← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

فلا تَأْيسن (١) فاللهُ ملَّكَ يوسف (٢) ... خَزَائِنَهُ بَعْدَ الخَلاصِ مِنَ السِجْنِ (٣) قالوا (٤): فلما اطمأن يوسف ﵇ في ملكه، وخلت السنون المخصبة، ودخلت السنون المجدبة، أصاب الناس جوع (٥)، وجاءت تلك السنون بهول لم يعهد الناس بمثله. ولما كان ابتداء القحط، فبينا (٦) المَلِكُ ذات ليلة أصابه الجوع في نصف الليل، فهتف الملك: يا يوسف! الجوع الجوع! (فقال يوسف) (٧): هذا أوان القحط. فلما دخلت السنة الأولى من سني (٨) الجدب هلك فيها كل شيء أعدوه في السنين المخصبة فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف (٩) فباعهم أول سنة بالنقود، حتى لم يبق بمصر دينار ولا

стр. 7842

درهم إلا قبضه. وباعهم السنة الثانية بالحلى والجواهر، حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء. وباعهم السنة الثالثة بالمواشي والدواب، حتى احتوى عليها أجمع وباعهم السنة الرابعة بالعبيد والإماء، حتى لم يبق عبد ولا أمة في يد أحد (١). وباعهم السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور، حتى احتوى عليها (٢). وباعهم السنة السادسة بأولادهم، حتى استرقهم. وباعهم السنة السابعة برقابهم، حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة (٣) إلا صار عبدًا له. فقال الناس: تالله (٤) ما رأينا كاليوم مَلِكًا أجلَّ ولا أعظم من هذا! قال يوسف لفرعون: كيف رأيت صنيع ربّي (٥) فيما خوّلني فما ترى لي؟ قال الملك: الرأي رأيك، وإنّما نحن لك تبع. قال: فإني أشهد الله تعالى وأشهد أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم (٦) (٧).

стр. 7843

وروي (١): أن يوسف ﷺ كان لا يشبع من طعام في تلك الأيام. فقيل: تجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف إن شبعت أن (٢) أنسى الجائع. وأمر يوسف أيضًا طباخي الملك أن يجعلوا غداه نصف النهار، وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع، فلا ينسى الجائعين ويحسن إلى المحتاجين، ففعل الطهاة (٣) ذلك. فمن ثم جعل الملوك غداهم نصف النهار. قالوا (٤): وقصد الناس مصر من كل أَوْب يمتارون (٥)، فجعل يوسف لا يُمكِّنُ أحدًا منهم -وإن كان عظيمًا- من أكثر من حمل بعير تقسيطًا بين الناس وتوسيعًا عليهم، وتزاحم الناس عليه. قالوا (٦): وأصاب أرض كنعان، وبلاد الشام من القحط والشدة ما

стр. 7844

أصاب سائر البلاد، فنزل (١) بيعقوب ما نزل بالناس، فأرسل بنيه إلى مصر للميرة، وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه. ٥٨ - فذلك قوله : ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا﴾ وكانوا عشرة (٢)، وكان منزلهم بالعربات من أرض فلسطين بغور الشام (٣). وكانوا أهل بادية، وإبل وشاة فلما (٤) دخلوا ﴿عَلَيْهِ﴾ عرفهم يوسف وأنكروه، لما (٥) أراد الله ﷺ ليبلغ (٦) بيوسف فيما أراد. قال ابن عباس: وكان بين أن قذفوه في الجب وبين أن دخلوا عليه أربعون (٧) سنة، فلذلك أنكروه (٨). وقيل: إنه كان متزينًا بزي فرعون مصر، عليه ثياب حرير جالسًا على سريره، وفي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج، فلذلك

