← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

٢٥ - ﴿تُؤْتِي﴾ تعطي (١) ثمرها ﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ اختلفوا في الحين فقال مجاهد وعكرمة وابن (٢) زيد: كل سنة. قال عكرمة: أرسل إليّ عمر بن عبد العزيز: إني نذرت أن أقطع يد غلامي أو أحبسه فما عندك فيه (٣) يا مولى ابن عباس؟ فقلت له (٤): لا تقطع يده (٥) واحبسه سنة، فإن ابن عباس ﵄ قال: الحين حينان: حين (يعرف ويدرك) (٦) وحين لا يعرف (ولا يدرك) (٧) فأما الحين الذي لا يعرف فقوله : ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ (٨) وأما الذي يعرف فقوله : ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ فهو ما بين العام إلى العام المقبل فقال: (أصبت وأحسنت يا مولى ابن عباس) (٩). وقال سعيد بن جبير وقتادة (والحسن ﵏: كل ستة أشهر، ما بين صرامها إلى حملها.

стр. 8157

وروى طارق بن عبد الرحمن (١)، عن سعيد بن جبير (٢)) (٣) عن ابن عباس ﵄ (٤) أنه (٥) سئل عن رجل لا يكلم أخاه حيناً فقال: الحين ستة أشهر (٦) وقرأ هذِه الآية، وقال سعيد بن المسيب (٧) ﵀: العين شهران؛ لأن النخلة لا يكون فيها أكلها إلا في (٨) شهرين، وقال الربيع بن أنس: كل حين كل غدوة وعشية، كذلك يصعد عمل المؤمن أول النهار وآخره، وهي رواية أبي ظبيان عن ابن عباس ﵄، وقال الضحاك: كل ساعة ليلاً ونهارا، شتاءً وصيفا توكل في جميع الأوقات، كذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها، وأما الحكمة في تمثيل الله (جلت عظمته) (٩) الإيمان بالشجرة فهي أن الشجرة لا تكون إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ وأصل قائم وفرع عال، كذلك

стр. 8158

الإيمان لا يقوم ولا يتم إلا بثلاثة أشياء: تصديق بالقلب (قول باللسان وعمل بالأبدان) (١) يدل عليه ما [١٦٠٩] أخبرنا أبو عمرو الفراتي (٢) قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب (٣)، أخبرنا علي بن عبد العزيز بن يحيى (٤) قال: حدثنا عبد السلام بن صالح الهروي (٥)، قال: حدثنا علي بن موسى ابن جعفر (٦) قال حدثني أبي (٧) عن جعفر بن محمد (٨)، عن أبيه (٩)، عن علي بن الحسين (١٠)، عن أبيه (١١)، عن علي بن أبي طالب ﵃، قال قال رسول الله ﷺ : "الإيمان معرفة بالقلب

стр. 8159

وإقرار باللسان وفعل بالأركان" (١). [١٦١٠] وأخبرنا محمد بن عقيل القطان (٢)، (حدثنا أحمد بن الحسين بن شاذان (٣)، قال: حدثنا محمد بن يزيد السلمي (٤)، قال: حدثنا محمد بن شداد الجزري (٥) قال: حدثنا إسماعيل بن عباس (٦)، عن حميد) (٧) الطويل (٨)، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مثل هذا الدين كمثل شجرة ثابتة، الإيمان بالله (٩) أصلها والزكاة فرعها، والصيام عروقها والتآخي في الله نباتها

стр. 8160

وحسن الخلق ورقها والكف عن محارم الله ثمرتها، فكما لا تكمل هذِه الشجرة إلا بثمرة طيبة كذلك (الإيمان لا يكمل) (١) إلا بالكف عن محارم الله" (٢) وأما (٣) الحكمة في (تشبيهه إياه) (٤) بالنخلة من سائر الأشجار أنها أشبه الأشجار بالإنسان وذلك أن كل شجرة إذا قطع رأسها تشعبت الغصون من جوانبها، والنخلة إذا قطع رأسها يبست وذهبت أصلًا؛ ولأنها تشبه الإنسان وسائر الحيوان في اللقاح لا تحمل حتى تلقح. وقال النبي ﷺ : "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأبورة" (٥)، ومنه حديث ابن عمر ﵃ أن النبي ﷺ قال ذات يوم لأصحابه:

