في معنى التوبة على النبي ﷺ : فقال أهل التفسير: بإذنه للمنافقين في التخلّف عنه. وقال أهل المعاني: هو مفتاح كلام، لما كان هو سبب توبتهم ذُكر معهم؛ كقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٢) ونحوه (٣). ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾؛ أي في وقت

стр. 7287

العسرة، ولم يُردْ ساعةً بِعَينِها. قال جابر ﵁: عسرة الظَّهْر، وعسرة الزاد، وعسرة المال (١) (٢). وقال الحسن: كان العَشَرَة من المسلمين يخرجون على بعيرٍ يعتَقِبُونه بينهم، يركب الرَّجل ساعةً ثم ينزل فيركب صاحبه، وكذلك كان زادهم من (٣) التمر المسوس والسَّويق والشعير المتغيّر والإهالة المُنْتِنَة، وكان النَّفَر منهم يَخْرُجُون؛ ما معهم إلا (التمرة من) (٤) التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فَلاكَها حتى يجد طعمها، ثم يعطيها صاحبه، فيمصّها ثم يشربَ عليها جرعة من ماء، كذلك حتى تأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلا النّواة، فمضوا مع رسول الله ﷺ على صِدقِهِم ويقينهم (٥).

стр. 7288

وقال عبد الله بن عباس ﵄: قيل لعمر بن الخطاب ﵇ في شأن العسرة، فقال عمر ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظٍ شديدٍ، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطشٌ حتى ظننّا أنّ رقابنا ستنقطع، حتى إنّ الرجل (١) ليذهبُ يلتمسُ الماءَ فلا يرجع حتى يظنّ أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجلَ ينحرُ بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله؛ إن الله قد عوّدك في الدعاء خيرًا؛ فادع لنا! قال: تحبّ ذلك؟ قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت (٢) السماء، فأظلّت، ثم سكبت، فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر (٣).

стр. 7289

﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ﴾ تميل (١) ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ لعظم البلاء، قراءة العامة (تزيغ) -بالتاء-، ودليله قراءة عبد الله (من بعد ما زاغت قلوب فريق) (٢)، وقرأ حمزة وحفص والأعمش والجحدري والعباس بن يزيد الثقفي بالياء (٣)، قال الأعمش: لو قرأتها بالتاء قلت: والأمر فيه سهل لتقدم الفعل. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 7290

١١٨ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ يعني: وتاب على الثلاثة الذين خلّفوا عن غزاة تبوك فلم يخرجوا، وقيل: خلّفوا عن توبة أبي لبابة وأصحابه، وأُرجِئ أمرُهُم، وقد مضت القصة. وقرأ عكرمة بن خالد (١) (خَلفوا) -بفتح الخاء واللام والتخفيف (٢) -؛ أي قعدوا بعقب (٣) رسول الله ﷺ وأفسدوا. وقرأ جعفر الصادق ﵀ (خالفوا) (٤)، وقرأ الأعمش وعلى الثلاثة المخلفين (٥). وهم كعب بن مالك الشاعر (٦)، ومرارة بن الربيع (٧)، وهلال بن أمية (٨) ﵁، وكلهم من الأنصار.

стр. 7291

[١٤٦٨] أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون (١) وعبد الله بن حامد (٢)، قال: أنا أحمد بن محمد بن الحسن (٣)، نا محمد بن يحيى (٤)، نا عبد الرزاق (٥)، أنا معمر (٦)، عن الزهريّ (٧)، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك (٨)، عن أبيه (٩) قال، ح. [١٤٦٩] ونا أبو صالح (١٠)، قال: حدثني الليث (١١)، قال: حدثني عقيل (١٢)، عن ابن شهاب (١٣)، قال: أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك وكان قائد كعب حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يُحدِّث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة تبوك. [١٤٧٠] قال: ونا عبد الله بن محمد النفيلي (١٤)، نا محمد بن

