هذِه الآية والتي قبلها وقال: هذِه للأكل وهذِه للركوب، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه (١) ومالك وغيرهما من العلماء واحتجوا (في ذلك أيضًا) (٢)
[١٦٤٥] بما أخبرنا (أبو عبد الله) (٣) ابن فنجويه الدينوري (٤) قال: حدثنا أبو بكر السني (٥) قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن النسائي (٦) قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم (٧) قال: أخبرنا بقية بن الوليد (٨) قال أخبرني ثور بن يزيد (٩)، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب (١٠)،
стр. 8332
عن أبيه (١)، عن جده (٢)، عن خالد بن الوليد (٣) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل أكل (٤) لحوم الخيل (والبغال والحمير) (٥)(٦).
(وقال آخرون: لا بأس بأكل لحوم الخيل) (٧) وليس في هذِه الآية دليل على تحريم شيء، وإنما عرف الله عباده بهذِه الآية نعمه (٨) عليهم ونبههم على حجج وحدانيته وربوبيته وكمال قدرته وحكمته وإليه ذهب
стр. 8333
الشافعي ﵀
[١٦٤٦] واحتج بما أخبرناه (١) أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي (٢)، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي (٣)، قال: حدثنا محمد بن الأزهري (٤)، قال: حدثنا سليمان بن حرب (٥) قال: حدثنا حماد بن زيد (٦).
[١٦٤٧] قال وأخبرنا محمد بن يعقوب بن يوسف (٧)، قال: حدثنا محمد بن عبد السلام (٨) وجعفر بن محمد (٩)، قال: حدثنا يحيى بن يحيى (١٠)، قال: حدثنا حماد بن زيد (١١)، عن عمرو بن دينار (١٢)،
стр. 8334
عن محمد بن علي (١)، عن جابر بن عبد الله (٢) ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل (٣).
[١٦٤٨] وأخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين (٤) قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق (٥) قال: حدثنا أحمد بن شعيب بن علي (٦) قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد (٧) قال: حدثنا سفيان (٨)، عن عمرو بن دينار (٩)، عن جابر ﵁ (١٠) قال: أطعمنا رسول الله ﷺ
стр. 8335
يعني يوم خيبر لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر (١)(٢).
[١٦٤٩] وبه عن ابن شعيب (٣) قال: حدثنا محمد بن المثنى (٤)، عن عبد الرحمن (٥)، عن سفيان (٦)، عن عبد الكريم (٧)، عن عطاء (٨)، عن جابر بن عبد الله (٩) ﵄ قال: (كنا نأكل) (١٠) لحوم الخيل، قلت: والبغال؟ قال: لا (١١).
стр. 8336
[*] وأخبرنا محمد بن عبد الله بن زكريا الحافظ (١) قال: أخبرنا مكي بن عبدان (٢) قال: حدثنا عبد الله بن هاشم (٣) قال: حدثنا يحيى بن سعيد (٤)، عن هشام بن عروة (٥)، عن فاطمة بنت المنذر (٦)، عن أسماء بنت أبي بكر (٧) ﵃ قالت: أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله ﷺ (٨).
стр. 8337
ويروى عن سفيان (١)، عن منصور (٢)، عن إبراهيم (٣) قال: نحر أصحابنا فرسًا في النخع (٤) فأكلوه ولم يروا به بأسًا (٥).
قوله ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال بعض المفسرين (٦): يعني ما أعد الله (٧) في الجنة لأهلها وفي النار لأهلها ما لم تره عين ولا
стр. 8338
سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر.
وقال مقاتل عن الضحاك، عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال: يريد أن عن يمين العرش نهرًا من نور مثل السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخله جبريل ﵇ كل سحر فيغتسل (١) فيزاد نورًا إلى نوره وجمالًا إلى جماله وعظمًا إلى عظمه ثم ينتفض فيخرج الله تعالى من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور وفي الكعبة سبعون ألفًا لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة (٢)
стр. 8339
٩ - قوله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾
بيان طريق الحق لكم، والقصد: الطرِيق المستقيم وقيل وعلى الله القصد (١) بكم إلى الدين ﴿وَمِنْهَا جَائِر﴾ يعني من السبيل جائر عن الاستقامة معوج، وإنما أنث الكفاية؛ لأن لفظ السبيل واحد ومعناه الجمع، السبيل مؤنثه (٢) في لغة الحجار، فالقصد من السبيل هي الحنيفية دين الإسلام، والجائر منها اليهودية والنصرانية وغير ذلك من ملل الكفر، وقال جابر بن عبد الله ﷺ : قصد السبيل هو السنة، ومنها جائر: يعني بيان الشرائع والفرائض (٣) وقال عبد الله بن المبارك وسهل بن عبد الله: قصد السبيل: هو السنة، ومنها جائر: يعني الأهواء والبدع (٤)، بيانه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآية (٥) وفي مصحف ابن مسعود ﵁: (ومنكم جائر ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ نظيرها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ
стр. 8340
رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (١).
