← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.

стр. 7806

عَرَضَتْ ليوسف منِ قبَلِ الشيطانِ، نسي بها ذكر ربه، الذي لو به استعان لأسرع خلاصُه، ولكنَّه زَلَّ فَطَال من أجلها حبسُه (١). وقال محمد بن إسحاق: الهاء في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ﴾ راجعة إلى الساقي (٢). يقول أَنسى الشيطانُ الساقي ذِكْرَ يوسفَ للملكِ. وعلى هذا القول يكون معنى الآية: فأنساه الشيطانُ ذِكرَهُ لِرِبهِ كقوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ (٣) أي: يخوفكم بأوليائه. ﴿فَلَبِثَ﴾ مكث ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. اختلف العلماء في معنى (٤) البضع: فقال أبو عبيدة: هو ما بين الثلاثة إلى الخمسة (٥).

стр. 7807

قال مجاهد: ما بين الثلاثة إلى السبعة (١). قال قتادة (٢) والأصمعي (٣): ما بين الثلاثة إلى التسعة. قال ابن عباس: ما دون العشرة (٤). وزعم الفراء (٥): أنَّ البضع لا يُذْكَرُ إلَّا مع العشر ومع العشرين إلى التسعين، وهو نيف (٦) ما بين الثلاثة إلى التسعة. قال: وكذلك رأيت العرب تفعل، ولا تقول بضعُ ومائة، ولا بضعُ وألف. وإذا كانت للذّكْران قيل: بضعة. وأكثر المفسرين على أنَّ البضع في هذِه الآية سبع سنين (٧).

стр. 7808

قال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وتُرِكَ يُوسفُ في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين (١). وروى يونس (٢) عن الحسن قال: قال النبي ﷺ : "رحم الله يوسف لولا كلمتُهُ ما لبث في السجن بطول (٣) ما لبث" يعني: قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قال: ثم بكى الحسن، وقال: نحن إذا نَزلَ بنا أمرٌ فزعنا إلى الناس (٤).

стр. 7809

وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: اذكرني عند ربك، قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا، لأُطِيْلَنَّ حبَسَكَ. فبكى يوسف، وقال: يا رب أَنْسَى قَلْبِيَ كَثَرةُ البَلْوى فقلت كلمةً، فويل لإِخوتي! (١). ويحكى (٢): أن جبريل دخل على يوسف ﵉، فلما رآه يوسف عرفه فقال: يا أخا المنذرين ما لي أَرَاكَ بين الخاطِئين! فقال له جبريل: يا طاهر بن الطاهرين، يقرأ عليك السلام رب العالمين ويقول

стр. 7810

لك (١): ما استحييت منِّي إذ (٢) استشفعت بالآدميين، فوعزتي لألبثنك في السجن بضعَ سنين! قال يوسف: وهو في ذلك عَني راضٍ؟ قال: نعم قال: إذًا لا أبالي! وقال كعب: قال جبريل ﵇ ليوسف ﵇: إنّ الله تعالى يقول: مَن خَلَقَكَ؟ قال: الله تعالى. قال: فمن حَبَّبَكَ إلى أبيك؟ قال: الله تعالى. قال: فَمَن أَلْبَسَكَ في البئر وأنت عريان؟ قال؟ الله. قال: فَمَن نَجَّاكَ مِنَ كَرْبِ البئر؟ قال: الله. قال: فَمَن عَلَّمَكَ تأويل الرؤيا؟ قال: الله. قال: فَكَيْفَ اسْتَشْفَعْتَ بآدمي مثلك (٣)؟ ! فلما انقضت سبع سنين، قال الكلبي: وهذِه السبع سوى الخمسة التي كانت قبل ذلك (٤). ٤٣ - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾. ولما دنا فرجُ يوسف، رأى ملكُ مصر الأكبر رؤيا عجيبةً هالته، وذلك أَنَّه رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس، وسبع بقرات عجاف، أي: مَهَازِيْل، فابتلعت العجافُ السمانَ فدخلت في بطونهنَّ، فلم يَرَ منهنَّ شيئًا، ورأى سبع سنبلات خضر

