← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

هذِه الآية (١). [١٤٧٨] أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن حَمّويه (٢) قال: نا أبو زكريا العنبري (٣)، نا أحمد بن محمد بن الأزهر السجزي (٤)، نا محمد بن مسلم بن وارة الرازي (٥)، قال: سمعت عبد الرزاق بن همام (٦) يقول في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ قال: هم أصحاب الحديث (٧).

стр. 7317

١٢٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب. قال ابن عباس ﵄: مثل قريظة والنضير وخيبر وفدك ونحوها (١). وقيل (٢): أراد بهم الروم لأنهم كانوا سكان الشام يومئذ، والشام كانت أقرب إلى المدينة من العراق. وكان الحسن إذا سئل عن قتال الروم والترك والديلم تلا هذِه الآية (٣). ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ شدة وحمية (٤). وقال الضحاك: عنفًا، وقال الحسن: صبرًا على جهادهم (٥). ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بالعون والنصر. ١٢٤ - قوله تعالى ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾. يعني المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ﴾ قراءة العامة برفع الياء لمكان الهاء.

стр. 7318

وقرأ عبيد بن عمير (أيكم) -بفتح الياء (١) - وكلٌّ صواب ﴿زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ يقينًا وإخلاصًا وتصديقًا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ يقينًا، وقال الربيع: خشية (٢). ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بنزول القرآن. وقال جويبر (٣)، عن الضحاك (٤)، عن ابن عباس ﵄: وإذا ما أنزلت سورة، يعني سورة محكمة فيها (٥) الحل (٦) والحرام (٧)، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ تصديقًا بالفرائض؛ مع إيمانهم بالرحمن ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بنزول الفرائض.

стр. 7319

١٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شكّ ونفاق (١) ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ كفرًا إلى كفرهم (٢)، وضلالًا إلى ضلالهم، وشكا إلى شكّهم (٣). وقال مقاتل: إثمًا إلى إثمهم (٤). ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ قال مجاهد: في هذِه الآية الإيمان يزيد وشقص (٥). وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو وزن إيمان أبي بكر ﵁ بإيمان أهل الأرض لرجحهم، بلى إن الإيمان يزيد وينقص؛ قالها ثلاث مرات (٦).

стр. 7320

وروى زبيد اليامي (١)، عن زرّ ﵁ (٢) قال: كان عمر ﵁ يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: تعالوا حتى نزاد إيمانًا (٣). وقال علي بن أبي طالب ﵁: إن الإيمان ليبدو لمعة (٤) بيضاء في

стр. 7321

القلب، فكلما ازداد الإيمان عظمًا ازداد البياض، حتى يَبْيَضَّ القلبُ كُلُّه، وإن النفاق ليبدو لُفظة سوداء في القلب؛ فكلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد حتى يسودّ القلبُ كلُّه، وأيْمُ الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود (١). وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: إن للإيمان سننًا وشرائع (٢) وحدودًا وفرائض من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان (٣). وقال ابن المبارك: لم أجد بدًّا من الإقرار بزيادة الإيمان أو رد كتاب الله تعالى.

стр. 7322

١٢٦ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ قراءة العامة بالياء؛ خبرًا عن المنافقين المذكورين، وقرأ حمزة ويعقوب (أولا ترون) بالتاء، على خطاب المؤمنين (١)، وهي قراءة أُبيّ بن كعب ﵁، وقرأ الأعمش (أو لم تر) (٢)، وقرأ طلحة (أولا ترى) (٣) وهي قراءة عبد الله ﵁ (٤). ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ يختبرون ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال حذيفة ﵁: يكذبون كذبة أو كذبتين يضلّون فيه (٥). وقال مجاهد: يفتنون بالقحط والشدة (٦).

стр. 7323

وقال عطية: بالأمراض والأوجاع، وهن روائد الموت (١). وقال قتادة: بالغزو والجهاد (٢). وقيل: بالعدو (٣). وقيل: يفتنون فيعرفون مرّة أنه ﵇ نبي، وينكرون أخرى (٤) وقال مرّة الهمداني: يفتنون يكفرون. [وقال] (٥) مقاتل بن حيان: يفتضحون بإظهار نفاقهم (٦).

