← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ شدة مع شدتكم (١). وذلك أن الله تعالى حبس عنهم القطر (٢) ثلاث سنين، (وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين) (٣) (٤). فقال لهم هود: إن آمنتم أحيا الله بلادكم ويرزقكم (٥) المال والولد (٦). ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ولا تدبروا مشركين. ٥٣ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ بيان وبرهان على ما تقول فنسلم بقولك (٧).

стр. 7562

﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ بقولك. والعرب تضع الباء موضع عن، وعن موضع الباء (١). ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين. ٥٤ - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ يعني: لست تتعاطى ما تتعاطاه من مخالفتنا وسب آلهتنا إلَّا أن آلهتنا ﴿اعْتَرَاكَ﴾ أصابك ﴿بِسُوءٍ﴾ بخبل وجنون فَأَجَنَّك؛ وهو الذي حملك على ما تقول وتفعل، ولا نقول فيك إلَّا هذا, ولا نحمل أمرك إلَّا على هذا (٢).

стр. 7563

﴿قَالَ﴾ فقال لهم هود ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ على (ما في) (١) نفسي ﴿وَاشْهَدُوا﴾ يَا قوم ﴿أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٥٥ - ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: من الأوثان. ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾. فاحتالوا جميعًا في ضُرِّي ومكري أنتم وأوثانكم (٢)، ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾. ٥٦ - ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ قال الضحاك: يحييها ويميتها (٣). قال الفراء: مالكها والقادر عليها (٤). قال القتيبي: يقهرها؛ لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته (٥).

стр. 7564

قال ابن جرير: إنّما خَصَّ النَّاصية؛ لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانًا بالذلة والخضوع. فتقول: مَا نَاصِيَةُ فُلانٍ إلَّا بِيَدِ فُلانٍ، أي: أنَّه مطيع له يصرِّفه كيف شاء، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمنّ عليه جَزُّوا ناصيته؛ ليعتدوّا بذلك فَخْرًا عليه، فخاطبهم بما يعرفون في كلامهم (١). ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول: إنِّي ربّي على طريق الحق يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعصيانه (٢)، لا يظلم أحدًا شيئًا، ولا يقبل إلَّا الإِسلام (٣). وقد قيل فيه إضمار، كأن (٤) التقدير: إنّ ربي يدلّ أو يحثّ أو يحملكم على صراط مستقيم (٥). ٥٧ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ﴾ أي: فقل يَا محمَّد (٦) قد ﴿أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي: ويهلككم ويستبدل بكم (٧) قومًا غيركم، يوحدونه

стр. 7565

ويعبدونه (١). ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ بتوليتكم وإعراضكم، إنّما تضرون أنفسكم (٢). وقيل: معناه: لا يقدرون له على ضرّ إن أراد إهلاككم، أو أهلككم (٣). وقيل: معناه: لا يضره هلاككم إذا أهلككم لا تنقصونه شيئًا؛ لأنه (٤) سواء عنده كنتم أو لم تكونوا (٥). ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي: لكل شيء حافظ. (على) بمعنى اللام فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء (٦). ٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ عذابنا ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وكانوا أربعة آلاف (٧). ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ بنعمة (٨)

стр. 7566

﴿مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وهو الريح (١). وقيل: أراد بالعذاب الغليظ: عذاب القيامة، أي: كما نجيناهم في الدنيا من العذاب، كذلك نجيناهم في الآخرة من العذاب (٢). ٥٩ - ﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ ردّه للقبيلة (٣). ﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ يعني: هودًا وحده؛ فإنَّه لم يرسل إليهم من الرسل سوى هود، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (٤) يعني: النبي ﷺ ، فإنَّه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جمع ها هنا؛ لأن من كذب

стр. 7567

رسولًا واحدًا فقد كفر بجميع الرسل (١). ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ متكبّر لا يقبل الحقّ ولا يذعن له (٢). قال أبو عبيدة (٣): العنيد والعنود والمعاند: المعارض لك بالخلاف، ومنه قيل للعرق الذي ينفجر دمأًا ولا يَرْقأ: عَانِد (٤). قال الراجز: إِنِّي كبِيْرٌ لا أُطَيْقُ العَنَدا (٥).