стр. 7845

لم يعرفوه (١). وقيل: كان بينه وبينهم سترٌ، فلذلك لم يعرفوه (٢). قال بعض الحكماء: المعصية تورث النكرة. قال الله تعالى: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية، قال لهم: أخبروني من أنتم؟ وما أمركم؟ فإني أنكر شأنكم. قالوا: نحن قوم من أرض (٣) الشام رعاة، أصابنا الجهد والجوع (٤) فجئنا نمتار. فقال: لعلكم عيون جئتم تنظرون عورة بلادي. قالوا: لا والله ما نحن بجواسيس، وإنَّما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ صِدِّيق يقال له: يعقوب، نبيٌ من الأنبياء (٥). قال: فكم أنتم؟ قالوا: كنا آثني عشر (٦)، فذهب أخٌ لنا معنا إلى البرية فهلك فيها، وكان أحبنا إلى أبينا.

стр. 7846

قال: فكم أنتما ها هنا؟ قالوا: عشرة. قال: فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا؛ لأنه أخو الذي هلك من أمه فأبونا يتسلَّى به. قال: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟ قالوا: أيها الملك إنّا ببلادٍ لا يعرفنا، أحد. قال يوسف: فائتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، فأنا أرضى بذلك. قالوا: إن أبانا يحزن على فراقه، وسنراوده عنه وإنّا لفاعلون. قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم من أبيكم. فاقترعوا بينهم، فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيًا في يوسف، وأبرهم به، فَخَلَّفُوه عنده (١). فذلك قوله تعالى: ٥٩ - ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ يعني: حَمَّلَ لكل رجل (٢) منهم بعيرًا بعدتهم (٣) ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ

стр. 7847

مِنْ أَبِيكُمْ﴾ يعني: بنيامين (١) ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ أنّي لا أبخس الناس شيئًا وأتم (٢) لهم كيلهم، فأزيدكم حمل بعير آخر (٣) لأجل أخيكم، وأكرم منزلتكم (٤) وأحسن إليكم (٥) ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ المضيفين (٦) (٧). ٦٠ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ فليس لكم عندي طعام أكيله لكم (٨) (٩) ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أي: ولا تقربوا بابي وبلادي بعد ذلك (١٠)، وهو جزم على النهي (١١).

стр. 7848

٦١ - ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ﴾ نطلبه (١) ونسأله أن يرسله معنا. قال ابن عباس: سنخدعه عنه حتى يخرجه معنا ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ما أمرتنا به. ٦٢ - ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ لغلمانه الذين يكيلون الطعام (٢). قرأ الحسن وحميد والأعرج (٣) ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ بالألف والنون (٤). وهي اختيار أبي عبيد. وقال: هي في مصحف عبد الله (٥) كذلك. وقرأ الباقون (لِفِتْيَتِهِ) بالتاء من غير ألف (٦).

стр. 7849

وهما لغتان، مثل: الصبيان والصبية (١). ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ ثمن طعامهم (٢). قال قتادة: أوراقهم (٣). وروى الضحاك عن ابن عباس قال: كانت النعال والأدم (٤). ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أوعيتهم وهي جمع رَحْل، والجمع القليل منه: أَرْحُل. قال ابن الأنباري: يقال للوعاء: رَحْلٌ، وللمَسْكَن: رَحْلٌ (٥). ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا﴾ انصرفوا (٦) ﴿إلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى (٧) (٨).

стр. 7850

واختلف العلماء في السبب الذي فعل ذلك يوسف (١) من أجله. فقال الكلبي: تخوف يوسف ألا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى (٢). وقيل (٣): خشي أن يضر أخذه ذلك منهم بأبيه، (إذ كانت السنة سنة جدب وقحط، فأحب أن يرجع إليه، وإنما أراد أن يتسع به أبوه (٤). وقيل: رأى لُؤمًا أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه، فرده عليهم من حيث لا يعلمون، تكرّمًا وتفضلًا (٥). وقيل: فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم وأمانتهم تحملهم على رد البضاعة، ولا يستحلون إمساكها فيرجعون لأجلها (٦). وقيل: أراهم كرمه في (٧) رد البضاعة، وتقديم الضمان في البِرِّ

