← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

الأنصاري (١)، أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الله به الجنة. فقال القوم ماله ماله! فقال النبي ﷺ : "تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، ذرها! " قال: كأنه كان على راحلته (٢). [١٥٧٩] وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٣)، أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان (٤)، حدثنا جيعويه (٥)، حدثنا صالح بن محمد (٦)، عن جرير (٧)، عن منصور بن المعتمر (٨)، عن عطاء بن أبي

стр. 8052

مروان (١)، عن أبيه (٢)، عن كعب (٣) قال: والذي فلق البحر لموسى إن في التوراة مكتوبًا: يا بن آدم، اتق ربك، وابرر والديك، وصل رحمك، أمد لك في عمرك وأيسر لك يسرك (٤)، وأصرف عنك عسرك (٥). [١٥٨٠] وبإسناده عن منصور (٦)، عن أبي إسحاق (٧)، عن مغراء

стр. 8053

العبدي (١)، عن عبد الله بن عمر (٢) قال: من اتقى ربه، ووصل رحمه، نُسئ له في عمره وثرى ماله، وأحبه أهله (٣). وروى (٤) صالح (٥) عن (٦) جرير (٧)، عن برد (٨) عن مكحول (٩) قال: قال رسول الله ﷺ : "أعجلُ الخير ثوابًا صلة الرحم، وأسرعُ

стр. 8054

الشَّرِّ عِقَابًا البغي، ويمينُ الصبر تاع الديارَ بلاقِع" (١). ٢٢ - قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله، قاله ابن زيد (٢). وقال ابن عباس: صبروا على أمر الله (٣). وقال عطاء: صبروا على المرازي والمصائب، والحوادث

стр. 8055

والنوائب (١). وقال أبو عمران الجوني: صبروا على دينهم (٢). ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ طلب تعظيم الله سبحانه وتنزيهه أن يعصيه ويخالف أمره. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ يعني: الزكاة (٣). ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ ويدفعون ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾. يقال: درأ الله عني شَرَّك. قال ابن زيد: يعني: لا يكافئون الشر بالشر، ولكن يدفعون الشر بالخير (٤). قال القتيبي: معناه: إذا سفه عليهم حلموا، والسفه: السيئة، والحلم: الحسنة (٥). قال قتادة: ردوا عليهم معروفًا (٦).

стр. 8056

نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (١). قال الحسن: إذا حُرِمُوا أعطوا، وإذا ظُلِمُوا عفوا، وإذا قُطِعوا وصلوا (٢). قال ابن كيسان: يعني إذا أذنبوا تابوا، وإذا هربوا أنابوا؛ ليدفعوا بالتوبة عن أنفسهم مَعَرَّة الذنب (٣). وهذا قول ابن عباس -في رواية الضحاك- عنه. قال: يدفعون بالصالح من العمل السيئ من العمل (٤). ويؤيد هذا الخبر المأثور أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله، أوصني قال: "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، يمحها الله، السِّر بالسِّر، والعلانية بالعلانية" (٥).

стр. 8057

قال عبد الله بن المبارك: هذِه ثمان (١) خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة (٢). قال أبو بكر الوراق: هذِه ثمانية جسور، فمن أراد القربة من الله تعالى والاتصال به عبرها (٣). قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. ثم بين ذلك فقال: ٢٣ - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ قرأه العامة بفتح الياء وضم الخاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم الياء وفتح الخاء (٤). قال عبد الله بن عمرو: إن في الجنة قصرًا يقال له عدن، وحوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة (٥) لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد (٦).

