← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

قال: هلاك علمائهم (١). ونظير هذِه الآية في سورة الأنبياء ﵈. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا راد لقضائه، والمعقب في كلام العرب: الذي يَكِرُّ على الشيء ويتتبعه (٢)، ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ٤٢ - ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: من قبل مشركي مكة (٣) ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ يعني: له أسباب المكر وبيده الخير والشر، وإليه النفع والضر، فلا يضر مكر أحدٍ أحدًا إلا من أراد الله ضُرَّه (٤).

стр. 8122

وقيل معناه: له جزاء المكر (١). ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾ قرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير: (الكافر) على الواحد. وقرأ الباقون على الجمع (٢). ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ عاقبة الآخرة (٣) حين يدخلون النار، ويدخل المؤمنون الجنة. ٤٣ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ شاهدًا ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أني رسوله إليكم ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ أيضًا يشهدون على ذلك وهم مؤمنوا أهل الكتاب (٤). وقرأ الحسن وسعيد بن جبير (ومِن عندِه) بكسر الميم والدال (عُلِمَ الكتاب) على الفعل (٥) المجهول (٦).

стр. 8123

وروى أبو عوانة (١)، عن أبي بشر (٢) قال: قلت لسعيد بن جبير (٣) ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ أهو عبد الله بن سلّام؟ قال: وكيف يكون عبد الله بن سلّام وهذِه السورة مكيّة. وكان سعيد بن جبير يقرأها (ومِن عندِه عُلِمَ الكتاب) (٤). ودليل هذِه القراءة قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (٥) وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ (٦). [١٦٠٣] وأخبرنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن بامويه (٧)، أخبرنا أبو رجاء محمد بن حامد بن محمد المقرئ بمكة (٨)، حدثنا محمد بن

стр. 8124

الجهم السُّمَّري (١)، حدثنا عبد الله بن عمر (٢)، أخبرنا سليمان بن أرقم (٣)، عن الزهري (٤)، عن سالم بن عبد الله بن عمر (٥)، عن أبيه (٦)، عن النبي ﷺ قرأها (ومِن عندِه عُلمِ الكتاب) (٧). [١٦٠٤] وبه عن السُّمَّري (٨)، حدثنا أبو توبة (٩)، عن الكسائي (١٠)، عن سليمان (١١)، عن الزهري (١٢)،

стр. 8125

عن نافع (١)، عن ابن عمر قال: قال عمر وذكر إسلامه، فذكر أنه حيث جاء في الدار ليسلم سمع النبي ﷺ يقرأ ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ بكسر من، وسمعه في الركعة الثانية يقرأ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢) (٣). [١٦٠٥] وأخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد القايني (٤)، حدثنا القاضي أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي (٥) ببغداد، حدثنا أبو بكر السبيعي (٦) بحلب (٧)، حدثني الحسين بن إبراهيم بن الحسين

стр. 8126

الجصاص (١)، أخبرنا حسين بن حكم (٢)، حدثنا سعيد بن عثمان (٣)، عن أبي مريم (٤)، حدثني عبد الله بن عطاء (٥) قال: كنت جالساً مع أبي جعفر (٦) في المسجد فرأيت ابن عبد الله بن سلام جالساً في ناحية، قلت لأبي جعفر: زعموا أنّ الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلّام. فقال: إنما ذلك علي بن أبي طالب ﵁ (٧). وبه عن السبيعي (٨)، حدثنا عبد الله بن محمد بن منصور بن الجنيد الرازي (٩)، حدثنا محمد بن الحسين بن إشْكاب (١٠)، حدثنا أحمد بن

стр. 8127

مفضل (١)، حدثنا جندل بن علي، عن إسماعيل بن سمعان (٢)، عن أبي عمر زاذان (٣)، عن ابن الحنفية (٤): ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ قال: هو علي بن أبي طالب ﵁ (٥). * * *

стр. 8128

١٤ - سُورَة إِبْرَاهِيم

стр. 8129

سورة إبراهيم ﵇ مكية (١)

стр. 8130

وهي ثلاثة آلاف وأربعمائة وثلاثون حرفاً وثمان مائة وإحدى وثلاثون كلمة واثنان وخمسون آية (في الكوفي وإحدى وخمسون في البصري وأربع في المدنيين) (١). [١٦٠٧] أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الحسين الخبازي (٢) -غير مرة- قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم (٣)

стр. 8131

وأبو الشيخ (١) عبد الله بن محمد (٢)، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك (٣)، قال: حدثنا أحمد بن يونس اليربوعي (٤)، قال: حدثنا سلام ابن سليم المدائني (٥)، قال: حدثنا هارون بن كثير (٦)، عن زيد بن أسلم (٧)، عن أبيه (٨)، عن أبي أمامه (٩)، عن أُبي بن كعب ﵁ (١٠) قال، قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة إبراهيم ﵇ أعطي من الأجر حسنات بعدد من عبد الأصنام وعدد من لم يعبدها" (١١).