стр. 7851

والإحسان، ليكون أدعى إلى عودهم (١) إليه (٢)، طمعًا في مبرته (٣). ٦٣ - قوله: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا﴾ قدمنا (٤) على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة، لو كان رجلًا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته! فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك مصر فَأَقْرِءوه منِّي السلام، وقولوا له: إنّ أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا. ثم قال: أين شمعون؟ قالوا (٥): أرتهنه ملك مصر (٦) وأخبروه بالقصة. فقال لهم: ولمَ أخبرتموه؟ قالوا: إنه أخذنا وقال: إنّكم جواسيس حيث كلمناه بلسان العبرانيين (٧). وقصوا عليه القصة (٨) ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ

стр. 7852

مَعَنَا أَخَانَا﴾ بنيامن ﴿نَكْتَلْ﴾ قرأ يحيى، والأعمش، وحمزة، والكسائي وخلف (١) (يَكْتَل) بالياء (٢). يعني: يكتل لنفسه هو كما نكتال نحن (٣). وقرأ الآخرون بالنون، يعنى (٤): نكتل نحن وهو، واختاره أبو عبيد (٥). ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ٦٤ - ﴿قَالَ﴾ فقال يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يوسف ﴿مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ وقرأ ابن محيصن، ويحيى، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وحفص (٦) ﴿حَافِظًا﴾ بالألف (٧) على التمييز والتفسير (٨)، كما يقال: هو خَيْرٌ رَجُلًا.

стр. 7853

ومجاز الآية: خيركم حافظًا، فحذف الكاف والميم (١)، يدل عليها أنها مكتوبة في مصحف عبد الله: (والله خير الحافظين) (٢). وقرأ الآخرون (حِفْظًا) بغير ألف على المصدر. يعني: خيركم حفظًا. واختلف فيه عن عاصم. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ٦٥ - قوله تعالى ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ متاعهم الذي حملوه من مصر ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ ثمن الطعام ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ﴾ أي: ما نبغي، أو أي شيء نطلب وراء هذا؛ أوفى لنا الكيل، ورد علينا الثمن (٣). أرادوا بذلك أن يطيبوا نفس أبيهم. وما: استفهام في موضع نصب (٤). ويكون معناها: جحدًا، كأنهم قالوا: لسنا نريد منك دراهم (٥). ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ ونشتري لهم الطعام

стр. 7854

فنحمله (١) إليهم (٢). يقال: مَارَ أَهْلَه، يَميْرُهم مَيْرًا فهو مَائِر، إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلده، ومثله: امتَار، يَمْتَار، امْتِيَارًا (٣). قال الشاعر (٤): بَعَثْتُكَ مَائِرًا فَمَكَثْتَ حَوْلًا ... متى يَأْتِي غِيَاثُكَ مَنَ تَغِيثُ وقال آخر (٥): أَتَى قَرْيَةً منها كَثِيْرًا طَعَامُهَا ... كَعُفْرِ التُّرَابِ كُلُّ شَيءٍ يَمِيْرُهَا

стр. 7855

﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ بنيامين (١) ﴿وَنَزْدَادُ﴾ على أحمالنا حمل ﴿بَعِيرٍ﴾ يُكْتال لنا من أجله ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ لا مؤونة فيه ولا مشقة. وقال مجاهد: كيل بعير، يعني: حمل حمار، قال: وهي لغة، يقال للحمار: بعير (٢). ٦٦ - فـ ﴿قَالَ﴾ لهم (٣) يعقوب ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ﴾ تعطوني ﴿مَوْثِقًا﴾ (٤) وعهدًا أي (٥) ميثاقًا ﴿مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾. وقال جويبر (٦)، عن الضحاك (٧)، عن ابن عباس: حتى تؤتوني موثقًا من الله، يعني (٨): تحلفوا لي بحق محمد خاتم النبيين، وسيد