стр. 7568

٦٠ - ﴿وَأُتْبِعُوا﴾ وأردفوا (١) وألحقوا (٢) ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ طَرْدًا وبُعْدًا وعذابًا وهلاكًا. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: وفي يوم القيامة أَيضًا، كما لعنوا في الدنيا والآخرة. ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أي: بربهم كما يقال: شَكَرْتُه وشَكَرْتُ لَه، وكَفَرْتُه وكَفَرْتُ به، ونَصَحْتُه ونَصَحْتُ لَه (٣). وقيل: معناه: كفروا نعمة ربهم (٤). ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ للبعد معنيان (٥): أحدهما: البعد ضِدُّ القُرْب، ويقال منه: بَعُد يَبْعُد بُعْدًا. والثاني: بمعنى الهلاك، ويقال منه: بَعِدَ يَبْعَدُ بُعْدًا.

стр. 7569

٦١ - قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾ ابتدأ خلقكم (١) ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ وذلك أن آدم خُلِق من الأرض وهم منه ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ وجعلكم عمّارها وسُكّانها (٢). قال ابن عباس: أعاشكم فيها (٣). قال الضحاك: أطال عُمُرَكم (٤). قال مجاهد: أعمركم من العُمْرى أي: جعلها لكم ما عِشْتم (٥).

стр. 7570

قال قتادة: ما (١) أسكنكم فيها (٢). ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ ممن رجاه ﴿مُجِيبٌ﴾ لمن دعا (٣). ٦٢ - قوله تعالى ﴿قَالُوا﴾ يعني: ثمودا (٤). ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ القول، أي: كنّا (٥) نرجو أن تكون فينا سيّدًا (٦)، وقيل: ظننَّا أنّك تعود إلى ديننا (٧).

стр. 7571

﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهة. ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مُوقع للتهمة مُوجب لها. يقال: (أَرَبْتُه فأنا) (١) أُريبُه إِرَابَةً إذا فَعَلْتُ به فعلًا يُوجب له (٢) الرِّيْبَة (٣). قال الهُذَلِيّ (٤): . . . . . . . . . . . . ... كُنْتُ إذا أَتَوْتُه مِنْ غَيبتي يَمْسَحُ عِطْفِي ويَبِرُّ ثَوْبِي ... كأَنَّما أَرَبْتُهُ بِرِيْيَتِي ٦٣ - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ نبوة (٥) وحكمة. ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ فمن يمنعني من عذاب

стр. 7572

الله ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ قال ابن عباس: غير بصارة في خسارتكم (١). قال الفرّاء: تضليل (٢). قال الحسين بن الفضل: لم يكن صالح في خسارة حين قال لهم: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ وإنّما المعنى: ما تزيدونني بما تقولون إلَّا نسبتي إياكم إلى الخسارة (٣). وهو من قول العرب: فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ، إذا نسبته إلى الفِسْقِ والفُجُوْرِ، وكذلك خَسَّرْتُهُ إذا نسبته إلى الخُسْرَان (٤).

стр. 7573

٦٤ - قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ نصب على الحال (١) والقطع (٢) (٣) ﴿فَذَرُوهَا﴾ فدعوها ﴿تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ من العشب والنبات فليس عليكيم رزقها, ولا مؤونتها. ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ ولا تصيبوها بعقر ونحر ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ إن قتلتموها ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ فيهلككم. ٦٥ - ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ﴾ لهم صالح ﴿تَمَتَّعُوا﴾ عيشوا ﴿فِي دَارِكُمْ﴾ منازلكم ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ثم تهلكون ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ غير كذب (٤). وقيل: غير مكذوب فيه. ٦٦ - قوله تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ بنعمة وعصمة منا. ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ عذابه وهوانه، قرأ نافع والكسائي بفتح الميم ها هنا وفي المعارج (٥). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾.

