← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

[١٤٨٨] وأخبرنا عبد الله بن حامد (١)، أنا أبو حامد أحمد بن الحسن بن الشرقي (٢)، نا يحيى بن أبي طالب (٣)، أنا علي بن عاصم (٤)، عن خالد (٥) وهشام (٦)، عن محمد -يعني ابن سيرين (٧) - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن (٨) أن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، والرؤيا ثلاثة: فرؤيا بشرى من الله ، ورؤيا من الشيء يحدث الرجل به نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يقصه وليقم فليصلّ، وأحب القيد في النوم وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين" (٩).

стр. 7422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7423

قال عبادة بن الصامت ﵁: قلت يا رسول الله، الرجل يحبّه القوم لِعَمَلهِ ولا يعمل مثل عمله، قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" (١).

стр. 7424

وقال الزهري وقتادة: هي البشارة التي يُبشَّرُ بها المؤمن في الدنيا عند الموت (١). وقال الضحاك: هي أن المؤمن يعلم أين هو قبل أن يموت (٢). وقال الحسن: هي ما بشّرهم الله تعالى به في كتابه من جنته وكريم ثوابه؛ كقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣) ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ (٥) (٦).

стр. 7425

وقال عطاء: لهم البشرى في الحياة الدنيا؛ عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة والبشارة من الله تعالى، وتأتي أعداء الله بالغلظةِ والفظاظةِ، وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن يُعرج بها إلى الله تعالى كما تُزَف العروس، تُبشّر برضوان من الله؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ (١) الآية (٢). وقال ابن كيسان: هي ما بشّرهم الله به (٣) في الدنيا بالكتاب والرسول أنهم أولياء الله، ويبشرهم في قبورهم وفي كتبهم التي فيها أعمالهم بالجنّةَ. [١٤٨٩] وسمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجوزقي (٤) يقول: رأيت أبا أحمد (٥) الحافظ في المنام راكبًا برِذَونًا وعليه طيلسان وعمامة، فسلمت عليه وسلّم عليّ، فقلت له: أيها الحافظ؛ نحن لا نزال نذكرك، ونذكر محاسنك (٦)، فعطف عليّ وقال: ونحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك (٧) قال الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

стр. 7426

وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الثناء الحسن، الثناء الحسن، وأشار بيده (١). ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ لا تغيير لقوله، ولا خلف لوعده (٢). وروى ابن عُليّة (٣)، عن أيوب (٤)، عن نافع (٥) قال: أطال الحجاج الخطبة، فوضع ابن عمر ﵄ رأسه في حجري، فقال الحجاج: إن ابن الزبير بدّل كتاب الله، فقعد ابن عمر ﵁ فقال: لا تستطيع ذلك أنت ولا ابن الزبير ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ فقال الحجاج: لقد أُوتيت علمًا! وسكت (٦). ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

стр. 7427

٦٥ - قوله تعالى ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يعني قول المشركين (١)، وتم الكلام ها هنا، ثم قال مبتدئًا (٢): ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ﴾ القدرة ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وهو المنتقم منهم. قال سعيد بن المسيب: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ يعني إن الله يعز من يشاء؛ كما قال في آية أخرى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وعزة الرسول والمؤمنين بالله تعالى، فهي كلها لله، قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ (٤) (٥). ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. * * *

стр. 7428

٦٦ - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ هو (ما) الاستفهام، يقول: وأيّ شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء؛ يعني أنهم ليسوا على شيء (١). وقرأ السلمي (تدعون) بالتاء (٢)، أي: ما تصنع شركاؤكم (٣) في الآخرة ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يعني ظنّهم أنها تشفع لهم يوم القيامة، وتقربهم إلى الله زلفي (٤) ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.

стр. 7429

٦٧ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ لتهتدوا وتقرّوا (١) وتستريحوا (٢) فيه ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ مضيئًا (٣) (يُبْصَرُ فيه) (٤)، كقولهم: ليلٌ نائم، وسرٌّ كاتم، وماءٌ دافق، وعيشةٌ راضية (٥)، قال جرير (٦): لقد لُمتنا يا أمَّ غيلان في السُّرى ... ونمتِ وما لَيلُ المطِيّ بنَائم