стр. 7324

وقال عكرمة: ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون. وقال يمان: ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين. ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ من نقضهم ﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ بما صنع الله تعالى بهم، وكان رسول الله ﷺ إذا نقضوا عهودهم بعث إليهم السرايا فيقتلونهم. قال الحسن: يفتنون بالجهاد في سبيل الله مع رسوله ﷺ ، ويرون تصديق ما ومحمد الله من النَّصر والظَّفَر على من عاداه، ثم لا يتوبون لِمَا يرون من صدق ومحمد الله، ولا يتّعظون. وقال الضحاك: يفتنون بالغلاء والبلاء ومنع القطر (وذهاب الثمار، ثم لا يرجعون) (١) عن نفاقهم، ولا هم يتفكرون في عظمة الله تعالى. وفي قراءة عبد الله ﷺ : (وما يتذكرون) (٢).

стр. 7325

١٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ فيها عيب المنافقين وتوبيخهم ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كلام مختصر تقديره: نظر بعضهم إلى بعض، وقالوا وأشاروا ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ إن قمتم؟ فإن لم يَرَهُم أحد خرجوا من المسجد، كان علموا أن أحدًا يراهم أقاموا وثبتوا (١) ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عن الإيمان بها. قال الضحاك: هل يراكم من أحد يعني: أطلع أحد منهم على سرائركم؟ مخافة القتل. قال الله تعالى: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن الإيمان بالقرآن ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. قال ابن عباس ﵄: لا تقولوا إذا صلّيتم: انصرفنا من الصلاة؛ فإن قومًا انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضينا الصلاة (٢).

стр. 7326

١٢٨ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ قراءة العامة بضم الفاء؛ أي من نسبكم تعرفون نسبه وحسبه، قال السدي: من العرب من بني إسماعيل. وقال ابن عباس ﵁: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي ﷺ مضرها وربيعتها ويمانيها (١). قال الصادق: لم يصبه شيء من أولاد (٢) الجاهلية (٣). [١٤٧٩] أخبرنا عبد الله بن حامد (٤)، (حدثنا حامد) (٥) بن محمد (٦)، أنا علي بن عبد العزيز (٧)، نا محمد بن أبي نعيم (٨)، نا

стр. 7327

هشيم (١)، قال: حدثني المديني -يعني: أبا معشر (٢)، عن أبي (الحويرث (٣)، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ولدني سفاح أهل الجاهلية شيء، ما ولدني إلا نكاح كنكاح) (٤) الإسلام" (٥). قال قتادة: جعله الله من أنفسهم، فلا يحسدونه على ما أعطاه الله تعالى من النبوة والكرامة (٦).

стр. 7328

وقرأ ابن عباس وابن عليّة وعبيد الله بن قُسَيط المكي وابن محيصن والزهري (من أنفَسِهم) بفتح الفاء (١)، أي: من أشرفكم وأفضلكم، من قولك: شيء نفيس إذا كان مرغوبًا فيه (٢). قال يمان: من أعلاكم نسبًا. ﴿عَزِيزٌ﴾ شديد ﴿عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ (ما) صلة؛ أي: عنتكم (٣)، وهو دخول المضرّة والمشقّة عليكم. وقال ابن عباس: ما ضللتم (٤). وقال الكلبي والضحاك: ما (٥) أثمتم (٦). وقال القتيبي: ما أعنتكم وضركم (٧).