١٠ - قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ﴾
من ذلك الماء ﴿شَرَابٌ﴾ تشربونه ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ (أي: شراب) (٢) أشجاركم وحياة نباتكم وغروسكم (٣) ﴿فِيهِ﴾ أي في (٤) الشجر، وهو اسم عام وإنما ذكر الكناية؛ لأنه رده إلى لفظ الشجر ﴿تُسِيمُونَ﴾ ترعون مواشيكم، يقال: أسام فلان إبله يسيمها إسامة، إذا رعاها، فهو مسيم، وسامت هي (٥) تسوم فهي سائمة، وقال الأعشى:
ومشى القوم بالعماد إلى الرز ... حى (٦) وأعيا المسيم أين المساق
стр. 8341
وقال آخر (١): أولى لك ابن مسيمة الأجمال
١١ - قوله : ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ﴾
قراءة العامة بالياء، يعني ينبت الله وقرأ عاصم برواية المفضل ويحيى وحماد بالنون، والأول الاختيار ﴿بِهِ﴾ بالماء الذي أنزل ﴿الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢).
стр. 8342
١٢ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾
قراءة العامة بالنصب نسقًا (١) على ما قبله وروى حفص عن عاصم: والنجوم مسخرات بالرفع (٢) على الابتداء (٣) والخبر وقرأ ابن عامر: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ الأربعة رفعًا (٤) على الابتداء والخبر ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإذنه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
١٣ - ﴿وَمَا ذَرَأَ﴾
يعني وسخر ما ذَرَأ ما خلق ﴿لَكُمْ﴾ لِأجلِكُمُ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ من الدواب والأنعام (٥) والأشجار والثمار وغيرها ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ نصب على الحال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾.
١٤ - قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ﴾
لكم ﴿الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني السمك ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يعني اللؤلؤ والمرجان، وروى خلاد بن يحيى (٦)،
стр. 8343
عن إسماعيل بن عبد الملك (١) قال: جاء رجل إلى أبي جعفر (٢) فقال: هل في حلي النساء صدقة؟ قال: لا، هي كما قال الله تعالى ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ (٣) قال ابن عباس ﵄: جواري (٤)، وقال سعيد بن المسيب (٥): معترضة.
وقال قتادة (٦) ومقاتل: مستقبلة ومدبرة بريح واحد، وقال الحسن (٧): مواقر،
стр. 8344
وقال عكرمة والفراء (١) والأخفش (٢): شواق تشق الماء بجناحيها (٣) وقال مجاهد: تمخر الرياح (٤) السفن ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظيم.
وقال أبو عبيدة صوائخ (٥)، والأصل المخر: الدفع والشق، ومنه مخر الأرض، يقال: أمتخرت (الريح وتمخرتها) (٦) إذا نظرت من أين هبوبها.
وفي الحديث: إذا أراد أحدكم البول (فليستمخر الريح) (٧) لينظر
стр. 8345
من أين هبوب الريح فيستدبرها حتى لا ترد عليه البول ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني التجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
١٥ - (قوله (١) ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾
يعني: لئلا تميد (٢) بكم، أي: تتحرك وتميل، وأصل (٣) الميد هو الاضطراب والتكفي ومنه قيل (للدوار التي تعتري الراكب السفينة) (٤) ميد.
قال وهب: لما خلق الله تعالى الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: إن هذِه غير مقرة أحدًا على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال ولم تدر (٥) الملائكة مم خلقت الجبال (٦)؟
стр. 8346
وقال علي بن أبي طالب ﵁: لما خلق الله تعالى الأرض قمصت ومالت وقالت: يا رب! أتجعل عليَّ بني آدم يعملون الخطايا ويلقون عليَّ الجيف والنتن؟ فأرسى الله تعالى فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون (١) ﴿وَأَنْهَارًا﴾ يعني وجعل فيها أنهارًا ﴿وَسُبُلًا﴾ طرقًا مختلفة ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى ما تريدون ولا تضلون ولا تتحيرون.