стр. 7811

قد انعقد حبها، وسبعًا أُخر يابسات قد استحصدت وأفركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى عَلَيْنَ عليها. فجمع السحرة، والكهنة والمحارة والقافة وقصَّها عليهم (١). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ أي: الأشراف ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ فاعبروها ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ تفسرون، والرؤيا: الحلم، وجمعها رؤى. ٤٤ - ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أحلام مختلطة مشتبهة (٢)، أهاويل أباطيل. (واحدها ضِغْث، وأصله: الحُزْمة من أنواع الحشيش (٣).

стр. 7812

قال الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ (١) " (٢). وقال ابن مقبل (٣): خَوْذٌ كَأَنَّ فِرَاشُها وُضِعَتْ به ... أَضْغَاثُ رَيْحَانٍ غَدَاةَ شِمَالِ وقال آخر (٤): نَحْمِي ذِمَارَ حُنَيْنٍ قَلَّ مَانِعُهُ ... كضِغْث الخَلَا فِي البَطْنِ مُكْتَمِنُ والأحلام: جمع الحلم (٥)، وهي (٦) الرؤيا. والفعل منه حَلَمت أَحْلُم بفتح العين (٧) في الماضي، وضمها في المستقبل، حُلُمًا وحُلْمًا مثقل ومخفف (٨)، فأنا حَالِم ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾.

стр. 7813

٤٥ - قوله ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا﴾ من القتل ﴿مِنْهُمَا﴾ أي: من الفتيين وهو نبو الساقي، ﴿وَادَّكَرَ﴾ وتذكر حاجة يوسف, قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بعد حين (١). وقرأ ابن عباس وعكرمة والضحاك: (بعد أَمَهٍ) (٢) أي: بعد نسيان. يقال: أَمِهَ يأْمَهُ أَمهًا، إذا نسي. ورَجُلٌ مَاْمُوه أي: ذاهبُ العقل (٣). وأنشد أبو عبيدة (٤) (٥): أَمِهْتُ وكُنْتُ لا أَنْسَى حَدِيْثًا ... كَذَاكَ الدَّهْرُ يُودِي بالعُقُولِ وقرأ مجاهد: (بعد أَمْه) (٦) بفتح الألف وسكون الميم والهاء:

стр. 7814

الخالص، وهو مثل: الأَمَه أيضًا، وهما لغتان ومعناهما النسيان (١). ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أخبركم بتفسيره، وما يؤول إليه. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ فأطلقوني وأذنوا لي أمضي، وآتيكم بتأويله. وفي الآية اختصار تقديرها: فأرسلوه (٢) فأتى السجن (٣). قال ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة (٤). ٤٦ - فقال ﴿يُوسُفُ﴾ يعني: يا يوسف: ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ فيما عبرت لنا من الرؤيا. والصِّدِّيق: الكثير الصدق، ولذلك سُمي أبو بكر صِدِّيقًا، وهو فِعِّيْلٌ للمبالغة والكثرة مثل: الفِسِّيق، والضِّلِّيل والشِّرِّيب والخِمِّير ونحوها (٥). ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ فإنَّ الملك رأى هذِه الرؤيا، ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ أي:

стр. 7815

أهل مصر (١) ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تأويلها (٢). وقيل: لعلهم يعلمون فضلك وعِلمك (٣). فقال لهم يوسف معبِّرًا (٤) ومعلمًا: أما البقرات السمان والسنبلات الخضر فسبع سنين مخاصيب، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات السنُون المُحُول الجدبة. ٤٧ - فذلك قوله : ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي: كعادتكم في الزراعة سائر السنين (٥).