стр. 8161

"إن شجرة من الشجر (١) لا تطرح ورقها وهي مثل المؤمن فأخبروني ما هي؟ " قال فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة فأردت أن أقول: هي النخلة ثم نظرت (فإذا أنا أصغر القوم) (٢) فاستحييت وسكتُّ فقال رسول الله ﷺ : "هي النخلة"، فذكرت ذلك لأبي فقال: يا بُني لو كنت قلتها لكانت أحب إلى من حمر النعم (٣)، ولأنها من فضلة تربة آدم ﵇. يروى أن رسول الله ﷺ قال: "اكرموا عمتكم" فقيل يا رسول الله ومن عمتنا؟ قال: "النخلة"، (وذلك أن الله لما خلق آدم ﵇ فضلت طينة فخلق منها النخلة) (٤) قال الله : ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.

стр. 8162

٢٦ - قوله : ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ وهي الشرك ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ وهي الحنظل (١)، قال ابن عباس ﵄: هذا مثل ضربه الله تعالى، ولم يخلق هذِه الشجرة على وجه الأرض (٢) ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اقتلعت (٣) قاله ابن عباس (٤) ﵄ وقال السدي: انتزعت، وقال الضحاك: استؤصلت، وقال المؤرج: أخذت جثتها وهي نفسها ﴿مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ وكذلك الكافر لا خير فيه، ولا يصعد له قول طيب، ولا عمل صالح. ٢٧ - قوله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

стр. 8163

يحقق الله إيمانهم وأعمالهم ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ وهو (١) شهادة أن لا إله إلا الله ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يعني في القبور (٢) وقيل: في الحياة الدنيا يعني في القبر عند السؤال ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ إذا بعث، قال مقاتل: وذلك أن المؤمن إذا مات بعث الله ملكاً يقال له: دومان فيدخل قبره فيقول له: إنه يأتيك الآن ملكان أسودان فيسألانك من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فأجبهما بما كنت عليه في حياتك، ثم يخرج فيدخل الملكان وهما: منكر ونكير، أسودان، أزرقان، فظان، غليظان، أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما (كالريح العاصف) (٣) معهما مرزبة، فيقعدانه ويسألانه، ولا يشعران بدخول دومان، فيقول: (ربي الله) (٤) ونبي محمد، وديني الإسلام، فيقولان له: عشت سعيداً ومت شهيداً، ثم يقولان: اللهم أرضه كما أرضاك، ويفتح له باب من الجنة فتأتيه (٥) منها التحف، فإذا انصرفا عنه قالا له: ثم نومة العروس، فهذا هو التثبيت (٦) ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ

стр. 8164

﴿الظَّالِمِينَ﴾ يعني (١): لا يلقنهم وذلك أن الكافر إذا دخل عليه الملكان قالا له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ قال: لا أدري، قالا له: لا دريت ولا تليت، عشت عصيًّا، ومت شقيًّا، ثم يقولان له: ثم نومة المنهوس (٢) ويفتح له في قبره باب (٣) من جهنم ويضربانه ضربة بتلك المرزبة فيشهق شهقة يسمعها كل حيوان إلا الثقلان ويلعنه كل من يسمع (٤) صوته فذلك قوله تعالى ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. وروى البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر قبض روح المؤمن قال: "فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ (فيقول: ربي الله وديني الإسلام، ونبيي محمد، فينتهرانه ويقولان الثانية: من ربك؟ وما دينك، ومن نبيك؟ ) (٥) وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فيثبته الله

стр. 8165

تعالى فيقول: ربي الله وديني الإِسلام ونبيي محمد، فينادي مناد من السماء: أن قد (١) صدق عبدي (أن صدق عبدي) (٢) قال (٣) فذلك (قول الله) (٤) تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ " (٥). وقال ابن عباس ﵄ في هذِه الآية: إن المؤمن إذا حضره الموت (٦) شهدته الملائكة فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات مشوا مع جنازته ثم صلوا عليه مع الناس، فإذا دفن أُجلس في قبره (فيقال له) (٧) من ربك؟ فيقول: ربي الله ويقال له: من رسولك؟ فيقول: محمد، فيقال له: ما شهادتك فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فيوسع له في قبره مد بصره فذلك قوله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٨).