стр. 7856

المرسلين أن لا تغدروا بأخيكم ولتأتنني به (١). وإنما دخلت فيه اللام لأن معنى الكلام اليمين (٢). ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تهلكوا جميعًا، قاله مجاهد (٣). وقال قتادة: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك (٤). ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أعطوه عهودهم. وقال جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس: حلفوا له بحق محمد ومنزلته من ربه (٥). ﴿قَالَ﴾ يعقوب (٦) ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي: شاهد وحافظ بالوفاء (٧).

стр. 7857

وقال القتيبي: كفيل (١). قال كعب: لما قال يعقوب: فالله خير حفظًا. قال الله تعالى: وعزتي لأردن عليك كِلَيْهما (٢) بعد ما توكلت عليّ (٣). ٦٧ - ﴿وَقَالَ﴾ لهم يعقوب لما أرادوا الخروج من عنده: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا﴾ مصر (٤) ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وذلك أنه (٥) خاف عليهم العين (٦)، لأنهم كانوا ذوي جمال، وهيئة وصور حسان، وقامات

стр. 7858

ممتدة، وكانوا ولد رجل واحد فأمرهم أن يفترقوا (١) في دخولها لئلا يصابوا بالعين، ثم قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (علم ﵇ أن المقدور (٢) كائن، وأن الحذر لا ينفع من القدر) (٣). فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وإلى الله فليفوض (٤) أمورهم المفوضون. ٦٨ - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ﴾ وكان لمصر أربعة أبواب (٥) فدخلوا (٦) من أبوابها كلها ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ صدقَ الله تعالى يعقوب فيما قال: ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ حرْازة وهمّة (٧) ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ أشفق عليهم إشفاق الآباء على أبنائهم (٨) ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني: يعقوب ﴿لَذُو عِلْمٍ

стр. 7859

لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ (أي: مما علمناه، يعني: لتعليمنا إياه) (١). قاله قتادة (٢). وروى (٣) سفيان (٤)، عن ابن أبي عَروبة (٥)، عنه قال: إنه لعامل بما علم (٦). قال سفيان: من لا يعمل لا يكون عالمًا (٧). وقيل (٨): وإنه لذو حفظ لما علمناه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يعلم يعقوب (٩).

стр. 7860

٦٩ - قوله ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا (١) أن نأتيك به، قد جئناك به. فقال لهم: أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي، ثم أنزلهم فأكرم منزلتهم، (ثم أضافهم) (٢) وأجلس كل اثنين منهم (٣) على مائدة، فبقي بنيامين وحيدًا فبكى، فقال: لو كان أخي يوسف (٤) حيَّا لأجلسني معه. فقال يوسف: لقد بقي أخوكم هذا وحيدًا؛ فأجلسه معه (٥) على مائدته، فجعل يؤاكله، فلما كان الليل أمر لهم بمثل ذلك (٦). فقال: لِينم كل أخوين منكم على مثال، فلما بقي بنيامين وحده، قال يوسف: هذا ينام معي على فراشي، فبات معه (على فراشه) (٧). فجعل يوسف يضمه إليه، ويشم ريحه حتى أصبح. وجعل روبيل يقول: ما رأينا مثل هذا! فلما أصبح قال لهم: إنّي (٨)

стр. 7861

أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثان، فسأضمه إليّ فيكون منزله معي، ثم أنزلهم منزلًا وأجرى عليهم الطعام والشراب، وأنزل أخاه لأمه معه (١). فذلك قوله : ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ فلما خلا به قال له: ما اسمك؟ قال: بنيامين. قال: وما بنيامين؟ قال: ابن المثكل. وذلك أنه لما ولد (٢) هلكت أمه قال: وما (٣) اسم أمك؟ قال: راحيل بنت لاوى بن (٤) ناحور. قال: فهل لك من ولد؟ قال: نعم، عشرة بنين، وقد اشتققت أسمائهم من اسم أخ لي من أمي (٥) هلك. فقال: لقد اضطرك إلى ذلك حزن شديد! فما سَمَّيتهم؟ قال: بالعا، وأخير (٦)، وأشكل، وأحيا، وأ كبر (٧)، ونعمان، وأورد (٨) وأرس، وحيتم (٩)، وميتم (١٠).