стр. 7816

وقال امرؤ القيس (١): كدَأْبِكَ مِنْ أُمِ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها ... وجارَتِها أُم الرَّبَابِ بِمأَسِلِ أي: كعادتك. وقال بعضهم (٢): أراد (٣) بجد واجتهاد. وقرأ بعضهم (وهو حفص عن عاصم) (٤): ﴿دَأَبًا﴾ بفتح الهمزة (٥). وهما لغتان. يقال: دأَبْتُ في الأَمْرِ أَدْأَبُ، ودأْبًا إذا اجتهدت (٦). وقال الفراء: وكذلك كل حرف فتح أوله وسكن ثانيه فتثقيله (٧) جائز إذا كان ثانيه: همزة، أو عينًا، أو غينًا (٨)، أو حاء، أو خاء،

стр. 7817

أو هاءً (١). ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ في كَفِيْرِهِ (٢) (٣) ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ وإنَّما أشار عليهم بذلك؛ ليبقى ولا يفسد (٤). ٤٨ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ يعني: سبع سنين جدوبًا قحط ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ يعني: يؤكل فيهن ما أعددتم لهن من الطعام في السنين الخصبة. وهذا كقول القائل (٥): نَهَارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ ... ولَيْلُكَ نَوْمٌ والرَدى لَكَ لَازِمُ والنهار لا يسهو، والليل لا ينام، وإنّما يسهو (٦) في النهار، وينام في الليل.

стр. 7818

﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ تحرزون وتخزنون (١) وتدخرون (٢). ٤٩ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وهذا خبر من يوسف ﵇ عَمَّا لم يكن في رؤيا الملك، ولكنّه من علم الغيب الذي آتاه الله ، كما قال قتادة: زاده الله علم سنةٍ لم يسألوه عنها (٣). فقال ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ أي: يُمْطَرونَ من الغيث: وهو المطر (٤)، وقيل: يُنْقَذون (٥)، من قول العرب: اسْتَغَثْتُ فُلانًا فَأَغَاثَنِي. ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ وقرأها أهل الكوفة إلَّا عاصمًا (تعصرون) بالتاء؛ لأن الكلام كله بالخطاب. وقرأ الباقون بالياء، ردًّا إلى

стр. 7819

الناس (١). قال أكثر المفسرين (٢): يعصرون العنب خمرًا، والزيتون زيتًا والسمسم دهنًا، وإنما أراد تُعْصَرُ الأعناب والثمار والحبوب، لكثرة النعم والخير. وروى الفرج بن فضالة (٣) عن علي بن أبي طلحة (٤)، عن ابن عباس قال ﴿يَعْصِرُونَ﴾ يحلبون (٥). وقال أبو عبيدة: ينجون من الجدب والكرب، والعصر والعَصْرَة:

стр. 7820

المنجاة والملجاء (١). قال ابن قلد الطائي (٢): صَادِيًا يَسْتَغِيْثُ غَيْرَ مُغَاثٍ ... وَلَقَدْ كَانَ عصْرَةً المَنْجُودِ [١٥٢٨] وأخبرني ابن فنجويه (٣)، حدثنا أبو علي بن حُبْش المقرئ (٤)، حدثنا أبو القاسم بن الفضل المقرئ (٥)، حدثنا أبو زرعة (٦)، حدثنا حفص بن عمر (٧)، حدثنا أبو تميلة (٨)، عن عيسى

стр. 7821

ابن عبيد (١) قال: سمعت عيسى بن الأعرج (٢) يقرؤها (٣): (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يُعْصَرُون) بالياء رفعٌ. قال: قلت: ما يُعصرون؟ قال المطر، أي: يُمطرون (٤). وقرأ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾ (٥). ٥٠ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ الآية. وذلك أن نبو لما رجع إلى الملك وأخبره بما أفتاه به يوسف من تأويل رؤياه (كلها كالنّهار) (٦)، وعرف الملك أنّ الذي قال كائن، قال: ائتوني بالذي عبر (هذِه الرؤيا) (٧). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ يوسف ﵇ وقال له: أجب الملك. أبي أن يخرج مع الرسول حتى يظهر عذره وبراءته، ويعرف صحة أمره من

