← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

وكانوا بني عمّ لا يرى بعضهم بعضًا، ولا يسمع بعضهم كلام بعض، فقال كل فريق قد غرق أصحابنا، فأوحى الله تعالى إلى الجبال من الماء أن تشبّكي، فتشبكت وصار فيه كهيئة الطيقان؛ فجعل ينظر بعضهم إلى بعض، فلما وصل فرعون بجنوده إلى البحر ورأوا البحر بتلك الهيئة قال فرعون: هابَنِيَ البحرُ! وهابوا دخول البحر، وكان فرعون على حصان أدهم، ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى، فجاء جبريل ﵇ على فرس وديقٍ (١) وخاض البحر، وميكائيل ﵇ يسوقهم لا يشذّ رجل منهم، فلما شمّ أدهم فرعون ريح فرس جبريل ﵇، وفرعون لا يراه، انسلَّ خلف فرس جبريل ﵇ في الماء، ولم يملك فرعون من أمره شيئًا، واقتحمت الخيول خلفه في الماء، فلما دخل آخرهم البحر، وهمّ أولهم أن يخرج انطبق الماء عليهم، فلما ألجم فرعون الغرق قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فدسّ جبريل ﵇ في فيه من حماة (٢) البحر وقال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ (٣).

стр. 7457

قال أبو بكر الوراق: قال الله تعالى لموسى وهارون ﵉ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ (١) فتذكر وخشي حين لم ينفعه تذكّره وخشيته. قال كعب الأحبار ﵀: أمسك فيض مصر عن الجري، فقالت القبط لفرعون: إن كنت ربًّا فأجر الماء، فركب وأمر جنوده بالركوب وكان مناديه ينادي كل ساعة: (ليقف فلان بجنوده) قائدًا قائدًا، فجعلوا يقفون على درجاتهم حتَّى بقي هو وخاصته، فأمرهم بالوقوف حتَّى بقي في حُجَّابه ووزرائه، فأمرهم بالوقوف، وتقدمهم وحده بحيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ثيابًا أُخر وسجد وتضرع إلى الله تعالى فأجرى له الماء، فأتاه جبريل ﵇ وهو وحده بفتيًا (٢): ما قول الأمير في عبدٍ لرجلٍ نشأ في ماله ونعمته ولا سيّد (٣) له غيره، فكفر نعمته وجحد حقه وادّعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه (٤): يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريّان جزاء العبد الخارج عن سيِّده أن يُغرَّق في البحر، فأخذه (٥) جبريل ﵇

стр. 7458

ومرّ، فلما ألجمه (١) الغرق وأيقن الهلاك ناوله جبريل ﵇ خطّه وغرّقه (٢). فلما أخبر موسى ﵇ قومه بهلاك فرعون وقومه، قالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون ولا يموت أبدًا، فأمر الله سبحانه البحر فألقى فرعون على الساحل، أحمر قصيرًا كأنه ثور، فتراياه بنو إسرائيل، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتًا أبدًا؛ فذلك قوله ﴿وَجَاوَزْنَا﴾؛ أي: قطعنا ﴿بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ حتَّى جاوزوه (٣). وقرأ الحسن: (وجوزنا) (٤) وهما لغتان. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ فأدركهم، يقال: (أتْبَعَه وتَبِعَهُ) إذا أدركه ولحقه (٥)، واتّبعه -بالتشديد- إذا سار خلفه واقتدى به (٦) ﴿فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ ظلما واعتداءً (٧)، يقال: (عدا يعدو عدوًا) مثل

стр. 7459

(غزا يغزو غزوًا) (١) وقرأ الحسن (وعُدُوًّا) بضم العين وتشديد الواو (٢) مثلا (علا يعلو عُلُوًّا). قال المفسرون: بغيًا في القول، وعَدْوًا في الفعل (٣). ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾؛ أي أحاط به (٤) ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف (إنه) -بالكسر-؛ أي آمنت وقلت إنّه (٥)، وهي قراءة عبد الله ﵁ (٦)، وقرأ الآخرون (أنَّه) بالفتح (٧)، بوقوع آمنت عليها، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فقال له جبريل ﵇:

стр. 7460

٩١ - ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ : "قال لي جبريل ﵇: ما أبغضت أحدًا من عباد الله ما أبغضت عبدين، أحدهما من الجن والآخر من الإنس، فأما الَّذي من الجنّ فإبليس لعنه الله حين أبي السجود لآدم ﵇، وأما الَّذي (١) من الإنس ففرعون (عدو الله) (٢) حين قال: أنا ربكم الأعلى، ولو رأيتني يا محمد وأنا أدسّ الطين في فيه مخافة أن تدركه الرحمة" (٣).

стр. 7461

٩٢ - قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أي نلقيك على نجوةٍ من الأرض وهي المكان المرتفع (١)، قال أوس بن حجر (٢): فَمَن بعِقْوتِه كَمَن بنَجوتِه ... والْمُستَكِنُّ كَمَن يَمشي بقِرْواح وقرأ يحيى بن يعمر ويعقوب (نُنْجِيكَ) خفيفة (٣) ﴿بِبَدَنِكَ﴾

стр. 7462

بجسدك لا روح فيه (١). الجزء الحادي عشر وقال مجاهد والكسائي: البدن هاهنا الدِّرع (٢)، وكان دارعًا. قال الأعشى (٣): وبيضاءَ كالنَّهي مَوضونةٍ ... لها قَونَسٌ فوقَ جَيب البَدَنْ وقرأ عبد الله ﵁: (فاليوم ننحّيك ببدانك) (٤)، أي نلقيك على

стр. 7463

ناحية من البحر، وقيل نُبعِدُك ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ عبرة وعظةً (١). وقرأ علي بن أبي طالب ﵁: (لمن خلقك) بالقاف (٢)، يريد آية لخالقك. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ قال مقاتل: يعني أهل مكة (٣). وقال الحسن: هي عامة (٤) ﴿عَنْ آيَاتِنَا﴾ عن الإيمان بآياتنا ﴿لَغَافِلُونَ﴾. ٩٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا﴾ أنزلنا (٥) ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بعد مهلك فرعون ﴿مُبَوَّأَ﴾ منزل ﴿صِدْقٍ﴾ يعني مصر (٦)، وقيل: الأردن وفلسطين (٧)، وهي الأرض المقدسة التي كتبها الله تعالى ميراثًا لإبراهيم ﵇ وذريته.

стр. 7464

وقال الضحاك: هي مصر والشام (١). ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الحلالات ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ يعني اليهود الذين (٢) كانوا في عهد محمد ﷺ ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ البيان بأن محمدًا رسولُ صدق (٣) ودينه حقّ، وقيل: العِلم بمعنى المعلوم (٤)، كقولهم للمخلوق: خلق، وللمقدور: قَدْر، وهذا الدرهم ضرب الأمير (٥).

стр. 7465

قال الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (١)، ومعنى الآية: فما اختلفوا في محمد ﷺ حتَّى جاءهم معلومهم وهو محمد ﷺ ؛ لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه (٢). ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الدين. ٩٤ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية قد أكثر العلماء في تأويل هذِه الآية: فقال مقاتل: قالت كفّار مكة: إنما يُلقي هذا الوحي على لسان محمد شيطان يقال له: (الرسّ) (٣)، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾؛ يعني القرآن ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فيخبرونك أنك مكتوب عندهم في التوراة رسولًا نبيًّا. وقيل: الخطاب للرسول ﵇ والمراد به غيره من الشاكّين؛ على مذهب العرب في خطابهم الرجل بالشيء ويريدون به غيره؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (٤) الخطاب للنبي ﷺ والمراد به المؤمنون، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٥) ولم يقل: تَعْمَل (٦).