стр. 7574

٦٧ - ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (كفروا، بـ ﴿الصَّيْحَةُ﴾) (١) يعني: صيحة جبريل. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ صرعى هلكى (٢). ٦٨ - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ يقيموا ويكونوا (٣) ﴿فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ﴾ قرأ حفص وحمزة بفتح قال ثمود من غير تنوين هنا وفي الفرقان والعنكبوت ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ (قرأ الكسائي بخفض الدال مع التنوين) (٤) (٥).

стр. 7575

٦٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ يعني الملائكة. واختلفوا في عددهم. فقال ابن عباس: كانوا ثلاثة، جبريل وميكائيل وإسرافيل (١) وقال الضحاك: تسعة (٢).

стр. 7576

وقال السدي: أَحدَ عَشَرَ مَلَكًا على صورة الغلمان الوُضَّاء وجوههم (١) ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ الخليل ﵇ ﴿بِالْبُشْرَى﴾ بالبِشَارَةِ (٢) بإسحاق ويعقوب، وبإهلاك قوم لوط (٣). ﴿قَالُوا﴾ لإبراهيم ﴿سَلَامًا﴾ سَلَّمُوا عليه، ونصب سلامًا بإيقاع القول عليه؛ لأن السلام قول، أي: قالوا وسلّموا سلامًا (٤).

стр. 7577

وقال السدي: أَحدَ عَشَرَ مَلَكًا على صورة الغلمان الوُضَّاء وجوههم (١). ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ الخليل ﵇ ﴿بِالْبُشْرَى﴾ بالبشارة (٢) بإسحاق ويعقوب، وبإهلاك قوم لوط (٣). ﴿قَالُوا﴾ لإبراهيم ﴿سَلَامًا﴾ سَلَّمُوا عليه، ونصب سلامًا بإيقاع القول عليه؛ لأن السلام قول، أي: قالوا وسلّموا سلامًا (٤).

стр. 7578

وقيل: هو بمعنى السَّلام أيضًا (١). كما يقال: حِلٌّ وحَلَالٌ، وحُرْمٌ وحَرَامٌ، وأنشد الفرّاء (٢): مَرَرْنَا فَقُلْنَا إِيْهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ... كمَا اكْتَلَّ بِالْبَرقِ الغَمَامُ اللَّوَائِحُ ﴿فَمَا لبَثَ﴾ فما أقام ومكث إبراهيم ﴿أَنْ﴾ محله نصب بإسقاط الخافض (٣)، أي: بأن ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قال ابن عباس: مشوي بالحجارة المحماة في خد من الأرض (٤).

стр. 7579

قال قتادة ومجاهد (١): نضيح بالحجارة. قال شِمْر بن عطيَّة: مشوي يقطر ماؤه (٢). قال أبو عبيدة (٣): كُلُ ما أسخنته فقد حَنَذْتَه، وهو حَنَيِذٌ ومَحْنُوذٌ، والخيل تحنذ إذا ألقيت عليها الجلال بعضها على بعض لتعرق (٤).

стр. 7580

٧٠ - قوله ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى العجل ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكرهم، يقال: نَكِرْتُ الشِّيءَ أَنْكُرُهُ ونكَرْتُهُ أُنْكِرُهُ بمعنى واحد (١). قال الأعشى (٢): وأَنْكَرتَنْي، وَمَا كَانَ الذِي نَكِرَتْ ... مِنَ الحَوَادِثِ إلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا فجمع اللغتين في بيت واحد. ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أضمر وأحس منهم خوفًا (٣). وقال مقاتل: وقع في قلبه (٤). قال الأخفش: خامر قلبه (٥).