١٦ - ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾
يعين معالم الطرق وقال بعضهم: هاهنا تم الكلام ثم ابتدأ ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال محمد بن كعب والكلبي أراد بالعلامات الجبال، والجبال علامات النهار والنجوم وعلامات الليل (٢).
стр. 8347
وقال مجاهد وإبراهيم: أراد بها (١) جميع النجوم فمنها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون به (٢) وقال السدي (٣): يعني الثريا وبنات نعش والفرقدين والجدي، يهتدون بها إلى الطريق والقبلة وقال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: لتكون زينة للسماء ومعالم الطرق ورجومًا للشياطين، فمن قال غير هذا فقد (قال برأيه و) (٤) تكلف ما لا علم له به.
١٧ - قوله : ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾
يعني: الله : ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ يعني: الأصنام ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾، نظيرها قول الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ
стр. 8348
دُونِهِ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢).
١٨ - ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
لما كان منكم من تقصير شكر نعمه عليكم (٣) ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم حيث وسع عليكم نعمه ولم يقطعها منكم بتقصيركم ومعاصيكم.
١٩ - ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾.
٢٠ - ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾
قراءة العامة: تدعون بالتاء، لأن ما قبله كله خطاب جمع، وقرأ عاصم ويعقوب وسهل: بالياء، ثم وصف الأوثان فقال:
٢١ - ﴿أَمْوَاتٌ﴾
(يعني: هن) (٤) أموات ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: الأصنام ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ عبر عنها كما يعبر عن الآدميين، وقد مضت هذِه المسألة وقيل أراد به: وما يدري الكفار وعبدة الأوثان متى يبعثون؟
٢٢ - قوله : ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾
جاحدة غير عارفة ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ متعظمون.
٢٣ - ﴿لَا جَرَمَ﴾
حقًّا ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.
стр. 8349
يروى (١) أن الحسين بن علي ﵄ كان يجالس المساكين ثم يقول: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.
٢٤ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾
أي لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم مشركو مكة الذين اقتسموا على (٢) أعقاب مكة وأبوابها ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ (إذا سألهم) (٣) الحاج والوافد أيام الموسم عن رسول الله ﷺ وعن ماذا
стр. 8350
أُنزِل عليه ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أحاديثهم وأباطيلهم.
٢٥ - ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾
ذنوب أنفسهم التي هم عليها مقيمون كاملة وافية ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فيصدونهم عن الإيمان ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (ألا ساء الوزر الذي) (١) يحملون نظيرها قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ الآية.
قال رسول الله ﷺ : "أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فإن عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء" (٢).
стр. 8351
٢٦ - قوله : ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
وهو نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح ببابل فرام منها الصعود إلى السماء لينظر بزعمه (١) إلى إله إبراهيم، وقد مضت القصة (٢).
قال ابن عباس ﵄ ووهب (٣): كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع.
وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين فهبت (٤) ريح فألقت رأسه في البحر وخر عليهم الباقي وائتفكت بيوتهم فأحدث نمروذ، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن (٥) الناس يومئذ من الفزع فتكلموا بثلاثة (٦) وسبعين لسانًا فلذلك سميت بابل، وإنما كان لسان الناس
стр. 8352
قبل ذلك بالسريانية فذلك قوله :
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أي قصد تخريب بنيانهم من أصولها وأتاها (١) أمر الله وهو الريح التي خربتها ﴿فَخَرَّ﴾ فسقط ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ يعني أعلى (٢) البيوت ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ من مأمنهم.
٢٧ - ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾
أي يذلهم بالعذاب ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ﴾ تخالفون ﴿فِيهِمْ﴾ مالهم لا يحضرونكم فيدفعون عنكم العذاب (قراءة العامة بفتح) (٣) النون من قوله ﴿تُشَاقُّونَ﴾ إلا نافعًا (٤) فإنه كسرها على الإضافة ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم المؤمنون ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الهوان ﴿وَالسُّوءَ﴾ سوء العذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
٢٨ - قوله : ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾
يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالكفر نصب على الحال، أي: في كفرهم ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي: استسلموا وانقادوا وقالوا ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ من شرك (فقالت الملائكة
стр. 8353
لهم) (١) ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال عكرمة: عنى بذلك من قتل من قريش وأهل مكة ببدر (وقد أخرجوا) (٢) كرهًا.