стр. 7466

وقال القتيبيُّ: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ أصنافًا، منهم كافرٌ مكذب: لا يرى إلا أن ما جاء به باطل، ومؤمن مصدّق: يعلم أن ما جاء به حقٌّ، وشاكٌّ في الأمر: لا يدري كيف هو، يقدِّم رجلًا ويُؤخِّر أخرى، فخاطب الله هذا الصنف من الناس فقال: إن كنت أيها الإنسان في شكٍّ مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد ﷺ ؛ فاسأل الأكابر من علماء أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلّام وسلمان الفارسي وتميم الداري ﵁ وأشباههم، فيشهدون على صِدقِهِ، ولم يُرِدِ المعاندين منهم (١). وقيل: (إنْ) بمعنى الجحد (٢)، وتقديره: فما كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسألوا يا معشر الناس أنتم دون النبي ﷺ ؛ كما قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (٣) يعني (٤): وما كان مكرُهُم.

стр. 7467

وقيل: إن الله تعالى عَلِم أن الرسول ﷺ لم (١) يشكّ، ولكنه أراد أن يأخذ الرسول بقوله؛ (لا شكَّ ولا امتراء) (٢) بل إقامةً للحجة على الشَّاكِّين من قومه، كما يقول لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣) وهو يعلم أنَّه لم يقله؛ ليأخذه بقوله ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ (٤) إقامة للحجة على النصارى. وقال الفراء: علم الله سبحانه أن رسول الله ﷺ غير شاك فقال له: فإن كنت في شكِّ؛ وهذا كما تقول لغلامك الَّذي لا يشك في مُلكِكَ إياه: إن كنت عبدي فأطعني (٥)، وكما تقول لابنك: إن كنت ابني فبرني (٦). وقال عبد العزيز بن يحيى الكتاني: الشاكّ في الشيء يضيق به الصدر، فيقال لِضَيِّقِ الصَّدْر شاكّ، يقول يعني الله سبحانه: إن ضقت ذرعًا بما تُعاين من تعنتهم وبغيهم وأذاهم؛ فاصبر واسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك فيخبرونك كيف صبر الأنبياء على أذى قومهم، وكيف كان عاقبة أمرهم من النصر والتمكين (٧).

стр. 7468

[١٤٩٠] وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب (١)، يقول: سمعت أبا بكر محمد بن محمد بن أحيد القطان (٢) البلخي يقول: كان جائزًا على الرسول ﷺ وسوسة الشيطان؛ لأن المجاهدة في ردّها مما يستحق عليها عظيم الثواب، وأمره الله تعالى بالإستعاذة منه كلاهما جائز بالاستغفار منه، وكان (ضيق صدره) (٣) من ذلك والله أعلم (٤). وقال الحسين بن الفضل: إن مع (٥) حروف الشرط لا يثبت الفعل (٦)، والدليل عليه ما روي أن رسول الله ﷺ قال لما نزلت هذِه الآية: قال" والله لا أشكّ ولا أسأل" (٧).

стр. 7469

ثم استأنف الكلام فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. ٩٥ - ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ٩٦ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ حَقَّتْ﴾ وجبت (١) ﴿عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ لعنتُه إياهم (٢). وقال قتادة: سخطة الله سبحانه (٣). وقال ابن عباس ﵄: قول ربك بالسخطة (٤).

стр. 7470

وقال: إن الله تعالى خلق الخلق شقيًّا وسعيدًا، فمن كان سعيدًا لا يكفر إلا ريثما يراجع الإيمان، ومن كان شقيًّا لا يؤمن إلا ريثما يراجع الكفر، وإنما الأعمال بالخواتيم. وقرأ أهل المدينة والشام (كلمات) جمعًا (١). ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ٩٧ - ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ دلالة ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال الأخفش: أنّث فِعْل (كُلّ) لأنها مضافة إلى مؤنث (٢). ولفظة (كل) للمذكر والمؤنث سواء ﴿فَلَوْلَا﴾ فهلّا (٣)، وكذلك هو في حرف عبد الله وأبيّ ﵄ (٤)، وقال الشاعر (٥):