стр. 7862

قال يوسف (١): فما هذِه؟ قال: أما بالعا فإن أخي ابتلعته الأرض، وأما أكبر (٢) فإنه كان (٣) (بكر أمي لأبي) (٤)، وأما أشكل فإنه كان أخي لأبي وأمي وسني. وأما أخير فإنه خير حيث كان (٥). وأما نعمان فإنه ناعم (٦) بين أبويه. وأما أورد (٧) فإنه كان بمنزلة الورد في الحسن. وأما أرس فإنه كان مني (٨) بمنزلة الرأس من الجسد. وأما حييتم (٩) فأعلمني أبي أنه حي. وأما ميتم فلو (١٠) رأيته لقرت عيني. فقال يوسف: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ فقال بنيامين: ومن يجد أخًا مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل. قال: فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و ﴿وَقَالَ﴾ له (١١) ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ يوسف (١٢) ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ فلا تحزن (١٣) ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لشيء

стр. 7863

فعلوه بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا، ولا تعلمهم شيئًا مما أعلمتك (١). وقال عبد الصمد بن معقل (٢): سمعت وهب بن منبه، وسئل عن قول يوسف لأخيه: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ فقيل: كيف أخافه حين أخذه بالصواع، وقد كان أخبره أنه أخوه، وأنتم تزعمون أنه لم يزل متنكرًا لهم يكابرهم (٣) حتى رجعوا؟ فقال: إنه لم يعترف له بالنسبة ولكن (٤) قال له (٥): أنا أخوك مكان أخيك (٦) الهالك (٧). ومثله قال الشعبي، قال: لم يقل له أنا يوسف، ولكن أراد أن يطيب نفسه (٨).

стр. 7864

ومجاز الآية: إنّي أنا أخوك بدل أخيك (١) المفقود ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فلا تشتك ولا تحزن لشيء سلف من إخوتك إليك في نفسك، وفي أخيك من أمّك، وما كانوا يفعلون قبل اليوم بك (٢). ثم أوفى يوسف ﷺ لإخوته الكيل، وحَمَّل لهم بعيرًا، بعيرًا، وَحَمَّل لبنيامين بعيرًا باسمه كما حَمَّل لهم، ثم أمر بِسِقاية الملك فجعلت في رحل (٣) بنيامين. قال السدي: جعل السقاية في رحل أخيه، والأخ لا يشعر (٤). وقال كعب: لما قال له: إنّي أنا أخوك. فقال له بنيامين: فأنا لا أفارقك. قال يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي، وإذا حبستك ازداد (٥) غمّه، ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يَجمل (٦). قال: لا أبالي، فافعل ما بدا لك، فإني لا أفارقك.

стр. 7865

قال: فإنّي أدس صاعي هذا في رحلك، ثم أنادي عليك بسرقة (١) ليتهيأ لي ردك (٢) بعد تسريحك. قال: فافعل (٣). ٧٠ - فذلك قوله : ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: هيأ لهم أسباب المسيرة ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ وهي المشربة التي كان يشرب منها (٤) الملك (٥). قال ابن زيد: وكان كأسًا من ذهب فيما يذكرون (٦). وقال ابن إسحاق: كان من فضة (٧). قال عكرمة: كانت مشربة من فضة مرصعة بالجواهر، جعلها يوسف مكيالًا لئلا يكال بغيرها، وكان يشرب فيها (٨).

