← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

٤٨ - قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف (تروا) بالتاء على الخطاب وقرأ (الآخرون) (١) بالياء خبرًا عن ﴿الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ وهو اختيار الأئمة ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني من جسم قائم له ظل ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ بالتاء (أهل البصرة) (٢) والباقون بالياء واختاره القاسم، ومعنى قوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ يميل فيرجع (٣) من جانب إلى جانب، فهي في أول النهار على حال ثم يتقلص (٤) ثم يعود إلى حالة (٥) أخرى في آخر النهار فميلانها ودورانها (٦) من موضع إلى موضع سجودها، ومنه قيل للظل بالعشي فيء؛ لأنه فاء من المغرب إلى المشرق، أي: رجع، والفيء: الرجوع، قال تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٧) ويقال: سجدت النخلة إذا مالت، وسجد البعير وأسجد، إذا أُميلَ للركوب، وبمثله

стр. 8367

قال في هذِه الآية أهل التأويل -قال الضحاك (١) وقتادة: أما اليمين فأول النهار، وأما الشمائل فآخر النهار، فيسجد الظلال لله غدوة إلى أن يفيء الظل، ثم يسجد أيضًا إلى الليل، وقال مجاهد (٢): إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله تعالى، وقال عبد الله بن عمر: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "أربع قبل الظهر -بعد الزوال- تحسب (٣) بمثلهن (في وقت) (٤) صلاة السحر، وليس شيء إلا وهو يسبح الله في تلك الساعة، ثم قرأ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ " (٥) الآية كلها.

стр. 8368

وقال الكلبي: الظل قبل طلوع الشمس عن يمينك وعن شمالك، وقدامك (١) وخلفك كذلك (٢) إذا غابت، وإذا طلعت كان قدامك، وإذا ارتفعت كان عن يمينك فإذا كان بعد ذلك كان خلفك فإذا (٣) كان قبل أن تغرب الشمس كان على يسارك فهذا تفيؤه، أي: تقلبه هاهنا وهاهنا وسجوده (٤)، وأما الوجه في توحيد اليمين وجمع الشمائل فهو أن من شأن العرب أنه إذا اجتمعت (علامتان في) (٥) شيء واحد أن تبقى واحدة وتلغي أخرى ويكتفي بالمبقي عن الملغي كقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (٦) وقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٧) وقال بعضهم: اليمين راجع إلى قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ

стр. 8369

﴿اللَّهُ﴾ و (لفظ ما) (١) واحد والشمائل راجعة إلى المعنى، ومثل هذا في الكلام كثير، قال الشاعر (٢): بفي الشامتين الصخر إن كان هدّني ... رزية شبلي مخدر في الضراغم وقال آخر (٣): الواردون وتيم في ذرا سبأ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس (٤) ولم يقل: بأفواه، ولا جلود. ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون. ٤٩ - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إنما أخبر بـ (ما) لغلبة ما لا يعقل عن من يعقل في العدد، وإنما يغلب الكثير أبدًا كتغليب (٥) المذكر على المؤنث ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ أراد

стр. 8370

من كل حيوان يدب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ (٢) ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ خص الملائكة بالذكر (٣) مع كونهم من جملة ما في السماوات والأرض لرفع شأنهم، وقيل: لخروجهم من جملة الموصوفين بالدبيب؛ إذ جعل الله لهم أجنحة، كما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ الآية (٤) فكان الطيران أغلب عليهم من الدبيب، وقيل أراد: ولله يسجد ما في السماوات من الملائكة وما في الأرض من دآبة ويسجد ملائكة الأرض ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. ٥٠ - ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ (يأتيهم العذاب) (٥) ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ إن عصوه ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (أي: يأمرهم) (٦) وقيل: معناه: يخافون ربهم الذي فوقهم بالقهر (٧)

