стр. 8086
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.
стр. 8087
٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أمهلتهم وأَطَلْتُ لهم، ومنه: المَلاوَة، والمَلوَان (١) ويقال: تَمَلَّيْتُ حِيْنًا (٢) (٣). ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقبتهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.
٣٣ - ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾
أي: حافظها، ورازقها، وعالم بها، ومجازيها بما عملت (٤)، وجوابه محذوف تقديره: كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه (٥)، نظيره قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ (٦) يعني: كمن ليس بقانت.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ بينوا أسماءهم (٧). ثم قال ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾
стр. 8088
يعني: يخبرون (١) الله ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه لا يعلم لنفسه شريكًا ولا في الأرض إلهًا غيره ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ هو مسموع وهو في الحقيقة باطل، لا أصل له، ولا حاصل.
[١٥٨٥] وكان أستاذنا أبو القاسم الحبيبي ﵀ يقول: معنى الآية عندي: قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه. أم بظاهر يعلمه فإن قالوا: بباطن لا يعلمه أحالوا، وإن قالوا: بظاهر يعلمه. قل لهم: سموهم! بينوا من هم فإن الله لا يعلم لنفسه شريكًا (٢).
ثم قال: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ كيدهم.
قال مجاهد (٣): قولهم، يعني: شركهم وكفرهم وكذبهم على الله .
стр. 8089
﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ وصرفوا عن الطريق المستقيم (١).
وقرأ أهل الكوفة (٢) بضم الصاد (٣). وفي المؤمن: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (٤). واختاره أبو عبيد (٥) قال: لأنه قراءة أهل السنة. وفيه إثبات القدر.
وقرأ الباقون بالفتح واختاره أبو حاتم (٦)، أعتبارًا بقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٧)، وقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٨)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٩).
стр. 8090
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بخذلانه إياه ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ موفق.
٣٤ - ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
بالقتل والأسر ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أشد ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ مانع يمنعهم من العذاب.
٣٥ - قوله تعالى ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾
دخولها، اختلفوا في الرافع للمثل.
فقال الفراء: هو ابتداء وخبره في قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (١).
وقيل: معنى المثل: الصفة (٢)، كقوله : ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٣) أي: الصفة العليا. وقوله ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ (٤) ومجاز الآية (٥): صفة الجنة التي وعد المتقون أن الأنهار تجري من تحتها (وكذا وقيل: مثل صلة، والمجاز الجنة التي وعد
стр. 8091
المتقون تجري من تحتها الأنهار) (١).
والعرب تفعل هذا كثيرًا بالمِثْل والمَثَل كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢) أي ليس كهو.
وقيل: معناه للذين استجابوا لربهم الحسنى مثل الجنة بدل منها (٣).
وقال مقاتل: معناه شبه الجنة التي وعد المتقون في الخير والنعمة والخلود والبقاء كشبه النار في العذاب والشدة والخلود (٤).
قوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ لا ينقطع ولا يفنى (٥) ﴿وَظَلُهَا﴾ ظليل لا يزول (٦).
وهذا رد على الجهمية (٧) حيث قالوا: إن نعيم الجنة يفنى.
стр. 8092
﴿تِلْكَ عُقْبَى﴾ عاقبة ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الجنة ﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾.
٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾
يعني: القرآن، هم أصحاب محمد ﷺ ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ يعني: الكفار الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ وهم اليهود والنصارى ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وهذا قول مجاهد (١) وقتادة (٢).
وقال سائر العلماء (٣): كان ذكر الرحمن في القرآن قليلًا في بدء ما نزل، فلمّا أسلم عبد الله بن سلّام وأصحابه سَاءَهُمْ قلة ذكر الرحمن في القرآن؛ لأن ذكر الرحمن في التوراة كثير، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٤) الآية. فقالت قريش حين نزلت هذِه الآية: مَا بَالُ محمد كان يدعو إلى إله واحد فهو اليوم يدعو إلى إلهين الله والرحمن، ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. يعنون: مسيلمة الكذاب. فأنزل الله تعالى:
стр. 8093
﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ (١)، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ (٢).
وفرح مؤمنو أهل الكتاب بذكر الرحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من ذكر الرحمن.
﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ يعني: مشركي قريش ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ مرجعي.
٣٧ - قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا﴾
يقول: وكما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد فأنكره الأحزاب، كذلك أيضًا أنزلنا الحكم والدين ﴿عَرَبِيًّا﴾ وإنما وصفه بذلك لأنه أُنزل على محمد ﷺ -وهو عربي- فنسب الدين إليه إذ كان منزلًا عليه فَكذَّب الأحزاب بهذا الحكم أيضًا (٣).
وقال قوم: نظم الآية: وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم كذلك أنزلنا عليك القرآن ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ (٤).
ثم توعده على اتباع هوى الأحزاب إن فعله فقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ
стр. 8094
أَهْوَاءَهُمْ﴾ قيل: في شأن الملة (١). وقيل: في أمر القبلة (٢).
﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾.
٣٨ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾
فجعلناهم بشرًا مثلك ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ لهم أزواج نكحوهنّ وأولاد نسلوهم (٣)، ولم نجعلهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون؛ فنجعل الرسول إلى قومك ملائكة! ولكن أرسلنا إلى قومك بشرًا مثلهم كما أرسلنا إلى من قبلهم من الأمم بشرًا مثلهم (٤).
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهذا جواب عبد الله بن أبي أمية.
ثم قال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ يقول لكل أمر قضاه الله تعالى كتاب قد كتبه فهو عنده (٥).
стр. 8095
وقال الضحاك: معناه لكل كتاب ينزل من السماء أجل ووقت ينزل فيه، وهذا من المقلوب (١).
٣٩ - ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾
قرأ حميد وابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بالتخفيف (٢).
وقرأ الباقون بالتثقيل واختاره أبو عبيدة (٣)، لكثرة من قرأ بها، ولقوله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤). واختلف المفسرون في معنى الآية.
[١٥٨٦] فأخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم ابن عبدويه (٥)
стр. 8096
-قراءة عليه في رجب سنة أربع وثمانين وثلاثمائة- حدثنا أبو بكر محمد ابن حمدون بن خالد بن يزيد (١)، حدثنا عمر بن نوفل بن خلاد (٢) بحران، حدثنا محمد بن حميد (٣)، حدثنا محمد بن جابر (٤)، عن محمد بن أبي ليلى (٥)، عن نافع (٦)، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والموت" (٧).
стр. 8097
وعن ابن عباس قال: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا ستًا الخَلْق والخُلق، والرزق والأجل، والسعادة والشقاء (١).
قال عكرمة عنه: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء (٢).
قال أبو صالح (٣) والضحاك (٤): يمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب.
стр. 8098
وروى عفان (١)، عن همام (٢)، عن الكلبي (٣): ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ قال: يمحو الله من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد (٤) فيه.
قلت: من حدثك؟ قال: أبو صالح (٥) عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري (٦)، عن النبي ﷺ . فقدم الكلبي بعد فسُئل عن هذِه الآية فقال: يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت شربت دخلت خرجت ونحوها من الكلام وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب (٧).
وقال بعضهم: يمحو الله ما يشاء ويثبت كل ما شاءمن غير استثناء
стр. 8099
كما حكى الكلبي عن باذان عن جابر عن النبي ﷺ (١).
وروى أبو عثمان النهدي: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت على الذنب والشقوة فامحني واكتبني في أهل السعادة والمغفرة؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب (٢).
وروى عبد الله بن عُكيم (٣) وأبو قِلابة عن ابن مسعود أنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم، وإن كنت
стр. 8100
كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء وأثبتني في السعداء؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب (١).
وروى الأعمش عن أبي وائل أنه كان يكثر أن يدعو بهذِه الدعوات: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب (٢).
وروى حماد (٣)، عن أبي حمزة (٤)، عن إبراهيم (٥): أن كعبًا (٦) قال لعمر: يا أمير المؤمنين لولا آيةُ في كتاب الله لأنبأتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وما هو؟ قال: قول الله تعالى: ﴿يَمْحُواْ
стр. 8101
اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (١).