стр. 7471

تعُدُّون عَقرَ النِّيب أَفضَلَ مَجدِكُم ... بَني ضَواطَرى لولا الكَمِيَّ المقنّعا أي هلّا. ومعنى الآية: فلم تكن قرية؛ لأن في الاستفهام ضربًا من الجحد (١) ﴿كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ عند معاينتها العذاب ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ في وقت البأس ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فإنه نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت لِمَا علم الله تعالى من صدقهم. قال أهل النحو: ﴿قَوْمَ﴾ منصوب على الاستثناء المنقطع، وإن شئت قلت من غير جنسه؛ لأن القوم مستثنى من القرية، ومنجّون من مُهلكين وتقديره: لكن قوم يونس (٢)،

стр. 7472

كقوله النابغة (١): ............ ... وما بالربع من أحد إلا ... أوارِيّ ................. ونحوها. وفي (يونس) لغات (٢): ضم النون، وهو الاختيار؛ لضمة الياء، ولكثرة من قرأ بها. وقرأ طلحة والأعشى والجحدري وعيسى بكسر النون، وعن بعضهم بفتح النون، وحكى أبو زيد الأنصاري عن العرب همزة مع الضمة والكسرة والفتحة. ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ وهو وقت انقضاء آجالهم (٣). قال بعضهم: إنما نفعهم إيمانهم في وقت البأس؛ لأنَّ آجالهم قد

стр. 7473

بقيت منها بقية، فنجوا لما بقي من آجالهم، فأمّا إيمان من قد مضى وانقضى أجله فغير نافع عند حضور الأجل (١). وقصة الآية على ما ذكره عبد الله بن مسعود ﵁ وسعيد بن جبير والسدي ووهب وغيرهم: أنَّ قوم يونس ﵇ كانوا بنينوى من أرض الموصل فأرسل الله تعالى إليهم يونس ﵇ يدعوهم إلى الإسلام وتَرْك ما هم عليه، فدعاهم، فأبوا، فقيل له: أخبرهم أنّ العذاب مصبّحهم إلى ثلاث، فأخبرهم بذلك، فقالوا: إنَّا لم نجرّب عليه كذبًا، فانظروا: فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبّحكم، فلما كان في جوف الليل خرج يونس ﵇ من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشَّاهم العذاب. قال ابن جبير: كما يغشى الثوب القبر إذا أدخل فيه صاحبه (٢). قال مقاتل: كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ميل (٣). قال ابن عباس: قدر ثلثي ميل (٤).

стр. 7474

قال وهب: أغامت السماء غيمًا أسود هائلًا تدخّن دخانًا شديدًا، فهبط حتَّى غشي مدينتهم واسودّت سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا نبيهم فلم يجدوه، فقذف الله في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابِّهم، ولبسوا المسوح، وأظهروا الإيمان والتوبة، وأخلصوا النية، وفرَّقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، فحنّ بعضهم إلى بعض، وعلت أصواتها، واختلطت أصواته بأصواتهم، وحنينها بحنينهم، وعجُّوا وتضرعوا إلى الله سبحانه، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس ﵇، فرحمهم ربهم، فاستجاب دعاءهم، وكشف عنهم العذاب بعد ما أظلّهم وتدلّى عليهم، وذلك يوم عاشوراء (١). قال ابن مسعود: بلغ من توبة أهل نينوى أن ترادّوا المظالم بينهم، حتَّى إن كان الرجل ليأتي الحَجَر وقد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيردّه (٢). وروى صالح المرّي (٣)، عن أبي عمران الجوني (٤)، عن أبي