стр. 7822

قبل النسوة (اللاتي قطعن أيديهن) (١). ﴿قَالَ﴾ فقال للرسول ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يعني: سيدك الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ والمرأة التي سجنتني (٢) بسبب فعلها. وروى عبد الحميد بن صالح البُرْجُمي (٣)، ومحمد بن حبيب الشموتي (٤) (٥)، عن أبي بكر بن عيّاش (٦)، عن عاصم: (النُّسْوَةِ) بضم النون (٧). ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ إن الله بصنيعهنّ عالم. وقيل: معناه: إنَّ سيدي قطفير العزيز عالم ببراءتي مما قذفتني به المرأة (٨). قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه،

стр. 7823

ما زال (١) في نفس العزيز منه حاجة، يقول: هذا الذي (٢) راود امرأتي (٣). وقال رسول الله ﷺ : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له حين سُئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له حين أتاه (٤) الرسول فقال: ارجع إلى ربّك، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث (٥)، لأسرعت الإجابة وبادرت الباب، وما آبتغيت العذر، إن كان لحليمًا ذا أناة" (٦). ٥١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ﴾ في الآية (٧) متروك (٨) استغني (٩) عنه بدلالة الكلام عليه، وهو

стр. 7824

فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته، فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز، فقال لهن: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ ما شأنكنَّ وأمركنّ (١) ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فأجبنه و ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ معاذ الله (٢) ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ ظهر وتبين (٣). والأصل فيه: حصّ، فقيل: حصحص (٤) كما قيل (٥): كبكبوا في كُبوا، وكفكف (٦) في كفّ، وردرد في ردّ. وأصل الحَصِّ: استئصال الشيء يقال: حَصَّ شَعْره، إذا استأصله جزًّا (٧). قال أبو قيس بن الأسلت (٨):

стр. 7825

قد حَصَّتِ البَيْضَةُ رَأْسِي فَمَا ... أَطْعَمُ نَوْمًا (١) غَيْرَ تَهْجَاعِ فمعنى قوله: ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾، ذهب (٢) الباطل والكذب فانقطع، وتبين الحق وظهر وتميز (٣) وشهر (٤) ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (طلبته عن نفسه) (٥) ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قوله: هي راودتني (٦). فلما سمع ذلك يوسف قال: ٥٢ - ﴿ذَلِكَ﴾ الذي فعلت من ردي رسول الملك إليه في شأن النِّسوة ﴿لِيَعْلَمَ﴾ العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ في زوجته (٧) ﴿بِالْغَيْبِ﴾ في حال غيبته عني (٨) ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. واتصل قول يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بقول امرأة

стр. 7826

العزيز: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ من غير تمييز وفرق بينهم (لمعرفة السامعين) (١) بمعناه. كاتصال قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بقول بلقيس: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ (٢)، وكذلك قول فرعون لأصحابه ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ هو متصل بقول الملأ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ (٣). وحكى أبو عبيد عن الفراء أنه قال: هذا من أغمض ما يأتي في الكلام، أن يحكي عن رجل شيئًا ثم يعدل إلى شيء آخر من قول رجل آخر لم يجر له ذكر (٤). [١٥٢٩] وحدّثنا الحسين بن محمد بن الحسين (٥)، حدثنا عبد الله ابن يوسف بن (٦) أحمد بن مالك (٧)، حدثنا علي بن الحسن بن مخلد (٨)، حدثنا الحسن بن علي البغدادي (٩)، حدثنا خلف بن تميم (١٠)،

стр. 7827

حدثنا عطاء بن مسلم الخفاف (١)، عن جعفر بن بُرْقَان (٢)، عن ميمون ابن مهران (٣)، عن عبد الله بن عمر: أن علي بن أبي طالب أتى عثمان وهو محصور فأرسل إليه بالسلام، وقال: إنِّي قد جئت لأنصرك فأرسل إليه السلام، وقال: جزاك الله خيرًا. لا حاجة لي في قتال القوم، فأخذ عليٌ عمامته على رأسه فنزعها وألقاها في الدار، ثم ولّى وهو يقول: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ (٤). وقال أهل التفسير: لما قال يوسف ﵇ هذِه المقالة قال له جبريل: ولا حين هممت؟ فقال عند ذلك يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآية. وقال السدِّي: إنما قالت له امرأة العزيز: ولا حين حَلَلْتَ سراويلك يا يوسف! و ﴿وَقَالَ﴾ يوسف: ٥٣ - ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ من الخطأ والزلل، فأزكيها ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ والمعصية (٥) ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ يعني: إلا من رحمه ربي فعصمه، وما بمعنى: من،