стр. 8371

والقدرة فلا يعجزه شيء ولا يغلبه أحد، كقوله تعالى ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (١) وقوله تعالى إخبارًا عن فرعون: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (٢). ٥١ - قوله : ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾. ٥٢ - ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ﴾ الطاعة والإخلاص ﴿وَاصِبًا﴾ دائمًا ثابتًا. قال ابن عباس ﵄ (٣): واجبًا، ومعنى الآية: ليس من أحد يدان له (٤) ويطاع إلا انقطع (ذلك عنه) (٥) (عند زوال) (٦) أو هلاك

стр. 8372

غير الله تعالى، فإن الطاعة تدوم له ونصب (١) واصبًا على القطع، قال الدؤلي: لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ... يومًا بذم الدهر أجمع واصبا أي دائمًا، قال الفراء (٢): ويقال: خالصًا ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾. ٥٣ - ﴿وَمَا بِكُمْ نِّعْمَةٍ﴾ قال الفراء: (ما) في معنى الجزاء، ولها فعل مضمر كأنه قال: وما يكن بكم من نعمة ﴿فَمِنَ اللهِ﴾ (لا من سواه) (٣) لذلك دخلت الفاء في قوله ﴿فَمِنَ اللهِ﴾ ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ تضجون وتصيحون بالدعاء والاستغاثة وأصله من جار (٤) الثور، إذا رفع صوته (٥) شديدًا

стр. 8373

من جوع أو فزع، قال الأعشى (١) يصف بقرة: فطافت ثلاثًا بين يوم وليلة ... وكان النكير (٢) أن تضيف (٣) وتجأرا ٥٤ - قوله ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ بعدما أخلصوا له الدعاء في حال البلاء. ٥٥ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ ليجحدوا نعمته فيما أعطاهم من النعماء وكشف الضر والبلاء ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هذا وعيد لهم. ٥٦ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ له حقًّا ولا فيه ضرًا ولا نفعًا ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من الأموال هو ما جعلوا لأصنامهم من حروثهم وأنعامهم، نظيره قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ (٤) ثم رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ﴾ يوم القيامة ﴿عَمَّا كُنُتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا.

стр. 8374

٥٧ - قوله : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ وهم خزاعة (١) وكنانة (٢)، قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ يعني: البنين، وفي قوله (٣) (ما) وجهان من الإعراب، أحدهما: الرفع على الابتداء، ومعنى الكلام: ويجعلون لله البنات ولهم البنون (٤) والثاني: النصب عطفًا على البنات، تقديره: ويجعلون لله البنات (٥) ويجعلون لهم البنين الذين يشتهونهم.

стр. 8375

٥٨ - قوله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الكراهية ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ممتلئ همًّا وغيظًا. ٥٩ - ﴿يَتَوَارَى﴾ يختفي ويتغيب ﴿مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ من الحزن والعار والحياء، ثم يتفكر ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ ذكّر الكناية، لأنها مردودة إلى (ما) ﴿علَى هُونٍ﴾ ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾ يخفيه ﴿في الْتُّرَابِ﴾ بيده (١) قال قتادة: وذلك أن مضر وتميمًا (٢) كانوا يدفنون البنات أحياء -زعموا- خوف الفقر وعليهم وطمع (٣) غير الأكفاء فيهن، وكان صعصعة (٤) عم

стр. 8376

الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت إبلًا يحييها بذلك فقال الفرزدق يفتخر بذلك: وعمي الَّذي منع الوائدات فأحيا الوئيد ولم يواد ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ بئس ما يقضون، لله البنات ولأنفسهم البنين، نظيره قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ (١). ٦٠ - قوله ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يعني: لهؤلاء الواصفين لله البنات ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ صفة السوء من احتياجهم إلى الأولاد وكراهيتهم الإناث منهم (٢) وقتلهم إياهن (٣)