стр. 7329

وقال ابن الأنباري: ما هلكتم عليه (١). ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي على إيمانكم وهُداكم وصلاحكم. وقال قتادة: حريص على ضُلاَّلِكُم أن يهديهم الله (٢). وقال الفراء: الحريص الشحيح أن يدخلوا النار (٣). ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ﴾ رفيق (٤) ﴿رَحِيمٌ﴾. وقيل: رءوف بالمطيعين، رحيم بالمذنبين (٥). وقيل: رءوف بأقربائه، رحيم بأوليائه. رءوف بمن رآه، رحيم بمن لم يره. ١٢٩ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإيمان وناصبوك ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. قال عبد العزيز بن يحيى: نظم الآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم، عزيز عليه ما عنتم، لا يهمه إلا

стр. 7330

شأنكم وهو القائم بالشفاعة لكم، فلا تهتموا لما عنتّم ما أقمتم على سنته؛ فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة (١)، كقوله ﷺ : "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا أو كلًّا فإليّ وعليّ" (٢). وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا للنبي ﷺ ، فإنه قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) (٤). وقال يحيى بن جعدة (٥): كان عمر بن الخطاب ﵁ لا يُثبِت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان، فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة التوبة: فقال عمر ﵁: والله لا أسألك

стр. 7331

عليها بَيِّنَة؛ كذلك كان رسول الله ﷺ ، فأثْبَتَهُما (١). وهي آخر آية نزلت من السماء في قول بعضهم (٢). وآخر سورة كاملة نزلت سورة (براءة). [١٤٨٠] أخبرنا عبد الله بن حامد (٣)، أنا محمَّد بن محمَّد بن الحسن (٤)، قال: نا علي بن عبد العزيز (٥)،

стр. 7332

نا حجاج (١)، نا همام (٢)، عن قتادة (٣) قال: إن آخر القرآن عهدًا بالسماء هاتان الآيتان خاتمة (براءة) ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإيمان وناصبوك ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ قراءة العامة بخفض الميم على نعت العرش، وقرأ ابن محيصن بالرفع (٥) على نعت الرب ) (٦) (٧). * * *

стр. 7333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7334

١٠ - سُورَة يونس

стр. 7335

سورة يونس ﵇ مكية (١)، وهي مائة وتسع آيات، وحروفها سبعة آلاف وخمسمائة وسبعة (٢) وستون حرفًا، وكلماتها ألف وثمانمائة واثنتان وثلاثون كلمة (٣). [١٤٨١] أخبرنا كامل بن أحمد (٤) وسعيد بن محمَّد (٥) ومحمد بن القاسم (٦) قالوا: حدّثنا محمَّد بن مطر (٧)، نا إبراهيم بن شريك (٨)، نا

стр. 7336

أحمد بن يونس (١)، نا سلاّم بن سليم (٢)، نا هارون بن كثير (٣)، عن زيد ابن أسلم (٤)، عن أبيه (٥)، عن أبي أمامة (٦)، عن أبي بن كعب (٧) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة يونس أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدق بيونس وكذب به، وبعدد من غرق مع فرعون" (٨).

стр. 7337

١ - قوله : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الر﴾ قرئ بالتفخيم (١)، والإمالة (٢)، وبين اللفظين (٣)، وكلها لغات صحيحة فصيحة. قال ابن عباس والضَّحَّاك: أنا الله أرى (٤). وقيل: أنا الرب لا ربّ غيري. وقال عكرمة وسعيد بن جبير والشعبي: (آلر) و (حم) و (نون)

стр. 7338

حروف اسم الرحمن مقطعة، فإذا وصلتها كان (١) (الرحمن). وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال أبو روق: فاتحة السورة. وقيل: عزائم الله. وقيل: هو قسم (٢)، كأنه قال: (والله إن). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ قال مجاهد وقتادة: أراد به (٣) التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة (٤)، و (تلك) إشارة إلى غائب مؤنث. وقال الآخرون: أراد به القرآن. وهو أولى بالصواب (٥)، لأنَّه لم يجئ للكتب المتقدمة قبل ذكر، ولأن الحكيم من نعت القرآن، دليله ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ (٦) ونحوها (٧).

