← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ يعني: البينة والرحمة. ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ لا تريدونها، يعني: لا نفعل ذلك! ٢٩ - قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ أجرًا. أي: على الوحي، وتبليغ الرسالة. كناية عن غير مذكور (١). ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما ثوابي (٢) ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الباء صلة (٣). ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ في المعاد فيجزيهم بأعمالهم ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ٣٠ - ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِىِ﴾ يمنعني (٤) ﴿مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ٣١ - قوله تعالى ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي﴾ تحتقر وتُصَغِّر (٥) ﴿أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ يعنى: توفيقاً وإيماناً

стр. 7527

﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من النية والعزم، والخير والشر (١) ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إن فعلت ذلك (٢). ٣٢ - ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ ماريتنا وخاصمتنا (٣) ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ يعني: العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٣٣ - ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِى﴾ ٣٤ - نصيحتي. ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ يضلكم (٤). ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ والحكم والأمر له ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

стр. 7528

فيجزيكم بأعمالكم، وهو ردٌّ على المعتزلة (١) والقدرية (٢). ٣٥ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ قال ابن عباس: يعني نوحًا (٣). وقال مقاتل: يعني محمدًا ﷺ (٤).

стр. 7529

﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ إثمي ووبال جرمي (١)، فلا تُؤاخذون (٢) بذنبي. ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ لا أؤاخذ (٣) بذنوبكم. ٣٦ - ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ فلا تحزن (٤)، وهو تفتعل من البؤس (٥). ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فإنِّي مهلكهم ومنقذك منهم، فحينئذ دعا عليهم (٦) فقال ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (٧). ٣٧ - قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ واعمل السفينة ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ قال ابن عباس: بمرأى منّا (٨)

стр. 7530

قال الضحاك: بمنظر منّا (١). قال مقاتل: بعلمنا (٢). قال الرَّبيع: بحفظنا (٣). ﴿وَوَحْيِنَا﴾ وأمرنا. قال ابن عباس: وذلك أنَّه لم يعلم كيف صَنْعَةُ الفلك فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها على مثال (٤) جؤجؤ (٥) الطائر (٦). ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولا تسألني العفو عن هؤلاء الذين كفروا من قومك ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ بالطوفان. أُمر أن لا يشفع لهم عنده. وقيل: عنى به (٧) امرأته واعلة وابنه كنعان (٨).

стр. 7531

٣٨ - ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ قيل: معناه: وكان يصنع. وقيل معناه: وصنع الفلك (١). ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ هزئوا به. ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ اليوم ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ إذا عاينتم عذاب الله ﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾. ٣٩ - ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يهينه (٢) ﴿وَيَحِلُّ﴾ يجب (٣) (٤) ﴿عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم (٥). قال ابن عباس: اتخذ نوح ﵇ السفينة في سنتين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثين ذراعًا. وكانت من خشب السَّاج. وجعل لها ثلاثة (٦) بطون، فحمل في البطن الأسفل (٧) الوحوش والسباع والهوامّ، وفي البطن

стр. 7532

الأوسط, الدوابِّ والأنعام، وركب هو ومن معه البطن الأعلى، مع ما يحتاج إليه من الزاد (١). وروت عائشة ﵂ عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه (٢) قال: "مَكَثَ نوح في قومه أَلْف سنة إلَّا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله سبحانه، حتَّى إذا (٣) كان آخرُ زمانه غرس شجرةً فَعَظُمَتْ وذَهَبَت كل مذهب، فقطعها، ثمَّ جعل يعمل السفينة، ويمرّون فيسألونه؟ فيقول: أعمل سفينة فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر! فكيف تجري؟ فيقول: فسوف تعلمون! فلمَّا فَرَغَ منها وفَارَ التَنّورُ وكَثُرَ الماء في السِّكَكِ خَشِيَتْ أم صَبِي عليه وكانت تُحِبُّه حُبًا شديدًا، فخرجت إلى الجبل حتَّى بلغت ثلثه، فلمَّا بَلَغَها الماء خَرَجَتْ به (٤) حتَّى بلغت ثُلُثيْه، فلما بَلَغَها الماءُ خَرَجَتْ به حتَّى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها حتَّى ذهب بها الماء! ! فلو رَحِمَ اللهُ منهم أحدًا لرَحِمَ أُمَ الصَّبِي" (٥).