стр. 8377

خوف الفقر وإقرارًا على أنفسهم بالبخل، كقول رسول الله ﷺ : "أكبر الكبائر أن تجعل لله نذًا وهو خلقك، ثم أن تقتل ولدك خشية (أن يأكل) (١) معك ثم أن تزني بحليلة جارك) (٢) " ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الصفة (٣) العليا وهي التوحيد والإخلاص. وقال ابن عباس ﵄: (مثل السوء) (٤): النار، والمثل الأعلى شهادة أن لا إله إلَّا الله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ٦١ - قوله : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ فيعاجلهم بالعقوبة على كفرهم وعصيانهم ﴿مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ أي: على

стр. 8378

ظهر الأرض، كناية عن غير مذكور (١) ﴿مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ (يمد لهم و) (٢) يمهلهم بحلمه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ منتهى آجالهم وانقضاء أعمارهم ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يسَتَئْخِرُونَ﴾ عنه (٣) ﴿سَاعَةً وَلَا يْسْتَقْدِمُونَ﴾ (ولا يتقدمون) (٤) قبله، قال عبد الله (٥) بن مسعود ﵁: لو عذب الخلائق بذنوب المذنبين لأصاب العذاب جميع الخلائق، حتَّى الجعل في جحرها، ولأمسك الأمطار عن السماء ولكن الله يأخذ بالعفو والفضل كما قال: ﴿وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٦). ٦٢ - قوله : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ لأنفسهم، يعني: البنات ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ﴾ وتقول ألسنتهم

стр. 8379

﴿الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ محل (أن) نصب بدل من الكذب (لأنه بيان وترجمة له، وقرأ ابن عباس والحسن الكذب) (١) برفع الكاف والذال والياء على نعت الألسنة، والكذب: جمع كذوب مثل رسول ورسل، وصبور وصبر، وشكور وشكر ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ يعني: البنين. ومعنى الآية: ويجعلون لله البنات ويزعمون أن لهم البنين، وقال يمان: يعني بـ (الحسنى) الجنّة في الميعاد (إن كان محمد صادقًا في البعث) (٢) ﴿لَا جَرَمَ﴾ حقًّا، وقال ابن عباس ﵄: بلى ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ في الآخرة ﴿وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ أي منسيون في النار، قاله ابن عباس (٣) ﵄. وقال سعيد بن جبير (٤): مبعدون. وقال مقاتل (٥): متركون.

стр. 8380

وقال قتادة (١): معجلون إلى النار. وقال الفراء (٢): مقدمون إلى النار، وقرأ نافع (٣): مُفْرِطُون بكسر الراء مع التخفيف، أي: مسرفون، وقرأ أبو جعفر (٤) بكسر الراء مع التشديد، أي: مضيعون أمر الله. ٦٣ - قوله : ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ رسلًا ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كما أرسلناك إلى هذه الأمة ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الخبيثة التي كانوا عليها مقبلين (٥) مقيمين ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَومَ﴾ ناصرهم وقرينه ومتولي أمرهم (٦) ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.

стр. 8381

٦٤ - قوله ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من الدين والأحكام ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ عطف بالهدى (١) والرحمة على موضع قوله ﴿لِتُبَيِّنَ﴾؛ لأن محله (٢) نصب، ومجاز الكلام: وما أنزلنا عليك الكتاب إلَّا بيانًا للناس وهدى ورحمة. ٦٥ - قوله ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: المطر ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بعد (٣) يبوستها وجدوبتها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سمع القلوب لا سمع (٤) الآذان. ٦٦ - قوله ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ لعظة ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ قرأ شيبة ونافع وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر بفتح النون وقرأ العامة (٥) بضمه، واختاره أبو عبيد، قال: لأنه شرب دائم، وحكى الكسائي أن العرب تقول: أسقيته نهرًا ولبنًا إذا جعله له سقيًا دائمًا، فأما إذا أرادوا أنهم أعطوه شربة قالوا: سقيناه. وقال غيره: هما لغتان، يدل عليه قول لبيد في صفة سحاب: سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرًا والقبائل من هلال