стр. 7866

قال سعيد بن جبير: المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه، كان يشرب فيها الأعاجم، وكان للعباس منها واحد في الجاهلية (١). والسقاية والصواع واحد (٢). ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ (في متاع) (٣) بنيامين، ثم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا وأمعنوا، ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا، ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مناد (٤) ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ وهي القافلة التي فيها (٥) الأحمال (٦). قال الفراء: لا يقال عير إلا لأصحاب الإبل (٧).

стр. 7867

وقال مجاهد: كانت العير حميرًا (١). ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قفوا! فوقفوا، فلما انتهى إليهم الرسول، قال لهم: ألم نكرم ضيافتكم، ونحسن منزلتكم، ونوف (٢) كيلكم، ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم؟ قالوا: بلى، وما ذاك؟ قالوا (٣): سقاية الملك فقدناها، ولا (٤) نتهم عليها غيركم (٥). فذلك قوله : ٧١ - ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ عطفوا على المؤذن وأصحابه ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ وما الذي ضل منكم؟ والفقدان ضد الوجود، والتفقد: الطلب. ٧٢ - ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ اختلف القراء في قراءة ذلك. [١٥٣٣] فأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين (٦)، حدثنا أحمد

стр. 7868

ابن محمد بن إسحاق (١)، حدثنا حامد بن أحمد بن شعيب (٢)، حدثنا سريج (٣) بن يونس (٤)، حدثنا هشيم (٥)، عن داود بن أبي هند (٦)، عن مولى بني هاشم (٧)، عن أبي هريرة، أنه قرأ (صَاعَ المَلِكِ) (٨). وقرأ أبو رجاء (صَوْعَ) (٩). وقرأ يحيى بن يعمر (صَوْغَ) (١٠) بالغين المعجمة، كأنه وجهه إلى

стр. 7869

مصدر (١) صَاغَ يَصُوغُ صَوْغًا (٢). وجمع الصّواع: صِيْعَان، وجمع الصاع: أَصْوع (٣). ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ من الطعام ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ كفيل يقوله المؤذن (٤). وأصل الزعيم: القائم بأمور القوم، ولذلك قيل) (٥) للرئيس: زعيم. يقال: زَعَمَ، زَعَامَةً وزعَامًا (٦). قالت ليلى الأخيلية (٧): حتّى إذا بَرَزَ اللِّواءُ رَأَيْتَهُ ... تحتَ اللِّواءِ على الخَمِيْس زَعِيْمَا ٧٣ - ﴿قَالُوا﴾ يعني: إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ﴾ أي: والله، وأصلها الواو فقلبت تاء كما فعل بالتوراة، والتقوى، والتكلان، والتراثُ، والتخمة وأصلها

стр. 7870

الواو. والواو في هذِه الحروف كلها حذف (١) من الأسماء، وليس كذلك في تالله، لأنها إنما هي واو القسم، وإنما جُعلت تاء لكثرة ما جرى على ألسن العرب، فتوهموا أن الواو من نفس الحرف فقلبوها تاء، وخصت بهذِه (٢) الكلمة الواحدة دون غيرها من أسماء الله ﷺ (٣). ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ فإن قيل: من أين علموا ذلك فالجواب عنه ما قال الكلبي، قال: إنّ فتى يوسف، وهو المؤذن، قال لهم: إنّ الملك ائتمنني بالصاع وأخاف عقوبة الملك، فإن لي اليوم عنده منزلة حسنة، فإن لم أجده أخاف (٤) أن تسقط منزلتي وأفتضح في مصر (٥). فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ فإنا منذ قطعنا هذا الطريق لم نَرْزَأ (٦) أحدًا شيئًا، فاسألوا عنا من مررنا به، هل ضررنا

стр. 7871

أحدًا، أو هل (١) أفسدنا شيئًا؟ وأنّا قد رددنا الدراهم كما وجدناها في رحالنا، فلو كنا سارقين ما رددناها (٢). قال فتى يوسف: إنه صواع الملك الأكبر الذي يتكهن فيه! وقال بعضهم (٣): إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا ينالون ما ليس لهم، وذلك أنهم كانوا حين دخلوا مصر كعموا (٤) (٥) أفواه دوابهم كي لا تتناول من حروث الناس. فإن قيل: كيف استجاز يوسف تسميتهم سارقين؟ قيل: فيه جوابان: أحدهما: أنه أضمر في نفسه أنهم سرقوه من أبيهم (٦).