стр. 7533

وروى علي بن زيد بن جدعان (١)، عن يوسف بن مِهران (٢)، عن ابن عباس قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم ﵉ لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة فحدَّثنا بها، فانطلق بهم حتَّى (انتهى إلى كثيب) (٣) من تراب، فأخذ كَفَّا من ذلك التُّراب بكفّه، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: هذا كعب حام بن نوح! قال: فضرب الكثيب بعصاه، فقال: قم بإذن الله. فإذا هو قائم ينفض التُّراب عن رأسه قد شاب. قال له عيسى: هكذا هلكت؟ قال: لا، مُتّ وأنا شاب ولكني ظننت أنَّها الساعة فَمِنْ ثَمَّ شِبْتُ. قال: حَدِّثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها أَلْف ذراع (ومئتي ذراع) (٤)، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات. فطبقة فيها الدوابّ والوحوش، وطبقة فيها الأنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثرت أرواث الدوابّ، أوحى الله تعالى إلى نوح، أن اغمز ذنب

стр. 7534

الفيل، فغمزه (١) فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الأرواث (٢)، فلما وقع الفأر تجوَّز (٣) بالسفينة يقرضها وحبالها، وذلك أن الفأر توالدت في السفينة، فأوحى الله تعالى إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب فخرجت (٤) من منخره سنّورٌ وسنورة، فأقبلا على الفأر. قال له عيسى: كيف عَلِم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه (٥) بالخبر، فوجد جيفة فوق عليها، فدعا عليه بالخوف؛ فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها (٦)، فعلم أنَّ البلاد قد غرقت. قال: فطَّوقها الخضرة التي (٧) في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمانٍ، فمن ثم تألف البيوت (٨). قال فقالوا: يَا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلنا فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ ! قال: فقال له عبد بإذن الله فعاد ترابًا (٩).

стр. 7535

وروى محمَّد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثيّ: أنّه كان يتحدث (١): أنّه بَلَغه أنَّهم (كانوا يبطشون به، يعني: قوم نوح) (٢)، فيخنقونه حتَّى يُغشى عليه. فإذا فاق قال: اغفر (٣) لقومي فإنَّهم لا يعلمون. حتَّى إذا تمادوا في المعصية، وعظمت في الأرض منهم الخطيئة، (وتطاول عليهم وعليه الشأن، واشتد عليه منهم البلاء) (٤)، وانتظر النِّجل بعد النِّجل، فلا يأتي قرن إلَّا كان أخبث من الذي قبله، حتَّى إن كان الآخر منهم ليقول: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونًا لا يعقل (٥). لا يقبلون منه شيئًا؛ شكى ذلك من أمرهم إلى الله تعالى فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ (٦) حتَّى قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (٧) إلى آخر القصة.

стр. 7536

فأوحى الله تعالى إليه: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: بعد اليوم. ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ فأقبل نوح على عمل الفلك، ولهى عن قومه، وجعل يقطع الخشب، ويضرب الحديد، ويهيئ عدة الفلك (١) من القار وغيره، مما لا يصلحه إلَّا هو، وجعل قومه يمرّون به وهو في ذلك من عمله فيسخرون منه (٢)، ويقولون: يَا نوح، قد صرت نجّارا بعد النبوة. وأعقم الله أرحام النساء ثلاث سنين، فلا يولد لهم ولد (٣). قال (٤): ويزعم أهل التوراة أن الله تعالى أمره أن يصنع الفلك (٥) من خشب السَّاج، وأن يصنعه أَزْوَر (٦) وأن يطليه القار (٧) من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعًا، وعرضه خمسين ذراعًا، وبابه في عرضه وطوله في السماء ثلاثين ذراعًا، الذراع (٨) إلى