стр. 8166

وروى (أبو نضرة) (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فقال: "يا أيها الناس: إن هذِه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا (دفن الإنسان) (٢) وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك بيده مطراق فاقعده (فقال له) (٣) ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول له: صدقت، فيفتح له باب (من جهنم) (٤) فيقال له: هذا منزلك كان لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت به (٥) فإن الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض له فيقال له: اسكن، ثم يفسح له في قبره، وأما الكافر والمنافق فيقال له: ما تقول في هذا الرجلِ؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: هذا منزلك لو كنت (٦) آمنت بربك فأما إذ كفرت فإن الله تعالى أبدلك بلا هذا ثم يفتح له باب إلى النار يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه (٧) خلق الله كلهم إلا الثقلين".

стр. 8167

قال بعض (١) أصحابه: يا رسول الله: ما منا من أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلا أهيل عند ذلك (٢) فقال رسول الله ﷺ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية (٣). وقال أبو هريرة ﵁: إن الميت يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه مدبرين، فإذا كان مؤمناً كانت (٤) الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصيام عن يساره وفعل الخيرات من الصدقات (٥) والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من عند رأسه فتقول (٦) الصلاة ما قبلي مدخل (فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي مدخل) (٧) فيؤتى من عند رجليه فيقول فعل الخيرات: ما قبلي مدخل، فيقال له: اجلس فيجلس، قد مثلت له الشمس قد دنت للغروب فيقال له: أخبرنا عما نسألك فيقول: دعوني حتى أصلي فيقال له (٨) إنك

стр. 8168

ستفعل فأخبرنا عما نسألك عنه (١) فيقول (وعم تسألوني؟ ) (٢) فيقال له: أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه؟ فيقول: أمحمد؟ فيقول نعم، فيقول: أشهد أنه رسول الله وأنه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مِتَّ وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً وينور له فيه (٣) ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك، لو عصيته (كان ذلك لك) (٤) فيزداد غبطة وسروراً ثم يجعل نسمته في النسم الطيب هي طير تعلق بشجر (ويعاد الجسد) (٥) إلى ما بدئ منه من (٦) التراب وذلك قوله عز جل ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٧).

стр. 8169

[١٦١١] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (١) قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى البوشنجي (٢)، حدثنا أحمد بن نجدة بن العريان (٣) قال: حدثنا الحماني (٤) قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد (٥)، عن يزيد بن الهاد (٦)، عن عبادل بن عبيد الله بن أبي رافع (٧) (عن جدته) (٨)

стр. 8170

عن أبي رافع ﵁ (١) قال بينما النبي ﷺ يمشي في بقيع الغرقد وأنا أمشي خلفه فقال رسول الله ﷺ : "لا هديت لا هديت ثلاثاً"، قال أبو رافع قلت يا رسول الله مالي؟ قال: "ليس الثالث أريد، إنما أريد صاحب هذا القبر (يسأل عني فيزعم) (٢) أنه لا يعرفني"، فإذا هو قبر قد رش عليه الماء حين دفن صاحبه (٣). * * *

стр. 8171

[١٦١٢] وأخبرني أبو القاسم (الحسن بن محمد) (١) بن حبيب ﵀ قراءة عليه في رجب سنة ست وثمانين وثلاثمائة) (٢) قال: سمعت أبا الطيب محمد بن علي الخياط (٣) يقول: سمعت سهل بن عمار (٤) العتكي يقول: رأيت يزيد بن هارون (٥) (في منامي بعد موته) (٦) فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: إنه أتاني في قبري ملكان فظان غليظان فقالا: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت لهما: ألمثلي يقال هذا؟ وقد علمت الناس جوابكما ثمانين سنة، فذهبا. وقالا لي: كتب عن حريز بن عثمان (٧)؟ قلت: نعم، قالا: إنه كان يبغض علياً (٨) أبغضه الله (ثم قالا: ثم نومة العروس) (٩) (١٠) ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.

стр. 8172

٢٨ - قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ يعني غيروا نعمة الله عليهم (نعمت الله) (١) في محمد ﷺ حيث ابتعثه الله منهم وفيهم، فكفروا به وكذبوه فغيروا (٢) نعمته عليهم به كفرا ﴿وَأَحَلُّوا﴾ وأنزلوا ﴿قَوْمَهُمْ﴾ ممن تابعهم على كفرهم ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ الهلاك، ثم ترجم عن دار البوار ما هي فقال ٢٩ - ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ المستقر. [١٦١٣] أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ (٣)، وأبو عباس أحمد بن محمد بن المعدل (٤) قال: حدثنا أبو العباس الأصم (٥) قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (٦) قال: أخبرنا إسحاق بن بكر (٧)،

стр. 8173

عن أبيه (١)، عن جعفر بن ربيعة (٢)، عن يحيى بن عبد الله بن الأدرع (٣)، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة (٤) ﵃ قال سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول في هذِه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم كفار قريش الذين نحروا (٥) يوم بدر (٦). وقال عمر بن الخطاب ﵁: هما (٧) الأفجران

стр. 8174

من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية، فأم ابن والمغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وقال ابن عباس ﵄: هم منتصرة العرب جبلة بن أبيهم وأصحابه (١). ٣٠ - قوله : ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا﴾ قرأ الكوفيون (٢) (ونافع وابن عامر) (٣) بضم الياء على معنى ليضلوا الناس ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وقرأ الباقون (٤) بفتحه على اللزوم ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ عيشوا في الدنيا ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ وهذا وعيد لهم (إلى النار) (٥). * * *

стр. 8175

٣١ - قوله- : ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال الفراء: هو جزم على الجزاء (١) ﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ أي (٢) مخالة (٣). قال امرؤ القيس: صرفْتُ الهوى عنهن من خشية الردى ... فلست (٤) بمقلٍ للخلال ولا قالي ٣٢ - قوله- : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾. ٣٣ - قوله- : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ قال ابن عباس (٥) ﵄: دءوبهما في طاعة الله تعالى

стр. 8176

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يتعاقبان في الضياء والظلمة والنقصان والزيادة. ٣٤ - قوله- : ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ يعني وآتاكم من كل شيء سألتموه شيئًا (١) فحذف الشيء الثاني اكتفاء بدلالة الكلام على التبعيض، كقوله : ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) يعني: وأوتيت من كل شيء في زمانها شيئًا، وقيل: هو على التكثير نحو قولك: فلان يعلم كل شيء وأتاه كل الناس وأن تعني بعضهم، وقال بعض المفسرين نظيره قوله تعالى ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) وقال بعض المفسرين معناه: وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه وهذِه قراءة العامة بالإضافة ومعناها. وقرأ الحسن والضحاك وسلام (من كل) بالتنوين ﴿مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ (٤) على النفي، يعني من كل ما (٥) ما تسألوه، فيكون (ما) جحدا قال الضحاك أعطاكم (٦) أشياء ما طلبتموهما ولا سألتموها، صدق الله سبحانه كم من شيء أعطانا الله ما سألناه إياه ولا خطر لنا ببال (٧) ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أي: نعمه ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ لا تطيقوا ذكرها

стр. 8177

ولا القيام بشكرها لا بالجنان ولا باللسان ولا بالبيان ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ﴾ شاكر غير من أنعم عليه، واضع الشكر في غير موضعه ﴿كَفَّارٌ﴾ جحود لنعم الله، وقيل: ظلوم لنفسه بمعصيته، كفار لربه في نعمته وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ولمنع. ٣٥ - قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ يعني الحرم مأمونًا فيه ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ وأبعدني ﴿وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ جنبته الشر (١) أجنبه جنبًا وجنبته تجنيبًا إجنابًا بمعنى واحد. قال الشاعر في جنبت: وتنفض (٢) مهده شفقًا عليه ... وتجنبه (٣) قلائصنا الصعابا

стр. 8178

والأصنام جمع الصنم وهو التمثال المصور، قال رؤبة بن العجاج (١): وهنانة (٢) كالزون يجلى صنمه ... تضحك عن أشنب عذب ملثمه وكان إبراهيم (٣) التيمي يقول في قصصه: من يأمن النبلاء بعد خليل الله إبراهيم ﵇ حيث يقول ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. ٣٦ - قوله- ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ يعني ضل بهن كثير من الناس عن طريق الهدى حيث عبدوهن، وهذا من المقلوب ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ

стр. 8179

﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ (١) أي يخوفكم بأوليائه ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي على ديني ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال السدي معناه: ومن عصاني ثم تاب وقال مقاتل بن حيان (٢): ومن عصاني فيما دون الشرك. وروى عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ تلا قول إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقول عيسى ﵇ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (٣) فرفع يديه ثم بكى (٤) فقال: "اللهم أمتي، اللهم أمتي"، وبكى، فقال الله جل ثناؤه: يا جبريل اذهب إلى محمَّد -وربك أعلم- فاسئله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله, فأخبره رسول الله ﷺ ما قال، فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمَّد فقل له (٥) إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك (٦). * * *

стр. 8180

٣٧ - قوله : ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وإنما أدخل "من" للتبعيض ومجاز الآية: أسكنت من ذريتي ولدًا ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾. وهو مكة ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ قال قتادة (١): المحرم من استحلال حرمات الله فيه والاستخفاف بحقه، فإن قيل: فما وجه قول إبراهيم ﵇ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ﴾ وإنما بني إبراهيم ﵇ البيت بعد ذلك بمدة؟ قيل معناه: عند بيتك المحرم الذي كان قبل أن ترفعه من الأرض حين رفعته أيام الطوفان، وقيل: عند بيتك الذي قد مضى في سابق علمك أنه يحدث في هذا البلد، وكانت قصة الآية على ما ذكره سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: إنَّ أول من سعى (بين الصفا) (٢) والمروة لهاجر -إسماعيل- وإن أول (ما أحدث) (٣) نساء العرب جر الذيول (من هاجر) (٤) وذلك أنها لما فرت (٥) من سارة أرخت من ذيلها لتعفي أثرها فجاء بها إبراهيم ﵇ ومعها ابنها إسماعيل ﵇ حتى انتهى بهما إلى موضع البيت

стр. 8181

فوضعهما ثم رجع فاتبعته فقالت: إلى من تكلنا؟ فجعل لا يرد عليها شيئًا فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم، فقالت: إذًا لا يضيعنا، فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء (١) وأقبل على الوادي فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ الآية. قال (٢): ومع الإنسانة شن (٣) فيها ماء فنفد الماء فعطشت فانقطع لبنها فعطش الصبي فنظرت أي الجبال أدنى إلى الأرض فصعدت الصفا وتسمعت هل تسمع صوتًا أو ترى إنسيًّا (٤) فلم تسمع شيئًا وانحدرت فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي، فنظرت أي الجبال أدنى إلى الأرض وصعدت المروة وتسمعت هل تسمع صوتًا أو ترى إنسيًّا

стр. 8182

فسمعت صوتًا فقالت كالإنسان الذي يكذب سمعه: صه (١) حتى استيقنت فقالت: قد أسمعتني صوتك فاغثني فقد هلكت وهلك من معي فإذا هو الملك فجاء بها حتى انتهى إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عينا فعجلت الإنسانة فجعلت تفرغ في شنها (٢) فقال رسول الله ﷺ : "رحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينًا معينًا"، وقال لها الملك: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد فإنها عين يشرب منها (٣) ضيفان الله وقال: إن أبا هذا الغلام سيجيء فيبنيان لله تعالى بيتًا هذا موضعه، قال: ومرت رفقة من جرهم تريد الشام فرأوا الطير تحوم (٤) على الجبل فقالوا هذا (الطائر لعاكف) (٥) على الماء فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة فأتوا هاجر وقالوا: إن شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك فأذنت لهم فنزلوا معها وكانوا هناك حتى شب إسماعيل ﵇ وماتت هاجر فتزوج إسماعيل من جرهم فاستأذن إبراهيم سارة في أن يأتي هاجر فأذنت

стр. 8183

له وشرطت عليه أن لا ينزل، وذكر الحديث في صفة (١) مقام إبراهيم، وقد مضت هذِه القصة في سورة البقرة (٢)، قوله ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي﴾ تنزع وتميل وتشتاق ﴿إِلَيْهِمْ﴾ وهذا دعاء منه ﵇ لهم بأن يرزقهم الله (٣) حج بيته الحرام، وقال سعيد بن جبير: لو قال (٤): أفئدة الناس تهوي إليهم لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ فهم المسلمون، وقال مجاهد (٥) لو (قال: أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند ولكنه) (٦) قال: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ما رزقت سكان القرى ذوات المياه ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. ٣٨ - قوله (٧): ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ من جميع أمورنا، وقال ابن عباس ﵄ ومقاتل: من الوجد بإسماعيل وأنه حيث أسكنتهما بوادٍ غير ذي زرع ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ

стр. 8184

شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ قال بعضهم هذا كله (١) قول إبراهيم ﵇، وقال الآخرون: قال الله ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ﴾ الآية (٢). ٣٩ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي﴾ أعطاني ﴿عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ قال ابن عباس ﵄: ولد إسماعيل لإبراهيم ﵉ وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد إسحاق ﵇ وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة، وقال سعيد بن جبير (٣): بُشِرَ إبراهيم ﵇ بإسحاق بعد سبع عشرة ومائة سنة. ٤٠ - ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أيضًا فاجعلهم مقيمي الصلاة ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾. قال المفسرون: عملي وعبادتي، نظيره قول النبي ﷺ : "الدعاء مخ العبادة" ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (٤) " فسمى الدعاء عبادة.

стр. 8185

٤١ - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ أن آمنا، وقد أخبر الله سبحانه عن خليله ﵇ في الاستغفار لأبيه في سورة التوبة (١) ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هو كلهم، قال ابن عباس ﵄: من أُمة محمَّد ﷺ (٢) ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أي يبدو ويظهر، قال أهل المعاني أراد: يوم يقوم الناس للحساب، فاكتفى بذكر الحساب عن ذكر الناس إذ كان مفهومًا معناه. ٤٢ - قوله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ قال ميمون بن مهران: هذا (٣) وعيد للظالم وتعزية للمظلوم ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يمهلهم ويؤخر عذابهم، وقراءة العامة بالياء واختاره أبو عبيد، وأبو حاتم لقوله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ وقرأ (الحسن

стр. 8186

والسلمى) (١) بالنون ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾. أي لا تغمض من هول ما ترى في ذلك اليوم قاله الفراء. ٤٣ - قوله ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قال قتادة: مسرعين، وقال سعيد بن جبير عنه (٢) منطلقين عامدين إلى الداعي، وقال سعيد بن جبير: الإهطاع النسلان كعدو الذئب، وقال مجاهد: مديمي النظر، وقال الضحاك: شدة النظر من غير أن يطرف وهي رواية العوفي عن ابن عباس ﵄ وقال الكلبي: ناظرين، وقال مقاتل: مقبلين إلى النار، وقال ابن زيد (٣): المهطع الذي لا يرفع رأسه، وأصل الإهطاع في كلام العرب البداء: الإسراع، يقال: أهطع البعير في سيره استهطع (٤) إذا أسرع. قال الشاعر: وبمهطع (٥) سُرُح (٦) كأن زمامه ... في رأس جذع من أراك (٧) مشذب

стр. 8187

وقال آخر: بمستهطع رسل كأن جديلة (١) ... بقيدوم (٢) وعن من صوام (٣) وقال آخر: تعبدني نمر بن سعد وقد أرى ... ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع (٤) ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رافعيها.

стр. 8188

قال القتيبي: المقنع الذي يرفع رأسه، (يقبل بنظره (١) على) ما بين يديه، ومنه الإقناع (٢) في الصلاة، وقال الحسن: ووجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد، وأصل الإقناع في كلام العرب: رفع الرأس، قال الشماخ: يباكرن العضة بمقنعات ... نواجدهن كالحداء الوقيع (٣) يعني برؤوس مرفوعًا إليها ليتناولها، وقال الراجز: أنغض نحوي رأسه وأقنعا ... كأنما أبصر شيئًا أطمعا (٤) ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر وهي شاخصة ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ قال ابن عباس ﵄: خالية من كل خير، وقال مجاهد، ومرة وابن زيد: خربة متخرقة ليس فيها خير ولا

стр. 8189

عقل، كقولك في البيت الذي ليس فيه شيء: إنما هو هواء وهي رواية العوفي (١) عن ابن عباس ﵄، وقال سعيد بن جبير: تمور في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه، وقال قتادة (٢): انتزعت حتى صارت في حناجرهم لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أمكنتها. وقال الأخفش (٣): جوفاء لا عقول لها، والعرب تسمي كل أجوف جاف (٤) وهواء ومنه الهواء (٥) وهو الخلاء الذي بين الأرض والسماء. قال زهير يصف ناقة: كأن (٦) الرجل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه هواء وقال حسان بن ثابت: آلا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب (٧) هواء

стр. 8190

٤٤ - قوله ﴿وَأَنْذِرِ﴾ وخوف ﴿النَّاسَ﴾ أي بيوم ﴿يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ وهو يوم القيامة ﴿فَيَقُولُ﴾ عطف على قوله يأتيهم وليس بجواب فلذلك (١) رفع ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أشركوا ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا﴾ أمهلنا ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الدنيا يعني أرجعنا إليها ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فيجابون ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ﴾ حلفتم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في دار الدنيا ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ عنها أي (لا تبعثون) (٢) وهو قوله ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (٣). ٤٥ - ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعصية، قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾. ٤٦ - ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي جزاء مكرهم ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ قراءة العامة: بالنون وقرأ عمر وعلي وابن مسعود وأُبيّ ﵃: (وإن كاد مكرهم) بالدال (٤) ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ قراءة العامة: ﴿لِتَزُولَ﴾ بكسر اللام الأولى وفتح الثانية، وقرأ ابن جريج والكسائي: بفتح اللام

стр. 8191

الأولى وضم الثانية، فمعنى (١) قراءة العامة: وما كان مكرهم، قال الحسن (٢): إن كان مكرهم لأدهن وأضعف من أن تزول من الجبال، وقال: خمس (٣) في القرآن إن بمعنى ما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ وقوله- ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٤) -قوله- ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ (٥) - وقوله- ﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (٦) -قوله- ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ (٧) - ومن فتح (٨) اللام استعظم مكرهم، ابن جرير (٩): الاختيار القراءة الأولى لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة، وكان

стр. 8192

مكرهم على ما ذكره علي بن أبي طالب ﵁ (١) وغيره (٢) (قالوا وهو أن) (٣) نمرود الجبار الذي حاجّ إبراهيم ﵇ في ربه قال: إن كان ما يقوله (٤) إبراهيم حقا فلا أنتهي حتى أعلم ما في السماء فعمد إلى أربعة (٥) أفراخ من النسور وعلفها اللحم ورباها حتى شبت واستعلجت (٦) ثم قعد في تابوت وجعل (معه رجلًا) (٧) آخر وجعل له بابًا من أعلاه (٨) وبابًا من أسفل وربط التابوت بأرجل النسور وعلق اللحم فوق التابوت على عصا ثم خلى عن النسور فطرن فصعدن طمعًا في اللحم حتى أبعدن في الهواء (٩) فقال نمرود لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قربنا منها ففتح ونظر وقال: إن السماء كهيئتها (١٠) ثم قال: افتح الباب الأسفل (وانظر إلى) (١١)

стр. 8193

الأرض هل تراها، ففعل ذلك فقال: أرى (١) الأرض مثل اللجة البيضاء والجبال مثل الدخان، فطار النسور وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران فقال لصاحبه: افتح (الباب من أعلى فانظر ففتح الأعلى) (٢) وإذا السماء كهيئتها وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة ونودي (أيها الطاغي) (٣) أين تريد؟ قال عكرمة (٤): كان معه في التابوت غلام وقد حمل معه القوس والنشاب (فرمي بسهم) (٥) فعاد إليه السهم (متلطخًا بالدم) (٦) فقال كفيت شغل إله السماء واختلفوا في ذلك السهم، من أي شيء تلطخ؟ فقال عكرمة: (سمكة من السمك فدت نفسها لله سبحانه من بحر في الهواء معلق) (٧) وقال بعضهم: من طائر من الطيور، وأصابه السهم (قالوا

стр. 8194

ثم إن نمروذ أمر) (١) صاحبه أن يصوب العصا و (ينكس) اللحم ففعل ذلك فهبطت النسور بالتابوت فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور ففزعت وظنت أنه (٢) قد حدث بها حدث من السماء أو (٣) أن الساعة قد قامت فذلك قوله : ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. ٤٧ - قوله : ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بالنصر لأوليائه وهلاك أعدائه وفي الكلام تقديم وتأخير وتقديره: فلا تحسبن الله مختلف رسله وعده. يقول الشاعر (٤): ترى الثور (٥) فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع

стр. 8195

وقال القتيبي: هو من المقدم الذي لا (١) يوضحه التأخير ومن المؤخر الذي يوضحه التقديم وسواء قولك: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ ومخلف رسله وعده لأن الخلف يقع بالوعد كما يقع بالرسل ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. ٤٨ - قوله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قال عمرو بن ميمون. عن عبد الله بن مسعود ﵁ في هذِه الآية قال: تبدل بأرض كالفضة بيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة، وقال علي بن أبي طالب (٢) ﵁ في هذِه الآية: الأرض من فضة والسماء من ذهب. وروى (٣) سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد (٤) " وقال سعيد بن جبير، ومحمد بن كعب: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل منها المؤمن من تحت قدميه.
следующие страницы →