стр. 7872

والآخر: أنه من قول المنادي لا عن أمر يوسف، والله أعلم (١). ٧٤ - قوله ﴿قَالُوا﴾ يعني: المنادى وأصحابه ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ ثوابه. قال الأخفش (٢): إن شئت رددت الكناية إلى السارق، وإن شئت رددتها إلى السرق (٣). ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ في قولكم وما كنا سارقين. ٧٥ - ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ أن يُسلم بسرقته إلى المسروق منه، ويُسترق سنة، وكان ذلك سُنَّة آل يعقوب في حكم السارق (٤) ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الفاعلين ما ليس لهم فعله من أخذ مال غيره سرقًا (٥). وأما وجه الكلام، فقال الفراء (٦): من في معنى الجزاء، موضعها

стр. 7873

رفع بالهاء التي عادت، وجواب الجزاء الفاء في قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ ويكون قوله (١) ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الثانية مرتفعة بالمعنى المجمل في الجزاء وجوابه، ومثله في الكلام أن تقول: ماذا لي عندك: فيقول: لك (٢) عندي؛ إن بشرتني فلك ألف درهم، كأنه قال: لك عندي هذا. وإن شئت جعلت (من) في مذهب (الذي) وتدخل الفاء في خبر (ش) إذا كانت على معنى (الذي) كما تقول: الذي يقوم فإنا نقوم معه. وإن شئت جعلت الجزاء مرفوعًا بمن خاصة وصلتها، كأنك قلت: جزاؤه (الموجود في رحله، كأنك قلت) (٣): ثوابه أن يسترق، ثم استأنف أيضًا فقال: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾. وتلخيص هذِه الأقاويل (٤): جزاؤه جزاء الموجود في رحله، أو جزاؤه الموجود في رحله، تم الكلام. ثم قال مبتدئًا فهو جزاؤه. فقال الرسول (عند ذلك: إنه لابد من تفتيش أمتعتكم ولستم ببارحين (٥) حتى نفتشها، فانصرف بهم إلى يوسف) (٦) ﵇.

стр. 7874

٧٦ - ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ لإزالة التهمة ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ فكان يفتش أمتعتهم واحدًا واحدًا. قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعًا، ولا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثمًا مما قرفهم به، حتى لم يبق إلا الغلام، فقال: ما أظن هذا أخذ شيئًا. فقال إخوته: والله لا يترك حتى تنظر في رحله؛ فإنه أطيب لنفسك ولأنفسنا (فلا تغتبنا) (١). فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه (٢). فذلك قوله : ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ وإنما أنّث الكناية في قوله: ﴿اسْتَخْرَجَهَا﴾ والصواع مذكر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ لأنه رده إلى السقاية (٣)، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ ثم قال: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤) ردها إلى الجنة. وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ ثم قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ

стр. 7875

مِنْهُ﴾ (١) أي: من الميراث. وقيل: رد الكناية إلى السرقة (٢). وقيل: إنما أنّثها لأن الصواع يُذكَّر ويؤنث، فمن أنّثه قال: ثلاث أَصْوع، مثل: ثلاثُ أَذود. ومن ذكره قال: ثلاثة أَصْواع، مثل: ثلاثة أَثواب (٣). ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ يعني: كما فعلوا في الابتداء بيوسف فعلنا بهم؛ لأن الله تعالى أخبر عن يعقوب أنه قال ليوسف ﵇: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ فالكيد جزاء الكيد. قال ابن عباس: كذلك كدنا ليوسف، أي: صنعنا (٤). قال الربيع: ألهمنا (٥).