٢٩ - ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾
عن الإيمان.
٣٠ - ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾
وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بأخبار النبي ﷺ فإذا جاء سأل الذين قعدوا على الطرق عنه (٣) فيقولون: ساحر وشاعر وكاهن وكذاب ومجنون فيأمرونه بالانصراف ويقولون (له: إنك) (٤) لو لم (تلقه كان خيرًا) (٥) لك: فيقول المسائل: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة وأستطلع أمر محمد وألقاه (٦)، فيدخل مكة فيرى أصحاب محمد (٧) ﷺ فيخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فذلك قوله ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وهم المؤمنون ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ فإن قيل: لم ارتفع جواب المشركين في
стр. 8354
قولهم: (أساطير الأولين) وانتصب جواب المؤمنين في قولهم: (خيرا) والصورتان واحد؟ فالجواب: أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل فلما سئلوا قالوا: أساطير الأولين يعنون: إنِّما يقوله (١) محمد أساطير الأولين والمؤمنون كانوا مقرين بالتنزيل، فلما قيل لهم: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ يعنون: أنزل خيرًا ثم ابتدأ فقال ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ كرامة من الله، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.
ثم فسرها فقال
٣١ - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾
بدل من (الدار) فلذلك ارتفع ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾.
٣٢ - قوله : ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾
مؤمنين، قال مجاهد (٢): زاكية أفعالهم وأقوالهم ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني: الملائكة ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
قال القرظي (٣): إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت
стр. 8355
فيقول: السلام عليك يا ولي الله! الله يقرأ عليك السلام ويبشرك بالجنة.
٣٣ - قوله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾
لقبض أرواحهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ يعني يوم القيامة، وقيل: العذاب ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بتعذيبه إياهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
٣٤ - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾
عقوبات كفرهم وأعمالهم الخبيثة ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ نزل بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
٣٥ - قوله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾
الذين اقتدينا بهم ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: البحيرة والسائبة (١) والوصيلة والحام ولولا أن الله رضيها لنا لغير ذلك
стр. 8356
ببعض عقوباته وهدانا إلى غيرها، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
٣٦ - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾
كما بعثنا فيكم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يعني بأن اعبدوا الله ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وهو كل معبود من دون الله ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ إلى دينه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ أي وجبت حتى مات على كفره ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
стр. 8357
٣٧ - قوله : ﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾
يا محمد ﴿عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ (من أضله الله) (١) قرأ أهل الكوفة (٢) (يَهدِي) بفتح الياء وكسر الدال، وله وجهان أحدهما: أن معناه: إن الله لا يهدي من أضله، والثاني: أن يكون يهدي بمعنى يهتدي، يعني من أضله الله لا يهتدي تقول (٣) العرب: هدى الرجل، وهم يريدون: يهتدي، وقرأ الآخرون: بضم الياء وفتح الدال، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم على معنى من أضله الله فلا هادي له دليله قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ (٤) ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
٣٨ - قوله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾
قال الربيع بن خثيم عن أبي العالية: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه وكان مما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا، فقال المشرك: وإنك تزعم أنك تبعث بعد الموت؟ وأقسم بالله لا يبعث الله من يموت فأنزل الله هذِه الآية، قال قتادة: ذكر لنا أن رجلًا قال لابن عباس ﵄: إن
стр. 8358
أناسًا (من أهل) (١) العراق يزعمون أن عليًّا ﵁ مبعوث قبل يوم القيامة ويتأوَّلون هذِه الآية، فقال ابن عباس ﵄ كذب أولئك، إنما هذِه الآية عامة للناس، لو كان علي (٢) ﵁ مبعوثًا قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، قال الله تعالى ردًّا عليهم ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وفي الخبر: أن الله تعالى يقول: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وشتمني ابن آدم ولم يكن له أن يشتمني، فأما تكذيبه إياي فحلفه بي: أني لا أبعث الخلق (٣) وأما شتمه (٤) إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا وأنا الواحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد (٥).
стр. 8359
٣٩ - قوله : ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾
هو مردود إلى قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ ليبين لهؤلاء المتكبرين والمقتسمين الذين يختلفون فيه ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾.
٤٠ - قوله : ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾
يقول الله تعالى: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائهم ولا في غير ذلك (١) مما يحدث؛ لأنا إذا أردنا خلق شيء وإنشاءه فإنما ﴿نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (قرأ ابن عامر والكسائي بالنصب هنا وفي يس) (٢) وفي هذِه الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق، وذلك أن الله أخبر أنه إذا (٣) أراد شيئًا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فلو كان قوله: ﴿كُنْ﴾ مخلوقًا لاحتاج إلى (قول ثان) (٤) واحتاج ذلك القول إلى قول ثالث، إلى ما لا نهاية له،
стр. 8360
فلما بطل ذلك ثبت أن الله خلق المخلوق بكلام غير مخلوق.
٤١ - قوله : ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾
عذبوا وأوذوا في سبيل الله، نزلت في بلال وصهيب وخباب (بن الأرت) (١) وعمار وعابس وجبير (٢) وأبي جندل بن سهيل أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم، وقال قتادة: يعني أصحاب محمد ﷺ ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم حتى لحق منهم طائفة بالحبشة (ثم بوأهم الله تعالى) (٣) المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار الهجرة وجعل لهم أنصارًا من المؤمنين (٤) ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أنزلهم المدينة وأطعمهم الغنيمة.
يروى (٥) أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين (عطاءه يقول) (٦): خذ بارك الله فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادّخر لك في الآخرة أفضل، ثم تلا هذِه الآية. وقال
стр. 8361
بعض أهل المعاني: مجاز قوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ لنحسنن إليهم في الدنيا حسنة ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
٤٢ - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾
(في الدنيا في) (١) الله على ما نابهم ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
٤٣ - قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾
نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد ﷺ وقالوا: الله أعظم من (أن يكون) (٢) رسوله بشرًا، فهلا بعث إلينا ملكًا ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ يعني: مؤمني أهل الكتاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
٤٤ - ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾
فإن قيل: ما الجالب (لهذِه الباء) (٣)؟ قيل: قد اختلف فيه فقال بعضهم: هي من صلة (أرسلنا). و (إلا) بمعنى غير، مجازه: وما أرسلنا من قبلك بالبينات غير رجال نوحي إليهم ولم نبعث ملائكة، وهذا كما تقول: ما ضرب إلا أخوك عمرًا، وهل كلم إلا أخوك عمرًا، بمعنى ما ضرب عمرًا غير أخيك، وما كلم عمرًا غير أخيك، قال أوس بن حجر:
أبني لبينى لستم بيد ... إلا يد ليست لها عضد
стр. 8362
يعني: غير يد، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١) يعني: غير الله.
وقال بعضهم: إنما هي على كلامين يريد: ما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا أرسلناهم بالبينات والزبر، واستشهد على ذلك بقول الأعشى:
وليس (٢) مُجيرَا إن أتى الحي خائف ... ولا قائلًا إلا هُوَ المتعيبا
وقال: لو كان ذلك على كلمة واحدة لكن خطأ؛ لأن المتعيب من صلة القائل، لكن جاز ذلك على كلامين كقول الأخطل:
نبئتهم عذبوا بالنار جارتهم ... وهل يعذب إلا الله بالنار
فتأويل الكلام: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
٤٥ - قوله : ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾
يعني: (الكفر والشرك مثل ما فعل) (٣) نمرود بن كنعان وغيره من
стр. 8363
الكفار وأهل الأوثان ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ أي: يغور بهم في الأرض ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
٤٦ - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾
العذاب ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ تصرفهم في الأسفار (١) بالليل والنهار ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ سابقي الله.
٤٧ - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾
قال الضحاك (٢) والكلبي (٣): هو من الخوف، يعني: يأخذ هذِه القرية ويترك هذِه القرية فيعذب طائفة ويدع طائفة فيتخوف الذين يدعهم مثل ما أصاب الآخرين، وقال سائر المفسرين (٤): التخوف، التنقص، يعني: تنقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم، يقال: تخوفته الدهر وتخونته، إذا نقصته، أخذت (٥) ماله وحشمه.
стр. 8364
وقال الهيثم بن عدي: (هي لغة لأزد شنوءة) (١) وأنشد:
تخوف (غدرهم مالي) (٢) وأهدى ... سلاسل في الحلوق لها صليل
وقال سعيد بن المسيب: بينا عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر فقال: أيها الناس! ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فسكت الناس، فقام شيخ فقال: يا أمير المؤمنين! هذِه لغتنا (٣) بني هذيل (٤)، التخوف: التنقص، فقال عمر ﵁:
стр. 8365
هل تعرف العرب ذلك في أشعارهم (١)؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي يصف ناقة (٢):
تخوف الرحل (٣) منها تامكا قردًا ... كما تخوف عود النبعة (٤) السفن
فقال عمر ﵁: عليكم بديوانكم لا تضل، قالوا وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني (٥) كلامكم ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حين لم يعجل العقوبة.
стр. 8366
٤٨ - قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾
قرأ حمزة والكسائي وخلف (تروا) بالتاء على الخطاب وقرأ (الآخرون) (١) بالياء خبرًا عن ﴿الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ وهو اختيار الأئمة ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني من جسم قائم له ظل ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ بالتاء (أهل البصرة) (٢) والباقون بالياء واختاره القاسم، ومعنى قوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ يميل فيرجع (٣) من جانب إلى جانب، فهي في أول النهار على حال ثم يتقلص (٤) ثم يعود إلى حالة (٥) أخرى في آخر النهار فميلانها ودورانها (٦) من موضع إلى موضع سجودها، ومنه قيل للظل بالعشي فيء؛ لأنه فاء من المغرب إلى المشرق، أي: رجع، والفيء: الرجوع، قال تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٧) ويقال: سجدت النخلة إذا مالت، وسجد البعير وأسجد، إذا أُميلَ للركوب، وبمثله
стр. 8367
قال في هذِه الآية أهل التأويل -قال الضحاك (١) وقتادة: أما اليمين فأول النهار، وأما الشمائل فآخر النهار، فيسجد الظلال لله غدوة إلى أن يفيء الظل، ثم يسجد أيضًا إلى الليل، وقال مجاهد (٢): إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله تعالى، وقال عبد الله بن عمر: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "أربع قبل الظهر -بعد الزوال- تحسب (٣) بمثلهن (في وقت) (٤) صلاة السحر، وليس شيء إلا وهو يسبح الله في تلك الساعة، ثم قرأ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ " (٥) الآية كلها.
стр. 8368
وقال الكلبي: الظل قبل طلوع الشمس عن يمينك وعن شمالك، وقدامك (١) وخلفك كذلك (٢) إذا غابت، وإذا طلعت كان قدامك، وإذا ارتفعت كان عن يمينك فإذا كان بعد ذلك كان خلفك فإذا (٣) كان قبل أن تغرب الشمس كان على يسارك فهذا تفيؤه، أي: تقلبه هاهنا وهاهنا وسجوده (٤)، وأما الوجه في توحيد اليمين وجمع الشمائل فهو أن من شأن العرب أنه إذا اجتمعت (علامتان في) (٥) شيء واحد أن تبقى واحدة وتلغي أخرى ويكتفي بالمبقي عن الملغي كقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (٦) وقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٧) وقال بعضهم: اليمين راجع إلى قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ
стр. 8369
﴿اللَّهُ﴾ و (لفظ ما) (١) واحد والشمائل راجعة إلى المعنى، ومثل هذا في الكلام كثير، قال الشاعر (٢):
بفي الشامتين الصخر إن كان هدّني ... رزية شبلي مخدر في الضراغم
وقال آخر (٣):
الواردون وتيم في ذرا سبأ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس (٤)
ولم يقل: بأفواه، ولا جلود. ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون.
٤٩ - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾
إنما أخبر بـ (ما) لغلبة ما لا يعقل عن من يعقل في العدد، وإنما يغلب الكثير أبدًا كتغليب (٥) المذكر على المؤنث ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ أراد
стр. 8370
من كل حيوان يدب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ (٢) ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ خص الملائكة بالذكر (٣) مع كونهم من جملة ما في السماوات والأرض لرفع شأنهم، وقيل: لخروجهم من جملة الموصوفين بالدبيب؛ إذ جعل الله لهم أجنحة، كما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ الآية (٤) فكان الطيران أغلب عليهم من الدبيب، وقيل أراد: ولله يسجد ما في السماوات من الملائكة وما في الأرض من دآبة ويسجد ملائكة الأرض ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
٥٠ - ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾
(يأتيهم العذاب) (٥) ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ إن عصوه ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (أي: يأمرهم) (٦) وقيل: معناه: يخافون ربهم الذي فوقهم بالقهر (٧)