стр. 8132

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - قوله : ﴿الر﴾ ابتداء ﴿كِتَابٌ﴾ خبره وإن شئت قلت: هذا كتاب ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يا محمد، يعني القرآن ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ لتدعوهم (﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ ظلمات الضلالة والجهالة ﴿إِلَى النُّورِ﴾ نور الإيمان والعلم) (١) ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بتوفيقه إيّاهم ولطفه بهم ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. ٢ - (قوله ) (٢) ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قرأ أهل المدينة، وقرأ أهل الشام: (الله) برفع الهاء على الاستئناف وخبره فيما بعده وقرأ الآخرون بالخفض، نعتاً لـ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وقال أبو عمر: الخفض على التقديم والتأخير مجازه: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ كقول القائل: مررت بالظريف عبد الله.

стр. 8133

كقول (١) الشاعر: لو كنت ذا نبل وذا شزيب (٢) ... ما خفت شدّات الخبيث الذيب (٣) وكان يعقوب (بن إسحاق) (٤) الحضرمي إذا وقف على الحميد رفع قوله "الله" وإذا وصل خفض. ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. ٣ - قوله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾

стр. 8134

يختارون ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ويصرفون يمنعون الناس عن دين الله ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ ويطلبونها زيغاً وميلاً والعوج بكسر العين: في الدين والأمر والأرض وكل ما لم يكن قائماً والعوج (بفتح العين) (١) في كل ما كان قائماً كالحائط والرمح ونحوهما ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. ٤ - قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ بلغتهم ليفهموا عند (٢) بيانه قوله ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ٥ - (قوله ) (٣): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ بالدعوة ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس وأُبي بن كعب ومجاهد وقتادة: بنعم الله وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة، وإنما أراد بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة فاكتفي (٤) بذكر الأيام عنه لأنها كانت معلومة عندهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ قال أهل المعاني: أراد لكل

стр. 8135

مؤمن، فإن (١) الشكر والصبر من خصال المؤمنين وأفعالهم. ٦ - قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ قال الفراء: العلة الجالبة لهذِه الواو أن الله تعالى أخبرهم أن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من (٢) العذاب غير التذبيح وبالتذبيح، وأمّا طرح الواو في قوله ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ (٣) و ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ (٤) فإنه أراد تفسير صفات العذاب الذي كانوا يسومونهم. قوله : ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ يتركونهن أحياء فيقتلونهن، ومنه قول النبي ﷺ : "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" (٥) أي

стр. 8136

دعوا أبناءهم أحياء ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. ٧ - قوله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أي: أعلم، وقال (١) دليله قراءة (٢) عبد الله (بن مسعود ﵁ (٣). قوله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ يقال آذان وتأذن بمعنى واحد مثل أوعد وتوعد ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ نعمتي فآمنتم، أطعتم ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ في النعمة قال ابن عيينة: الشكر بقاء النعمة وثمن الزيادة ومرضات الرب (٤) وقيل: الشكر (قيد الموجود وصيد المفقود) (٥) ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ نعمتي فجحدتموها ولم تشكروها ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. ٨ - قوله : ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عن خلقه (حميد) محمود في أفعاله لأنه فيها (عادل متفضل) (٦). ٩ - قوله : ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ يعني من كان بعد قوم عاد وثمود.