стр. 7339

فيكون على هذا القول (تلك) بمعنى (هذِه) (١)، وقد مضى القول في هذِه المسألة في أول سورة البقرة. الحكيم: المُحْكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام. وقال مقاتل: المحكم من الباطل، لا كذب فيه ولا اختلاف (٢). وهو (فعيل) بمعنى (مفعل) (٣)، يقول الأعشى يذكر قصيدته منها (٤): وغريبة تأتي الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها وقيل: هو الحاكم، (فعيل) بمعنى (فاعل)، دليله قوله : ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٥). وقيل: هو بمعنى المحكوم فيه، (فعيل) بمعنى (المفعول)، قال

стр. 7340

الحسن: حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه. وقال عطاء: حكيم بما حكم فيه من الأرزاق والآجال وبما شاء (١). ٢ - قوله : ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الآية قال ابن عباس ﵄: لما بعث الله محمدً- ﷺ رسولًا، أنكرت الكفار، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمَّد، فأنزل الله ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ﴾ (٢) أهل مكّة، والألف فيه للتوبيخ (٣) ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ (أن) في محل الرفع و (أوحينا) صلة له، تقديره: أكان للناس عجبًا إيحاؤنا ﴿إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ محمَّد.

стр. 7341

وفي حرف عبد الله ﵁: (عجبٌ) (١) بالرفع على اسم كان، و (أن) في محل النصب على خبره (٢). ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ (أن) في محل النصب بفقد الخافض (٣)، وكذلك الثانية ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال ابن عباس ﵄: أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم (٤). وقال الضَّحَّاك: ثواب صدق. وقال مجاهد: الأعمال الصالحة.

стр. 7342

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: سبقت لهم السعادة في الذِّكر الأوَّل. وقال قتادة: سلف صدق. وقال زيد بن أسلم: محمَّد ﷺ شفيع لهم. وقال يمان: إيمانهم. وقال عطاء: مقامُ صدقٍ لا زوالَ فيه ولا بؤس، نعيمٌ مقيم وخلودٌ لا موت فيه. وقال الحسن: عمل صالح أسلفوه يَقْدُمُون عليه. وقال الأخفش: سابقة صدق (١). وقال أبو حاتم: منزل صدق، نظيره ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ (٢). وقال عبد العزيز بن يَحْيَى: قدم صدق، بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ (٣). وقال الزجاج: منزلة رفيعة (٤). وقيل: هو تقديم الله سبحانه هذِه الأمة في البعث يوم القيامة. بيانه

стр. 7343

قوله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" (١). وقيل: هو عِدةُ الله لهم. والقَدَم المُقدّم؛ كالنفض والقبض، وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته؛ كما قيل (مسجد الجامع) و (حب الحصيد). وقال ابن الأعرابي (٢): المقدم المتقدم في الشرف، قال العجاج الشاعر (٣):

стр. 7344

ذَلَّ بَنُو العَوّام عَن آل الحَكَم ... وَتَرَكُوا المُلك لِمُلك ذي قَدَم وقال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق في خيرٍ أو شرّ فهو عند العرب قَدَم، يقال: (لفلان قدم في الإسلام)، و (له عندي قدم صدق وقدم سوء) (١). وهو مؤنث؛ يقال: قدم حسنة، وقدم صالحة. قال حسَّان بن ثابت ﵁ (٢): لنا القَدَمُ العُليا (٣) إليكَ وخَلفَنَا ... لأوَّلنَا في طَاعَةِ الله تَابعُ وقال ذو الرمة (٤): لكم قَدَم لا يُنكِر النَّاسُ أَنَّهَا ... مَع الحَسَب العادي طَمَّت على البحر

стр. 7345

وقال آخر (١): قَعَدَت بهم قَدَمُ الفَخَار وغُودرَت ... أَنْسَابُهم مُرفضَة مِن خَالِق أي: ما تقدم لهم من الفخار. ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ يعني: القرآن (٢)، وقرأ أهل الكوفة (٣) وابن كثير (لساحر مبين) (٤) يعنون محمدًا ﷺ . ٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. قال مجاهد: يقضيه وحده (٥) ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أمره ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ الذي فعل هذِه الأشياء ﴿رَبُّكُمْ﴾ لا ربّ سواه ﴿فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.