стр. 7430

وقال قطرب: تقول العرب: أظلم الليل وأضاء النهار وأبصر. أي: صار ذا ظلمة وضياء وبصر (١). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ المواعظ فيعتبرون. ٦٨ - ﴿قَالُوا﴾ يعني: المشركين ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ هو قولهم: الملائكة بنات الله ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ عبيدًا لله (٢) ومِلْكًا ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ﴾ ما عندكم (٣) ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ من حجّة وبرهان و"من" صِلَة (٤)، وإنما سميت الحجة سلطانًا؛ لقوتها واعتلاء يد المتمسك بها (٥) ﴿بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 7431

٦٩ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ قال الكلبي: لا يأمنون (١). وقيل: لا ينجون (٢)، وقيل: لا يفوزون (٣)، وقيل: لا يبقون في الدنيا (٤). ولكن ٧٠ - ﴿مَتَاعٌ﴾ قليل يتمتعون به، وبلاغ ينتفعون به إلى وقت انقضاء آجالهم، و (متاع) رفع بإضمار؛ أي لهم متاع، قاله الأخفش (٥)، وقال الكسائي: هو متاع (٦) ﴿فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. ٧١ - قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ واقرأ يا محمد على أهل مكّة ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ خبر نوح النبي ﷺ ﴿إِذْ

стр. 7432

قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ولد قابيل (١) ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُر﴾ عظُمَ وثقل وشقّ (٢) ﴿عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ طول مكثي بين أظهركم (٣) ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ ووعظي إياكم (٤) ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بحججه (٥) وبيناته، فعزمتم على قتلي أو طردي (٦) ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وبالله وثقت (٧) ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ قراءة العامة بقطع الألف وكسر الميم، أي فأعدّوا وأبرموا وأحكموا ﴿أَمْرَكُمْ﴾ واعزموا عليه. قال المؤرِّج؛ (أجمعتُ الأمر) أفصح من (أجمعت عليه) (٨)، وأنشد (٩):

стр. 7433

يا ليتَ شِعري والمنى لا تَنفَعُ ... هَل أغدُوَنْ يَومًا وأَمري مُجمعُ؟ وقرأ الأعرج والجحدري موصولة مفتوحة الميم من الجمع (١)، اعتبارًا بقوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ (٢). وقال أبو معاذ: ويجوز أن يكون معنى ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ و (اجمَعوا) واحدًا؛ يقال: جمعتُ وأجمعتُ بمعنى واحد (٣). قال أبو ذؤيب (٤):

стр. 7434

وكأنّها بالجزع جزعُ تَتابُع ... وأُولات ذي العَرجَاء نَهبٌ مُجمَع أي: مجموع. ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ فيه إضمار؛ أي: وادعوا شركاءكم (١) " أي: آلهتكم واستعينوا بها، وكذلك هو في مصحف أبي ﵁: (وادعوا شركاءكم). وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وسلام ويعقوب (شركاؤكم) رفعًا (٢) على معنى: فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم. أي: وليُجْمع معكم شركاؤكم (٣)، واختار أبو عبيد وأبو حاتم النصب؛ لموافقة الكتاب، وذلك أنَّه ليس فيه واو (٤) ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي خفيًّا مظلمًا ملتبسًا مبهمًا، من قولهم: (غُمّ الهلال على الناس) إذا أشكل عليهم فلم يتبينوه (٥)، قال طرفة (٦):

стр. 7435

لَعَمْرُك ما أمري عليَّ بغُمّةٍ ... نَهَاري، ولا لَيلِي عَليَّ بسَرْمَدِ وقيل: هو من الغم؛ لأن الصدر يضيق به فلا يتبين صاحبه لأمره مصدرًا ينفرج عنه ما بقلبه (١)، قالت الخنساء (٢): وذي كُربةٍ أَرْخَى ابن عَمرو خِنَاقهُ ... وغُمّته، عَن وَجههِ فَتَجلَّتِ ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾؛ أي: أمضوا إليّ ما في أنفسكم وافرغوا منه (٣)، يقال: (قضى فلان) إذا مات ومضى، و (قضى دينه) إذا أدّاه وفرغ منه (٤)، وقال الضحاك: يعني أنهضوا إليَّ. وحكى الفراء عن بعض القُراء: (ثم افضوا إلى) بالفاء (٥)، أي:

стр. 7436

توجهوا حتَّى تصلوا إليّ؛ كما يقال: (أفضت الخلافة إلى فلان) و (أفضى إليّ الوجع) (١) ﴿لَا تُنْظِرُونِ﴾ ولا تؤخرون، وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح ﵇ أنَّه كان بنصر الله واثقًا، ومن كيد قومه وبوائقهم غير خائف، عِلمًا منه أنهم وآلهتم لا تنفع ولا تضر شيئًا إلا أن يشاء الله (٢)، وتعزيةً لمحمدٍ ﷺ وتقويةً لقلبه. ٧٢ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن قولي وأبيتم أن تقبلوا نُصحي ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ﴾ على الدعوة وتبليغ الرسالة ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعْلٍ وعِوَضٍ ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما أجري وجزائي وثوابي ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ٧٣ - قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ يعني: نوحًا ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ سكانًا بالأرض، خَلفًا عن الهالكين (٣) ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ

стр. 7437

كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ يعني: آخر أمر الذين أنذرَتْهم الرسل فلم يؤمنوا (١). ٧٤ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد نوح ﵇ (٢) ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالآيات والأمر والنهي ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ فلم يكونوا ليُصدّقوا ﴿بِمَا كَذَّبُوا﴾ بما كذبت ﴿بِهِ﴾ أوائلهم ﴿مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ﴾ نختم ﴿عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ المجاوزين الحلال إلى الحرام (٣). ٧٥ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ يعنى أشراف قومه (٤) ﴿بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. ٧٦ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ﴾ يعني فرعون وقومه ﴿الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾. ٧٧ - ﴿قَالَ مُوسَى﴾ لهم ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾ تقدير الكلام: أتقولون للحق لما جاءكم سِحرٌ، أسِحْرٌ هذا؟ ! فحذف السحر الأول اكتفاءً بدلالة الكلام عليه (٥)، كقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا

стр. 7438

وُجُوهَكُمْ﴾ (١) المعنى: بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم، وقال ذو الرُّمة (يصف حمار الوحش) (٢): فلمَّا لَبسْنَ الليلَ أو حِينَ نَصَّبت ... له من خِذا آذانها وهو جَانحُ يريد: أو حين أقبل. ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾. ٧٨ - ﴿قَالُوا﴾ يعني: فرعون وقومه لموسى ﵇ ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾ لتلوينا (٣) ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من الدين ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ الملك والسلطان (٤)

стр. 7439

﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر (١) ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾. ٧٩ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾. ٨٠ - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾. ٨١ - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْر﴾ أي: الَّذي جئتم به السحر (٢)، قراءة العامة ﴿السِّحْرَ﴾ على الخبر بغير مدّ، وقرأ مجاهد وأبو عمرو وأبو جعفر (وآلسحر) بالمد على الاستفهام (٣)، ودليل قراءة العامة قراءة ابن مسعود ﵁ (ما جئتم به سحر) (٤)، وقرأ (٥) أبي ﵁: (ما أتيتم به سحر) (٦) ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.

стр. 7440

٨٢ - ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٨٣ - قوله : ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ لم يصدق بموسى مع ما أتاهم به من الحجج ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ اختلفوا في الهاء التي في (قومه): فقال قوم: هي راجعة إلى موسى (١)، وأراد بهم مؤمني بني إسرائيل: قال ابن عباس ﵄: كانوا ستمائة ألف؛ وذلك أن يعقوب ﵇ دخل مصر في اثنين وسبعين إنسانًا، فتوالدوا بمصر

стр. 7441

حتَّى بلغوا ستمائة ألف (١). وقال مجاهد: أراد بهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى ﵇ من بني إسرائيل؛ لطول الزمان هلك الآباء وبقي الأبناء (٢). وقال آخرون: الهاء راجعة إلى (فرعون) (٣): روى عطية، عن ابن عباس ﵄ قال: هم أناس يسير من قوم فرعون آمنوا؛ منهم: امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه، وما شطته (٤). وروي عن ابن عباس ﵄ من وجه آخر: إنهم سبعون أهل بيت من القبط من آل فرعون، أمهاتهم من بني إسرائيل، فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله (٥).

стр. 7442

قال الفراء: وإنما سُمّوا ذرية لأن آباءهم كانوا من القبط، وأمهاتهم من بني إسرائيل، كما يقال لأولاد أهل فارس الذين خرجوا (١) إلى اليمن: الأبناء، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم (٢). والذرية: العقب من الصغار والكبار (٣). ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ مَنْ رد الكناية في (قومه) إلى (فرعون) رد الكناية في قوله: (وملائهم) إلى (الذرية)، ومن رد الكناية إلى (موسى) رد الكناية في (قومه) إليس (٤). وقال الفراء: إنما قال: (وملائهم) بالجمع، وفرعون واحد، لأن المَلِك إذا ذكر ذهب الوهم (٥) إليه وإلى أصحابه، كما يقال: قدم الخليفة، يراد هو ومن معه، ويجوز أن يكون أراد بفرعون (آل فرعون)، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٦) و ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٧) (٨).