стр. 8137

وكان (١) ابن مسعود يقرؤها: (وعادًا وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله) ثم يقول: كذب النسابون (٢). ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ قال ابن مسعود ﵁: عضّوا على أيديهم غيظا (٣)، ومثله قال ابن زيد وقرأ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (٤). وقال ابن عباس ﵄: لما سمعوا كتاب الله تعالى عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم (٥) وقال مجاهد وقتادة: كذبوا

стр. 8138

الرسل وردوا ما جاءوا به (١). وقال الأخفش وأبو عبيدة: أي تركوا ما أمروا به وكفوا عنه ولم يمضوه ولم يؤمنوا به، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب فلم يجب (٢) وسكت: قد رد يده في فيه، قال القتيبي: إنّا لم نسمع أحداً من العرب يقول قد (٣) رد يده في فيه إذا ترك ما أمر به، وإنما المعنى: أنّهم عضوا على الأيدي خنقاً وغيظا، كقول الشاعر: يردون في (٤) فيه عشر الحسود يعني أنهم يغيظون الحسود حتى بعض على أصابعه العشرة. وقال آخر: قد أمتي أنامله أزمة ... فأضحى يعض عليّ الوظيفا وقال الكلبي: يعني أن (٥) الأمم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم، أي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشمارة إلى الرسل أن اسكتوا، وقال مقاتل (٦): فردوا أيديهم في أفواه الرسل يسكتوهم بذلك.

стр. 8139

﴿وَقَالُوا﴾ يعني الأمم للرسل (١) ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ موجب للريبة موقع للتهمة (٢). ١٠ - قوله : ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ من صلة ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الموت فلا يعاجلكم بالموت والهلاك ﴿قَالُوا﴾ للرسل ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ (ما أنتم) (٣) ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ في الصورة والهيئة، ولستم ملائكة وإنما ﴿تُرِيدُونَ﴾ بقولكم هذا ﴿أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجة بينة على صحة (٤) دعواكم (٥) والسلطان في القرآن على وجهين: مملكة (٦) وحجة، فالمملكة قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ , ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (٧)، والحدة قوله: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ (٨) وقوله: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ﴾ (حجة بينة على صحة دعواكم) (٩).

стр. 8140

١١ - قوله : ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بالنبوة والحكمة ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ١٢ - ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ بين لنا الرشد وبصّرنا طريق النجاة ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ﴾ لام القسم مجازه: والله لنصبرنّ ﴿عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. ١٣ - قوله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ يعنون: إلا أن ترجعوا وحتى ترجعوا إلى دينينا ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾. ١٤ - ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد هلاكهم ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي: مقامه وقيامه بين يديَّ، فأضاف قيام العبد إلى نفسه، كما تقول: ندمت على ضربك، أي: ضربي إياك، وسررت برؤيتك، أي: برؤيتي إليك (١) وقال الله تعالى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ (٢) أي: رزقي إياكم، وإن شئت قلت: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾

стр. 8141

أي (١): قيامي عليه وحفظي أسبابه، بيانه قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (٢)، وقال الأخفش ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ أي: عذابي ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي (٣): القرآن. ١٥ - قوله : ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ استقضوا واستنصروا. قال ابن عباس ﵁ ومقاتل (٤): يعني: الأمم وذلك أنهم قالوا: إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا، نظيره: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٥)، ﴿قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ (٦). وقال مجاهد وقتادة (٧): يعني الرسل، وذلك أنهم لما يئسوا من إيمان قومهم استنصروا الله تعالى ودعوا على قومهم بالعذاب، بيانه: قول نوح ولوط وموسى ﵈ (٨) ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.

стр. 8142

قال مجاهد: معاند للحق مجانبه، وقال إبراهيم: الناكب عن الحق، وقال ابن عباس ﵄ المعرض، وقال قتادة: العنيد الذي أبي (١) أن يقول: لا إله إلا الله، وقال مقاتل: المتكبر، وقال ابن كيسان: الشامخ بأنفه وقال ابن زيد: المخالف للحق، العرب تقول: شر الإبل (٢) العنيد الذي يخرج عن الطريق قال (٣) غيره: المزيد العاصي، يقال: عند العرق، إذا لم يرقا دمه، وقال بعض أهل المعاني: المعاند والعنود والعنيد هو المعارض بالخلاف وأصله من العند وهو العنت (٤) قال الشاعر: إذا نزلت فاجعلاني وسطا ... إنّي كبيرْ (٥) لا أطيق العنّدا

стр. 8143

١٦ - قوله : ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي أمامه وقدّامه، كما تقول (١) إن الموت من ورائك، قال الله : ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (٢) وقال الشاعر (٣): أتوعدني وراء بني رياح ... كذبت لتقصرنّ يداك (٤) دوني (٥) أي: قدامهم، قال أبو عبيدة: هو من الأضداد، وقال الأخفش: هو كما يقال: (هذا الأمر) (٦) من روائك (يراد أنه) (٧) سيأتيك وأنا (٨) من رواء فلان يعني أصِلَ إليه، قال الشاعر: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون (٩) وراءه فرج قريب وقال بعضهم: إنما يجوز هذا في الأوقات لأن الوقت يمر عليك