стр. 7537

المنكب، وأن يجعله (ثلاثة أطباق) (١): سفْلًا وَوَسْطًا وعُلْوًا، وأن يجعل فيه كِوى (٢). ففعل نوح كما أمره الله تعالى (٣). ٤٠ - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ عذابنا ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ يعني: انبجس الماء من وجه الأرض. (والعرب تسمّي وجه الأرض) (٤): تنُّور الأرض (٥). وذلك أنَّه قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أَنْتَ ومن اتبعك (٦). وهذا قول ابن عباس (٧) و (عكرمة (٨)

стр. 7538

والزهري (١) وابن عيينة (٢)) (٣). وقال علي بن أبي طالب ﵁ ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ أي: طلع الفجر، ونوّر الصبح (٤). وقال قتادة: التّنُور أشرف موضع في الأرض، وأعلى مكان فيها (٥). وقال الحسن: أراد التنُّور الذي يُخبز فيه، وكان تنُّورًا من حِجارة، وكان لحواء، حتَّى صار إلى نوح، فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنُّور فاركب أَنْتَ وأصحابك، فنبع الماء من التنُّور فعَلِمَتْ به امرأته فأخبرته (٦).

стр. 7539

وهذا قول مجاهد (١)، ورواية عطيَّة عن ابن عباس (٢). واختلفوا في موضعه. فقال مجاهد: كان ذلك في ناحية الكوفة (٣). (وروى السري (٤) عن الشعبي: أنَّه كان يحلف بالله ما فار التنّور إلَّا من ناحية الكوفة) (٥)، وقال: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة، وكان التنّور على يمين الداخل مما يلي باب (٦) كندة، وكان فوران الماء منه علمًا لنوح، ودليلًا على هلاك قومه. وقال مقاتل: كان ذلك تَنُّورَ آدم، وإنّما كان بالشَّام بموضع يقال

стр. 7540

له: عين وردة (١). وقال ابن عباس: فار التنّور بالهند (٢). والفوران: الغليان (٣). ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾ أي: في السفينة ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ قال المفسرون: أراد بالزوجين اثنين ذكرًا وأنثى (٤). وقال أهل المعاني: كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه؛ فإن العرب تُسمّى كل واحد منهما زوجًا. يقال: عليه زَوْجَا نِعَال إذا كانت

стр. 7541

عليه نعلان، وكذلك: عِنْدَهُ زوْجَا حَمَامٍ، وعَلَيْه زَوْجَا قُيُودٍ (١). قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥)﴾ (٢). وقال بعضهم: أراد بالزوجين: الضَّرْبَيْن والصِّنفَيْن (٣). وكل ضرب يُدعى زوجًا، قال الأَعشى (٤): وكُلُ زَوْجٍ مِنْ الدِّيْبَاجِ يَلْبَسُهُ ... أَبُو قُدَامَةُ مَحْبُوٌّ بِذَاكَ مَعَا أراد: كل ضرب ولون. وقال لبيد (٥): وذِيْ بَهْجَةٍ كَنَّ المَقَانِبُ صَوْتَهُ ... وزيَّنهُ أَزْوَاجُ نورٍ مُشَرَّبِ

стр. 7542

أي: ألوان وأصناف. وقرأ حفص ها هنا وفي سورة المؤمنون، ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ (١) بالتنوين، أي: من كل صنف ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ على التأكيد (٢). ﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي: واحمل أهلك، أي: ولدك وعيالك (٣). ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بالهلاك (٤) يعني: امرأته واعلة وابنه كنعان. ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ يعني: واحمل من آمن بك. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. واختلفوا في عددهم. فقال قتادة والحكم (٥) وابن جريج (٦)