стр. 7292

سلمة (١)، عن محمد بن إسحاق (٢)، قال: ذكر محمد بن مسلم (٣)، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب الأنصاري (٤) (٥)، أن أباه عبد الله بن كعب (٦) وكان قائد أبيه كعب حين أصيب بصره قال: سمعت أبي كعب ابن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ . [١٤٧١] قال: ونا أحمد بن أبي شعيب الجزري (٧)، نا موسى بن أعين (٨)، قال: نا إسحاق بن راشد (٩)، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: سمعت كعب بن مالك، واقتصوا الحديث، وبعضهم (١٠) يزيد على

стр. 7293

بعض، وهذا حديث عبد الرزاق (١): قال: فلم أتخلف عن النبي ﷺ في غزاة غزاها، حتى كانت غزاة تبوك، إلا بدرًا، ولم يعاتب (٢) النبي ﷺ أحدًا تخلف عن بدر، إنما خرج يريد العير، فخرجت قريش مُغْوِثين لِعِيرِهم، فالتقوا من غير موعد كما قال الله تعالى، ولعمري إن أشرف مشاهد رسول الله ﷺ في الناس لبدر، وما أُحبُّ أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة، حيث (٣) تواثقنا على الإسلام، ثم لم أتخلَّف عن النبي ﷺ بعدُ في غزاة غزاها، إلى أن كانت غزاة تبوك، وآذن الناس بالرحيل (٤)، وذلك حين طابت الظلال، وطابت الثمار، وكان قلَّ ما أراد غزاة إلا وارى (٥) بغيرها، وكان يقول: "الحرب خدعة"، فأراد النبي ﷺ في غزاة تبوك أن يتأهب الناس أُهبتها، وأنا أيسر ما كنتُ، قد جمعت راحلتين، وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخِفَّة الحاذ (٦)، وأنا في ذلك أصغي إلى الظلال وطيِّب الثمار، فلم أزل كذلك حتى قام النبي ﷺ

стр. 7294

غاديًا بالغداة؛ وذلك يوم الخميس، وكان يحبُّ أن يخرج يوم الخميس، فأصبح غاديًا، قلتُ: انطلق غدا إلى السوق فاشتري جَهازي ثم الحق بهم، فانطلقت إلى السوق من الغد، فعسُر عليّ بعض شأني، فرجحت فقلت: أرجع غدًا إن شاء الله تعالى فألحق بهم، فعسر على بعض شأني أيضًا، فلم أزل كذلك حتى التبس بي الذنب، وتخلفت عن رسول الله ﷺ ، وجعلت أمشي في الأسواق وأطوف بالمدينة، فيحزنني أني لا أرى أحدًا إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق (أو بعض من عذر الله تعالى من الضعفاء) (١)، وكان ليس أحد تخّلف إلا رأى (٢) أن ذلك سيخفى (٣) له، وكان الناس كثيرا لا يجمعهم ديوان (٤)، وكان جميع من تخلّف عن رسول الله ﷺ بضعا وثمانين رجلا ولم يذكرني النبي ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو بتبوك جالس: "ما فعل كعب بن مالك؟ " فقال رجل من قومي: يا رسول الله، خلّفه بُردَاه والنَّظَرُ في عِطْفَيه، فقال معاذ بن جبل ﵄: بئس ما قلت، والله يا نبي الله ما نعلم منه (٥) إلا خيرًا، فبينما هم كذلك" إذا هم برجل يَزُول به السَّراب، فقال النبي