стр. 8382

فجمع بين اللغتين. ﴿مِمَّا في بُطُونِهِ﴾ ولم يقل: بطونها، والأنعام جمع. قال الفراء (١): رد الكناية على النعم، والنعم (٢) والأنعام واحد ولفظ: النعم مذكر، و (استشهد لذلك بـ) (٣) رجز بعض الأعراب: إذا رأيت أنجما من الأسد ... جبهته (أو الخراة) (٤) والكتد بال سهيل في الفضيخ ففسد ... و (طاب ألبان) (٥) اللقاح فبرد ولم يقل: بردت؛ لأنه رده إلى اللبن. قال أبو عبيدة والأخفش: النعم يذكر ويؤنث، فمن أنث فلمعنى

стр. 8383

الجمع، ومن ذكر فلحكم اللفظ؛ ولأنه لا واحد له في لفظه، قال الشاعر في تذكيره: أكل (١) عام نعم تحوونه يلقحه قوم وتنتجونه أربابه نوكى فلا تحمونه (٢) وقال الكسائي: ردَّه إلى (ما)، أراد: في بطون ما ذكرنا وقال بعضهم، أراد: بطون هذا الشيء كقوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَءَا الْشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ (٣). وقوله: ﴿وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ (٤) ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ (٥). ولم يقل: جاءت، وقال زياد الأعجم (الصلتان العبدي) (٦): إن المروءة والسماحة ضمتا ... قبرًا بمرو على الطريق الواضح وقال آخر:

стр. 8384

وعفراء أدنى الناس مني مودة ... وعفراء عني المعرض المتواني وقال آخر: إذ الناس ناس والبلاد بغيطه ... وإذ أم عمار صديق مساعف كل ذلك على معنى: هذا الشيء وهذا الشخص. وقال المؤرج: الكناية مردودة إلى البعض والجزء، كأنه قال: نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس (في كلها) (١) اللبن، وإنما نسقي من ذوات اللبن، واللبن فيه مضمر ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ﴾ وهو ما كان في الكرش فإذا خرج منه (لا يسمى) (٢) فرثًا ﴿وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ خلص من الدم والفرث فلم يختلط بهما ﴿سَائِغًا لِلْشَّارِبِيْنَ﴾ جائزًا هينًا يجوز في الحلق ولا يغص به شاربه، وقيل: إنه لم يغص أحد بلبن قط. قال ابن عباس ﵄: إذا أكلت الدابة العلف فاستقر في كرشها طحنته (٣) وكان أسفله فرثًا وأوسطه لبنًا وأعلاه دمًا، والكبد

стр. 8385

مسلط على هذِه الأصناف الثلاثة يقسم فيجري الدم في العروق ويجري اللبن في الشرع ويبقى الفرث كما هو. ٦٧ - قوله : ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ يعني: ولكم أيضًا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب ما ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ والكناية في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ عائدة إلى (ما) المحذوف ﴿سَكَرًا وَرِزقًا حَسَنًا﴾ فقال قوم: السكر: الخمر، والرزق الحسن: الخل والرُّبُّ والتمر والزبيب، قالوا: هذا قبل تحريم الخمر، وإلى هذا ذهب ابن مسعود وابن عمر (١) وسعيد بن جبير (٢)

стр. 8386

وأبو رزين وإبراهيم والحسن ومجاهد (١) وعبد الرحمن بن أبي ليلى والكلبي، وهي رواية عمرو بن سفيان البصري (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: السكر: ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن: ما أحل من ثمرتيهما، وقال قتادة: أما السكر فمخمور هذِه الأعاجم، وأما الرزق الحسن فهو (ما تنتبذون وما تخللون وما تأكلون - قال -) (٣) ونزلت هذِه الآية ولم يحرم الخمر يومئذ وإنما نزل تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة، وقال الشعبي (٤)، السكر

стр. 8387

ما شربت والرزق الحسن ما أكلت، روى العوفي (١) عن ابن عباس ﵄ أن الحبشة يسمون الخل سكرًا، وقال بعضهم: السكر النبيذ المسكر -وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد- والمطبوخ من العصير. وهو قول الضحاك (٢) والشعبي برواية مجالد (٣) وأبي روق (٤)، وقول النخعي (٥) ورواية الوالبي عن ابن عباس ﵄، وقيل (٦): هو نبيذ التمر. قال ﷺ : "الخمر ما اتخذ من العنب، والسكر من التمر، والبتع من العسل، والمزر والغبيراء من الحنطة وأنا أنهاكم عن كل مسكر" (٧).