стр. 7581

(قال الفراء: استشعر) (١) (٢). قال الحسن: حَدَّثت به نفسه (٣). وأصل الوجوس: الدخول، كأن الخوف دخل قلبه (٤) وقال قتادة: وذلك أنّهم كانوا إذا نزل بهم ضيفٌ فلم يأكل من طعامهم؛ ظنوا أن لم يجى لخير، وإنه يُحدِّث نفسه بشر (٥). ﴿قَالُواْ﴾ فقالوا له ﴿لَا تَخَفْ﴾ يا إبراهيم فإنّا ملائكة الله تعالى ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾. وقال الوالبي (٦): لمّا عرف إبراهيم أنهم ملائكة خاف أنه وقومه المقصودون بالعذاب. لأن الملائكة كانت تنزل إذ ذاك بالعذاب (٧)،

стр. 7582

نظيره في الحجر ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١) أي: بالعذاب. فقالت له الملائكة: لا تخف ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ لا إلى قومك. ٧١ - قوله ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ سارة بنت هارون بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ، وهي ابنة عم إبراهيم (٢). ﴿قَائِمَةٌ﴾ ومن رواء الستر، تسمع كلام الرسل وكلام إبراهيم (٣). وقيل: كانت قائمة تخدم الرسل، وإبراهيم جالس معهم (٤) (٥). وهكذا هو في قراءة ابن مسعود (وامرأته قائمة وهو جالس) (٦).

стр. 7583

﴿فَضَحِكَتْ﴾ واختلفوا في العلة الجالبة لضحكها. فقال السدي (١): لما قرّب إبراهيم إليهم الطعام فلم يأكلوا، فخاف إبراهيم وظنهم لصوصًا، فقال لهم: ألا تأكلون؟ فقالوا: يا إبراهيم إنّا لا نأكل طعامًا إلا بثمن. قال: فإن له ثمنًا. قالوا: وما ثمنه؟ قال: تَذْكُرُون اسم الله على أوَّلِه وتَحْمَدُونَه على آخِرِه. فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حُقَّ (٢) لهذا أن يتخذه ربّه خليلًا! . فلّما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا تصل إليه، ضحكت سارة وقالت: يا عجبًّا لأضيافنا هؤلاء إنا نخدمهم بأنفسنا تَكْرِمَةَّ لَهم، وهم لا يأكلون طعامنا (٣). وقال قتادة: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم (٤). وقال مقاتل (٥) والكلبي (٦): ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة

стр. 7584

وهو ما بين خدمه وحشمه. وقال ابن عباس (١) ووهب (٢): ضحكت تعجبًا من أن يكون لها ولد على كبر سنّها وسنِّ زوجها. وقالوا (٣): هذا من المقدّم الذي معناه التأخير، كأن معنى الكلام: وامرأته قائمة ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فضحكت. ٧٢ - قوله ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ الآية. وقيل: ضحكت سرورًا بالأمن منهم لمّا قالوا: لا تخف (٤). وقال مجاهد (٥) وعكرمة (٦): فضحكت، أي: حاضت في الوقت.

стр. 7585

تقول العرب (١): ضَحِكَتْ الأَرْنَبُ إذا حاضت. وقال الشاعر (٢): وضِحْكُ الأرْانَبِ فَوْقَ الصَّفَا ... كَمِثل دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقَا ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قال ابن عباس (٣) والشعبي (٤): الوراء ولد الولد.

стр. 7586

واختلف القراء في قوله ﴿يَعْقُوبَ﴾ فنصبه (١) ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة، بنزع حرف الصفة (٢)، أي: ومن وراء إسحاق بيعقوب، فلما حذف الباء نصب. وقيل (٣): بإضمار فعل. أي: ووهبنا له يعقوب. ورفعه الآخرون (٤)، على خبر حرف الصفة (٥). فلما بشرت بالولد والحافد صكت وجهها (٦)، أي: ضربت تعجبًا (٧). ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى﴾ نداء ندبة (٨)، والأصل: يا ويلتاه ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا

стр. 7587

﴿عَجُوزٌ﴾ وكانت ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق (١). وتسع وتسعين في قول مجاهد (٢). ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ زوجي. سمي بذلك، لأنه قيّم أمرها، كما سمّي مالك الشيء بعله والنخل التي تستغني بالأمطار عن ماء الأنهار بعلا (٣). ﴿شَيْخًا﴾ نصب على الحال والقطع (٤). وكان إبراهيم ﵇ ابن مائة سنة في قول مجاهد (٥). وعشرين ومائة سنة فى قول ابن إسحاق (٦). ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي بُشَرْتُ به ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.