وروى عطية، عن ابن عباس في هذِه الآية قال: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود يعمل بمعصية الله؛ فيموت على ضلالة، فهو الذي يَمْحُو، والذي يُثْبِت الرجل يعمل بطاعة الله وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله وهو الذي يثبت (٢).
وقال علي بن أبي طالب ﵁: يمحو الله ما يشاء من القرون، ويُثْبِتُ ما يشاء منها كقوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ (٣) وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١)﴾ (٤) (٥).
قال سعيد بن جبير (٦) وقتادة (٧): يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله، ويُثْبِتُ ما يشاء فلا ينسخه.
стр. 8102
قال الحسن: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ يعني: أن آجال بني آدم في كتاب ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من جاء آجله فيذهب به ﴿وَيُثْبِتُ﴾ من لم يجئ أجله إلى أجله (١).
قال مجاهد: قالت قريش حين أنزل ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر. فأنزلت هذِه الآية؛ تخويفًا ووعيدًا لهم، إنا إن شئنا أحدثنا من أمرنا له ما شئنا، ونحدث في كل رمضان في ليلة القدر، فيمحو ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم، وما يعطيهم ويقسم لهم (٢).
قال محمد بن كعب القرظي: إذا ولد الإنسان أُثبت أجله ورزقه وإذا مات مُحي أجله ورزقه (٣).
وروي عن سعيد بن جبير أيضًا: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من ذنوب عباده فيغفرها، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء تركها ولا يغفرها (٤).
قال عكرمة: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: بالتوبة جميع الذنوب
стр. 8103
﴿وَيُثْبِتُ﴾ بدل الذنوب حسنات (١). بيانه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٢).
وروي عن الحسن أيضًا: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: الآباء ﴿وَيُثْبِتُ﴾ الأبناء (٣).
قال السدي: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: القمر ﴿وَيُثْبِتُ﴾ يعني: الشمس (٤). بيانه قوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (٥).
قال الربيع: هذا في الأرواح في حال النوم يقبضها عند النوم فمن أراد موته محاه وأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه (٦). بيانه ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٧).
وقيل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ الدنيا ﴿وَيُثْبِتُ﴾ الآخرة.
стр. 8104
وروى محمد بن كعب القرظي (١)، عن فضالة بن عُبَيْد (٢)، عن أبي الدرداء (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يفتح الذِّكر في ثلاث ساعات بقين من الليل، فينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" (٤).
وروى ابن جريج (٥)، عن عطاء (٦)، عن ابن عباس قال: إن لله تعالى لوحًا محفوظًا مسيرة خمسمائة عام، من دُرةٍ بيضاء لها دَفتان من ياقوت، لله فيه كل يوم ثلاثمائة وستون لَحْظَةٌ يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (٧).
стр. 8105
(وقال قيس بن عباد: العاشر من رجب هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب) (١) يعني: اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير (٢).
وقال قتادة (٣) والضحاك (٤): جملة الكتاب وأصله فيه ما يمحو ويثبت.
وسأل ابن عباس كعبًا عن: أم الكتاب؟ فقال: عَلِمَ اللهُ ما هو خالقٌ وما خَلْقُه عاملون، فقال لعلمه: كن كتابًا. فكان كتابًا (٥).
стр. 8106
٤٠ - ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾
من العذاب (١) ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نريك ذلك ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ ليس عليك إلا ذلك ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ والجزاء.
٤١ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾
يعني: أهل مكة الذين يسألون محمدًا الآيات ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ فنفتحها لمحمد ﷺ أرضًا بعد أرض حوالي أرضهم، أفلا يخافون أن نفتح له أرضهم كما فتحنا له غيرها (٢).
وبنحو ذلك قال أهل التأويل:
[١٥٨٧] أخبرنا الحسن (٣) بن محمد بن جعفر، حدثنا أبي (٤)، حدثنا ابن شنبوذ (٥)، حدثنا سعيد بن محمد (٦)، حدثنا المسهل (٧) بن واضح، عن صالح بن عمرو (٨)،
стр. 8107
عن عمرو بن عبيد (١)، عن الحسن (٢) قال: هو ظهور المسلمين على المشركين (٣).