стр. 7346

٤ - ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ معادكم ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ صدقًا لا خلف فيه، وهو نصب على المصدر؛ أي وعد وعدًا وحققه حقًا (١)، وقيل: على القطع. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة (وعبد الله حقٌ) (٢) على الاستئناف. ثم قال: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ أي: يحييهم ابتداءً، ثم يميتهم ثم يحييهم، وقراءة العامة ﴿إِنَّهُ﴾ بكسر الألف على الاستئناف. وقرأ أبو جعفر ﴿إِنَّهُ﴾ بالفتح (٣) على معنى: لأنّه أو بأنّه، يقول الشاعر (٤): أَحَقًّا عبادَ الله أن لستُ لاقِيًا ... بُثَيِنَةَ أو يَلْقَى الثُّرَيا رَقِيُبها ﴿لِيَجْزِيَ﴾ ليثيب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل. ثم قال مبتدئًا ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ماء حارٌّ، قد

стр. 7347

انتهى حرُّه، وهو بمعنى محموم، (فعيل) بمعنى (المفعول)، وكلُّ مسخَن مغلي عند العرب فهو حميم (١)، وقال المرقش (٢): وكلّ يَوم لها مقَطَّرَةٌ ... فِيها كبَآء مُعَدةٌ وحَمِيمُ ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. ٥ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ بالنهار ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ بالليل. قال الكلبي: تضيء وجوههما لأهل السموات السبع، وظهورهما لأهل الأرضين السبع (٣). وروي عن ابن كثير (ضئاء) بهمز الياء (٤)،

стр. 7348

ولا وجه لها (١)، لأنَّ ياءه كانت واوًا مفتوحة وهي عين الفعل أصلها (ضواء)، فسُكِّنَت وجعلت ياء، كما جعلت في الصيام والقيام. ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ أي قدر له، يعني هيأ وسوى له منازل، لا يجاوزها ولا يقصر دونها. وقيل (٢): جعل (قدّر) مما يتعدى إلى مفعولين ولم يقل: (قدرهما) وقد ذكر الشَّمس والقمر. وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون (الهاء) للقمر خاصة؛ لأنَّ بالأهلة يعرف انقضاء الشهور والسنين، لا بالشمس. والآخر: أن يكون قد اكتفى بذكر أحدهما من الآخر، كما قال ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٣) وقد مضت هذِه المسألة. ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ دخولها وانقضاؤها ﴿وَالْحِسَابَ﴾ يعني وحساب الشهور والأيام والساعات ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ ردّه إلى

стр. 7349

الفعل والخلق والتقدير، ولو أراد الأعيان المذكورة لقال: (تلك) (١) ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ لم يخلقه باطلًا؛ بل إظهارًا لصنعته، ودلالة على قدرته وحكمته، وليجزي كل نفس بما كسبت؛ فهذا الحق. ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ نبيّنها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص ﴿يُفَصِّلُ﴾ بالياء (٢). واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله قبله ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ وبعده ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ فيكون متبعًا له، وقرأ ابن السميفع: بضم الياء وفتح الصاد، ورفع التاء من الآيات (٣)، على تجهيل الفعل، وقرأ الباقون بالنون على التعظيم. ٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ يؤمنون فيعلمون ويقرّون. قال ابن عباس ﵄: قال أهل مكّة: يا محمَّد؛ ائتنا بآية حتى نؤمن لك! فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٤).