стр. 7588

٧٣ - ﴿قَالُواْ﴾ فقالت لها الملائكة: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْت﴾ (يعني: بيت إبراهيم) (١) (٢) ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾. قال السدي: قالت سارة لجبريل: ما آية ذلك؟ فأخذ بيده عُودًا يَابِسًا فَلَوَاهُ بين أصابعه فَاهْتَزَ أَخْضَرَ، فقال إبراهيم (٣): هو لله إذًا ذبيحًا (٤). ٧٤ - قوله ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الخوف (٥) ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاق ويعقوب (٦) ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.

стр. 7589

٧٥ - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾ فيه إضمار، أي: أخذ وظل يجادلنا (١). وقال بعضهم: يُكَلِّمُنَا، لأن إبراهيم لا يجادل ربّه، إنما يسأله ويطلب إليه (٢). وقال عامة أهل التفسير: معناه يجادل رسلنا (٣).

стр. 7590

وذلك أنهم لم قالوا له: ﴿إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أو تهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: أو أربعون؟ قالوا: لا. قال: أو ثلاثون؟ قالوا: لا. حتى بلغ عشرة. قالوا: لا. فقال: خمسة؟ قالوا: لا. قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم عند ذلك (٢): ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٣). قال ابن جريج: وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف (٤). قال قتادة في هذِه الآية: لا نرى المؤمن إلا يحوط المؤمن (٥).

стр. 7591

فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم: ٧٦ - ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ دع عنك الجدال وأعرض عن هذا المقال ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ عذاب ربّك ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ﴾ نازل بهم، يعني: بقوم لوط ﴿عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ غير مدفوع ولا ممنوع منهم (١) (٢). ٧٧ - قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَآءَت رُسُلنُا﴾ يعني: الملائكة ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ أحزن بمجيئهم (٣). يقال سُؤْتُه فَسِيءَ ونظيره شَغَلْتُهُ فَشُغِلَ، وسَرَرْتُه فَسُرَّ (٤). ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قَلْبًا (٥) ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ﴾ شديد (٦). ومثله

стр. 7592

عَصَبْصَب، كأنّه عصب به الشر والبلاء، (أي: شد، ومنه: عِصَابَةُ الرَّأْسِ) (١). وقال عدي بن زيد (٢): وكنتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّد ... وقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصْيبِ وقال آخر: (٣) وإنّكَ إنْ لا تُرْضِ بَكْرَ بنَ وائِلٍ ... يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِرَاقِ عَصِيْبُ وقال الراجز: (٤)

стр. 7593

يَوْمٌ عَصِيْبٌ يَعْصِبُ الأبْطَالا عَصْبَ القَوِيَّ المُسَّلَمَ الطِّوَالا وذلك أن لوطًا ﵇ لم يكن يعلم أنهم رسل الله تعالى في تلك الحال، وعلم من قومه ما هم عليه من إتيان الفاحشة، فخافهم عليهم وعلم أنّه سيحتاج إلى المدافعة عن أضيافه. قال قتادة (١) والسدي (٢): خرجت الملائكة من عند إبراهيم ﵇ نحو قرية لوط، فأتوا لوطًا نصف النَّهار، وهو في أرض له يعمل فيها، وقد قال الله تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى تُشهدوا (٣) عليهم لوطًا أربع شهادات فاستضافوه فانطلق بهم فلما مشى ساعة قال لهم (٤): ما بلغكم أمر أهل هذِه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ فقال: أَشْهَدُ بالله إنها لشرُّ قرية في الأرض عملًا، يقول ذلك أربع مرات.