стр. 7543

ومحمَّد بن كعب القرظي (١): لم يكن في السفينة إلَّا نوح وامرأته (٢) وثلاثة بنيه سام وحام ويافث ونساؤهم، فجميعهم ثمانية، فأصاب حام امرأته في السفينة فدعا الله نوح أن يغير نطفته، فجاء بالسودان. قال الأَعمش: كانوا سبعة نوح وثلاث كنائن له وثلاث بنين له (٣). وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعًا (٤). وقال مقاتل: كانوا اثنين (وسبعين رجلًا وامرأة، وبنيه الثلاثة، ونساءهم. فكان الجميع ثمانية) (٥) وسبعين نفسًا، نصفهم رجال، ونصفهم نساء (٦).

стр. 7544

وقال ابن عباس: كان في سفينة نوح ثمانون إنسانًا، أحدهم جرهم (١). قال مقاتل: وحمل نوح معه جسد آدم عليه ﵇ جعله معترضًا بين الرجال والنساء، وقصد نوح (جميع الدواب من البهائم) (٢) والوحوش والطيور وغيرها ليحملها (٣). قال ابن عباس: أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب، الذَّرة، وآخر ما حمل الحمار، فلما دخل الحمار ودخل صدره، تعلق إبليس بذنبه، فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع، حتَّى قال نوح: ويحك ادخل، ولو (٤) كان الشيطان معك، كلمة زلّت على لسانه. فلما قالها نوح خلّى الشيطان سبيله فدخل، ودخل الشيطان معه. فقال له نوح: ما أدخلك عليّ يَا عدوّ

стр. 7545

الله؟ (فقال: ألم تقل: ادخل ولو كان الشيطان معك. قال: اخرج عنّي يَا عدو الله) (١). قال: مالك بُدٌّ من أن تحملني معك. وكان فيما يزعمون في ظهر الفلك (٢). [١٤٩٧] وفي تفسير مالك (بن سليمان) (٣) الهروي (٤) الذي أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمَّد (٥) ببعضه قراءة عليه وأجاز لي بالباقي غير مرّة. قال حَدَّثَنَا أبو العباس محمَّد بن الحسن الهروي (٦)، حَدَّثَنَا رجاء بن عبد الله (٧) عنه: أن الحية والعقرب أتيا نوحًا ﵇ فقالتا: احملنا. فقال نوح: إنكما سبب الضُّر والبلايا والأوجاع لا أحملكما. قالتا: احملنا فنحن نضمن لك أن لا نضر أحدًا ذكرك. فمن قرأ حين خاف مضرتهما ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ

стр. 7546

﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ (١) ما ضرّتاه (٢). ٤١ - ﴿وَقَالَ﴾ لهم نوح: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾. قرأ أبو رجاء العطاردي: مُجْريها ومُرْسِيها بضم الميم (٣) (٤) وكسر الراء والسين، على نعت الله سبحانه؛ لأنه هو الذي أجراها وأرساها (٥). وقرأ أهل الكوفة إلَّا أَبا بكر، ﴿مَجْرَاهَا﴾ بفتح الميم ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ بضم الميم (٦)،

стр. 7547

وهي قراءة عبد الله (١). قال ابن عباس: مجراها بحيث تجري، ومرساها بحيث ترسي، أي: تحبس في الماء (٢). وقرأ محمَّد بن محيصن بفتح الميمين (٣) وهما مصدران يعني: بالله جريها ورسُوها، أي: ثبوتها. جرى يَجْرِي جَرْيًا ومَجْرى، ورَسَا يَرْسُو رَسْوًا ومَرْسًى (٤)، مثل: ذَهَبَ مَذْهَبًا (٥)، وضَرَبَ مَضْربًا. قال امرؤ القيس (٦): تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسُا إِلْيَها ومَعْشَرًا ... عَلَيَّ حِرَاصُا لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي أي: قتلي. وقرأ الباقون بضم الميمين (٧)،

стр. 7548

واختاره أبو عبيد وأبو حاتم (١)، معناه: باسم الله إجراؤها، وإرساؤها (٢) كقوله: ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (٣) و ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (٤) بمعنى: الإنزال والإدخال والإخراج. ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال الضحاك: كان إذا أراد أن تَرْسُو قال: بسم الله. فرست، وإذا أراد أن تَجْرِي قال: بسم الله. فَجَرَتْ (٥).

стр. 7549

٤٢ - قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كنعان (١)، وقال عبيد بن عمير: يام، وكان كافرًا (٢). ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ عنه لم يركب معه الفلك ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ فتهلك. ٤٣ - ﴿قَالَ﴾ له ابنه: ﴿سَآوِي﴾ سأصير وأرجع ﴿إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي﴾ يمنعني (٣) ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ ومنه عِصَامُ القِرْبَة الذي (٤) يُشَدُّ به رأسها فَيَمْنَع الماء أن يسيل منها (٥). ﴿قَالَ﴾ نوح ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ عذاب الله ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ فَأَنْقَذَنَا مِنْهُ وهو الله. ومَنْ في محل الرفع. وقيل: هو في محل النصب (٦). ومعناه: لا مَعْصُومَ اليوم مِنْ أمر

стр. 7550

الله إلَّا مَنْ رحم، كقوله ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (١) ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٢). قال الشَّاعر (٣): بطيءُ القِيَامِ، رَخِيْمُ الكَلَامِ ... أَمْسَى فُوَادِي بِهِ فَاتَنا أي: مفتونًا. ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ﴾ فصار ﴿مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. ٤٤ - قوله: ﴿وَقِيلَ﴾ بعد ما تناهى أمر الطوفان ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي﴾ انشفي وتشربي ﴿مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ أمسكي (٤) ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ فذهب ونضب (٥). ومصدره الغَيْض، والغُيُوض (٦). ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ وفرغ من العذاب ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ يعني: السفينة استقرت ورست وعلت ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾.

стр. 7551

وهو جبل بالجزيرة بقرب الموصل (١). قال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت؛ لئلا ينالها الماء، فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعًا، وتواضح الجودي وتَطَامَنَ لأمر ربه، فلم يغرق وأرسيت السفينة عليه (٢). قال رسول الله ﷺ : "لأول يوم من رجب". -وفي بعض الأخبار-، "لعشرٍ مَضَيْنَ من رجب، ركب نوح السفينة، فصام هو ومن معه، وجرت بهم السفينة ستة أشهر، ومَرَّتْ بالبيت فَطَافَتْ به سَبْعًا -وقد رفعه الله من الغرق- وأرست السفينة على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح وأمر جميع من معه، والوحش (٣) والدواب، فصاموا شكرًا لله تعالى" (٤).

стр. 7552

﴿وَقِيلَ بُعْدًا﴾ هلاكًا ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين (١). ٤٥ - قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ لا خُلْفَ فيه. ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ حكمت على قوم بالنجاة وعلى قوم بالهلاك. ٤٦ - ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ قرأها أهل الكوفة (٢) (إلَّا عاصمًا وحمزة) (٣) إنّه عَمِلَ بكسر الميم وفتح اللام، غَيْرَ بنصب الراء على الفعل، ومعناه: إنَّه عمل الشِّرك والتكذيب. قرأ الباقون بفتح الميم وضمّ اللَّام وتنوينه، غَيْرُ بالرفع (٤)،

стр. 7553

ومعناه: إنّ سؤالك إيّاي أن أنجيه عمل غير صالح. ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ﴾ يَا نوح ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. وقرأ ابن كثير بتشديد النُّون وفتحه. وقرأ أهل المدينة والشَّام بتشديد النُّون وكسره (١) (٢). ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. واختلفوا في هذا الابن، فقال بعضهم: إنه (٣) لم يكن ابن نوح. ثم اختلفوا فقال بعضهم: كان ولد خبث من غيره، ولم يعلم بذلك نوح. فقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: من ولدك، وهو قول مجاهد والحسن (٤). قال قتادة: سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ابنه، وقرأ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ (٥) فقلت: إن الله تعالى أخبر (٦) عنه أنَّه قال: ﴿إِنَّ ابْنِي﴾ وقال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ وأنت تقول؟ لم يكن ابنه! وإن أهل

стр. 7554

الكتابين لا يختلفون في أنَّه كان ابنه! فقال الحسن: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب؟ ! إنهم يكذبون (١). وقال ابن جريج: ناداه وهو يحسب أنَّه ابنه، وكان ولد على فراشه (٢). وقال عبيد بن عمير: نرى أنّ رسول الله ﷺ إنَّما قَضَى أَنّ الولد للفراش (٣). من أَجل ابن نوح. وقال بعضهم: إنه كان ابن امرأته. واستدلوا بقول نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ ولم يقل مني. وهو قول أبي جعفر الباقر (٤).

стр. 7555

وقال آخرون: إنه كان ابنه من صلبه، ومعنى قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم. وقالوا: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كان خيانتها في الدين لا في الفراش، وذلك أن هذِه كانت تخبر النَّاس أنَّه مجنون، وهذِه كانت تدل على الأضياف. وهو قول ابن عباس (١) وعكرمة (٢) وسعيد بن جبير (٣) والضَّحَاك (٤) وميمون بن مهران (٥). قال أبو معاوية البَجَليّ (٦): قال رجل لسعيد بن جبير: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ كان ابن نوح؟ فسبَّحَ طويلًا وقال: لا إله إلَّا الله، يحدث (٧) الله

стр. 7556

محمدًا أنَّه ابنه وتقول ليس بابنه؟ ! كان ابنه، ولكنه كان مخالفًا له في النية والعمل والدين، فمن ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. وهذا القول أولى بالصواب، وأليق بظاهر الكتاب (١). ٤٧ - وقال نوح ﵇ عند ذلك: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ٤٨ - ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ﴾ انزل من السفينة إلى الأرض ﴿بِسَلَامٍ﴾ بأمن وسلامة ﴿مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ وهم الذين كانوا معه في السفينة (٢).

стр. 7557

وقال أكثر المفسرين (١): معناه: وعلى قرون تجيء بعدك من ذرّية مَن معك مِن ولدك، وهم المؤمنون وأهل السعادة من ذرّيته. ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهم الكافرون وأهل الشقاوة. قال محمَّد بن كعب القرظي: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وكذلك في ذلك العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة (٢). قال الضحاك: يزعم ناس أن من غرق من الولدان مع آبائهم في النَّار (٣) وليس كذلك، إنّما الولدان بمنزلة الطير وسائر من أغرق الله بغير ذئب، ولكن حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم، والمدركون من الرّجال والنّساء كان الغرق عقوبةً من الله لهم في الدنيا , ثم

стр. 7558

مصيرهم إلى النَّار (١). ٤٩ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ﴾ أي: ذلك الذي ذكرت ﴿مِنْ أَنْبَاءِ﴾ من أخبار ﴿الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ﴾ يَا محمَّد ﴿وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ من قبل إخباري إياك (٢). ﴿فَاصْبِرْ﴾ على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته، وما تلقى من أذى الكفار، كما صبر نوح. ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ آخر الأمر بالسعادة والظفر والنُّصرة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ كما كان -قال- لمؤمني قوم نوح وسائر الأمم (٣).

стр. 7559

٥٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ وأرسلنا إلى عاد ﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾ في النسب لا في الدين (١). ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحدوا الله (٢)، وأكثر العبادة في القرآن بمعنى التوحيد. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ ما أنتم في إشراككم معه الأوثان إلَّا كاذبون (٣). ٥١ - قوله تعالى ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة ﴿أَجْرًا﴾ جُعلا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والفطرة ابتداء الخلقة (٤) (٥) ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وذلك أن الأمم

стр. 7560

قالت للرسل: ما تريدون إلَّا أنْ تتملكوا (١) في أموالنا، فقالت الرُسُل لهم هذا (٢). ٥٢ - ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أي: آمنوا به يغفر لكم، والاستغفار ها هنا بمعنى: الإيمان (٣) (٤). ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من عبادتكم غيره وسالف ذنوبكم. وقال الفرّاء: معناه: وتوبوا إليه؛ لأن التوبة استغفار، والاستغفار توبة (٥). ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ المطر ﴿عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ متتابعًا (٦). وقال مقاتل بن حيان: دِيْمَة (٧). وقال ابن كيسان: غزيرًا كثيرًا (٨).

стр. 7561

﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ شدة مع شدتكم (١). وذلك أن الله تعالى حبس عنهم القطر (٢) ثلاث سنين، (وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين) (٣) (٤). فقال لهم هود: إن آمنتم أحيا الله بلادكم ويرزقكم (٥) المال والولد (٦). ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ولا تدبروا مشركين. ٥٣ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ بيان وبرهان على ما تقول فنسلم بقولك (٧).

стр. 7562

﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ بقولك. والعرب تضع الباء موضع عن، وعن موضع الباء (١). ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين. ٥٤ - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ يعني: لست تتعاطى ما تتعاطاه من مخالفتنا وسب آلهتنا إلَّا أن آلهتنا ﴿اعْتَرَاكَ﴾ أصابك ﴿بِسُوءٍ﴾ بخبل وجنون فَأَجَنَّك؛ وهو الذي حملك على ما تقول وتفعل، ولا نقول فيك إلَّا هذا, ولا نحمل أمرك إلَّا على هذا (٢).

стр. 7563

﴿قَالَ﴾ فقال لهم هود ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ على (ما في) (١) نفسي ﴿وَاشْهَدُوا﴾ يَا قوم ﴿أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٥٥ - ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: من الأوثان. ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾. فاحتالوا جميعًا في ضُرِّي ومكري أنتم وأوثانكم (٢)، ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾. ٥٦ - ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ قال الضحاك: يحييها ويميتها (٣). قال الفراء: مالكها والقادر عليها (٤). قال القتيبي: يقهرها؛ لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته (٥).

стр. 7564

قال ابن جرير: إنّما خَصَّ النَّاصية؛ لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانًا بالذلة والخضوع. فتقول: مَا نَاصِيَةُ فُلانٍ إلَّا بِيَدِ فُلانٍ، أي: أنَّه مطيع له يصرِّفه كيف شاء، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمنّ عليه جَزُّوا ناصيته؛ ليعتدوّا بذلك فَخْرًا عليه، فخاطبهم بما يعرفون في كلامهم (١). ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول: إنِّي ربّي على طريق الحق يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعصيانه (٢)، لا يظلم أحدًا شيئًا، ولا يقبل إلَّا الإِسلام (٣). وقد قيل فيه إضمار، كأن (٤) التقدير: إنّ ربي يدلّ أو يحثّ أو يحملكم على صراط مستقيم (٥). ٥٧ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ﴾ أي: فقل يَا محمَّد (٦) قد ﴿أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي: ويهلككم ويستبدل بكم (٧) قومًا غيركم، يوحدونه

стр. 7565

ويعبدونه (١). ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ بتوليتكم وإعراضكم، إنّما تضرون أنفسكم (٢). وقيل: معناه: لا يقدرون له على ضرّ إن أراد إهلاككم، أو أهلككم (٣). وقيل: معناه: لا يضره هلاككم إذا أهلككم لا تنقصونه شيئًا؛ لأنه (٤) سواء عنده كنتم أو لم تكونوا (٥). ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي: لكل شيء حافظ. (على) بمعنى اللام فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء (٦). ٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ عذابنا ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وكانوا أربعة آلاف (٧). ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ بنعمة (٨)
следующие страницы →