стр. 8058

قوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أهلهم وولدهم أيضًا يدخلونها ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾. ٢٤ - ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فيه إضمار تقديره: ويقولون: سلام عليكم (١) ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. قال مقاتل: يدخلون في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرات معهم الهدايا والتحف، يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ (٢). [١٥٨١] أخبرنا عبد الله بن حامد (٣)، أخبرنا حاجب بن أحمد (٤)، حدثنا عبد الرحيم بن منيب (٥)، حدثنا معاذ بن خالد (٦)، عن صالح (٧)، عن يزيد (٨)، عن أنس بن مالك (٩) أنه تلا هذِه الآية: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ثم قال: إنها خيمة من درٍّ

стр. 8059

مجوّفٍ، طولها في الهواء ستون ميلًا، ليس فيها صَدْعٌ ولا وَصْل، في كل زاوية منها أهل. وقال: لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، يقوم على كل باب سبعون ألفًا من الملائكة، مع كل ملك منهم هدية من الرحمن ليس مع صاحبه مثلها، لا يدخلون إلا بإذنه، بينه وبينهم حجاب (١). وروى ابن المبارك (٢)، عن بقية بن الوليد (٣)، حدثنا أرطاة بن المنذر (٤) قال: سمعت رجلًا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج (٥) يقول: جلست إلى أبي أمامة (٦) فقال: إن المؤمن ليكون متكئًا على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم، وعند

стр. 8060

طرف السماطين باب مبوب، فيقبل الملك يستأذن فيقول للذي يليه: مَلَك يستأذن. ويقول الذي يليه للذي يليه: ملك يستأذن: كذلك حتى يبلغ المؤمن. فيقول ائذنوا. فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا. ويقول للذي يليه ائذنوا. فكذلك حتى يبلغ أقصاهم إلى عند الباب فيفتح له، فيدخل فيسلِّم ثم ينصرف (١). [١٥٨٢] وأنبأني عبد الله بن حامد (٢)، أخبرنا أحمد بن عبد الله (٣)، حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان (٤)، حدثنا مسلم ابن سلام (٥)، حدَّثنا عبد الله بن يزيد المقرئ (٦)، حدَّثنا سعيد بن أبي أيوب (٧)، حدَّثنا معروف بن سويد الجُذَامي (٨)، عن أبي عُشَّانة

стр. 8061

المَعافري (١)، عن عبد الله بن عمرو (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: المهاجرون الذين تُسد بهم الثغور، وتُتَقى بهم المكاره؛ يموت أحدهم وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء". قال: "فتأتيهم الملائكة فيدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" (٣). وروى سهيل بن أبي صالح، عن محمد بن إبراهيم قال: كان النبي ﷺ يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: "السلام عليكم بما

стр. 8062

صبرتم فنعم عقبى الدار" وأبو بكر وعمر وعثمان (١) ﵁ (٢). ٢٥ - قوله ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ يعني النار (٣). وقال سعد بن أبي وقاص: هم الحرورية (٤).

стр. 8063

٢٦ - قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يوسع عليه (١) ﴿وَيَقْدِرُ﴾ ويقتر ويضيق (٢). ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: مشركي مكة (٣) أشروا وبطروا ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ قليل ذاهب، قاله مجاهد (٤). وقال ابن سابط: كزاد الراعي يزوده أهله: الكف من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن (٥). قال الكلبي: كمثل السكرجة والقصعة والقدح والقدر ونحوها

стр. 8064

ينتفع بها ثم تذهب (١). ٢٧ - قوله تعالى ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة عبد الله بن أبي أمية وأصحابه (٢) ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ ويرشد إلى دينه وطاعته من رجع إليه بقلبه (٣). ثم وصفهم فقال: ٢٨ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الذين: في محل النصب (٤) بدلًا من قوله: ﴿مَنْ أَنَابَ﴾. ﴿وَتَطْمَئِنُّ﴾ وتسكن وتستأنس ﴿قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥). قال مقاتل: بالقرآن (٦) ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

стр. 8065

قال ابن عباس: هذا في الحلف، يقول: إذا حلف الرجل المسلم بالله على شيء، سكن قلوب المؤمنين إليه (١). وقال مجاهد: هم أصحاب رسول الله ﷺ (٢). ٢٩ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ابتداء ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ خبره. وقيل: معناه لهم طوبي. وجملة الكلام خبر الابتداء الأول (٣). واختلف العلماء في تفسير ﴿طُوبَى﴾. فقال الوالبي (٤) عن ابن عباس: طوبى لهم: فرح وقرة عين (٥). قال عكرمة: نِعمَّا لهم (٦).

стр. 8066

قال الضحاك: غِبْطَة لهم (١). قال قتادة: حُسنى لهم (٢). قال معمر عنه: هذِه كلمة عربية، يقول الرجل للرجل: طوبى لك، أي: أصبت خيرًا (٣). قال إبراهيم: خير وكرامة لهم (٤). قال شميط بن عجلان: طوبى: دام الخير (٥). قال الفراء: أصله من الطيب، وإنما جاءت الواو لضمة الطاء (٦) وفيه لغتان: تقول العرب طُوْبَاكَ، وطُوْبى لَكَ (٧).

стр. 8067

قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: طوبى اسم الجنة بالحبشية (١). قال سعيد بن مسجوح (٢): اسم الجنة بالهندية (٣). قال ربيع: البستان بلغة الهند. وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أن رجلًا قال له: يا رسول الله، ما طوبى؟ قال: "شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" (٤).

стр. 8068

وروى معاوية بن قُرَّة عن أبيه (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "طُوبى شجرةٌ غرسها اللهُ بيده، ونفخ فيها من روحه، تُنْبِتُ الحليّ والحُلَلَ، وإنّ أغصانها لتُرى من وراء سور (٢) الجنة" (٣) وقال أبو هريرة: طوبى شجرة في الجنة، يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عمّا شاء، فتفتق له عن الخيل بِسُرُوجِها ولجُمِها، وعن الإبل بِأَزمَتِها، وعمّا شاء من الكسوة (٤).

стр. 8069

وقال مغيث بن سُمي: طوبى شجرة في الجنة، لو أنَّ رجلًا ركب حِقَّة أو حَذَعة، ثمَّ دار بها لم تبلغ المكان الذي ارتحل منه حتى يموت هَرَمًا، وما في الجنة أهل منزل إلا غصن من أغصان تلك الشجرة متدلٍ عليهم، فإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلى إليهم فأكلوا منه ما شاءوا، عليها طيرٌ أمثال البخُت (١)، فيجيء الطير فيأكلون منه قديدًا وشواء ثم يطير (٢). قال عبيد بن عمير: هي شجرة في جنة عدن، أصلها في دار النبي ﷺ وفي كل دار وغرفة غصن منها، لم يخلق الله تعالى لونًا ولا زهرة إلا وفيها منها إلا السواد، ولم يخلق الله تعالى فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ينبع من أصلها (٣) عينان: الكافون والسلسبيل (٤). قال مقاتل: كل ورقة منها تظل أُمّةً عليها ملك يسبح الله تعالى

стр. 8070

بأنواع التسبيح (١). وقال أبو سلّام (٢): حدثني عامر بن زيد البكالي (٣) أنه سمع عتبة ابن عبد (٤) السُّلمي (٥) يقول: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، في الجنة فاكهة؟ قال: "نعم، فيها شجرة تُدعى طُوبى، هي تطابق الفردوس". قال: أي شجر أرضنا تشبه. قال: "ليس يشبه شيئًا من شجر أرضك، ولكن أتيت الشام؟ " قال: لا يا رسول الله. قال: "فإنها شجرة تشبه شجرة تُدعى الجَوْز، تَنْبُتُ على ساقٍ واحدٍ، ثم ينتشر أعلاها"، قال: وما عِظَمُ أَصْلِها؟ قال: "لو أرتحلت جَذَعةٌ من إبل أهلك ما أحاطتْ بأصلِها حتى تنكسر تُرْقُوَتاها هرمًا" (٦).

стр. 8071

وقال وهب بن منبه: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها. زَهْرُهَا رِيَاطٌ (١) (٢)، وورَقُها بُرُودٌ (٣) وقُضبَانها عَنْبرٌ، وبَطْحَاؤُها يا قوت، وترابها كافور، وحَمَأَتُها مِسْكٌ، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي (مجلسٌ لأهل) (٤) الجنة فبيناهم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نُجُبًا (٥) مزمومةً بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح من حسنها ووبرها كخز المِرْعِزي (٦) من لينه، عليها رِحَال (٧) ألواحُها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس واستبرق،

стр. 8072

فينيخونها (١) ويقولون: إنَّ ربنا أرسلنا (٢) إليكم، لتزوروه وتسلموا عليه. قال: فيركبونها وهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفَرَاش، نُجْبًا (٣) من غير مهنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه لا يصيب أذن راحلة منها أذن صاحبتها، حتى إن الشجرة لتتنحى من طُرقهم لئلا يُفرق بين الرجل وأخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيُسْفِر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام، وحُقَّ لك الجلال والإكرام. فيقول ﵎ عند ذلك: أنا السلام ومني السلام، وعليكم حَقَّتْ رحمتي ومحبتي، مرحبًا بعبادي الذين خَشَوني بغيب، وأطاعوا أمري. قال: فيقولون: ربنا، إنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدامك. قال: فيقول الله إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته. فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: رب، تنافس أهل الدنيا في

стр. 8073

الدنيا (١)، فتضايقوا فيها، فآتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا. فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني وسألحقك بمنزلتي؛ لأنه ليس عطائي نكرًا ولا تصريدًا (٢). قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم، وما لم يخطر لهم على بال. فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قُبّة من ذهب مُفَرغة (٣)، في كل قُبَّة منها فرش من فرش الجنة، مظاهرة في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا هو فيهما، ولا ريح طيب إلا وقد عبقتا به، ينفذ ضوء وجوههما غِلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما من دون القبَّة، يُرى مخهما من فودتى سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ثم يدخل إليهما فيحييانه، ويقبِّلانه، ويعانقانه، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله

стр. 8074

يخلق مثلك. ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفًا إلى الجنة، حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته (١) التي أعدت له (٢). [١٥٨٣] أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الله (٣)، حدثنا محمد بن عثمان بن الحسن (٤)، حدثنا محمد بن حسين بن صالح (٥) (٦)، حدثنا

стр. 8075

علي بن محمد بن الدهان (١) والحسين (٢) بن إبراهيم الجصاص، قالا: حدثنا الحسين بن الحكم (٣)، حدثنا حسن بن حسين (٤)، حدثنا حبان (٥)، عن الكلبي (٦)، عن أبي صالح (٧)، عن ابن عباس قال: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ قال: شجرة أصلها في دار على في الجنة وفي دار كل مؤمن منها غصن يقال له: طوبى. ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ حسن المرجع (٨). [١٥٨٤] وبه عن أبي صالح (٩) أخبرنا عبد الله بن محمد بن سوار (١٠)،

стр. 8076

حدثنا جندل بن واثق (١) النعامي (٢)، حدثنا إسماعيل بن أمية القرشي (٣)، عن (داود بن) (٤) عبد الجبار، عن جابر (٥)، عن أبي جعفر (٦) قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ فقال: "شجرة في الجنة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة". ثم سئل عنها مرة أخرى فقال: "شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة". فقيل له: يا رسول الله، سألناك عنها فقلت: شجرة في الجنة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة، ثم سألناك مرة أخرى فقلت: شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة! فقال: "إن داري ودار علي غدًا واحدة في مكان واحد" (٧).

стр. 8077

٣٠ - قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ هكذا ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ لتقرأ عليهم القرآن ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قال قتادة (١) ومقاتل (٢) وابن جريج (٣): نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا الصلح، فقال رسول الله ﷺ : "اكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة -يعنون مسيلمة الكذاب- اكتب: باسمك اللهم. وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون. ثم قال رسول الله ﷺ : "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله". فقال مشركوا

стр. 8078

قريش: (لئن كتبت) (١): رسول الله ثم قاتلناك وصددناك لقد ظلمناك، ولكن أكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : دعنا نقاتلهم. قال: "لا، ولكن اكتبوا كلما يريدون". فأنزل الله تعالى هذِه الآية. وروى جويبر (٢)، عن الضحاك (٣)، عن ابن عباس: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي ﷺ : "اسجدوا للرحمن". فقالوا: وما الرحمن. فأنزل الله تعالى هذِه الآية، وقال: ﴿قُل﴾ لهم يا محمد: إنّ الرحمن الذي أنكرتم معرفته ﴿هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ مرجعي (٤). ٣١ - قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ نزلت في نفر من مشركي مكة فيهم أبو جهل بن هشام وعبد الله بن

стр. 8079

أبي أمية المخزومي، جلسوا خلف الكعبة ثم أرسلوا إلى نبي الله ﷺ ، فأتاهم، فقال له عبد الله بن أبي أمية: إن سَرَّك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن فأذهبها عنا حتى تنفسح فإنها أرض ضيقة، واجعل لنا فيها عيونًا وأنهارًا حتى نغرس ونزرع، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود، حيث سخَّر له الجبال تسبح معه، أو سخَّر لنا الريح فنركبها إلى الشام فنقضي عليها ميرتنا (١) وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا، فقد كان سليمان سُخِّرت له الريح، وكما زعمت لنا، فلست بأهون على ربك (من سليمان بن داود، وأَحْي لنا جدك قصيًّا أو من شئت من موتانا، لنسأله أحق ما تقول أم باطل) (٢) وأن عيسى قد كان يحيي الموتى، ولست بأهون على الله منه. فأنزل الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ (٣) فأُذْهِبَتْ عن وجه الأرض ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ أي: (شققت فجعلت أنهار وعيونًا) (٤) ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. واختلفوا في جواب (لو):

стр. 8080

قال قوم: هذا من المتروك المحذوف الجواب أكتفاءً بمعرفة سامعه مراده، وتقدير الآية: لكان هذا القرآن (١). كقول امرئ القيس (٢): فلَو أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ سَوِيَّةً ... ولكِنَّها نَفْسٌ تُقَطَّعُ أَنْفُسا يعني: لهان عليَّ، وهو آخر بيت في القصيدة. وقال آخر (٣): فَأُقُسِمُ لَوْ شَيءٌ أَتَانَا رَسُولُه ... سِوَاكَ ولكن لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا

стр. 8081

أراد: لرددناه. وهذا معنى قول قتادة، قال: لو فعل هذا بقرآن قبل (١) قرآنكم لفعل بقرآنكم (٢). وقال آخرون: جواب (لو) مقدم، وتقدير الكلام، وهم يكفرون بالرحمن ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية. كأنه قال: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن وما آمنوا (٣). ثم قال: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال المفسرون: أفلم يعلم (٤). قال الكلبي: هي لغة النخع (٥).

стр. 8082

وقال القاسم بن معن: هي لغة هوازن (١). وقال سُحَيم بن وُثَيل الرِّياحي (٢). أَقُولُ لهُمْ بالشِّعْبِ إِذْ يَيْسِرُونَنِي ... أَلَمْ يَيَأَسُوا أَنِّي ابن فَارِس زَهْدَمِ أراد: ألم تعلموا. وقوله ييسرونني أي: يقتسمونني من الميسر، كما تقسم الجزور. ويروى يأسرونني من الأسر (٣).

стр. 8083

وقال الآخر: أَلَمْ يَيْأَسِ الأقْوَامُ أَنِّي أَنَا ابنهُ ... وإنْ كُنْتُ عَنْ أَرْضِ العَشِيرَةِ نَائِيًا (١) ودليل هذا التأويل: قراءة ابن عباس (أفلم يتبين) وقال: كتب الكاتب الآخر وهو ناعسٌ (٢).

стр. 8084

وأما الفراء فكان ينكر ذلك، ويزعم أنه لم يسمع أحدًا من العرب يقول: يئست بمعنى: علمت. ويقول: هو المعنى -وإن لم يكن مسموعًا يئست بمعنى: عَلِمْت- بمعنى يتوجه إلى ذلك (١)، وذلك أن الله تعالى قد أوقع إلى المؤمنين أن لو شاء لهدى الناس جميعًا، فقال: ألم ييأسوا علمًا، يقول: يؤيسهم العلم، فكان فيه العلم مضمرًا كما تقول في الكلام: يئست منك. أن لا تفلح علمًا، كأنه قيل: علمته علمًا. وقال الشاعر: حَتّى إِذا يَئسَ الرُّماةُ وَأَرْسَلُوا ... غُضْفًا دواجِنَ قَافِلًا أَعْصَامُهَا (٢)

стр. 8085

يعني: حتى إذا يئسوا من كل شيء مما يمكن إلا الذي ظهر لهم أرسلوا، فهو في معنى: حتى إذا علموا أن ليس وجه إلا الذي رأوا وانتهى علمهم فكان ما سواه يائسًا (١). ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ من كفرهم وأعمالهم الخبيثة ﴿قَارِعَةٌ﴾ داهية ومصيبة شديدة تقرعهم من أنواع البلاء والعذاب أحيانًا بالحرب، وأحيانًا بالجدب، وأحيانًا بالسلب، وأحيانًا بالقتل، وأحيانًا بالأسر (٢). وقال ابن عباس: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله ﷺ يبعثهم إليهم (٣). ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ تنزل أنت يا محمد بنفسك (٤) ﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ وقال

стр. 8086

قتادة: هي تاء التأنيث، يعني: أو تحل القارعة قريبًا من دارهم (١) ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ الفتح والنصر وظهور رسول الله ودينه (٢). وقيل: يعني القيامة (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.

стр. 8087

٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أمهلتهم وأَطَلْتُ لهم، ومنه: المَلاوَة، والمَلوَان (١) ويقال: تَمَلَّيْتُ حِيْنًا (٢) (٣). ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقبتهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾. ٣٣ - ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: حافظها، ورازقها، وعالم بها، ومجازيها بما عملت (٤)، وجوابه محذوف تقديره: كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه (٥)، نظيره قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ (٦) يعني: كمن ليس بقانت. ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ بينوا أسماءهم (٧). ثم قال ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾

стр. 8088

يعني: يخبرون (١) الله ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه لا يعلم لنفسه شريكًا ولا في الأرض إلهًا غيره ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ هو مسموع وهو في الحقيقة باطل، لا أصل له، ولا حاصل. [١٥٨٥] وكان أستاذنا أبو القاسم الحبيبي ﵀ يقول: معنى الآية عندي: قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه. أم بظاهر يعلمه فإن قالوا: بباطن لا يعلمه أحالوا، وإن قالوا: بظاهر يعلمه. قل لهم: سموهم! بينوا من هم فإن الله لا يعلم لنفسه شريكًا (٢). ثم قال: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ كيدهم. قال مجاهد (٣): قولهم، يعني: شركهم وكفرهم وكذبهم على الله .

стр. 8089

﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ وصرفوا عن الطريق المستقيم (١). وقرأ أهل الكوفة (٢) بضم الصاد (٣). وفي المؤمن: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (٤). واختاره أبو عبيد (٥) قال: لأنه قراءة أهل السنة. وفيه إثبات القدر. وقرأ الباقون بالفتح واختاره أبو حاتم (٦)، أعتبارًا بقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٧)، وقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٨)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٩).

стр. 8090

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بخذلانه إياه ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ موفق. ٣٤ - ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالقتل والأسر ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أشد ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ مانع يمنعهم من العذاب. ٣٥ - قوله تعالى ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ دخولها، اختلفوا في الرافع للمثل. فقال الفراء: هو ابتداء وخبره في قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (١). وقيل: معنى المثل: الصفة (٢)، كقوله : ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٣) أي: الصفة العليا. وقوله ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ (٤) ومجاز الآية (٥): صفة الجنة التي وعد المتقون أن الأنهار تجري من تحتها (وكذا وقيل: مثل صلة، والمجاز الجنة التي وعد
следующие страницы →