стр. 7475

الجلد (١) قال: لمّا غشي قوم يونس العذاب مضوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا له: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ قال: قولوا: يا حي حين لا حي، ويا حي يحيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها، فكشف الله تعالى عنهم العذاب ومتعوا إلى حين (٢). قالوا: وكان يونس ﵇ قد خرج من بين أظهرهم وأقام ينتظر العذاب وهلاك قومه، فلم يحيى شيئًا، وكان من كذب ولم يكن له بيّنة قُتِل، فقال يونس، لما كُشف عنهم العذاب: كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم، فانطلق عاتئا على ربه مغاضبًا لقومه، فأتى البحر فإذا قوم يركبون سفينة فحملوه بغير أجر، فلما دخلها وقفت السفينة، والسفن تسير يمينًا وشمالًا، قالوا: ما لسفينتكم؟ قال يونس: إن فيها عبدًا آبقًا ولا تجري ما لم تلقوه، قالوا: أما أنت، يا نبي الله، فلا نلقيك، فاقترعوا، فوقعت القرعة عليه ثلاثًا، فوقع في الماء، ووكِلَ به حوت فابتلعه. قال ابن مسعود: فابتلع الحوت حوتٌ آخر، فأهوى به إلى قرار

стр. 7476

الأرض، وكان في بطنه أربعين ليلة، يسمع تسبيح الحصا، فنادى في الظلمات أن: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجاب الله له، فأمر الحوت فنبذه على ساحل البحر، وهو كالفرْخِ الممعَّط، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فجعل يستظل تحتها، ووكّل الله به وعلًا يشرب من لبنها، فيبست الشجرة فبكى عليها، فأوحى الله تعالى إليه: تبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن أهلكهم، فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال: ممن أنت، يا غلام؟ قال: من قوم يونس، قال: إذا رجحت إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس، فقال الغلام: إن كنت يونس فقد تعلم أنَّه إن لم تكن لي بينة قتلت، فمن يشهد لي؟ قال يونس: تشهد لك هذِه البقعة وهذِه الشجرة، فقال له الغلام: فمرهما، فقال يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه فقال للملك: إني قد لقيت يونس، وهو يقرأ عليكم السلام، وكان له إخوة، وكان في منعة، فأمر الملك بقتله، فقال: إنَّ لي بينة؛ فأرسلوا معي، فأتى البقعة والشجرة، فقال أنشدكما: هل أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، وقالوا للملك: شهد له الشجرة والأرض، فأخذ الملك بيد الغلام فأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني، قال ابن مسعود: فأقام لهم أمرهم أربعين سنة (١).

стр. 7477

٩٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾. قال الحسين بن الفضل: لاضطرهم إلى الإيمان (١). قال الأخفش: جاء بقوله ﴿جَمِيعًا﴾ مع ﴿كُلُّ﴾ تأكيدًا؛ كما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (٢) (٣). ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ حريصًا على أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله جلّ ثناؤه أنَّه لا يؤمن إلا من سبق له من الله سعادة في الذكر الأول، ولا يضلّ إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول (٤). ٩٩ - ﴿وَمَا كَانَ﴾ وما ينبغي ﴿لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ﴾ وقال المبرد: معناه: وما كانت لتؤمن (٥) ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قال ابن عباس: بأمر الله. وقال عطاء:

стр. 7478

بمشيئة الله (١)، كقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ﴾ (٢). وقال العوفي: بما سبق لها من قضائه. وقال الكتاني: بعلمه وتوفيقه (٣). ﴿وَيَجْعَلُ﴾ أي: ويجعل الله، وقرأ الحسن وعاصم، في رواية أبي بكر بالنون (٤). ﴿الرِّجْسَ﴾ العذاب والسخط (٥). وقرأ الأعمش (الرجز) بالزاي (٦). ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ حجج الله في التوحيد والنبوة (٧). ١٠٠ - ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين السائلي: الآيات ﴿انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الشمس والقمر والنجوم ﴿وَالْأَرْضِ﴾ من الجبال والبحار

стр. 7479

والأنهار والأشجار وغيرها من الآيات، ثم قال: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ﴾ والرسل ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في علم الله (١). ١٠١ - ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ يعني مشركي مكة (٢) (إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مضوا ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من مكذبي الأمم. قال قتادة: يعني: وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود (٣). والعرب تسمي العذاب أيامًا، والنعم أيامًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (٤)، وكل ما مضى عليك من خير أو شر فهو أيام (٥). ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. ١٠٢ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معهم عند نزول العذاب ﴿كَذَلِكَ﴾ كما أنجيناهم كذلك ﴿حَقًّا﴾ واجبًا ﴿عَلَيْنَا﴾ غير شكّ ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بك، يا محمد. وقرأ