стр. 7828

كقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (١) معناه: من طاب لكم. وقوله: ﴿إِلَّا﴾ استثناء منقطع (٢) عما قبله كقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ (٣) يعني: إلا أن ترحموا وأن إذا كانت في معنى المصدر تضارع (٤) ما ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فلما تبين للملك عذر يوسف، وعرف أمانته وعلمه، قال: ٥٤ - ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أجعله من خلصائي (٥) دون غيري، فلما جاءه الرسول قال له (٦): أجب الملك الآن! فخرج يوسف ﵇ ودعا لأهل السجن بدعوة تعرف إلى اليوم، وذلك أنه قال: اللهم أعطف عليهم بقلوب الأخيار، ولا تعم عليهم الأخبار. فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلدة. فلما خرج من السجن كتب على باب السجن: هذا (٧) قبور الأحياء، وبيت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.

стр. 7829

ثم اغتسل يوسف وتنظف من درن السجن، ولبس ثيابًا جددًا حسانًا، فقصد الملك (١). قال وهب (٢): فلما وقف يوسف (٣) بباب الملك، قال: حسبي ربي من دنياي، وحسبي ربي من خلقه عزّ جاره، وجل ثناؤه، ولا إله غيره، ثم دخل الدار، فلما دخل على الملك قال: اللهم إنِّي أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره. فلما أن نظر إليه الملك سلم عليه يوسف بالعربية. فقال له الملك: ما هذا اللسان؟ قال: لسان عمي إسماعيل. ثم دعا له بالعبرانية. فقال له الملك: ما هذا اللسان؟ قال لسان آبائي. قال وهب: وكان الملك يتكلم بسبعين لسانًا فكلما كلم (٤) يوسف بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان فأعجب الملك ما رأى منه. وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة. فلما رأى الملك حداثة سنَّه قال لمن عنده: إن هذا عَلِمَ تأويل رؤياي ولم تعلمه (٥) السحرة والكهنة، ثم أجلسه وقال له: إني أحب أن أسمع رؤياي منك

стр. 7830

شفاهًا. فقال يوسف: نعم. أيها الملك رأيت سبع بقرات سمان شهبٍ غرٍّ (١) حسان كشف لك عنهن النيل (٢) فطلعن عليك من شاطئه، تشخب أخلافهن لبنا فبينا تنظر إليهنّ ويعجبك حسنهنّ إذا نضب النيل فغار ماؤه، وتبدا (٣) يبسه، فخرج من حمأته ووحله (٤) سبع بقرات عجاف شعث غُبْر مقلصات البطون ليس لهن ضروع ولا أخلاف، ولهنّ أنياب وأضراس وأكفّ كأف الكلاب، وخراطيم كخراطيم السباع، فاختلطن بالسمان فافترستهن افتراس السبع، فأكلن لحومهنّ ومزقن جلودهنّ وحطمن عظامهنّ، وتمشمش (٥) مخهنّ، فبينا أنت تنظر وتعجب، إذا سبع سنابل (٦) خضر، وسبع أخرٌ سودٌ في منبت واحد عروقهنّ في الثرى والماء، فبينا أنت تقول في نفسك أنّى (٧) هذا، وهؤلاء خضر مثمرات، وهؤلاء سود يابسات، والمنبت واحد وأصولها في الماء، إذا ذهبت ريح فذرّت الأوراق (٨) من اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت (٩) فيهن النار،

стр. 7831

فأحرقتهنّ، وصرن سودًا متغيرات، فهذا آخر ما رأيت من الرؤيا، ثم انتبهت من نومك مذعورًا. فقال الملك: والله ما شأن هذِه الرؤيا وإن كانت عجبًا بأعجب مما سمعته منك! فما ترى في رؤياي أيها الصديق؟ فقال يوسف: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعًا كثيرًا في هذِه السنين المخصبة، وتبني الأهراء (١) (٢) والخزائن، فتجعل الطعام فيها بقصبه وسنبله، ليكون قصبه وسنبله علفًا للدواب، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس، فيكفيك من الطعام الذي تجمعه لأهل مصر ومَن حولها، ويأتيك الخلق من النواحي فيمتارون منك بحكمك (٣)، وتجمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك. فقال الملك: ومن لي بهذا، ومن يجمعه (٤)، ومن يبيعه ويكفي الشغل فيه؟ ! ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾. ٥٥ - فـ ﴿قَالَ﴾ يوسف عند ذلك (٥): قوله ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ مجاز الآية: على خزائن أرضك، وهي جمع الخزانة، فدخلت الألف

стр. 7832

واللام في الأرض خلفًا من الإضافة (١). كقول النابغة: والأَحْلَامُ غَيْرُ عَوَازِبِ (٢) (٣) ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ أي: كاتب حاسب (٤). وقال قتادة: حفيظ لما وليت، عليم بأمره (٥). (قال ابن إسحاق: حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني (٦). قال شيبة الضَّبِي: حفيظ لما استودعتني، عليم بسنين (٧) المجاعة (٨).

стр. 7833

قال الأَشْجَعي: حافظ (١) للحساب، عالم (٢) بالألسن؛ أعلم لغة من سيأتي (٣). قال الكلبي: حفيظ) (٤) لتقديره في هذِه السنين الجدبة، عليم بوقت الجوع حين يقع (٥). وقيل: حفيظ لما وصل إليّ، عليم بجباية المال. فقال له (٦) الملك: ومن أحق به منك! ؟ فولاه ذلك. و﴿وَقَالَ﴾ له ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ ذو مكانة ومنزلة، أمين على الخزائن. [١٥٣٠] أخبرني ابن فنجويه (٧)، حدثنا مخلد بن جعفر الباقرحي (٨)، حدثنا الحسن بن علويه (٩)، حدّثنا إسماعيل بن

стр. 7834

عيسى (١)، حدّثنا إسحاق بن بشر (٢)، عن جويبر (٣)، عن الضحاك (٤)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنّه أخر ذلك سنة، (قام في بيته عنده سنة) (٥) مع الملك" (٦). روى سفيان (٧) عن (٨) أبي سنان (٩)، عن عبد الله بن أبي الهذيل (١٠) قال: قال الملك ليوسف: إنّي أريد أن تخالطني في كل شيء، غير أني

стр. 7835

آنف أن تأكل معي. فقال يوسف: أنا أحق أن آنف، أنا ابن يعقوب إسرائيل الله، بن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله. فكان يأكل بعد ذلك معه (١). وروى حمزة الزيات (٢)، عن أبي إسحاق (٣)، عن أبي (٤) ميسرة (٥) قال: لما رأى العزيز لبق يوسف (٦) وظرفه دعاه، فكان يتغدى ويتعشى معه دون غلمانه، فلما كان بينه وبين المرأة ما كان، قالت له: مُرْهُ فَليتغد مع الغلمان. فقال له: اذهب فتغد مع الغلمان. فقال له يوسف (في وجهه) (٧): تنكف أن تأكل معي، أنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله (٨). [١٥٣١] أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين (٩)، حدثنا مخلد بن

стр. 7836

جعفر (١)، حدثنا الحسن بن علويه (٢)، حدثنا إسماعيل بن عيسى (٣)، حدثنا إسحاق بن بشر (٤)، عن مقاتل (٥)، عن يحيى بن أبي كثير (٦): أن عمر بن الخطاب ﵁ عرض على أبي هريرة الإمارة. فقال: لا أفعل ولا أريدها؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من طلب الإمارة لم يعدل". فقال عمر: لقد طلب الإمارة من هو خير منك يوسف، قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ (٧). [١٥٣٢] وبإسناده عن إسحاق بن بشر (٨)، عن جويبر (٩)، عن الضحاك (١٠)، عن ابن عباس قال: لما (١١) انصرمت السنة من يوم

стр. 7837

سأل الإمارة، دعاه الملك فتوجه وَرَدَّاه (١) بسيفه، ووضع له سريرًا من ذهب مكلل بالدرر والياقوت، وضرب عليه كِلَّة (٢) من استبرق، وطول السرير ثلاثون ذراعًا، وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشًا وستون مقرمة (٣)، ثم أمره أن يخرج، فخرج متوجًا لونه كالثلج، ووجهه كالقمر، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه، فانطلق حتى جلس على السرير، ودانت له الملوك، ودخل المَلِك ببيته، وفوض إليه أمر (٤) مصر، وعزل قطفير عما كان عليه، وجعل يوسف مكانه (٥). قاله ابن إسحاق (٦).

стр. 7838

وقال ابن زيد: كان لفرعون ملك مصر خزائن كثيرة غير الطعام، فسلم سلطانه كله إليه، وجعل أمره وقضاءه نافذًا (١). قالوا (٢): ثم إن قطفير هَلَك في تلك الليالي، فزوَّج الملكُ يوسفَ راعيل امرأة قطفير، فلما دخل عليها قال: أليس هذا (٣) خيرًا مما كنت تريدني (٤)؟ فقالت: أيُّها الصّديق، لا تلمني، فإنّي كنت امرأة حسناء ناعمة -كما ترى- (في ملك) (٥) ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، فكنتَ كما جعلك الله في حسنك وفي (٦) هيئتِكَ، فغلَبَتْنِي نفسي. فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له رجلين، أفرأييم بن يوسف وميشا (٧) بن يوسف. واستوثق (٨) ليوسف (٩) مُلْكُ (١٠) مصر،

стр. 7839

وأقام فيهم (١) العدل، وأحبه الرجال والنساء، فذلك قوله : ٥٦ - ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أرض مصر (٢)، أي: ملكناه (٣) ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا﴾ أي: ينزل ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ (٤)، ويصنع فيها ما يشاء. والبواء: المنزل (٥)، يقال: بَوَاتُه فَتَبَوأ (٦). وقرأ أهل مكة (حَيْثُ نَشَاء) بالنون (٧)، ردُّا على قوله: ﴿مَكَّنَّا﴾ وبعده ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ أي: بنعمتنا. ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال ابن عباس ووهب (٨): يعني:

стр. 7840

الصابرين، بصبره في البئر، وصبره في السجن، وصبره في الرِّق، وصبره عمَّا دعته المرأة إليه (١). قال مجاهد (٢) وغيره: فلم يزل يدعو الملك إلى الإسلام، ويتلطف له حتى أسلم الملك وكثير من الناس. فهذا في الدنيا. ٥٧ - ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ﴾ ولثواب الآخرة ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. قال البحتري (٣): أَمَا في رَسُولِ اللهِ يُوسَفَ أُسْوةٌ ... لِمِثْلِكَ مَحْبُوسًا على الظُلْمِ والإِفْكِ أَقامَ جَمِيْلَ الصبرِ في الحَبْسِ (٤) بُرْهَةً ... فآلَ بِهِ الصَبْرُ الجَمِيْلُ إلى المُلْكِ وكتب بعضهم إلى صديق له: وراءَ مَضِيْقِ الخَوْفِ مُتَسَعُ الأَمْنِ ... وأَولُ مَفْرُوحٍ بِهِ آخرُ الحُزْن

стр. 7841

فلا تَأْيسن (١) فاللهُ ملَّكَ يوسف (٢) ... خَزَائِنَهُ بَعْدَ الخَلاصِ مِنَ السِجْنِ (٣) قالوا (٤): فلما اطمأن يوسف ﵇ في ملكه، وخلت السنون المخصبة، ودخلت السنون المجدبة، أصاب الناس جوع (٥)، وجاءت تلك السنون بهول لم يعهد الناس بمثله. ولما كان ابتداء القحط، فبينا (٦) المَلِكُ ذات ليلة أصابه الجوع في نصف الليل، فهتف الملك: يا يوسف! الجوع الجوع! (فقال يوسف) (٧): هذا أوان القحط. فلما دخلت السنة الأولى من سني (٨) الجدب هلك فيها كل شيء أعدوه في السنين المخصبة فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف (٩) فباعهم أول سنة بالنقود، حتى لم يبق بمصر دينار ولا

стр. 7842

درهم إلا قبضه. وباعهم السنة الثانية بالحلى والجواهر، حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء. وباعهم السنة الثالثة بالمواشي والدواب، حتى احتوى عليها أجمع وباعهم السنة الرابعة بالعبيد والإماء، حتى لم يبق عبد ولا أمة في يد أحد (١). وباعهم السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور، حتى احتوى عليها (٢). وباعهم السنة السادسة بأولادهم، حتى استرقهم. وباعهم السنة السابعة برقابهم، حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة (٣) إلا صار عبدًا له. فقال الناس: تالله (٤) ما رأينا كاليوم مَلِكًا أجلَّ ولا أعظم من هذا! قال يوسف لفرعون: كيف رأيت صنيع ربّي (٥) فيما خوّلني فما ترى لي؟ قال الملك: الرأي رأيك، وإنّما نحن لك تبع. قال: فإني أشهد الله تعالى وأشهد أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم (٦) (٧).

стр. 7843

وروي (١): أن يوسف ﷺ كان لا يشبع من طعام في تلك الأيام. فقيل: تجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف إن شبعت أن (٢) أنسى الجائع. وأمر يوسف أيضًا طباخي الملك أن يجعلوا غداه نصف النهار، وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع، فلا ينسى الجائعين ويحسن إلى المحتاجين، ففعل الطهاة (٣) ذلك. فمن ثم جعل الملوك غداهم نصف النهار. قالوا (٤): وقصد الناس مصر من كل أَوْب يمتارون (٥)، فجعل يوسف لا يُمكِّنُ أحدًا منهم -وإن كان عظيمًا- من أكثر من حمل بعير تقسيطًا بين الناس وتوسيعًا عليهم، وتزاحم الناس عليه. قالوا (٦): وأصاب أرض كنعان، وبلاد الشام من القحط والشدة ما

стр. 7844

أصاب سائر البلاد، فنزل (١) بيعقوب ما نزل بالناس، فأرسل بنيه إلى مصر للميرة، وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه. ٥٨ - فذلك قوله : ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا﴾ وكانوا عشرة (٢)، وكان منزلهم بالعربات من أرض فلسطين بغور الشام (٣). وكانوا أهل بادية، وإبل وشاة فلما (٤) دخلوا ﴿عَلَيْهِ﴾ عرفهم يوسف وأنكروه، لما (٥) أراد الله ﷺ ليبلغ (٦) بيوسف فيما أراد. قال ابن عباس: وكان بين أن قذفوه في الجب وبين أن دخلوا عليه أربعون (٧) سنة، فلذلك أنكروه (٨). وقيل: إنه كان متزينًا بزي فرعون مصر، عليه ثياب حرير جالسًا على سريره، وفي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج، فلذلك

стр. 7845

لم يعرفوه (١). وقيل: كان بينه وبينهم سترٌ، فلذلك لم يعرفوه (٢). قال بعض الحكماء: المعصية تورث النكرة. قال الله تعالى: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية، قال لهم: أخبروني من أنتم؟ وما أمركم؟ فإني أنكر شأنكم. قالوا: نحن قوم من أرض (٣) الشام رعاة، أصابنا الجهد والجوع (٤) فجئنا نمتار. فقال: لعلكم عيون جئتم تنظرون عورة بلادي. قالوا: لا والله ما نحن بجواسيس، وإنَّما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ صِدِّيق يقال له: يعقوب، نبيٌ من الأنبياء (٥). قال: فكم أنتم؟ قالوا: كنا آثني عشر (٦)، فذهب أخٌ لنا معنا إلى البرية فهلك فيها، وكان أحبنا إلى أبينا.
следующие страницы →