стр. 8144

فيصير خلفك إذا جزته، وقال مقاتل: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ يعني (١) بعده. [١٦٠٨] وكان أستاذنا (٢) أبو القاسم الحبيبي (٣) يقول (٤): الأصل في هذا أن كل من وارى عنك شيئاً من خلف أو قدَّام فهو وراءه (٥) ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ﴾ ثم بين ذلك الماء فقال: ﴿صَدِيدٍ﴾ وهو القيح والدم، وقال قتادة: هو ماء يخرج من بين جلد الكافر ولحمه، وقال محمد بن كعب، والربيع بن أنس: هو غسالة أهل النار، وذلك ما يسيل من فروج (٦) الزناة يسقاه (٧) الكافر. ١٧ - قوله : ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يتحساه ويشربه بالجرع لا بمرة واحدة لمرارته وحرارته ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ يكاد صلة مجازه: ولا يسيغه كقوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٨) أي: (لم يرها) (٩) قال ابن عباس ﵄: لا

стр. 8145

يجيزه، وقيل (١): لا يمر به. روى أبو أمامة ﵁ عن النبي ﷺ في هذِه الآية قال: يقرب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوي وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع (أمعاءه حتى تخرج من دبره يقول الله تعالى ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (٢) (٣)، وقال تعالى ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ (٤). قوله : ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي من أعضائه فيجدهم الموت وألمه وقال إبراهيم التيمي: حتى من تحت (٥) كل شعرة في (٦) جسده، وقال الضحاك: حتى من إبهام رجله، وقال الأخفش: يعني البلايا التي تصيب الكافر في النار سمّاها (٧) موتاً ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ ولا تخرج نفسه فيستريح وقال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة،

стр. 8146

نظيرها قوله تعالى ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (١). ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ أمامه ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ شديد. ١٨ - قوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ اختلف النحاة في رافع (مثل) فقال (٢) الفراء (٣): أضاف المثل إلى الكافرين والمثل للأعمال؛ لأن العرب تقدم الأسماء؛ لأنها أعرف ثم (تأتي بالخبر الذي تخبر به) (٤) عنه صاحبه، ومجاز الآية: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، نظيرها قوله تعالى ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (٥) أي: أحسن خلق كل شيء خلقه (٦). وقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (٧) (معناه: ويوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة) (٨)، وقال سيبويه: في الآية إضمار معناها: ومما نقص

стр. 8147

عليك ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ , ثم ابتدأ وأخذ يفسر (١) فقال ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ وإن شئت جعلت مثل (٢) صلة فقلت: الذين كفروا بربهم أعمالهم ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ﴾ وصف اليوم بالعصوف وهو من صفة الريح؛ لأن الريح تكون فيه كما يقال: يوم بارد وحار (٣)، لأن البرد والحر يكونان. فيه، وليل نائم ونهار صائم، وقال الله تعالى ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (٤) و ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٥) وقال الشاعر: يومين غيمين ويوماً شمساً (٦) قال الفراء (٧): إن شئت قلت في يوم ذي عصوف، وإن شئت قلت: في يوم عاصف الريح، فحذف الريح؛ لأنها قد ذكرت قبل ذلك كقول الشاعر: إذا جاء مظلم الشمس كاسف

стр. 8148

أراد كاسف الشمس، وقيل: هو من نعت الريح غير أنه لما جاء اليوم اتبع إعرابه كما قيل: جحر ضبّ خرب ونحوه، وهذا مثل ضربه الله تعالى أعمال الكفار، يعني أنهم لا ينتفعون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا؛ لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى كما أن الرماد الذي ذرته الريح لا ينتفع به فذلك (١) قوله تعالى ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ يعني: الكفار ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ في الدنيا ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ في الآخرة ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾. ١٩ - قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قرأ أهل الكوفة إلا عاصماً (٢) (خالق السماوات والأرض) (٣) على الاسم والإضافة (وكذلك في النور) (٤) وقرأ الآخرون: خلق السماوات، -على الفعل- والأرض (٥) ﴿بِالْحَقِّ﴾ لم يخلقهما (٦) باطلاً وإنما خلقهما (٧) لأمر عظيم ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ سواكم (أمثل وأطوع وأفضل منكم) (٨).