[١٥٨٨] وحدثني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب (٤) بقراءته عليَّ، حدثنا أبو زكريا العنبري (٥) حدثنا إبراهيم بن محمد بن يزيد المروزي (٦)، حدثنا يوسف بن عيسى (٧) حدثنا وكيع (٨) عن سلمة (٩) ابن نبيط، عن الضحاك (١٠) قال: يعني ما يغلب عليه محمد ﷺ من أرض العدو (١١).
стр. 8108
стр. 8109
[١٥٩٠] وحدثني الحسن بن محمد (١)، حدثنا أبو القاسم عبيد الله (٢) بن المأمون، حدثان عمّار بن عبد المجيد أبو ياسر (٣)، حدثنا أحمد بن عبد الله (٤)، حدثنا إسحاق بن إبراهيم التغلبي (٥)، عن مقاتل بن سليمان (٦) قال: الأرض مكة، وننقصها من أطرافها غلبة النبي ﷺ والمؤمنون عليها، وانتقاصهم وازدياد المسلمين، فكيف لا يعتبرون (٧).
وقال قوم معناه: أولم يروا أنا نأتي الأرض فنخربها، أفلا يخافون أن نفعل بهم وبأرضهم مثل ذلك فنهلكهم ونخرب أرضهم.
[١٥٩١] حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد المفسر (٨) ﵀ لفظًا، حدثنا أبو القاسم منصور بن العباس (٩)، حدثنا حاتم بن
стр. 8110
محبوب (١)، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي (٢)، حدثنا سفيان ابن عيينة (٣)، عن ابن أبي نجيح (٤)، عن مجاهد (٥) قال: خراب الأرض نقبض (٦) أهلها (٧).
[١٥٩٢] وحدثنا الحسن بن محمد (٨)، حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الطوسي (٩)، حدثنا أبو العباس أحمد بن الخضر الصيرفي (١٠)، حدثنا سليمان بن معبد (١١)، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق (١٢)، عن
стр. 8111
الحسين بن واقد (١)، عن يزيد النحوي (٢)، عن عكرمة (٣) قال: يعني قبض الناس، وقال: لو نقصت الأرض لصارت مثل هذِه، وعقد تسعين (٤).
[١٥٩٣] وحدثنا الحسن (٥)، حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الصديق (٦)، حدثنا أبو رجاء محمد بن حمدويه (٧)، حدثنا أحمد بن جميل (٨)، حدثنا إسحاق بن بشر (٩)، عن عثمان بن الساج (١٠)، عن
стр. 8112
стр. 8113
قال: قبض الأنفس والثمرات (١).
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نقصان أهلها وبركتها (٢).
[١٥٩٥] وحدثنا أبو القاسم الحبيبي (٣)، حدثنا أبو زكريا العنبري (٤)، حدثنا البُوشَنْجِي (٥)، حدثنا ابن بكير (٦)، عن ابن
لهيعة (٧)، عن عثمان بن عطاء (٨)، عن أبيه (٩) قال:
[١٥٩٦] وحدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن نجيد (١٠)
стр. 8114
ابن (١) عبد الكريم (٢)، حدثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي (٣) ببخارى أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد (٤)، أخبرنا محمد بن شعيب ابن شابور (٥)، أخبرني عثمان بن عطاء (٦)، عن أبيه (٧) في هذِه الآية قال: ذهاب علمائها وفقهائها (٨).
[١٥٩٧] أخبرني أبو علي زاهر بن أحمد الفقيه السرخسي بها ﵀ (٩)، حدثنا أبو لبيد محمد بن إدريس السَّامي (١٠)، حدثنا
стр. 8115
سُوَيد بن سعيد الحَدَثَاني (١)، حدثنا أبو الأحوص (٢)، عن محمد بن عبيد الله (٣)، عن عبد الملك بن عمير (٤)، عن رجاء بن حيوة (٥)، عن أبي الدرداء (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا العلم قبل أن يذهب" قلنا: وكيف يذهب العلم والقرآن بين أظهرنا قد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا نقرأه ونقرئه أبناءنا؟ ! فغضب ثم قال: "وهل ضلَّت اليهود والنصارى إلا والتوراة بين أظهرهم. ذهاب العلم ذهاب العلماء" (٧).