стр. 7443

﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أن يصرفهم عن دينهم (١)، ولم يقل: يفتنوهم؛ لأنه أخبر عن فرعون وقومه؛ وقومه كانوا على مثل ما كان عليه (٢). ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ﴾ متكبر (٣) ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ المجاوزين الحد؛ لأنه كان عبدًا فادّعى الربوبية (٤). ٨٤ - ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لمؤمني قومه ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. ٨٥ - ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ثم دعوا، فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال أبو مجلز وأبو الضحى: يعني لا تظهرهم علينا، فيروا أنهم خيرٌ منّا، فيزدادوا طغيانًا (٥).

стр. 7444

وقال عطية: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا ويقتلوننا (١). وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذابٍ من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق لما عُذِّبوا، ولا سُلِّطْنا عليهم، فيفتنوا (٢). ٨٦ - ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ٨٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾ هارون ﴿أَنْ تَبَوَّآ﴾ اتخذا ﴿لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ يقال: (تبوأ فلان لنفسه بيتًا ومضجعًا) إذا اتخذه، (وبوأته أنا) إذا اتخذت له (٣). ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال أكثر المفسرين: كانت بنو إسرائيل لا

стр. 7445

يصلّون إلا في مساجدهم وكنائسهم وكانت ظاهرة (١)، فلما أُرسِل موسى ﵇ أمر فرعونُ بمساجد بني إسرائيل فخُرِّبَت كلها، ومنعهم من الصلاة، فأُمِروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويُصَلّوا فيها خوفًا من فرعون؛ وهذا قول إبراهيم (٢) وابن زيد، والربيع، وأبي مالك، ورواية عكرمة عن ابن عباس ﵄ (٣). وقال مجاهد: خاف موسى ﵇ ومن معه من فرعون أن يصلّوا في الكنائس الجامعة، فأُمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة القبلة يصلون فيها سِرًّا (٤)، ومعنى البيوت على هذا القول: المساجد؛ وتقدير الآية: واجعلوا بيوتكم إلى القبلة (٥). وهذِه رواية ابن جريج عن ابن عباس ﵁ قال: كانت الكعبة قبلة

стр. 7446

موسى ﵇ ومن معه (١). وقال سعيد بن جبير: معناه: واجعلوا بيوتكم يُقابل بعضها بعضًا (٢)، والقبلة: الوجهة. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يا محمد (٣).

стр. 7447

٨٨ - قوله : ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ أي: من متاع الحياة (١) الدنيا وأثاثها (٢)، وقال مقاتل: شارة حسنة (٣) كقوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (٤) ﴿وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ اختلفوا في هذِه (اللام) (٥): فقال بعضهم: هي لام كي (٦)، ومعناه: آتيتهم لتفتنهم بها فيضلوا (عن سبيلك) (٧) ويضلّونا ابتلاءً منك، وهذا كقوله: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (٨). وقيل: هي لام العاقبة ولام الصيرورة (٩)، بمعنى: فَضَلُّوا؛ كقوله

стр. 7448

سبحانه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١). وقيل: هي لام أجل (٢)، أي آتيتهم لأجل ضلالتهم؛ عقوبة منك لهم، كقوله سبحانه: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ (٣)، أي لأجل إعراضكم عنهم ولم يحلفوا ليُعرض عنهم. ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ قال عطية ومجاهد: أَهْلِكْها (٤). والطمس المحو (٥) والتعفية (٦).

стр. 7449

وقال أكثر المفسرين: امسخها وغيِّرها عن هيئتها (١). قال محمد بن كعب القرظي: جُعِلَ سُكَّرَهم حجارة (٢). قال قتادة: وبلغنا أن حروثًا لهم صارت حجارة (٣). وقال ابن عباس ﵄: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحًا وأثلاثًا وأنصافًا (٤). وقال ابن زيد: صارت حجارة ذهبهم ودراهمهم ودنانيرهم

стр. 7450

وعدسهم وكل شيء (١). وقال السدي: مسخ الله تعالى أموالهم حجارة؛ النخل والثمار والدقيق والأطعمة، فكانت لهي الآيات التسع (٢). ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي قسِّها واطبع عليها حتَّى لا تلين ولا تنشرح للإيمان (٣) ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ قيل: هو نصب بجواب الدعاء بالفاء (٤)، وقيل: عطف على قوله: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ (٥).

стр. 7451

وقال الفراء: هو دعاء ومحله جزم؛ كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا (١). وقيل معناه: فلا آمنوا (٢)، قال الأعشى (٣): فلا يَنْبَسطْ مِن بَين عَينيكَ مَا انْزَوى ... ولا تَلقَني إلا وأنفكَ راغمُ ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ وهو الغرق (٤). ٨٩ - ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لموسى وهارون ﵉ ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وكان موسى يدعو وهارون ﵉ يؤمِّن؛ فلذلك نسب

стр. 7452

الدعاء إليهما، قاله المفسرون (١). وقال أهل المعاني: ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب الاثنين (٢)، كقول الشاعر (٣): فقلتُ لِصَاحبِي لا تُعْجلانا ... بِنَزع أصولِهِ واجتَزَّ شِيحا وقرأ السلمي: (قد أجيبت دعواتكما) بالجمع (٤)، وقرأ ابن

стр. 7453

السميفع (أجبتُ دعوتكما) خبرًا عن الله تعالى (١) ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ على الرسالة والدعوة وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم العذاب (٢). قال ابن جريج: مكث فرعون بعد هذا الدعاء أربعين سنة (٣). ﴿وَلَا تَتَّبِعَانّ﴾ نهي بالنّون الثقيلة ومحله جزم (٤)، ويقال في الواحد (لا تتبعنّ) فتفتح النون لالتقاء الساكنين، ويكسر في التثنية لهذِه العلة (٥)، وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان بتخفيف النون (٦)،

стр. 7454

لأن نون التوكيد تثقل وتخفف (١) ﴿سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فتستعجلا قضائي، فإن وعدي لا خلف له، ووعيدي نازل بفرعون وقومه (٢). ٩٠ - قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْر﴾ الآية وذلك أن الله ﵎ أمر موسى ﵇ أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلًا، فاستعار بنو إسرائيل من القبط (٣) حليّهم بعلّةِ عُرْسٍ لهم، وسَرى بهم موسى ﵇ وهم ستمائة ألف وعشرون ألفًا، لا يُعَدّ منهم ابن سبعين سنة ولا ابن عشرين سنة متوجهين إلى البحر، ومات أبكار القبط تلك الليلة وشغلوا عن بني إسرائيل حتَّى أصبحوا، وهو قوله : ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ (٤) يعني (٥) بعدما دفنوا أولادهم، فلما

стр. 7455

بلغ فرعون خروجهم ركب في طلبهم ومعه ألف ألف وستمائة ألف، قال محمد بن كعب: كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم (١) سوى سائر الشيات، وكان فرعون يكون في الدُّهم، وكان هارون ﵇ على مقدمة بني إسرائيل، وموسى ﵇ في الساقة، فلما انتهوا إلى البحر وقربت منهم مقدمة فرعون وكانوا سبعمائة ألف رجل، كل رجل على حصان على رأسه بيضة (٢) وبيده حربة، وفرعون خلفهم في الدهم، فقالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: أين ما وعدتنا؟ ! هذا البحر أمامنا إن دخلنا غرقنا، وفرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا، ولقد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، فقال موسى ﵇: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٣) قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٤)، وأوحى الله سبحانه أن اضرب بعصاك البحر، فضرب فلم ينفلق وقال: أنا أقدم منك وأشد خلقًا، فأوحى الله تعالى لموسى ﵇ أن كَنِّه وقل له: انفلق أبا خالد بإذن الله تعالى، ففعل ذلك، فانفلق البحر وصار فيه اثنا عشر طريقًا؛ لكل سبط طريق، وكشف الله عن وجه الأرض فصارت طرقًا يابسة، وارتفع بين كل طريقين الماء كالجبل (٥)،

стр. 7456

وكانوا بني عمّ لا يرى بعضهم بعضًا، ولا يسمع بعضهم كلام بعض، فقال كل فريق قد غرق أصحابنا، فأوحى الله تعالى إلى الجبال من الماء أن تشبّكي، فتشبكت وصار فيه كهيئة الطيقان؛ فجعل ينظر بعضهم إلى بعض، فلما وصل فرعون بجنوده إلى البحر ورأوا البحر بتلك الهيئة قال فرعون: هابَنِيَ البحرُ! وهابوا دخول البحر، وكان فرعون على حصان أدهم، ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى، فجاء جبريل ﵇ على فرس وديقٍ (١) وخاض البحر، وميكائيل ﵇ يسوقهم لا يشذّ رجل منهم، فلما شمّ أدهم فرعون ريح فرس جبريل ﵇، وفرعون لا يراه، انسلَّ خلف فرس جبريل ﵇ في الماء، ولم يملك فرعون من أمره شيئًا، واقتحمت الخيول خلفه في الماء، فلما دخل آخرهم البحر، وهمّ أولهم أن يخرج انطبق الماء عليهم، فلما ألجم فرعون الغرق قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فدسّ جبريل ﵇ في فيه من حماة (٢) البحر وقال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ (٣).

стр. 7457

قال أبو بكر الوراق: قال الله تعالى لموسى وهارون ﵉ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ (١) فتذكر وخشي حين لم ينفعه تذكّره وخشيته. قال كعب الأحبار ﵀: أمسك فيض مصر عن الجري، فقالت القبط لفرعون: إن كنت ربًّا فأجر الماء، فركب وأمر جنوده بالركوب وكان مناديه ينادي كل ساعة: (ليقف فلان بجنوده) قائدًا قائدًا، فجعلوا يقفون على درجاتهم حتَّى بقي هو وخاصته، فأمرهم بالوقوف حتَّى بقي في حُجَّابه ووزرائه، فأمرهم بالوقوف، وتقدمهم وحده بحيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ثيابًا أُخر وسجد وتضرع إلى الله تعالى فأجرى له الماء، فأتاه جبريل ﵇ وهو وحده بفتيًا (٢): ما قول الأمير في عبدٍ لرجلٍ نشأ في ماله ونعمته ولا سيّد (٣) له غيره، فكفر نعمته وجحد حقه وادّعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه (٤): يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريّان جزاء العبد الخارج عن سيِّده أن يُغرَّق في البحر، فأخذه (٥) جبريل ﵇

стр. 7458

ومرّ، فلما ألجمه (١) الغرق وأيقن الهلاك ناوله جبريل ﵇ خطّه وغرّقه (٢). فلما أخبر موسى ﵇ قومه بهلاك فرعون وقومه، قالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون ولا يموت أبدًا، فأمر الله سبحانه البحر فألقى فرعون على الساحل، أحمر قصيرًا كأنه ثور، فتراياه بنو إسرائيل، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتًا أبدًا؛ فذلك قوله ﴿وَجَاوَزْنَا﴾؛ أي: قطعنا ﴿بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ حتَّى جاوزوه (٣). وقرأ الحسن: (وجوزنا) (٤) وهما لغتان. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ فأدركهم، يقال: (أتْبَعَه وتَبِعَهُ) إذا أدركه ولحقه (٥)، واتّبعه -بالتشديد- إذا سار خلفه واقتدى به (٦) ﴿فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ ظلما واعتداءً (٧)، يقال: (عدا يعدو عدوًا) مثل

стр. 7459

(غزا يغزو غزوًا) (١) وقرأ الحسن (وعُدُوًّا) بضم العين وتشديد الواو (٢) مثلا (علا يعلو عُلُوًّا). قال المفسرون: بغيًا في القول، وعَدْوًا في الفعل (٣). ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾؛ أي أحاط به (٤) ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف (إنه) -بالكسر-؛ أي آمنت وقلت إنّه (٥)، وهي قراءة عبد الله ﵁ (٦)، وقرأ الآخرون (أنَّه) بالفتح (٧)، بوقوع آمنت عليها، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فقال له جبريل ﵇:

стр. 7460

٩١ - ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ : "قال لي جبريل ﵇: ما أبغضت أحدًا من عباد الله ما أبغضت عبدين، أحدهما من الجن والآخر من الإنس، فأما الَّذي من الجنّ فإبليس لعنه الله حين أبي السجود لآدم ﵇، وأما الَّذي (١) من الإنس ففرعون (عدو الله) (٢) حين قال: أنا ربكم الأعلى، ولو رأيتني يا محمد وأنا أدسّ الطين في فيه مخافة أن تدركه الرحمة" (٣).
следующие страницы →