стр. 7480

يعقوب إننجي رسلنا) بالتخفيف (١)، وقرأ الكسائي وحفص (ننجي المؤمنين) بالتخفيف، وشددها الآخرون (٢)، وهما لغتان فصيحتان: أنجى ينجي إنجاءً، ونجّى ينجي تنجئةً؛ بمعنى واحدِ (٣). ١٠٣ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ الذي أدعوكم إليه ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأوثان التي لا تعقل ولا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقدر أن يميتكم ويقبض أرواحكم ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ١٠٤ - ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ قال ابن عباس: عملك (٤)، وقيل: نفسك -أي: استقم على الدين (٥) ﴿حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ

стр. 7481

على المنبر: "لم أبعث بالرهبانية، وإنَّ خير الدين الحنيفية السمحة" (١). ١٠٥ - ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ تعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ﴾ إن أطعته ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إن عصيته ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ فعبدت غير الله ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الضارين لأنفسهم الواضعين العبادة في غير موضعها. ١٠٦ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾ يصبك الله ﴿بِضُرٍّ﴾ بلاءٍ وشدةٍ ﴿فَلَا كَاشِفَ﴾ دافع ﴿لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ رخاء ونعمة ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ فلا مانع لرزقه ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بكل واحد من الضر والخير ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ

стр. 7482

﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١). ١٠٧ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني القرآن فيه البيان (٢) ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فلنفسه بغى الخير ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ فعلى نفسه جنى ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ بحفيظ وكفيل أحفظ أعمالكم. قال ابن عباس: نسختها آية السيف (٣).

стр. 7483

١٠٨ - وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ من نصرك وقهر أعدائك وإظهار دينه ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. قال أنس: لما نزلت هذِه الآية جمع رسول الله ﷺ الأنصار، ولم يجمع غيرهم، فقال: "إنكم ستجدون بعدي أَثَرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" قال أنس: فلم يصبروا (١)، فأمرهم بالصبر كما أمره الله تعالى به. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب: لما قدم معاوية المدينة تلقته الأنصار، وتخلّف أبو قتادة، فدخل عليه بعد، فقال: مالك لم تتلقنا؟ قال: لم تكن عندنا دواب، قال: فأين النواضح؟ قال: قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقد قال ﷺ يوم بدر: "يا معشر الأنصار إنكم ستلقون بعدي أَثَرة" قال معاوية: فماذا قال: قال رسول الله ﷺ : "فاصبروا حتى تلقوني"، قال: فاصبروا، قال: إذًا نصبر. وفي ذلك قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: ألا أبلِغْ مُعَاويةَ بنَ حَربٍ ... أميرَ المؤمنينَ نَثَا كلامِ

стр. 7484

بأنَّا صَابرونَ ومُنظِروكُم ... إلى يوم التَّغابن والخِصَامِ (١)

стр. 7485

١١ - سُورَة هُود

стр. 7486

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة هود ﵇ مكية (١) (كلماتها ألف وتسعمائة وخمس عشرة كلمة، وحروفها سبعة آلاف وستمائة وخمسة أحرف) (٢)، وهي مائة وثلاث وعشرون (٣) آية. (هذا جملة عددها في الكوفي وآيتان في المدني الأول، وآية في المدني الثاني) (٤) (٥). [١٤٩١] أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق ابن خزيمة (٦)،

стр. 7487

حدثنا (جدي أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة) (١). [١٤٩٢] وحدثنا أبو طاهر محمد بن الفضل (٢)، حدثنا محمد بن علي بن محرز (٣)، حدثنا محمد بن بشر (٤)، حدثنا علي بن صالح (٥)، عن أبي إسحاق (٦)، عن أبي جحيفة (٧) قال: قيل: يا رسولَ الله، قد أسرعَ إليك الشَّيْبُ. قال: "شيبتني هود وأخواتها" (٨).

стр. 7488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7489

[١٤٩٣] وأخبرنا أبو علي الحسين بن محمد -هو السيوري- (١)، أخبرنا أبو الحسين (٢) علي بن حِمْشَاذ (٣)، حدثنا محمد بن يونس (٤)، حدثنا حاتم بن سالم القزاز (٥) (٦)، حدّثنا عمرو بن أبي عمرو

стр. 7490

العبدي (١) ، حدثنا يزيد بن أبان (٢)، عن أنس بن مالك، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قلت: يا رسول الله عَجَّلَ إليك الشَّيْبُ. قال: "شيبتني هود وأخواتها، الحاقة، والواقعة، وعمّ يتساءلون، وهل أتاك حديث الغاشية" (٣). قال عمرو: قال لي يزيد: فرأيتُ النبي ﷺ في المنام، فقرأتُ عليه سورة هود فلما ختمتها قال: يا يزيد قرأتَ فأين البكاء؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - قوله ﴿الر كِتَابٌ﴾ قيل: ﴿الر﴾ مبتدأ، و ﴿كِتَابٌ﴾ خبره، وقيل: ﴿كِتَابٌ﴾ رفع على خبر (٤) ابتداء مضمر، تقديره: هذا كتاب (٥).

стр. 7491

﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، قال ابن عباس: أحكمت آياته، لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها (١). ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بينت بالأحكام والحلال والحرام. قال الحسن (٢) وأبو العالية (٣): أحكمت آياته بالأمر والنهي، ثم فصِّلت بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب. قال قتادة (٤) ومقاتل (٥): أحكمت آياته من الباطل. قال مجاهد: فصِّلت: فسّرت (٦).

стр. 7492

﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ ٢ - ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (٢)﴾: يحتمل أن يكون موضع أن رفعًا على إضمار، تقديره: وفي ذلك الكتاب ألا تعبدوا إلا الله (١)، ويحتمل أن يكون محله نصبًا بنزع الخافض، تقديره: ثم فصلت بأن لا تعبدوا إلا الله (٢). ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾: من الله. ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ ٣ - ﴿وَأَنَّ﴾: عطف على الأول (٣) ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ (٣)﴾ أي: ارجعوا إلى الله بالطاعة والعبادة. وقال الفرّاء: (ثم) هاهنا بمعنى الواو، أي: وتوبوا إليه؛ لأنّ الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار (٤).

стр. 7493

﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ يعشكم (١) عيشًا في خفض ودعة، وأمن وسعة، ولا يهلككم ولا يبتليكم بالقحط. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: وهو الموت (٢). ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾: ويعط كل ذي عمل صالح أجره وثوابه، فسمّى الجزاء باسم الابتداء. قال ابن مسعود: من عمل سيئة كُتب عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها (في الدنيا بقيت له عشر حسنات، فإن لم يعاقب بها) (٣) في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم قال هلك من غَلَبَ آحادُه أعشارَه (٤). وقال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أهل الأعراف، ثم يدخلون الجنة بعدُ (٥).

стр. 7494

وقال أبو العالية: من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجاته في الجنة؛ لأن الدرجات تكون بالأعمال (١). وقال مجاهد: هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه أو عمل يعمله بيده ورجله، أو ما تطوع به من ماله (٢). ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وهو يوم القيامة (٣). ٤ - ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾. ٥ - قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة، نزلت في الأخنس بن شَرِيْق، وكان رجلًا حلو الكلام، حلو المنظر يلقى رسول الله ﷺ بما يحب (٤)، وينطوي بقلبه على ما يكره (٥).

стр. 7495

قال مجاهد: يثنون صدورهم شكًّا وامتراءً (١). قال السدي: يعرضون بقلوبهم عنك، من قولهم: ثنَيْتُ عنَانِي (٢). قال عبد الله بن شداد نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مَرَّ برسول الله ﷺ ثنَى صَدْرَه وظهره، وطأطأ رأسه، وغطى وجهه، كي لا يراه النبي ﷺ (٣).
следующие страницы →