стр. 8116
[١٥٩٨] وحدثنا الأستاذ أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب (١) ﵀ لفظًا في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة في آخرين، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف (٢)، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (٣)، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض (٤) عن هشام بن عروة (٥)، عن أبيه (٦)، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص (٧) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من النَّاس، ولكن يَقْبِضُ العِلْمَ بَقْبْضِ
стр. 8117
العلماء، حتى إذا لم يبق عالمٌ اتخذ النّاس رؤساءً جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (١).
[١٥٩٩] وحدثنا أبو القاسم (٢)، أخبرنا محمد بن أحمد بن سعيد (٣)، حدثنا العباس بن حمزة (٤)، حدثنا هناد بن السَّري (٥)، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان (٦)، عن عبد الله بن عبد الرحمن (٧)، عن سالم بن أبي الجعد (٨)، عن أبي الدرداء (٩) أنه قال: يا أهل حمص مالي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون، وأراكم قد أقبلتم على ما تُكُفِّل لكم، وَضَيَّعْتُم ما وُكْلتُمْ
стр. 8118
стр. 8119
عن جويبر (١)، عن الضحاك (٢) قال: قال على ﵁: إنما مثل الفقهاء كمثل الأَكُف، إذا قُطِعَتْ كَفُّ لم تَعُد (٣).
[١٦٠١] وأخبرنا أبو القاسم (٤)، حدثنا أبي (٥)، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد الرازي الزعفراني (٦)، حدثنا عمر بن مدرك البلخي أبو حفص (٧)، حدثنا مكي بن إبراهيم (٨)، حدثنا هشام بن حسان (٩)، عن الحسن (١٠) قال: قال عبد الله بن مسعود (١١): موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما أختلف الليل والنهار.
стр. 8120
стр. 8121
قال: هلاك علمائهم (١).
ونظير هذِه الآية في سورة الأنبياء ﵈.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا راد لقضائه، والمعقب في كلام العرب: الذي يَكِرُّ على الشيء ويتتبعه (٢)، ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
٤٢ - ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
يعني: من قبل مشركي مكة (٣) ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ يعني: له أسباب المكر وبيده الخير والشر، وإليه النفع والضر، فلا يضر مكر أحدٍ أحدًا إلا من أراد الله ضُرَّه (٤).
стр. 8122
وقيل معناه: له جزاء المكر (١).
﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾ قرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير: (الكافر) على الواحد. وقرأ الباقون على الجمع (٢). ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ عاقبة الآخرة (٣) حين يدخلون النار، ويدخل المؤمنون الجنة.
٤٣ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
شاهدًا ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أني رسوله إليكم ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ أيضًا يشهدون على ذلك وهم مؤمنوا أهل الكتاب (٤).
وقرأ الحسن وسعيد بن جبير (ومِن عندِه) بكسر الميم والدال (عُلِمَ الكتاب) على الفعل (٥) المجهول (٦).
стр. 8123
وروى أبو عوانة (١)، عن أبي بشر (٢) قال: قلت لسعيد بن جبير (٣) ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ أهو عبد الله بن سلّام؟ قال: وكيف يكون عبد الله بن سلّام وهذِه السورة مكيّة. وكان سعيد بن جبير يقرأها (ومِن عندِه عُلِمَ الكتاب) (٤).
ودليل هذِه القراءة قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (٥) وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ (٦).
[١٦٠٣] وأخبرنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن بامويه (٧)، أخبرنا أبو رجاء محمد بن حامد بن محمد المقرئ بمكة (٨)، حدثنا محمد بن
стр. 8124
стр. 8125
عن نافع (١)، عن ابن عمر قال: قال عمر وذكر إسلامه، فذكر أنه حيث جاء في الدار ليسلم سمع النبي ﷺ يقرأ ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ بكسر من، وسمعه في الركعة الثانية يقرأ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢) (٣).
[١٦٠٥] وأخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد القايني (٤)، حدثنا القاضي أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي (٥) ببغداد، حدثنا أبو بكر السبيعي (٦) بحلب (٧)، حدثني الحسين بن إبراهيم بن الحسين