стр. 8388

وقال أبو عبيدة: السكر من (١) الطعم، يقال: هذا سكر لك أي طعم، وأنشد: جعلت عيب الأكرمين سكرًا (٢) ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٦٨ - قوله : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ أي: ألهمها وقذف في أنفسها ففهمته، النحل: زنابير العسل، واحدتها نحلة ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (يَبْنُون و) (٣) قال ابن زيد: هو الكروم.

стр. 8389

٦٩ - ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ليس معنى (الكل) العموم كقوله تعالى ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) قوله تعالى ﴿تُدَمِّرُ كُلُّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٢) ﴿فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ﴾ فادخلي طرق ربك (٣) ﴿ذُلُلًا﴾ قال بعضهم: الذلل نعت للطريق (٤) ويقال: هي مذللة للنحل (وقال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان سلكته، وقال آخرون: الذلل نعت النحل، و) (٥) قال قتادة (٦) وغيره: مطيعة منقادة بالتسخير ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ بيض وأحمر وأصفر ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. يروى أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إن أخي يشتكي بطنه فقال: "اسقه عسلًا" فذهب ثم رجع فقال: إني سقيته فلم يغن عنه شيئًا فقال ﷺ : "اذهب فاسقه عسلًا" ... ثم رجع ... فقال: "صدق الله وكذب بطن أخيك" فسقاه فبرأ كأنما أنشط من عقال (٧).

стр. 8390

[١٦٥١] حدثثاه (١) عبد الله بن حامد الوزان (٢) قال: حدثنا مكي ابن عبدان (٣) قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر (٤) قال: حدثنا يحيى بن سعيد (٥)، عن شعبة (٦)، عن أبي المتوكل (٧)، عن أبي سعيد الخدري (٨) ﵁ (٩). وقال مجاهد (١٠): ﴿فِيْهِ شِفَاءٌ للنَّاسِ﴾ أي: في القرآن، والقول الأول أولى بالصواب وأليق بظاهر الكتاب. [١٦٥٢] أخبرني أبو الحسن محمد بن القاسم (١١) الفقيه قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يزيد العدل (١٢) قال: حدثنا الحسن بن

стр. 8391

سفيان (١) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٢) قال: حدثنا وكيع (٣)، عن سفيان (٤)، عن أبي الأحوص (٥)، عن عبد الله (٦) ﵁ قال: العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور (٧). [١٦٥٣] وبإسناده عن أبي بكر (٨) قال: حدثنا أبو معاوية (٩) عن الأعمش (١٠)، عن خيثمة (١١)، عن الأسود (١٢) قال: قال عبد الله (١٣)

стр. 8392

- ﵁: عليكم بالشفاءين: القرآن والعسل (١). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعتبرون (٢). ٧٠ - قوله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ صبيانًا أو شبانًا أو كهولًا ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي: أردئه يقال منه: رذل الرجل، أي: فسد، رذالة ورذلا ورذلًا أنا، قال ابن عباس ﵄ (٣): يعني: إلى أسفل العمر، وقال مقاتل (٤): يعني: الهرم، وقال ابن زيد: الخرف، وقال قتادة: أرذل العمر تسعون سنة (٥).