стр. 7594

فدخلوا معه منزله (١)، ولم يعلم بذلك أحد إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالًا ما رأينا مثل وجوههم قط. ٧٨ - ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس وقتادة والسدي: يسرعون (٢). قال مجاهد: يهرولون (٣). قال الضحاك: يسعون (٤). قال ابن عيينة: كأنهم يُدْفَعون (٥). قال شِمْر بن عطية: مشي بين الهرولة والجمز (٦). قال الحسن،

стр. 7595

مشي بين مشيين (١). قال أهل اللغة (٢): أُهْرعَ الرَّجُلُ مِنْ بَرْدٍ أو غَضَب أو حُمَّى إذا أُرْعِد وهو مُهْرع إذا كان مُعْجلا حريصًا. قال مهلهل: (٣) فَجَاؤوا يُهْرَعُونَ وَهُمْ أُسَارى ... نَقُودُهُمْ عَلَي رَغْم الأنوْفِ وقال الراجز (٤): بِمُعْجلاتٍ نَحْوَهُ مَهارع ﴿قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: ومن قبل مجيئهم إلى لوط كانوا يأتون الرجال في أدبارهم (٥). فقال لهم لوط حين قصدوا (٦) أضيافه وظنوا أنهم غلمان: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يعني: بالتزويج، وقى أضيافه ببناته (٧).

стр. 7596

وقال الحسين بن الفضل: يعني على شريطة الإسلام (١). وقال قوم: (٢) فلعل في ذلك الوقت كان تزويجه بناته من الكفار جائزًا، كما زوّج النبي ﷺ ابنتيه من عتبة بن أبي لهب (٣) وأبي العاص بن الربيع (٤) قبل الوحي، وكانا كافرين. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساء أمته، وكل نبي أبو أمته (٥). وفي بعض القراءة (النبي أولي بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أَبٌ لهم) (٦).

стр. 7597

وقال بعضهم: كان لهم سيدان مطاعان، فأراد أن يزوجهما ابنتيه زعورا وريثا. وقوله ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ قراءة العامَّة برفع الراء. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر أَطْهَرَ بالنصب على الحال (١)، و ﴿هُنَّ﴾ عماد (٢). فإن قيل: فأي طهارة في نكاح الرجال حتى قال لبناته: ﴿وهُنَّ أَطهَرُ

стр. 7598

لَكُمْ﴾ قيل: ليس هذا زيادة الفعل، إنما يقال لهذِه الألف: ألف التفضيل، وهو سائغ جائز في كلام العرب، كقول الناس: الله أكبر. فهل كابر الله أحدا؟ ! حتى يكون هو أكبر منه! يدل عليه ما روي أن أبا سفيان قال يوم أحد: اعل هُبَل (١). فقال النبي ﷺ لعمر: "قل: الله أَعْلَى وأَجَلَّ" (٢) وهبل لم يكن قَطُ عاليا. ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى﴾ أي: لا تذلوني ولا تهينوني فيهم بركوبهم (٣) منهم ما يكرهون، وعجزي عن دفعكم عنهم، وقيل: أراد: ولا تسوؤني فيهم. تقول العرب: خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزى خِزْيًا بمعنى (٤): الهوان، وخَزِي يَخْزَي خِزَايةً بمعنى: الاستحياء (٥). قال ذو الرمة (٦):

стр. 7599

خِزَايَةً أَدْرَكَتهُ بَعْدَ جَوْلَتِهِ ... مِنْ جَانِبِ الدُّفِ مَخْلُوطًا بِهِ الغَضَبُ ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ صالح سديد. قال ابن عباس (١): معناه رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر (٢). ٧٩ - ﴿قَالُواْ لَقَدْ عِلِمْتَ﴾ يا لوط ﴿مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: لسن لنا أزواجًا فنستحقهن بالتزويج (٣) ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيِدُ﴾ من إتيان الرجال (٤). ٨٠ - ﴿قَالَ﴾ لهم لوط عند ذلك ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً﴾ أي: منعة وشيعة ينصرونني ﴿أَوْءَاوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أو أنضم إلى عشيرة مانعة (٥).

стр. 7600

وجواب لو مضمر، أي: لقاتلناكم (١) ولُحُلْنَا بينكم وبينهم. قالوا: فما بعث الله بعده نبيًّا إلا في ثروة من قومه، ومنعة من عشيرته (٢). قال رسول الله ﷺ لما قرأ هذِه الآية: "رَحِمَ الله أَخِي لوطًا لَقَدْ كَانَ يأْوِي إِلَى رُكنٍ شدِيْدٍ" (٣).
следующие страницы →