← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.

стр. 7946

٩٩ - قوله تعالى ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾. فإن قيل: كيف قال لهم يوسف: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين. بعد ما دخلوها؟ وقد أخبرنا الله تعالى عنهم أنهم لما دخلوا على يوسف، وضمّ إليه أبويه قال لهم هذا القول؟ وما وجه الاستثناء وقد حصل الدخول بحكم ظاهر الآية؟ فالجواب: أن يوسف ﵇ إنما قال لهم هذا القول حين تلقاهم قبل دخولهم مصر كما ذكرناه (١). وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، وهذا الاستثناء من قول يعقوب ﵇ لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾، أي (٢): سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله إنه هو الغفور الرحيم، فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر آمنين. ١٠٠ - ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهذا معنى قول ابن جريج (٣).

стр. 7947

وقال بعضهم (١): إنما وقع الاستثناء على الأمن لا على الدخول. كقوله تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (٢). وقول رسول الله ﷺ عند دخول المقابر: "وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون" (٣) فالاستثناء وقع على اللحوق بهم، لا على الموت. وقيل (٤): (إن) هاهنا بمعنى (إذا) كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥) (٦)، وقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (٨).

стр. 7948

وقال ابن عباس: إنّما قال آمنين؛ لأنهم كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، ولا يدخلون مصر إلا بجوارهم (١). وأما قوله تعالى: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ فقال ابن إسحاق: أباه وأمه (٢). وقال الآخرون (٣): أباه وخالته ليَّا (٤). وكانت راحيل أم يوسف قد ماتت في نفاسها ببنيامين، وإنما سمي بنيامين ابن المثكل؛ لأن أمه ماتت في نفاسها به، فتزوج يعقوب بعدها أختها ليّا فسمّى الخالة أمًّا، كما سمّى العمّ أبًا (٥) في قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٦).

стр. 7949

وبإسناد إسحاق (١) بن بشر عن سعيد (٢) عن (٣) الحسن، قال: أنشرت راحيل أم يوسف من قبرها حتى سجدت له تحقيقًا للرؤيا (٤). ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ على السرير يعني: أجلسهما عليه (٥). قال ابن إسحاق يعني: رفع أيديهما (٦) ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ يعني: يعقوب وخالته وإخوته، وكانت تحية الناس يومئذ السجود، ولم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض؛ لأن ذلك لا يجوز إلا لله ، وإنما هو الانحناء والتواضع على طريق التحية والتعظيم بالتسليم، لا على جهة العبادة والصلاة (٧) كقول أعشى بن ثعلبة (٨):

стр. 7950

فَلَمَّا أَتَانَا بُعَيْد الكَرى ... سَجَدنَا لَهُ ورَفَعنَا عَمَارا وقال آخر (١): فُضُولُ أَزِمَّتِها أَسْجَدَتْ ... سُجودَ النَّصَارى لرُهْبَانِها وأصل السجود في اللغة: الخضوع والتذلل (٢). كقول النابغة (٣): بجمعٍ يضل البُلْقُ فِي حُجُرِاتِه ... تَرى الأكمَ فيها سُجَّدًا للحَوَافِرِ أي: مُتَطَامِنَةً ذَلِيْلَةً. وقال ثعلب (٤): خروا يعني: مرَّوا ولم يرد السقوط والوقوع على الأرض، نظيره ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (٥) إنما أراد: لم يمروا، فكذلك هنا بمعنى المرور.

стр. 7951

وروي عن ابن عباس (١) أنه قال: معناه: خروا له سجّدًا، وقوله: ﴿لَهُ﴾ كناية عن الله سبحانه. ﴿قَالَ﴾ هو يوسف عند ذلك واقشعر جلده ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ وهو قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ (٢). واختلفوا في مدة غيبة يوسف عن يعقوب ﵉. فقال الكلبي: اثنان وعشرون سنة (٣). وقال سلمان الفارسي: أربعون سنة (٤). وقال عبد الله بن مسعود: تسعون سنة (٥). [١٥٥٣] أخبرنا ابن فنجويه (٦)، حدثنا هارون بن محمد بن هارون (٧)، حدثنا محمد بن عبد العزيز (٨)، حدثنا سهل بن بكار (٩)،