стр. 7295

- ﷺ : "كن أبا خثيمة! " فإذا هو أبو خثيمة الأنصاري ﵁، (وهو الذي تصدق بصاع من (١) التمر فلَمَزَه المنافقون) (٢). فلما قضى النبي ﷺ غزاة تبوك وقَفَلَ ودَنَا من المدينة، جعلتُ أتذكّر بمَ أخرج من سخط النبي ﷺ ، وأستعين على ذلك كُلَّ ذي رأي من أهلي، حتى إذا قيل: إن النبي ﷺ مُصَبِّحكم بالغداة، زاح عني الباطل، وعرفت أن لا أنجو إلا بالصِّدق، فدخل النبي ﷺ (٣) وصلّى في المسجد ركعتين، وكان إذا جاء من سفر فعل ذلك، بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس، فجعل يأتيه من تخلّف (٤) فيلحفون له، ويعتذرون إليه، فيستغفر لهم، ويقبل علانيتهم ويَكِلُ أسرارهم (٥) إلى الله تعالى، فدخلت المسجد فإذا هو جالس، فلما رآني تبسَّم تبسُّم المغضب، فجئت فجلست بين يديه، فقال: "ألم تكن ابتعت ظهرك؟ " قلت: بلى يا رسول الله! قال: "فما خَلَّفَك؟ " قلت: والله لو أنَّ بين يدي أحدٍ من الناس غيرك جلست لخرجت (٦) من سخطه (٧) عليّ بعذر، ولقد أوتيتُ

стр. 7296

جَدَلًا (١)، ولكل قد علمتُ يا نبي الله! أني إن أخبرك اليوم بقولٍ تجد عليّ فيه (٢) وهو حقّ، فإني أرجو فيه عفو الله، كان حدثتك اليوم حديثًا ترضى عني فيه وهو كذب، أوشك الله أن يطلعك عليّ، والله يا نبي الله؛ ما كنت قط أيسرّ ولا أخفَّ حالًا (٣) منّي حين تخلّفت عنك، قال: "أمّا هذا فقد صدقكم الحديث، قم حتى يقضي الله فيك"، فقمتُ، فثار على أثري ناس من قومي يؤنبونني، فقالوا: والله ما نعلمك أذنبت قبل هذا؛ فهلّا اعتذرت إلى النبي ﷺ بعذر يرضى عنك فيه، وكان استغفار رسول الله ﷺ سيأتي من وراء ذنبك، ولم تَقِفْ نفسك موقفًا لا تدري ما يقضي الله تعالى لك فيه، فلم يزالوا يؤنبونني، حتى هممت أن أرجع فأُكَذِّبَ نفسي، فقلت: هل قال هذا القول أحد غيري؟ قالوا: نعم، قاله هلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن ربيعة (٤) العامري، فذكروا رجلين صالِحَين قد شهدا بدرًا (٥) في فيهما أسوة، فقلت: والله لا أرجع إليه في هذا أبدًا،

стр. 7297

ولا أكذب نفسي، قال: ونهى النبي ﷺ الناس عن كلامنا أيها (١) الثلاثة. قال: فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكّر لنا الناس، حتى ما هم بالذين نَعرِف، وتنكّرت لنا الحيطان، حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وتنكّرت لنا الأرض، حتى ما هي بالأرض التي نعرف، وكنت أقوى أصحابي (٢)، فكنت أخرج فأطوف بالأسواق، وآتي المسجد فأدخل، وآتي النبي ﷺ فأسلّم عليه، وأقول: هل حرّك شفتيه بالسلام، فإذا قمت فأقبلت قِبَلَ صلاتي، نَظَر إليَّ بمؤخر عينيه، وإذا نظرتُ إليه أعرضَ عنّي، واستكان صاحباي، فجعلا يبكيان الليل والنهار، لا يُطْلعان رؤوسهما، فلما طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين مشيت حتى تسوَّرت جدار أبي قتادة وهو ابن عمّي وأحبُّ الناس إليَّ، فسلمت عليه، فوالله ما ردَّ عليّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة؛ أنشدك الله؛ هل تعلمنّ أني أحبُّ الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتولّيت حتى تسوَّزت الجدار (٣)، فبينا أنا أطوف في السُّوق

стр. 7298

إذا رجل نصراني نبطيّ من نبط الشام جاء بطعام له يبيعه يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إليّ، فأتاني، فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسّان، فإذا فيه: أما بعد! فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك، ولست بدار مضيعةٍ ولا هوان، فالحق بنا نُواسِك"، فقلت: هذا أيضًا من البلاء والشرّ، فسجّرت التنور وأحرقته، فلما مضت أربعون ليلة، إذا رسولُ رسول الله ﷺ أتاني فقال: "اعتزل امرأتك"، فقلت: أُطلِّقها؟ قال: لا، ولكن لا تقربنّها، (وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر) (١)، قال: فجاءت امرأة هلال ﵁ فقالت: يا نبي الله! إن هلال بن أمية ﵁ شيخ ضعيف (٢)، فهل تأذن في أن أخدمه؟ قال: "نعم، ولا يقربنّك"، قالت: يا نبي الله! والله ما به (٣) حركة لشيء، ما زال يبكي الليل والنهار، مذ كان من أمره ما كان، (قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه، فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ؛ وما يدريني ماذا يقول في إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب) (٤)، فلما

стр. 7299

مضت خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا صليّت على ظهر بيت لنا صلاة الفجر، ثم جلست، وأنا في المنزلة التي قال الله تعالى، قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت علينا أنفسنا؛ إذ سمعت نداء من ذروة سلع (١) أن أبشر يا كعب بن مالك! فخررت ساجدًا لله (٢)، وعلمت أن الله تعالى قد جاء بالفرج، ثم جاء رجل يركض على فرس يُبَشِّرُني، فكان موضع الصوت أسرع من فرسه، فأعطيته ثوبي بشارة ولبست ثوبين آخرين، قال: وكانت توبتنا نزلت على النبي ﷺ ثُلُث الليل، فقالت أم سلمة ﵂: يا رسول الله! ألا نبشِّر كعب بن مالك؟ قال: إذًا يحطمكم الناس، ويمنعونكم النوم سائر الليل (٣)، وكانت أم سلمة ﵂ مُحْسِنةً في شأني، تحزن بأمري، فانطلقتُ إلى النبي ﷺ فإذا هو جالس في المسجد، وحوله المسلمون، (فقام إليّ طلحة بن عبيد الله ﵁ يهرول حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، فكان كعب لا ينساها لطلحة) (٤)،

стр. 7300

قال: كعب ﵁: فلما سلّمت على النبي ﷺ قال لي وهو يستنير استنارة القمر -وكان إذا سُرَّ بالأمر استنار-: "أبشر يا كعب! بخير يوم أتى عليك منذ ولدتك أمك"، فقلت: يا رسول الله، أمن عند الله، أم عندك؟ قال: "بل من عند الله"، ثم تلا عليهم ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فقلت: يا نبي الله، إن من توبتي أن لا أحدِّث إلَّا صادقًا، وأن أنخلع من مالي كُلِّه صدقة إلى الله ورسوله، فقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، قال: فما أنعم الله عليَّ بنعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ حين صدقته أنا وصاحباي أن لا نكون كذبنا فهلكنا، كما هلكوا، وإني لأرجو أن لا يكون الله أبلى أحدًا في الصدق مثل الذي أبلاني، ما تعمدت بكذبة (١) بعدُ، وإن لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. فهذا ما انتهى إلينا من حديث الثلاثة الذين خلفوا (٢).

стр. 7301

﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ اتسعت؛ أي ضاقت عليهم الأرض بسعتها ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ غمًّا وهمًّا ﴿وَظَنُّوا﴾ وأيقنوا (١) ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾. [١٤٧٢] سمعت الحسن بن محمد بن جعفر النيسابوري (٢)، يقول: سمعت إبراهيم بن محمد بن يزيد النسفي (٣)، يقول: سمعت أبا عبد الله (٤) -ختن أبي بكر الوراق- يقول: سئل أبو بكر الورّاق (٥) عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب وصاحبيه ﵁ (٦).

стр. 7302

﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أعاده تأكيدًا ﴿لِيَتُوبُوا﴾ فبدأ بالتوبة منه. [١٤٧٣] سمعت أبا القاسم ابن أبي بكر السدوسي (١) يقول: سمعت أبا سعيد أحمد بن محمد بن رميح الزيدي (٢) يقول: سمعت الحسن بن علّويه الدامغاني (٣) يقول: قال أبو يزيد البسطامي (٤): غلطت في أربعة أشياء: (في الابتداء مع الله) (٥): ظننت أني أُحِبُّه فإذا هو أحبَّني بقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٦) وظننت أني أرضى عنه فإذا هو رضي عني قال الله تعالى: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٧)، وظننت أني أذكره فإذا هو ذا ذكرني قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٨)، وظننت أني أتوب فإذا هو تاب عليّ قال

стр. 7303

الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ١١٩ - قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ قال نافع: مع محمد ﷺ وأصحابه (٢). وقال سعيد بن جبير: مع أبي بكر وعمر ﵄ (٣). وقال ابن جريج وابن حيان: مع المهاجرين (٤)، ودليله قوله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٥). [١٤٧٤] أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الله (٦)، قال: نا محمد

стр. 7304

ابن عثمان بن الحسن (١)، نا محمد بن الحسين بن صالح (٢)، نا علي بن جعفر بن موسى (٣)، نا جندل بن والق (٤)، نا محمد بن عمر المازني (٥)، نا الكلبي (٦)، عن أبي صالح (٧)، عن ابن عباس ﵄ في هذِه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ قال: مع علي بن أبي طالب ﵁ وأصحابه (٨). [١٤٧٥] وأخبرني عبد الله بن حامد (٩)، قال: نا محمد بن عثمان (١٠)، نا محمد بن الحسين (١١) نا علي بن العباس المقانعي (١٢)،

стр. 7305

نا جعفر بن محمد بن الحسن (١)، نا أحمد بن صبيح الأسدي (٢)، نا مفضل بن صالح (٣)، عن جابر (٤)، عن أبي جعفر (٥) في قوله تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ قال: مع آل محمد ﷺ (٦). وقال يمان بن رئاب: أصدقوا كما صدق الثلاثة الذين خُلّفوا. وقال ابن عباس ﵄: مع الذين صدقت نياتهم، فاستقامت قلوبهم وأعمالهم (٧)، وخرجوا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك بإخلاص ونية. وقال قتادة: يعني الصدق والنية والعمل، والصدق (٨) في الليل والنهار، وفي السر والعلانية. وكان ابن مسعود يقول: كونوا من الصادقين. وكذا كان يقرؤها هو وابن عباس ﵄.

стр. 7306

وروي ذلك عن النبي ﷺ (١). [١٤٧٦] أخبرنا عبد الله بن حامد (٢)، نا عبد الله بن محمد بن الحسن (٣)، نا محمد بن يحيى (٤)، نا وهب بن جرير (٥)، نا شعبة (٦)، عن عمرو بن مرّة (٧)، عن أبي عبيدة (٨)، عن عبد الله (٩) ﵁ قال: إن الكذب لا يصلح من جدّ ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيَّهُ شيئًا ثم لا ينجز له، اقرأوا إن شئتم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ هل ترون في الكذب رخصة؟ ! (١٠).

стр. 7307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7308

١٢٠ - قوله تعالى: ﴿ما كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ ظاهره خبر، ومعناه نهي كقوله ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ (١) (٢). ﴿وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ سكان البوادي: مزينة وجهنية وأشجع وأسلم وعفار ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ﷺ إذا غزا ﴿وَلَا﴾ أن (٣) ﴿يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ في مصاحبته ومعاونته والجهاد معه. وقال الحسن: يعني لا يرغبون بأنفسهم أن يصيبهم من الشدائد مثل ما يصيب رسول الله ﷺ (٤). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ﴾ في سفرهم في ﴿ظَمَأٌ﴾ عطش، وقرأ عبيد ابن عمير (ظماء) - بالمدّ- وهما لغتان؛ مثل خطأ وخطآء (٥). ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ تعب (٦) ﴿وَلَا مخَمصَةٌ﴾ مجاعة (٧) ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ أرضًا ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ وطؤوهم إياها ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ ولا يصيبون من عَدُوِّهم قتلًا أو

стр. 7309

أسرًا أو غنيمة أو هزيمة، يقال: نِلْتُ الشيء فهو منيل ومنال (١). ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ قال ابن عباس ﵄: بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعين ألف حسنة (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فإن أصابه ظمأ سقاه الله من نهر الحيوان فلا يصيبه ظمأ بعده، كان أصابه نصب أعطاه الله تعالى الغسل (٣) من نهر الحيوان وانقطع من النصب، ومن خرج في سبيل الله لم يضع قدمًا ولا يدًا ولا جبينًا (٤) ولا أنفًا ولا ركبةً ولا ساجدًا ولا راكعًا ولا ماشيًا ولا نائمًا في بقعة من بقاع الله تعالى إلا أذن الله له بالشهادة وبالشفاعة. واختلفوا في حكم هذِه الآية: فقال قتادة: هذِه خاصة لرسول الله ﷺ إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر، فأما غيره من الأئمة والولاة؛ فإن لمن شاء من المؤمنين أن يتخلّف خلافه إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة ماسّة (٥) (٦)، قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: "لولا أن أشق

стр. 7310

على أمتي ما تخلّفت خلف سرية تغزو في سبيل الله، لكني لا أجد سعة فأنطلق بهم معي وبشقّ على أن أدعهم بعدي" (١). وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي وابن المبارك والفزاري والسبيعي وابن جابر وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذِه الآية: إنها لأول هذِه الأمة وآخرها (٢). وقال ابن زيد: هذا حين كان أهل الإسلام قليلًا فلما كثروا نسخها الله وأباح التخلف لمن شاء فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية (٣).

стр. 7311

١٢١ - ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الله ﴿نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ ولا عِلاقة سوط ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ﴾ ولا يجاوزون (١) ﴿وَادِيًا﴾ في مسيرهم مقبلين أو مدبرين ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ يعني آثارهم وخطاهم ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يرضيهم بالثواب، ويدخلهم الجنة بغير حساب، قاله ابن عباس ﵄. [١٤٧٧] أخبرنا أبو عمرو الفراتي (٢) بقراءتي عليه، أنا أبو موسى (٣)، انا مسدّد (٤)، نا هارون بن عبد الله (٥)، قال: نا ابن أبي

стр. 7312

فُدَيك (١)، عن الخليل بن عبد الله (٢)، عن الحسن (٣)، عن علي بن أبي طالب وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة الباهلي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين ﵁ يحدثون عن رسول الله أنه قال: "من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه وأنقق في وجهه ذلك؛ فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم" ثم تلا هذِه الآية ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) (٥).

стр. 7313

١٢٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية قال ابن عباس ﵄ في رواية الكلبي: كان رسول الله ﷺ إذا خرج غازيًا لم يتخلف عنه إلا المنافقون والْمُعذّرون، فلما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين وبيَّن نفاقهم في غزوة تبوك؛ قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزاة يغزوها رسول الله ﷺ ولا سرية أبدًا، فلما أمر رسول الله ﷺ بالسرايا إلى العدو، ونفر المسلمون جميعًا إلى الغزو، وتركوا رسول الله ﷺ وحده بالمدينة؛ فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (١). يعني: ليس لهم أن يخرجوا جميعًا إلى الغزو ويتركوا رسول الله ﷺ وحده. ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ فهلاّ خرج ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ قبيلة ﴿مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ جماعة ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ يعني الفرقة القاعدين، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن وتعلمه القاعدون، قالوا لهم إذا رجعوا: إن الله تعالى قد أنزل على نبيِّكم بعدكم قرآنا وقد تعلّمناه، فيمكث السرايا يتعلمون مما أنزل الله على نبيهم بَعدَهُم، ويبعثُ سرايا أُخَر؛ فذلك ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (٢).

стр. 7314

﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ وليعلموهم القرآن ويخوفوهم به ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ولا يعملون بخلافه. وقال الحسن: هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة (١). ومعنى الآية: ليتفقهوا أي: ليتبصروا ويتيقنوا بما يريهم الله تعالى من الظهور على المشركين ونصرة الدين، ولينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد فيخبرونهم بنصر الله النبي والمؤمنين، ويخبرونهم أنهم لا يدان (٢) لهم بقتال رسول الله ﷺ والمؤمنين، لعلهم يحذرون قتال النبي ﷺ فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار. قال الكلبي: ولها وجه آخر؛ ذُكِر أن أحياء من بني أسد بن خزيمة أصابتهم سَنَة شديدة، فأقبلوا بالذراري معهم والصبية حتى نزلوا المدينة، فأفسدوا طُرُقها بالعذرات، وأغلوا أسعارها؛ فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٣).

стр. 7315

وقال مجاهد: نزلت في ناس من أصحاب النبي ﷺ ، خرجوا في البوادي، فأصابوا من فيها معروفًا وخصبًا، ودعوا من وجدوا من الناس على الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا، فوجدوا في أنفسهم من ذلك حَرَجًا، وأقبلوا كلّهم من البادية حتى دخلوا على النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ وليستمعوا (١) ما أنزل الله بعدهم ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ الناس كلهم ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ ويدعوهم إلى الله ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ بأس الله ونقمته باتّباعِهِم وطاعتهم له، وقعدت طائفة يبتغون الخير (٢). قال عكرمة: لما نزلت ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قال المنافقون: هلك أهل البدو والذين تخلفوا عن محمد ﷺ ولم ينفروا معه! وقد كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا إلى البدو، وإلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله تعالى في العذر لأولئك

стр. 7316

هذِه الآية (١). [١٤٧٨] أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن حَمّويه (٢) قال: نا أبو زكريا العنبري (٣)، نا أحمد بن محمد بن الأزهر السجزي (٤)، نا محمد بن مسلم بن وارة الرازي (٥)، قال: سمعت عبد الرزاق بن همام (٦) يقول في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ قال: هم أصحاب الحديث (٧).

стр. 7317

١٢٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب. قال ابن عباس ﵄: مثل قريظة والنضير وخيبر وفدك ونحوها (١). وقيل (٢): أراد بهم الروم لأنهم كانوا سكان الشام يومئذ، والشام كانت أقرب إلى المدينة من العراق. وكان الحسن إذا سئل عن قتال الروم والترك والديلم تلا هذِه الآية (٣). ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ شدة وحمية (٤). وقال الضحاك: عنفًا، وقال الحسن: صبرًا على جهادهم (٥). ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بالعون والنصر. ١٢٤ - قوله تعالى ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾. يعني المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ﴾ قراءة العامة برفع الياء لمكان الهاء.

стр. 7318

وقرأ عبيد بن عمير (أيكم) -بفتح الياء (١) - وكلٌّ صواب ﴿زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ يقينًا وإخلاصًا وتصديقًا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ يقينًا، وقال الربيع: خشية (٢). ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بنزول القرآن. وقال جويبر (٣)، عن الضحاك (٤)، عن ابن عباس ﵄: وإذا ما أنزلت سورة، يعني سورة محكمة فيها (٥) الحل (٦) والحرام (٧)، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ تصديقًا بالفرائض؛ مع إيمانهم بالرحمن ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بنزول الفرائض.

стр. 7319

١٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شكّ ونفاق (١) ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ كفرًا إلى كفرهم (٢)، وضلالًا إلى ضلالهم، وشكا إلى شكّهم (٣). وقال مقاتل: إثمًا إلى إثمهم (٤). ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ قال مجاهد: في هذِه الآية الإيمان يزيد وشقص (٥). وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو وزن إيمان أبي بكر ﵁ بإيمان أهل الأرض لرجحهم، بلى إن الإيمان يزيد وينقص؛ قالها ثلاث مرات (٦).

стр. 7320

وروى زبيد اليامي (١)، عن زرّ ﵁ (٢) قال: كان عمر ﵁ يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: تعالوا حتى نزاد إيمانًا (٣). وقال علي بن أبي طالب ﵁: إن الإيمان ليبدو لمعة (٤) بيضاء في
следующие страницы →