стр. 8393

وروى الأصبغ بن نباتة (١) عن علي ﵁ قال: أرذل العمر خمس وسبعون سنة ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ﴾ لكي لا يعقل من بعد عقله الأول ﴿شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ نظيرها في سورة الحج (٢). * * *

стр. 8394

٧١ - قوله : ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ في الرزق ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ على ما ملكت أيمانهم من العبيد حتَّى يستووا هم وعبيدهم، في ذلك يقول جل ثناؤه: ﴿فَهُمْ فِيهِ﴾ لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقناهم ﴿سَوَاءٌ﴾ وقد جعلوا عبيدي ومماليكي شركائي في ملكي وسلطاني يلزم بهذا المثل الحجة على المشركين، قال قتادة ﵀: هذا مثل ضربه الله : فهل منكم من أحد يشرك مملوكه في زوجته وفراشه وماله؟ أفتعدلون بالله تعالى خلقه وعباده (١)؟ فإن لم ترض لنفسك هذا فالله أن يُنزَّه من ذلك ولا يعدل به أحد من عباده (٢). قال ابن عباس ﵄ (٣): نزلت هذِه الآية في نصارى

стр. 8395

نجران حين (١) قالوا: عيسى ابن الله يقول: لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق حتَّى يكون المولى والمملوك في المال شرعًا (٢) سواء فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؛ نظيرها في سورة الروم ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ انْفُسِكُمْ﴾ (٣) الآية. ثم قال : ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بالإشراك به، قرأ عاصم برواية أبي بكر بالتاء (٤)، لقوله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ﴾ وقرأ الباقون: بالياء، لقوله: ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقرب الخبر عنه. ٧٢ - قوله : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ خلق لكم ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ يعني: النساء؛ لأنه خلق من آدم زوجته حواء ﵉ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنَيْنَ وَحَفَدَةً﴾ قال ابن

стр. 8396

مسعود (١) والنخعي وابن جبير وأبو الضحى: هم الأصهار، وأختان الرجل علي بناته (٢). وروى شعبة (٣) عن عاصم بن بهدله (٤) قال: سمعت زِرّ بن حبيش (٥) -وكان رجلًا عربيًّا أدرك الجاهلية- قال: كنت أمسكت على عبد الله ﵁ المصحف فأتى على هذِه الآية فقال: أتدري ما الحفدة؟ قلت: هم (٦) حشم الرجل، قال: لا، ولكنهم الأختان (٧)،

стр. 8397

وهذِه رواية الوالبي عن ابن عباس (١) ﵄ وقال عكرمة والحسن (٢) والضحاك (٣): هم الخدم، وقال مجاهد وأبو مالك (٤): هم (٥) الأعوان والأنصار، وهي رواية أبي جمرة (٦)، عن ابن عباس ﵄ قال: ما أعانك فقد حفدك، أما سمعت قول الشاعر (٧): حفد الولائد حولهن وأسلمت ... بأكفهن أزقة الإجمال

стр. 8398

وقال عطاء (١): هم (٢) ولد الرجل الذين (٣) يعينونه ويحفدونه ويرفدونه ويخدمونه. وقال قتادة (٤): مهنة يمتهنونكم على عملكم (٥) ويخدمونكم من أولادكم، وقال مقاتل والكلبي: البنون (٦) الصغار، الحفدة كبار الأولاد الذين يعينونه على عمله. وروى مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أنهم ولد (٧) الولد وقال ابن زيد: هم بنو المرأة من الزوج الأول، وهي رواية العوفي (٨) عن ابن عباس ﵄ قال: بنو امرأة

стр. 8399

الرجل ليسوا منه، وقال القتيبي: أصل الحفد مداركة الخطو والإسراع في المشي فقيل لكل من أسرع في الخدمة والعمل: حفدة واحدهم: حافد، ومنه يقال في دعاء الوتر: وإليك نسعى (١) ونحفد، أي: نسرع في العمل بطاعتك، وأنشد ابن جرير للراعي: كلفت مجهولها نوقًا يمانية ... إذا الحداة على أكسائها حفدوا ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس ﵄: بالأصنام (٢) ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ يعني التوحيد، وقيل: الباطل، الشيطان أمرهم بتحريم البحيرة (٣) والسائبة (٤) والوصيلة (٥)