стр. 8149

٢٠ - ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾. ٢١ - قوله : ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ خرجوا من قبورهم وظهروا لله ﴿جَمِيعًا﴾ لفظ ماض ومعناها الاستقبال (١) ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ يعني: الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يعني؛ المتبوعين (٢) والقادة ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ جمع تابع مثل حارس وحرس وراصد ورصد ونافر ونفر ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: (ممانعون لنا) (٣) ودافعون عذاب الله عنا. ﴿قَالُوا﴾ (٤) المتبوعون ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ مهرب ولا منجاة (٥) ويجوز أ، تكون بمعنى الاسم، يقال: حاص فلان عن كذا، أي: فر وزاغ عنه، يحيص حيصا وحيوصا (٦) وحيصانا، قال مقاتل: إنهم يقولون في النار: تعالوا نجزع فيجزعون خمس مائة عام فلا ينفعهم ذلك (٧) الجزع فيقولون: تعالوا نصبر فيصبرون خمس مائة عام (٨) فلا ينفعهم

стр. 8150

الصبر، فحينئذ يقولون ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾. ٢٢ - قوله : ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني إبليس ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فرغ من الأمر وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال مقاتل (١): يوضع له منبر في النار فيرقاه ويجتمع الكفار عليه بالملامة (٢) فيقول لهم ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾. فوفى لكم به ﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي (٣) ولاية ومملكة (٤) وحجة وبصيرة ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ هذا من الاستثناء المنقطع، مجازه: لكن دعوتكم ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ بإجابتي ومتابعتي من غير سلطان ولا برهان ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ بمغيثيَّ، قراءة العامة بفتح الياء وقرأ (٥) الأعمش وحمزة بكسر الياء، والأصل فيه بمصرخيني فذهبت (٦) النون لأجل الإضافة وأدغمت ياء (٧) الجماعة في (ياء

стр. 8151

الإضافة) (١) فمن نصب فلأجل التضعيف ومن كسر فلالتقاء (٢) الساكنين حركت إلى الكسرة؛ لأن الياء أخت الكسرة ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: جحدت أن أكون شريكاً لله (٣) فيما أشركتموني به من طاعتكم إياي وتبرأت من ذلك ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين الواضعين (العبادة والطاعة) (٤) في غير موضعها ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. روى عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة قال: "يقول عيسى ﵇ ذلكم النبي الأمي فيأتوني (٥) فيأذن الله لي أقوم فيثور من (٦) مجلسي من أطيب ريح شمه أحد حتى آتي ربي فيشفعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ثم يقول الكافرون: (٧) قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ فيقولون (٨) ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه فيقولون: قد

стр. 8152

وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت (١) أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم يعظم نحيبهم (٢) ويقول عند ذلك: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ الآية" (٣). ٢٣ - قوله : ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾ (٤). يسلم بعضهم على بعض وتسلم الملائكة عليهم.

стр. 8153

٢٤ - قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد بعين قلبك فتعلم بإعلامي إياك ﴿كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ بين الله تعالى شبها (١) ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ يعني شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهي النخلة يدل عليه. حديث شعيب (٢) بن الحبحاب (٣) قال: كان أبو العالية (٤) يأتيني فأتاني يوماً في منزلي بعد ما صليت الفجر فانطلقت معه إلى أنس ابن مالك (٥) ﵁ فدخلنا (٦) عليه فجيء بطبق فيه (٧) رطب فقال أنس ﵁: كل يا أبا العالية فإن هذِه (٨) من الشجرة التي قال الله تعالى في كتابه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً

стр. 8154

كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ ثم قال أنس ﵁: وأتي رسول الله ﷺ بقناع (١) بسر فقرأ هذِه الآية (٢)، ومعنى الآية: (كمثل شجرة) (٣) طيبة الثمر، فترك ذكر (الثمر اكتفاء) (٤) بدلالة الكلام عليه. قال أبو ظبيان (٥) عن ابن عباس ﵁: هذِه شجرة في الجنة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في الأرض ﴿وَفَرْعُهَا﴾ عال ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ كذلك أصل هذِه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق

стр. 8155

والإخلاص وإذا تكلم بالشهادة عرجت في السماء فلا تحجب حتى تنتهي (إلى الله تعالى) (١). قال الله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢). روى مقاتل بن حيان (٣) عن الضحاك (٤)، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تعالى عموداً من نور أسفله تحت الأرض السابعة ورأسه تحت العرش فإذا قال العبد أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله اهتز ذلك العمود فيقول الله : اسكن فيقول كيف أسكن ولم تغفر لقائلها" (٥)، فقال النبي ﷺ : "أكثروا من هزوز (٦) العمود" (٧).

стр. 8156

٢٥ - ﴿تُؤْتِي﴾ تعطي (١) ثمرها ﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ اختلفوا في الحين فقال مجاهد وعكرمة وابن (٢) زيد: كل سنة. قال عكرمة: أرسل إليّ عمر بن عبد العزيز: إني نذرت أن أقطع يد غلامي أو أحبسه فما عندك فيه (٣) يا مولى ابن عباس؟ فقلت له (٤): لا تقطع يده (٥) واحبسه سنة، فإن ابن عباس ﵄ قال: الحين حينان: حين (يعرف ويدرك) (٦) وحين لا يعرف (ولا يدرك) (٧) فأما الحين الذي لا يعرف فقوله : ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ (٨) وأما الذي يعرف فقوله : ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ فهو ما بين العام إلى العام المقبل فقال: (أصبت وأحسنت يا مولى ابن عباس) (٩). وقال سعيد بن جبير وقتادة (والحسن ﵏: كل ستة أشهر، ما بين صرامها إلى حملها.

стр. 8157

وروى طارق بن عبد الرحمن (١)، عن سعيد بن جبير (٢)) (٣) عن ابن عباس ﵄ (٤) أنه (٥) سئل عن رجل لا يكلم أخاه حيناً فقال: الحين ستة أشهر (٦) وقرأ هذِه الآية، وقال سعيد بن المسيب (٧) ﵀: العين شهران؛ لأن النخلة لا يكون فيها أكلها إلا في (٨) شهرين، وقال الربيع بن أنس: كل حين كل غدوة وعشية، كذلك يصعد عمل المؤمن أول النهار وآخره، وهي رواية أبي ظبيان عن ابن عباس ﵄، وقال الضحاك: كل ساعة ليلاً ونهارا، شتاءً وصيفا توكل في جميع الأوقات، كذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها، وأما الحكمة في تمثيل الله (جلت عظمته) (٩) الإيمان بالشجرة فهي أن الشجرة لا تكون إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ وأصل قائم وفرع عال، كذلك

стр. 8158

الإيمان لا يقوم ولا يتم إلا بثلاثة أشياء: تصديق بالقلب (قول باللسان وعمل بالأبدان) (١) يدل عليه ما [١٦٠٩] أخبرنا أبو عمرو الفراتي (٢) قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب (٣)، أخبرنا علي بن عبد العزيز بن يحيى (٤) قال: حدثنا عبد السلام بن صالح الهروي (٥)، قال: حدثنا علي بن موسى ابن جعفر (٦) قال حدثني أبي (٧) عن جعفر بن محمد (٨)، عن أبيه (٩)، عن علي بن الحسين (١٠)، عن أبيه (١١)، عن علي بن أبي طالب ﵃، قال قال رسول الله ﷺ : "الإيمان معرفة بالقلب

стр. 8159

وإقرار باللسان وفعل بالأركان" (١). [١٦١٠] وأخبرنا محمد بن عقيل القطان (٢)، (حدثنا أحمد بن الحسين بن شاذان (٣)، قال: حدثنا محمد بن يزيد السلمي (٤)، قال: حدثنا محمد بن شداد الجزري (٥) قال: حدثنا إسماعيل بن عباس (٦)، عن حميد) (٧) الطويل (٨)، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مثل هذا الدين كمثل شجرة ثابتة، الإيمان بالله (٩) أصلها والزكاة فرعها، والصيام عروقها والتآخي في الله نباتها

стр. 8160

وحسن الخلق ورقها والكف عن محارم الله ثمرتها، فكما لا تكمل هذِه الشجرة إلا بثمرة طيبة كذلك (الإيمان لا يكمل) (١) إلا بالكف عن محارم الله" (٢) وأما (٣) الحكمة في (تشبيهه إياه) (٤) بالنخلة من سائر الأشجار أنها أشبه الأشجار بالإنسان وذلك أن كل شجرة إذا قطع رأسها تشعبت الغصون من جوانبها، والنخلة إذا قطع رأسها يبست وذهبت أصلًا؛ ولأنها تشبه الإنسان وسائر الحيوان في اللقاح لا تحمل حتى تلقح. وقال النبي ﷺ : "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأبورة" (٥)، ومنه حديث ابن عمر ﵃ أن النبي ﷺ قال ذات يوم لأصحابه:
следующие страницы →