стр. 7876

قال ابن الأنباري: أردنا (١). ومعنى الآية: كذلك صنعنا ليوسف حتى ضم أخاه إلى نفسه، وحال بينه وبين إخوته بعلة كادها الله له فاعتل بها يوسف (٢). ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ إليه ويضمه إلى نفسه ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: حكمه وقضاءه، قاله قتادة (٣). وقال ابن عباس: في سلطان الملك (٤). وأصل الدين: الطاعة (٥). وكان حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرّم ضعفي ما سرق للمسروق (٦) منه (٧).

стр. 7877

وقال الضحاك: كان الملك إذا أتى بسارق كشف عرقوبيه وسمل عينيه (١). ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يعني؛ أن يوسف لم يكن ليتمكن من أخذ أخيه بنيامين من إخوته، وحبسه عنده في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا له حتَّى وجد السبيل إلى ذلك، وهو ما أجرى إلى ألسن (٢) إخوته أن جزاء السُّراق الاسترقاق، فأقروا به وأبدوا من أنفسهم الرضا بتسليم الأخ إليه. وكان ذلك مراد يوسف ﵇ (٣). ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته (٤). ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل ذي علمٍ (٥)

стр. 7878

عليمٌ (١). قال الحسن (٢) وقتادة (٣): والله ما مشى على وجه الأرض من عالم إلَّا وفوقه من هو أعلم منه، حتَّى ينتهي العلم إلى الله سبحانه، الَّذي علمه منه بدأ وإليه يعود. وفي قراءة عبد الله: (وفَوْقَ كُلِ عَالِمٍ عَليْمٌ) (٤). [١٥٣٤] أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه (٥)، حدّثنا عبد الله ابن محمد بن شنبة (٦)، حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن منصور (٧) ومحمد ابن علي بن سالم الهمذاني (٨)، قالا: حدّثنا الحارث بن عبد الله (٩)،

стр. 7879

أخبرنا أبو معشر (١)، عن محمد بن كعب القرظي (٢): أن علي بن أبي طالب ﵁ قضى بقضية، فقال رجل من ناحية المسجد: يا أمير المؤمنين! ليس القضاء كما قضيت. قال: فكيف هو؟ ! قال: هو كذا وكذا. فقال: صدقتَ وأخطأتُ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٣). قالوا (٤): فلما خرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم من الحياء، وأقبلوا علي بنيامين وقالوا له: يا بنيامين أيش الَّذي صنعت؟ فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل، ما يزال لنا (٥) منكم بلاء! متى أخذت هذا الصواع؟ فقال بنيامين: بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء! ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية، وَضَعَ هذا الصواع في رحلي الَّذي وَضَعَ الدراهم في رحالكم (٦).

стр. 7880

٧٧ - ثم ﴿قَالُواْ﴾ لِيوسف ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾ من أبيه وأمه (١) ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. واختلف العلماء في السَّرْق الَّذي وصفوا به يوسف ﵇. فقال سعيد بن جبير (٢) وقتادة (٣): سرق يوسف صنمًا لجده أبي أمه فكسره وألقاه في الطريق. وقال الكلبي: بعثته أمه حين أرادت أن ترتحل من حران مع يعقوب إلى فلسطين والأردن، أمرته أن يذهب ويأخذ جونة (٤) فيها لأبيها من ذهب فيأتيها بها؛ لكي إذا فقدها أبوها أسلم، فانطلق فأخذها وجاء بها إلى أمه، فهذِه سرقته التي يعنون (٥). (قال ابن جريج: كانت أم يوسف أمرته أن يسرق صنمًا لخاله
следующие страницы →