стр. 7350

٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ يعني لا يخافون عقابنا، ولا يرجون ثوابنا، والرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع (١) ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ واختاروها وعملوا لها ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ وسكنوا إليها. قال قتادة في هذِه الآية: إذا شئت رأيته صاحب دنيا، لها يفرح، ولها يحزن، ولها يرضى، ولها يسخط (٢). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا﴾ أدلتنا ﴿غَافِلُونَ﴾ لا يعتبرون. قال ابن عباس ﵄: عن آيتنا: محمَّد ﷺ والقرآن، غافلون: معرضون تاركون مكذبون (٣). ٨ - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ من الكفر والتكذيب (٤). * * *

стр. 7351

٩ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ فيها إضمار واختصار؛ أي: يهديهم ربهم بإيمانهم إلى مكانٍ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ قال أبو روق: يهديهم ربهم بإيمانهم إلى الجنَّة (١). قال عطية: يهديهم يثيبهم ويجزيهم، وقيل: ينجيهم. وقال مجاهد ومقاتل: يهديهم بالنور على الصراط إلى الجنَّة يجعل لهم نورًا يمشون به (٢). قال النَّبيّ ﷺ : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صُوِّرَ له عمله في صورةٍ حسنة وشارةٍ حسنة، فيقول له: من أنت؟ والله إنِّي لأراك امرأ صدق! فيقول له: أنا عملك! فيكون له فيه نورًا وقائدًا إلى الجنَّة. والكافر إذا خرج من قبره صُوِّر له عمله في صورةٍ سيئة وشارةٍ سيئة، فيقول: من أنت؟ فو الله إنِّي لأراك امرأ سوء! فيقول: أنا عملك! فينطلق به حتَّى يدخله النَّار" (٣).

стр. 7352

وقيل معنى الآية: بإيمانهم يهديهم ربُّهم لدينه؛ أي: بتصديقهم هداهم (١). وقوله (٢): ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ لم يرد أنها تجري من (٣) تحتهم الأنهار وهم فوقها؛ لأنَّ أنهار الجنَّة تجري من غير أخاديد، وإنَّما معناها: تجري من دونهم وبين أيديهم وتحت أمرِهِم؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٤) ومعلوم أنَّه لم يجعل السريّ تحتها وهي عليه قاعدة؛ وإنما أراد أنَّه بين يديها، كقوله مخبرًا عن فرعون ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (٥)، أي من دوني وتحت أمري (٦). ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. ١٠ - ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ قولهم وكلامهم فيها ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾. وقال طلحة بن عبيد الله ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن تفسير: سبحان الله، قال: "هو تنزيه الله من كل سوء" (٧).

стр. 7353

وسأل ابن الكوّا (١) عليًا ﵇ عن ذلك قال: كلمة رضيها الله لنفسه (٢). قال المفسرون: هذِه الكلمة عَلَمٌ بين أهل الجنَّة وبين الخدّام في الطَّعام، فإذا اشتهوا شيئًا من الطَّعام والشراب قالوا: سبحانك اللَّهم، فأتوهم في الوقت بما يشتهون، على مائدةٍ ميلٍ في ميل، فإذا فرغوا من الطَّعام والشراب حمدوا الله على ما أعطاهم، فذلك قوله : ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، ولم يرد آخر كلام

стр. 7354

يتكلمون به ولكن آخر ما قبله. قال الحسن: بلغني أن رسول الله ﷺ قال حين قرأ هذِه الآية: "إن أهل الجنَّة يلهمون الحمد والتسبيح كما تلهمون أنفاسكم" (١). فذلك قوله : ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا﴾ في الجنَّة ﴿سَلَامٌ﴾ يَحْيَى بعضهم بعضًا بالسلام وتأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام. ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). قال ابن كيسان: يفتتحون كلامهم بالتوحيد، ويختمون كلامهم بالتحميد (٣).

стр. 7355

وقراءة العامة ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بالتخفيف والرفع، وقرأ بلال بن أبي بردة (١) وابن محيصن: (أنّ) مثقلًا والحمد نصبًا (٢). ١١ - قوله : ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ فيه اختصار معناه: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في الشرّ كاستعجاله لهم بالإجابة في الخير ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾؛ أي: لفُرغ من هلاكهم ولماتوا جميعاً (٣). قال مجاهد: هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: اللَّهم لا تبارك فيه والعنه (٤).
следующие страницы →