стр. 7952

حدثنا السّري (١) بن يحيى (٢) عنه (٣). وقيل: سبع وسبعون سنة. وقال الحسن: ألقي يوسف في الجبّ وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد لقائه يعقوب ثلاثًا وعشرين سنة. ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة (٤). وفي التوراة: مائة وعشر سنين (٥)، وفي مسند إسحاق بن بشر: (مائة وسبعة أعوام. وقال ابن إسحاق: ثماني عشرة (٦) سنة) (٧) (٨). وَوُلِدَ ليوسف. العزيز أفرائيم، وميشا، ورحمة من امرأة أيوب. وبين يوسف وبين موسى ﵉ أربعمائة سنة. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يقل من

стр. 7953

الجبّ استعمالًا للكرم لئلا يُذكر إخوته صنيعهم (١). وقيل (٢): لأن نعمة الله عليه في إنجائه من السجن أكبر من نعمته عليه من إنقاذه من الجب. وذلك أن وقوعه في البئر كان لحسد إخوته، ووقوعه في السجن مكافأة من الله تعالى لزلة كانت منه. ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ وذلك أنَّ يعقوب وبنيه كانوا أهلَ بادية ومواشٍ (٣). والبدو: مصدر قوله بَدا يَبْدُو، وبُدُوًا، إذا صار بالبادية (٤) (٥). ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ﴾ ذو لطف وصنع (٦) ﴿لِمَا يَشَاءُ﴾ عالم بدقائق الأمور وحقائقها ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [١٥٥٤]. حدثني ابن فنجويه (٧)، حدثني هارون بن محمد بن

стр. 7954

هارون العطَّار (١)، حدثنا محمد بن عبد العزيز (٢)، حدثنا سعيد بن نُصيِّر (٣)، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم (٤)، عن عبد الصمد (٥)، عن أبيه (٦)، عن وهب (٧) قال: دخلوا (٨)، يعني: يعقوب وولده مصر، وهم اثنان وسبعون إنسانًا، ما بين رجل وامرأة، وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلًا سوى الذرية والهرمي والزمني. وكان الذرية ألف ألف ومائتا ألف سوى المقاتلة (٩).

стр. 7955

قال أهل التاريخ: أقام يعقوب ﵇ بمصر بعد موافاته بأهله (١) أربعًا وعشرين سنة، في أغبط حال، وأهنأ عيش، ثم مات بمصر. ولما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، وفعل يوسف ذلك، ومضى به حتى دفنه بالشام ثم انصرف إلى مصر (٢). قال سعيد بن جبير: نقل يعقوب في تابوت من ساج إلى بيت المقدس، ووافق ذلك يوم مات عيص (٣)، فدفنا في قبر واحد، فمن ثم تنقل اليهود موتاهم إلى بيت المقدس، من فعل ذلك منهم، وولد يعقوب وعيص في بطن واحد، ودفنا في قبر واحد، وكان عمرهما جميعًا مائة وسبعًا وأربعين سنة (٤). قالوا (٥): فلما جمع الله ليوسف شمله، وأقر له عينه، وأَتَمَ له رؤياه، وكان مُوْسَعًا في ملك الدنيا ونعيمها، عَلِمَ أنَّ ذلك لا يَدوم له، وأن لا بد من فِراقِه، فأراد نعيمًا هو أفضل منه، فتاقت نفسه إلى الجنة فتمنى الموت، ودعا ربه، ولم يتمنى نبي قبله ولا بعده الموت.

стр. 7956

١٠١ - فقال ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي﴾ يعني: ملك مصر ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ يعني: تعبير الرؤيا ﴿فَاطِرَ﴾ يعني: يا فاطر ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما وبارئهما. ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ومتولي أمري ﴿تَوَفَّنِي﴾ يقول: اقبضني إليك (١). ﴿مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ أي: بآبائي النبيين (٢). فتوفاه الله تعالى طيبًا طاهرًا بمصر ودفن في النيل في صندوق من رخام. وذلك أنَّه لمّا مَات تَشَاحَ الناس عليه كل يحب أن يُدفَن في محلتهم، لما يرجون من بركته فاجتمعوا على ذلك حتى همّوا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النيل حيث يتفرق الماء بمصر، فيمر الماء عليه، ثم يصل إلى جميع مصر، فيكونوا كلهم فيه شرعًا واحدًا، ففعلوا (٣).

стр. 7957

وروى صالح المُرّي (١) (٢)، عن يزيد الرقاشي (٣)، عن أنس بن مالك قال: إنّ الله لمّا جمع ليعقوب شَملَه، خلا ولده نجيًّا، فقال بعضهم لبعضٍ: أليس قد علمتم ما صنعتم، وما لقي منكم الشيخ، وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى. قالوا: فإن عفوا عنكم فكيف لكم بربكم، فاستقام أَمرهم على أنْ أتوا الشيخ فجلسوا بين يديه، ويوسف إلى جّنْب أَبيه قاعدًا، قالوا: يا أبانا أتيناك أمرٍ لم نأتك في مثله قط، ونَزَلَ بنا أمرٌ لم ينزل بنا مثله. حتى حرَّكوه (٤)، والأنبياء ﵈ أرحم البرية، فقال: ما لكم يا بني؟ قالوا: أليس قد علمت ما كان منّا إليك، وما كان منّا إلى أخينا يوسف؟ قال: بلى. فقالوا: ألستما قد عفوتما؟ قال: بلى. قالوا: فإنَّ عفوكما لا يغني عنّا شيئًا إنْ كان الله تعالى لم يعف عنّا. قال: فما تريدون يا بني؟ قالوا: يزيد أنْ تدعو الله تعالى، فإذا جاءك الوحي من عند الله بأنَّه (٥) قد عفى عَمَّا صنعنا قَرّتْ أعيننا واطمأنت قلوبنا، وإلا فلا قرت عينٌ لنا في الدنيا أبدًا. فقام الشيخ واستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا

стр. 7958

خلفهما أذلةً خاشعين، فدعا يعقوب وأَمَّنَ يوسف، فلم يُجَبْ فيهم عشرين سنة. قال صالح المري: تحفيهم (١) حتى إذا كان رأس العشرين، نزل جبريل على يعقوب ﵇، فقال: إنَّ الله تعالى بعثني إليك أُبشِّرك بأَنّه قد أجاب دعوتك في ولدك، وأَنّه قد عفى عمَّا صنعوا، وأَنّه قد اعتق مواثيقهم من بعدك على النبوة (٢). ١٠٢ - ﴿ذَلِكَ﴾ الذي نكرت وقصصت عليك ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ ولولا إعلام الله سبحانه نبيه ﵇ بذلك لما علمت (٣) ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ وما كنت يا محمد عند أولاد يعقوب ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أي (٤): عزموا على إلقاء يوسف في غيابة الجب ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ بيوسف. ١٠٣ - ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ يا محمد ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ على إيمانهم ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾. ١٠٤ - ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة والدعاء إلى الله ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعلٍ وجَزَاء (٥)

стр. 7959

﴿إِنْ هُوَ﴾ يعني: القرآن والوحي ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ عظة وتذكير ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾. ١٠٥ - ﴿وَكَأَيِن﴾ وكم ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ عظة وعبرة، ودلالة وعلامة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. أخبرنا ابن فنجويه (١)، حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر (٢)، وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب (٣)، قال: حدّثنا أبو بكر ابن مجاهد (٤)، حدّثني الحسن (٥) بن العباس (٦)، حدّثنا أحمد بن يزيد (٧)، حدّثنا عون بن الحكم (٨)، عن أبي محمد المعلم (٩)، عن الحارث بن قدامة (١٠)،

стр. 7960

عن عكرمة (١) أنه قرأ (وَالأَرْضُ يَمُرّونَ عَلَيْها) رفعًا (٢). وبإسناده عن أبي بكر بن مجاهد (٣)، أخبرني عبد العزيز بن محمد (٤)، حدّثنا أبي (٥)، حدّئنا محمد بن عمر (٦)، قال: سمعت عمرو بن فائد (٧) يقرأ: (وكأين من آية في السموات) قطعًا، (والأرضُ يمرون عليها) رفعًا (٨). [١٥٥٦] وبه عن ابن مجاهد (٩)، حدثني محمد بن يحيى الكسائي (١٠)، عن أبي الحارث (١١)، عن أبي عمارة (١٢)، قال:

стр. 7961

حدثني علي بن منصور السُّلمي (١)، قال حدثنا (أبو حمزة) (٢) الثُمَالي (٣) عن السدِّي (٤) أنه قرأ: (والأرضَ يمرون عليها) نصبًا قال: يمرون على الأرض (٥). [١٥٥٧] وبه عن ابن مجاهد (٦) حدثنا إسحاق الحربي (٧) حدثنا أبو حذيفة (٨) حدثنا سفيان (٩) قال في قراءة عبد الله (وكأين من آية في السموات والأرض يمشون عليها) (١٠).

стр. 7962

١٠٦ - قوله ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. [١٥٥٨] أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، أخبرنا محمد بن يعقوب (٢)، حدثنا الحسن بن علي بن عفان (٣)، حدثنا أبو أسامة (٤)، حدثنا نضر بن عبد العزيز (٥)، عن عكرمة (٦) في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال: كان من إيمانهم إذا سُئِلوا: من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله. وإذا سُئِلوا مَن يُنْزل القطر؟ قالوا: الله. ثمَّ هم يشركون (٧). [١٥٥٩] وأخبرني عبد الله (٨)، أخبرنا حامد بن محمد (٩)، حدّثنا

стр. 7963

محمد بن يونس (١)، حدثنا عبد الله بن صالح (٢)، حدثنا إسرائيل (٣)، عن جابر (٤)، عن عكرمة (٥) وعامر (٦) في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال: ولا يؤمن بالله أنَّه ربهم، وهو خلقهم ويشركون من دونه (٧). هذا قول أكثر المفسِّرين (٨). وروى جويبر (٩)، عن الضحاك (١٠)، عن ابن عباس (١١) قال: نزلت هذِه الآية في تلبية مشركي العرب وكانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تَملِكُه وما ملك (١٢).

стр. 7964

وكانت غطفان (١) تلبي تقول: تالله لَوْلَا أَنَّ بكْرًا دُونَكَ ... بَنِي غِفَارٍ وَهم يَلُونَكَ يَبَرُّكَ النَّاسُ ويَعجَزُونَك ... مَا زَالَ مِنَّا فِيحًا (٢) يَأتونَكَ وكانت تلبية جرهم (٣): لبَيْكَ إِنَّ جُرهُمًا عِبَادُكَ ... النَّاسُ طِرف وَهُم تِلَادُكَ (٤) وَهُف قَدِيْمًا مَرُوا بِلادَكَ ... وَقَد تَعَادوا فِيْكَ مَنْ يُعادِكَ وكانت تلبية قريش: لَبَيْكَ حَجًّا حَقَّا ... تعبداً وَرِقَا

стр. 7965

وكانت تلبية همدَان (١) وغَسَّان (٢)، وقُضَاعَة (٣) وجُذَام (٤) وبَلْعَنْبَر (٥) وبهراء (٦). نَحنُ غَدًا نُغادِي ... جنيًا الرُّكْنِ عَادِي فأَنزلَ الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ يعني: في التلبية (٧).

стр. 7966

ويقال: لما سمع المشركون ما قبل هذا الآية من الآيات قالوا: فإِنّا نؤمن بالله الذي خلق هذِه الأشياء ولكن نزعم أنّ له شريكًا فأنزل الله هذِه الآية. وقال عطاء: هذا في الدعاء وذلك أن الكفار نسوا ربهم في الرخاء فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء (١). بيانه قوله : ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ (٤). وقال بعض أهل المعاني (٥): معناه: ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم كانوا مشركين قبل إيمانهم. نظيره قوله : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ (٦) يعني: كانوا هم أشد منهم بطشًا. ويقال (٧): نزلت هذِه الآية في قصة الدخان وذلك أن أهل مكة لما غشيهم الدخان في سني القحط قالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ (٨) فذلك إيمانهم، وشركهم عودهم إلى الكفر بعد كشف

стр. 7967

العذاب. بيانه قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (١) والعود لا يكون إلا بعد ابتداء، والله أعلم. ١٠٧ - قول تعالى ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: مجللة (٢). قال مجاهد: عذابٌ يغشاهم (٣). نظيره قوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (٤). قال قتادة: وقيعة (٥). وقال الضحاك: يعني: الصواعق والقوارع (٦). ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ القيامة (٧) ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة (٨) ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بقيامهم.

стр. 7968

قال ابن عباس: تهيج الصيحة بالناس وهم في أسواقهم (١). ١٠٨ - ﴿قُل﴾ يا محمد ﴿هَذِهِ﴾ الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها ﴿سَبِيلِي﴾ سنتي ومنهاجي، قاله ابن زيد (٢). وقال الربيع: دعوتي (٣). وقال الضحاك: دعواتي (٤). وقال مقاتل: ديني (٥). نظيره قوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (٦). أي: دينه. ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ حجة ويقين. يقال: فلانٌ مُسْتَبْصِرٌ في كَذَا أي: مستيقنٌ (٧) ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: آمن بي وصدقني (٨)،

стр. 7969

وهو أيضًا يدعو إلى الله تعالى، هذا قول الكلبي (١) وابن زيد (٢) قال: حقٌ والله على ما اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويُذَكِّر (٣) بالقرآن والموعظة، وينهى عن المعاصي. وقيل: معناه أنا ومن اتبعني على بصيرة. يقول: كما أنِّي على بصيرة فكذلك من آمن بي. واتبعني فهو على بصيرة أيضًا (٤). قال ابن عباس: يعني: أصحاب محمد ﷺ كانوا على أحسن طريقَة وأَقصد هداية، معدن العلم، وكنز (٥) الإيمان، وجند (٦) الرحمن (٧). ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: وقل سبحان الله تَنزيهًا لله عما يشركون (٨) ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

стр. 7970

١٠٩ - قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ لا ملائكة ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يعني: من أهل الأمصار دون أهل البوادي، لأن أهل الأمصار أعدل وأفضل وأحلم وأعقل (١) (٢). ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ يعني: هؤلاء المشركين المنكرين لنبوتك (٣) ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ آخر أمر (٤) الأمم المكذبة من قَبلهم فيعتبروا (٥). ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يقول جل ثناؤه: هذا فعلنا في الدنيا بأهل ولايتنا أن ننجيهم من (العذاب إذا نزل) (٦) وما في الدار الآخرة لهم خيرٌ (٧).

стр. 7971

فترك ما ذكرنا اكتفاءً؛ لدلالة الكلام عليه (١) وأُضِيْفت الدار إلى الآخرة لاختلاف لفظيهما، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ (٢). وقولهم: عَامُ الأَوَلِ وبَارِحَة (٣) الأُولَى. وَيومَ الخَمِيْس ورَبِيْعُ الآخر (٤). قال الشاعر: وَلَو أَقْوَتْ عَلَيْكَ دِيَارُ عَبْسٍ ... عَرَفْتَ الذُّلَّ عِرفَانَ اليَقِينِ (٥) يعني: عِرفَانًا يقينًا. ﴿أَفَلا تَعقِلُونَ﴾ فيؤمنون (٦).

стр. 7972

١١٠ - ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. اختلف القراء في قوله: ﴿كُذِبُوا﴾ فقرأها قوم بالتخفيف. وهي قراءة علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي ابن كعب، وسعيد بن جبير، وأبي عبد الرحمن السُّلمي، وعكرمة، والضحاك، وعلقمة ومسروق (١)، والنخعي (٢)، وأبي جعفر المدني، ومحمد بن كعب، والأعمش، وطلحة بن مصرف (٣)، وعيسى بن عمر الهمداني، وأبي إسحاق السبيعي، وابن أبي ليلى (٤)، وعاصم، وحمزة (٥)، وعلي بن الحسين، وابنه أبي جعفر محمد، وابنه جعفر ابن محمد، وزيد بن علي (٦)، ومحمد بن عبد الله بن الحسن (٧)، وعبد الله بن مسلم بن يسار (٨).

стр. 7973

واختارها الكسائي وأبو عبيد، ورويت عن النبي ﷺ (١). وقرأها الآخرون بالتشديد. وهي قراءة عائشة، وابن هرمز الأعرج (٢)، ونافع، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن كثير، وعبد الله بن الحارث، وأبي الرجاء، والحسن، وقتادة، وأبي عمرو، وعيسى، وسلام (٣)، وعمرو بن ميمون (٤)، ويعقوب. ورويت أيضًا عن النبي ﷺ (٥). فمن قرأها بالتخفيف فمعناها: حتى إذا استيئس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم في وعيد العذاب (٦). وروى حماد بن زيد (٧)، عن شعيب بن الحبحاب (٨)، عن إبراهيم بن أبي حرة الجزري (٩) (١٠)، قال: صنعت طعامًا فدعوت ناسًّا من

стр. 7974

أصحابنا فيهم سعيد بن جبير، فأرسلت إلى الضحاك بن مزاحم فأبى أن يجيء فأتيته فلم أدعه حتى جاء. قال: فسأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال: يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف؟ فإنِّي إذا أتيت عليه تمنيت ألّا أقرأ هذِه السورة ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ قال: نعم، حتى إذا استيئس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم (١) أن الرسل كذبوهم. قال: فقال الضحاك: ما رأيت كاليوم قط! رجلًا يدعى إلى علم فيتلكأ، لو رحلت في هذِه إلى اليمن كان قليلًا (٢). وقال بعضهم: معنى الآية -على هذِه القراءة- حتى إذا استيئس الرسل من إيمان قومهم وظنّت الرسل أنّهم قد كُذبوا فيما وعدُوا من النصر، وهذِه رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: كانوا بشرًا فَضَعفوا ويئسوا أنهم أُخْلِفُوا، ثمَّ تلا قوله : ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (٣) (٤).

стр. 7975

ومن قرأ بالتشديد فمعناها: حتى إذا استيئس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم (١). وظَنّت الرسل أي: استيقنت أن أُمَمَهم قد كَذَّبوهم جاء (٢) نصرنا (٣). وعلى هذا القول يكون الظَّنّ بمعنى: العلم واليقين. قال الشاعر (٤):

стр. 7976

فَقُلْتُ لَهُم ظُنُّوا بِأَلْفَي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُم في الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ أي؛ أيقنوا. وهذا معنى قول قتادة (١). وقال بعضهم: معنى الآية على هذِه القراءة: حتى إذا استيئس الرسل ممن كذَّبهم من قومهم أن يصدقهم، وظنّت الرسل أن من قد آمن بهم من قومهم وصدقوهم قد كَذَّبوهم وارتدوا عن دينهم؛ لاستبطائهم النصر جاءهم نصرنا (٢). وهو معنى قول عائشة ﵂ (٣). وقرأ مجاهد: كَذَبُوا بفتح الكاف والذال مخففةً (٤). ولها تأويلان: أحدهما: حتى إذا استيئس الرسلُ أن يعذّب قومهم، (وظنّ قومُهم) (٥) أنّ الرسلَ قَد كَذَبُوا، جاء الرسلَ نصرُنا. والثاني: حتى إذا استيئس الرسلُ من إيمان قومهم، وظنّت الرسلُ

стр. 7977

أنّ قومهم قد كَذَبُوا وافتروا على الله بكفرهم. ويكون معنى الظّنّ: اليقين. والله أعلم (١). ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ عند نزول العذاب. وهم المؤمنون المطيعون ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني المشركين. واختلف القراء في قوله: ﴿فَنُجِّيَ﴾ فقرأتها عامة القراء (فَنُنَجِّي) بنونين على معنى: فنحن نفعل بهم ذلك. وأدغم الكسائي إحدى النونين في الأخرى فقرأ (فَنُجِّي) بنون واحدة وتشديد الجيم. وقرأ عاصم (وابن عامر) (٢) بضم النون وتشديد الجيم وفتح الياء على مذهب ما لم يُسمَّ فاعله (٣). واختار أبو عبيد هذِه القراءة؛ لأنها في مصحف عثمان وسائر مصاحف البلدان بنون واحدة. وقرأ ابن محيصن (فَنَجَا مَنْ نَشَاء) بفتح النون والتخفيف على أنه

стр. 7978

فعل ماض (١). فيكون محل (مَنْ) على قراءة عاصم وابن محيصن رفعًا، وعلى قراءة الباقين نصبًا (٢). ١١١ - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ أي: في خبر يوسف وإخوته ﴿عِبْرَةٌ﴾ عِظَة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ﴾ يعني: القرآن ﴿حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ يختلق ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ يعني: ولكن كان تصديق ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: ما قبله من الكتب ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما يحتاج إليه العباد (٣) ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. * * *

стр. 7979

١٣ - سُورَة الرَّعد

стр. 7980

سورة الرعد مكية (١). وهي ثلاث آلاف وخمسمائة وستة أحرف، وثمانمائة وخمس وخمسون كلمة، وثلاث وأربعون آية (٢). [١٥٦٠] أخبرني أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد الفارسي (٣)، بقراءتي عليه، حدثنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السُّلمي (٤)، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن

стр. 7981

سعيد البُوشَنجي (١)، حدثنا سعيد بن حفص (٢)، قال: قرأت على معقل بن عبيد الله (٣)، عن عكرمة بن خالد (٤)، عن سعيد بن جبير (٥)، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قرأ سورة الرعد أُعطي من الأَجْر عشرَ حسنات بوزن كُلِ سَحَابٍ مَضَى، وكلِ سَحَاب يكون إلى يوم القيامة، وكان يوم القيامة من المُوفِين بعهد الله" (٧). * * *

стр. 7982

قول الله : ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - ﴿المر﴾ قال ابن عباس: معناه: أنا الله أعلم وأرى (١). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ يعني: تلك الأخبار التي قصصتها عليك آيات التوراة والإنجيل، والكتب المتقدمة. ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني: وهذا القرآن الذي أُنزل إليك ﴿مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ أي: هو الحق، فاعتصم به، واعمل بما فيه، فيكون محل (الذي) رفعًا على الابتداء، والحق خبره. وهذا كله معنى قول مجاهد وقتادة (٢). ويجوز أن يكون محل الذي خفضًا، يعني: تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك، ثم ابتدأ: ﴿الْحَقُّ﴾ بمعنى: ذلك الحق.

стр. 7983

كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ﴾ يعني: ذلك الحق (١). وقال ابن عباس: أراد بالكتاب القرآن (٢). فيكون معنى الآية على هذا القول: هذِه آيات الكتاب، يعني: القرآن، ثم قال: وهذا القرآن الذي أنزل إليه من ربك هو الحق. قال الفراء: وإن شئت جعلت الذي خفضًا على نعت الكتاب -وإن كانت فيه الواو-كما تقول في الكلام: أَتَانا هذا الحديثُ عن أبي حفصٍ والفاروقِ، وأنت تريد به عمر بن الخطاب ﵁ (٣). وقال الشاعر: إلى المَلِكِ القَرْم وابْنِ الهُمَامِ ... ولَيْث الكَتيبةِ في المُزْدَحَم (٤) ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال مقاتل: نزلت هذِه الآية

стр. 7984

في مشركي مكة حين قالوا: إن محمدًا يقول القرآن من تلقاء نفسه (١). ثم بين دلائل ربوبيته، وشواهد قدرته، فقال عز من قائل: ٢ - ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾ وهذِه الآية من جملة مائة وثمانين آية أجوبة لسؤال المشركين رسول الله ﷺ إن الرب الذي تعبده ما فعله وصنيعه (٢). ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ يعني: السّواري والدّعائم. واحدها عمود، وهو ما يُعمد به البناء، يقال: عَمُودٌ وعَمَد مثل: أَدِيْم وأَدَم، وعُمُد أيضًا مثل: رَسُول ورُسُل ويجوز أن تكون العُمُد: جمع عِمَاد مثل: إِهَابٌ وأُهُبٌ (٣) قال النابغة: وخَيِّسِ الجِنَّ إنّي قد أَذِنْتُ لَهُمْ ... يَبْنُونَ تَدْمُرَ بَالصُّفَّاحِ والعُمُد (٤)

стр. 7985

واختلفوا في معنى الآية: فنفى قوم (١) العمد أصلًا وقال: رفع السموات بلا عمد، وهو الأصح والأصوب. قال جويبر (٢)، عن الضحاك (٣)، عن ابن عباس (٤): يعني ليس من دونها دَعامَةٌ تدعمها، ولا فوقها عِلاقَة تمسكها (٥). وروى حماد بن سلمة (٦) عن إياس بن معاوية قال: السماء مُقَبَّبَةٌ على الأرض مثل القبة (٧).
следующие страницы →