стр. 8400

والحام (١) وبنعمة الله ما أحل الله لهم، هم يكفرون يجحدون تحليله ٧٣ - قوله : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: المطر ﴿الْأَرْضِ﴾ النبات ﴿شَيْئًا﴾ قال الأخفش (٢): هو بدل من الرزق وهو في معنى: لا يملكون من الرزق شيئًا قليلًا ولا كثيرًا، وقال الفراء (٣): نصب شيئًا بوقوع الفعل عليه كما قال تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ (٤) أي: تكفت الأحياء والأموات، ومثله قوله تعالى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾ (٥) ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ولا يقدرون على شيء.

стр. 8401

٧٤ - ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ أي: الأشباه والأشكال فتشبهوه (١) بخلقه و (تجعلون له شركاء وشبهاه) (٢) فإنه واحد لا مثل له ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ خطأ ما تضربون له من الأمثال ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ صواب ذلك من خطئه، ثم ضرب الله مثلًا للمؤمن والكافر فقال عز من قائل: ٧٥ - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هذا مثل الكافر رزقه الله تعالى مالًا فلم يقدم منه خيرًا ولم يعمل فيه بطاعة الله ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ هذا مثل المؤمن أعطاه الله تعالى مالًا فعمل فيه بطاعة الله وأنفقه فيما يرضي الله سرًّا وجهرًا، فأثابه على ذلك النعيم المقيم في الجنّة ﴿هَل يَسْتَوُونَ﴾ ولم يقل: هل يستويان لمكان (من)؛ لأنها اسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا﴾ (٣) ثم قال: ولا يستطيعون بالجمع لأجل ما، ومعنى الآية: هل يستوي هذا الفقير البخيل والغني السخي، وكذلك لا يستوي الكافر العاصي المخالف

стр. 8402

لأمر الله تعالى والمؤمن المطيع (١) له، وروي (٢) عن ابن جريح، عن عطاء قال: عبدًا مملوكًا: أبو جهل بن هشام، ومن رزقناه منا رزقًا حسنا: أبو بكر الصديق ﵁، ثم قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقول الله : ليس الأمر كما يفعلون ولا القول كما يقولون ما للأوثان عندهم (٣) من يد ولا معروف فتحمد عليه (٤) إنما الحمد الكامل لله خالصًا؛ لأنه هو المنعم (الخالق والرازق) (٥) ولكن أكثر هؤلاء الكفار (٦) لا يعلمون أنها كذلك، ثم مثلًا (٧) آخر لنفسه وللأصنام، فقال عز من قائل: ٧٦ - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ﴾ ثقل ووبال وعيال ﴿عَلَى مَوْلَاهُ﴾ ابن عمه (٨) وأهل ولايته ﴿إِيْنَمَا

стр. 8403

يُوَجِّهْهُّ﴾ يرسله ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾؛ لأنه لا يدري ولا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه، قرأ ابن مسعود ﵁ ومجاهد (١): أينما يوجه لا يأت بخير، هذا مثل الصنم الَّذي لا يسمع ولا ينطق ولا يعقل كَلٌّ على عابده يحتاج أن يحمله ويضعه (٢) ويخدمه ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ يعني: الله قادر (على أن يخلق) (٣) مثلكم (متكلم يأمر) (٤) بالتوحيد (فليس بصنمكم) (٥) ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقيل: هو رسول الله ﷺ يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (٦).

стр. 8404

وقال الكلبي: هو يدلكم على صراط مستقيم. وقال آخرون: بل كلا المثلين للمؤمن والكافر وهي رواية عطية (١) ابن عباس ﵄. وروى إبراهيم (عن عكرمة عن يعلى) (٢) ابن منية عن ابن عباس

стр. 8405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →