← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

الرجيم، وكان ابن عمر ﵄ يتعوذ في نفسه. وقال الشافعي ﵀: إن شاء جهر بها وإن شاء أسرّ بها. الاختيار الإخفاء فيه (١) ليفرق ما (٢) بين ما هو قرآن وبين ما هو ليس بقرآن. وأما لفظ الاستعاذة فالأولى والمستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم نص القرآن والخبر المتصل والمسلسل، وهو: [١٦٥٦] أني قرأت على الشيخ أبي الفضل محمد بن جعفر الخزاعي (٣): أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال في: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإني قرأت على أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد (٤) بالبصرة فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإني قرأت على أبي محمد عبد الله بن عجلان الزنجاني (٥)

стр. 8437

فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإني قرأت على أبي عثمان إسماعيل بن إبراهيم الأهوزاني (١) فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإني قرأت على محمد بن عبد الله بن بسطام (٢) فقلت: أعوذ بالله السميع العليم فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن قرأت على روح بن عبد المؤمن (٣) فقلت: أعوذ بالسميع العليم فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولقد قرأت على يعقوب الحضرمي (٤) فقلت أعوذ بالله السميع العليم فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على سلام بن (سليمان، أبي) (٥) المنذر فقلت: أعوذ بالله السميع العليم فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عاصم (٦) فقلت: أعوذ بالله السميع العليم فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على زر بن حبيش (٧)، فقلت: أعوذ بالله السميع العليم فقال

стр. 8438

لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عبد الله بن مسعود (١) ﵁ فقلت: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: "يا ابن أم عبد، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل ﵇ عن القلم عن اللوح المحفوظ" (٢)، قال ابن عجلان: وهكذا علمني أخي أحمد (٣) فقال: هكذا علمني أبي (٤) وقال: هكذا (٥) علمني وكيع بن

стр. 8439

الجراح وقال: هكذا علمني (١) سفيان الثوري. ٩٩ - قوله : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَان﴾ حجة ولا (٢) ولاية ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال سفيان (٣): ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب (٤) لا يغفر. ١٠٠ - ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يطيعونه ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ أي: بالله ﴿مُشْرِكُونَ﴾ وقال بعضهم: الكناية راجعة إلى الشيطان مجاز الكلام: الذين هم من أجله مشركون بالله، وهذا كما يقال: صار فلان بك عالمًا، أي: من أجلك وبسببك. ١٠١ - قوله : ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ يعني: إذا نسخنا آية فأبدلنا مكانه حكمًا آخر ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا

стр. 8440

يُنَزِّلُ﴾ يغير ويبدل (وهو أعلم) (١) بما هو أصلح لخلقه فيما يبدل من أحكامه ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿مُفْتَرٍ﴾ وذلك أن المشركين قالوا: إن محمد يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدًا، و (ينهاهم عما) (٢) هو أهون عليهم وما هو إلا يتقوله من تلقاء نفسه، قال الله : ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة القرآن وبيان الناسخ والمنسوخ من الأحكام. ١٠٢ - ﴿قُل نَزَلَهُ﴾ يعني: القرآن ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ يعني جبريل ﵇ ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (تثبيتًا للمؤمنين) (٣) وتقوية لإيمانهم ليزدادوا تصديقًا ويقينًا ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. ١٠٣ - قوله : ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ آدمي وما هو من عند الله، واختلف العلماء في هذا البشر من هو (٤)؟ فقال ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ يعلم قينا (٥)

стр. 8441

بمكة اسمه: بلعام وكان نصرانيًا أعجمي اللسان، فكان المشركون يرون رسول الله ﷺ حين يدخل عليه وحين يخرج من عنده فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١). وقال عكرمة وقتادة (٢): كان النبي ﷺ يقرئ (٣) غلامًا لبني المغيرة (٤) يقال له يعيش، وكان يقرأ الكتب، فقالت قريش: إنما

стр. 8442

يعلمه يعيش فأنزل الله هذِه الآية. وقال الفراء (١): قال المشركون إنما يتعلمه (٢) محمد من عائش، مملوك كان لحويطب بن عبد العزى، وكان قد أسلم فحسن إسلامه، وكان أعجميًا، فأنزل الله تعالى هذِه الآية. وقال ابن إسحاق: كان رسول الله ﷺ فيما بلغني -كثيرًا ما يجالس عند المروة إلى غلام (رومي نصراني) (٣) يقال له: جبر عبد لبعض (٤) ابن الحضرمي، فكان يقرأ الكتب فقال المشركون: والله ما يعلم محمدًا كثيرًا مما يأتي به إلا جبر النصراني، فأنزل الله تعالى الآية. وقال طلحة بن عمرو: بلغني أن خديجة ﵂ (٥) كانت تختلف إلى جبر فكانت قريش تقول: إن (٦) عبد بني (٧) الحضرمي يعلم خديجة وخديجة تعلم محمدًا، فنزلت هذِه الآية. وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي (٨): كان لنا عبدان من أهل عين

стр. 8443

التمر (١) يقال لأحدهما (٢) يسار ويكنى أبا فكيهة والآخر جبر، وكانا يصنعان (٣) السيوف بمكة وكانا يقرءان التوراة والإنجيل، وربما بهما رسول الله ﷺ ويستمع، قال الضحاك: وكان ﵇ إذا رءاه المشركون (٤) يقعد إليهما ويستريح بكلامهما قالوا (٥) إنما يتعلم محمد منهما فنزلت (٦) هذِه الآية.

стр. 8444

وقال السدي (١): كان بمكة رجل نصراني يقال له أبو ميسرة، يتكلم بالرومية فربما يقعد إليه النبي ﷺ ، فقال (الكفار: إنما يتعلم منه محمد) (٢) فنزلت هذِه الآية. وروى علي بن الحكم (٣) وعبيد بن سليمان عن الضحاك ﴿إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ قال: كانوا يقولون غنما يعلمه سلمان الفارسي (قلت وهذا) (٤) قول غير مرضي، لأن سلمان ﵁ إنما أتى النبي ﷺ (في المدينة) (٥) وهذِه الآية مكية، قال الله تعالى تكذيبًا لهم وإلزامًا للحجة عليهم: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ أي (٦) يميلون ويشيرون.

стр. 8445

خص الكسائي (١) هذا الحرف من بين سائر الحروف فقرأ بفتح الياء والحاء؛ لأنه كان يحدثه عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ (٢) كذلك ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ والفرق بين الأعجمي والعجمي، والعربي والأعرابي: أن (٣) الأعجمي الذي لا يفصح وإن كان نازلًا بالبادية، والعجمي منسوب إلى المعجم وإن كان فصيحًا، والأعرابي البدوي والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن فصيحًا ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ فصيح وأراد باللسان القرآن؛ لأن

стр. 8446

العرب (تسمي القصيدة واللغة لسانًا) (١) كقول الشاعر: لسان السوء تهديها إلينا ... وخنت وما حسبتك أن تخونا (٢) يعني باللسان القصيدة والكلمة. ١٠٤ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ لإيمانهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم إن الله سبحانه بعد ما أخبر عن افتراء المشركين على رسول الله ﷺ فيما نسبوه إليه من الافتراء على الله بين أنهم هم المفترون دونه. ١٠٥ - فقال الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ لا محمد ﷺ . [١٦٥٧] أخبرنا أبو حفص (٣) عمر بن (أحمد الجوري) (٤) العدل

стр. 8447

قال: أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن عمر بن حفص الزاهد (١) قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق (٢) قال: حدثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر (٣) قال: حدثنا (أبو زياد يزيد بن عبد الله) (٤) قال: حدثنا يعلي بن الأشدق (٥)، عن عبد الله بن جراد (٦) قال قلت: يا رسول الله ﷺ المؤمن يزني؟ قال: "قد يكون ذلك"، قلت يا رسول الله! المؤمن يسرق؟ قال: "قد يكون ذلك" قلت يا رسول الله! المؤمن يكذب؟ قال: "لا، (قال الله ) (٧) ﴿إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (٨).

стр. 8448

[١٦٥٨] وأخبرنا أحمد بن أبي (١) قال: أخبرنا محمد بن عمران (٢) قال: حدثنا الحسن بن سفيان (٣) قال: حدثنا حبان (٤) قال: أخبرنا عبد الله (٥)، عن إسماعيل بن أبي خالد (٦)، عن قيس بن حازم (٧) قال سمعت أبا بكر (٨) ﵁ يقول: إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإيمان (٩).

стр. 8449

١٠٦ - قوله : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ اختلف النحاة في العامل في ﴿مِّن﴾ في قوله تعالى: ﴿مَن كفَرَ باللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ فقال نحاة الكوفة: جوابهما جميعًا في قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ لأنهما جزاءان اجتمعا، أحدهما منعقد بالآخر فجوابهما واحد، كقول القائل: من يأتنا ممن يحسن نكرمه، بمعنى: من يحسن ممن يأتنا نكرمه، وقال أهل البصرة: قوله: ﴿مَّن كَفَر﴾ مرفوع بالرد على الذين في قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ومعنى الكلام: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، ثم استثنى تعالى فقال: ﴿إِلَّا مَن أُكرِه﴾ على الكفر ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ قال ابن عباس ﵄: نزلت هذِه الآية في عمار ﵁ وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسرًا وأمه سمية وصهيبًا وبلالًا وخبابًا وسالمًا ﵃ فعذبوهم، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قبلها، وقيل لها: إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقتل زوجها ياسر -وهما ﵄ أول قتيلين في الإسلام رحمة الله ورضوانه (١) عليهما- وأما عمار ﵁ فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها (٢).

стр. 8450

قال قتادة (١): أخذ بنو المغيرة عمارًا وغطوه في بئر ميمون وقالوا

стр. 8451

له: أكفر بمحمد فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فأُخبِرَ رسولُ الله ﷺ أن عمارًا كفر فقال: "كلا إنَّ عمارًا ملئ إيمانًا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه" فأتى عمار (١) ﵁ رسول الله ﷺ وهو يبكي فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه و (يقول) (٢): "مالك؟ إن عادوا لك فعد لهم (بمثل ما) (٣) قلت لهم" فأنزل الله تعالى هذِه الآية. وقال مجاهد: نزلت في ناس من أهل مكة امنوا فكتب إليهم بعض (أصحاب محمد ﷺ ) (٤) أن هاجروا فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم فكفروا كارهين (٥). [١٦٥٩] أخبرنا سعيد بن محمد (٦)، قال: أخبرنا مكي بن عبدان (٧)، قال: حدثنا (٨) أحمد بن الأزهر (٩)، قال: حدثنا روح بن عبادة (١٠)، قال:

стр. 8452

حدثنا ابن عون (١)، عن محمد بن سيرين (٢) ﵀ قال: حُدّثنا أن هذِه الآية ثزلت في عياش بن أبي ربيعة، وكان عياش من المهاجرين الأولين وإنما (قصر به) (٣) أن يكون بلغ ما بلغ أصحابه هذِه الفعلة [أنه] (٤) كان قدم مهاجرًا، وكان برا بأمه فحلفت لا تأكل خبزًا (أو قال) (٥) لا تشبع من الخبز حتى يرجع إليها ابنها، قال فقدم عليه فرعون (أراد أبا جهل) (٦) ورجل آخر فأرادا أن يرجع معه وكان أخاه لأمه (٧) فقال له عمر ﵁: لا تفعل، إن أمك لو قد (٨) جاعت لأكلت ولو قد شمست لأستظلت فقال فآتيها (٩) فألقاها ثم أرجع فقال إما لا (١٠) فلا تعطين راحلتك أحدًا، فإنه لا يزال لك من أمرك النصف ما لم تعط راحلتك أحدًا، فانطلق هو وفرعون والرجل معه (١١) فلما كان ببعض الطريق قام (١٢) فرعون -فوصف

стр. 8453

ابن عون أنه مد يده- وقال (١): لو تحول كلُّ واحد منا على راحلة صاحبه! فتحول كل واحد منهما على راحلة صاحبه، فساروا فقام (٢) فرعون بالسوط على رأسه وحلف باللات والعزى فلم يزل به حتى أعطاه الذي أراد بلسانه، ثم انطلق فرجع، ففيه أنزلت (٣) هذِه الآيات (٤) ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ حتى ختم العاشرة (٥). وقال مقاتل (٦): نزلت في جبر مولى عامر بن الحضرمي، أكرهه سيده على الكفر فكفر مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان، ثم أسلم مولى

стр. 8454

جبر وحسن إسلامه (١) وهاجر جبر مع مولاه ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي فتح صدره للكفر بالقبول وأتى به على اختيار واستجاب ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في هذِه الآية دليل (٢) أن حقيقة الإيمان والكفر تتعلق بالقلب دون اللسان وأن اللسان هو المعبر والترجمان. ذكر حكم الآية: (أجمع الفقهاء على أن المكره) (٣) على الكفر وعلى شتم الرسول ﷺ والأصحاب (ترك الصلاة) (٤) وقذف المحصنات وما أشبهها من ترك الطاعات (وارتكاب المنهيات) (٥) بوعيد متلف أو ضرب شديد

стр. 8455

لا يحتمله أن له أن يفعل ما أكره عليه، فإن أبى ذلك حتى يعطب في الله فهو أفضل (١) وأما الإكراه على الطلاق فاختلفوا فيه: فأجاز أهل العرق (٢) طلاق المكره، وكذلك قالوا في الإكراه على النذر والأيمان والرجعة ونحوها رأوا ذلك كله جائزًا، ورووا في ذلك أحاديث واهية الأسانيد. فأما مالك والأوزاعي والشافعي فإنهم أبطلوا طلاق المكره وقالوا: إنا لما وجدنا الله تعالى عذر المكره على شيء ليس وراءه في الشر مذهب -وهو الكفر- ولم يحكم به عليه مع الإكراه علمنا ما دونه (أولى بالبطلان) (٣) وأحرى بالعذر، وهو قول عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب والقاسم بن مخيمرة وعبيد ابن عمير والشعبي (٤) وفي هذِه المسألة مذهب ثالث وهو: أنه أجاز

стр. 8456

طلاق المكره إذا كان الإكراه من السلطان، ولم يجز ذلك إذا كان الإكراه من غير سلطان (١). ١٠٧ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾ ١٠٨ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨)﴾ ١٠٩ - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾ ١١٠ - قوله : ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾

стр. 8457

أي عذبوا ومنعوا من الإسلام، فتنهم المشركون ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ على الإيمان والهجرة والجهاد ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي من بعد تلك الفتنة و (الفعلة) (١) ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت في عياش بن ربيعة -أخي أبي جهل من الرضاعة- وأبي جندل ابن سهيل بن عمرو، والوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام وعبد الله بن أسيد الثقفي ﵃ فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا فأنزل الله فيهم هذِه الآية (٢). وقال الحسن وعكرمة (٣): نزلت هذِه الآية في عبد الله بن سعد بن أبي (٤) سرح وكان يكتب للنبي ﷺ فاستزله (٥) الشيطان فلحق بالمشركين (٦) فأمر النبي ﷺ أن يقتل يوم فتح مكة فاستجار له

стр. 8458

عثمان (١) ﵁ -وكان أخاه لأمه- فأجاره رسول الله ﷺ ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢). وأما قوله : ﴿فُتِنُوا﴾ بفتح الفاء والتاء فقراءة ابن عامر) (٣) رده إلى من أسلم من المشركين الذين فتنوا المؤمنين واعتبر بقوله ﴿جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ فأخبر بالفعل عنه. وقرأ (٤) الباقون بضم الفاء وكسر التاء اعتبارًا بقوله -فيما قبله- ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾. ١١١ - قوله: : ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ تخاصم وتجادل (٥) وتحتج عن نفسها بما أسلفت من خير وشر مشتغلًا بها (٦) لا يتفرغ إلى غيرها، والنفس يذكر وتؤنث ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

стр. 8459

روى صالح المري (١)، عن جعفر بن زيد (٢) قال عمر بن الخطاب ﵁ لكعب الأحبار (٣): يا كعب! خوفنا، هيجنا، حدثنا حديثا تنبهنا به، فقال: يا أمير المؤمنين! والذي نفسي بيده لو وافيت القيامة بمثل عمل سبعين نبيًا لأتت عليك تارات وأنت لا (تهمك إلا نفسك وإن) (٤) لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وقع جاثيًا على ركبتيه حتى إن إبراهيم خليل الرحمن ﵇ ليدلي بالخلة فيقول: يا رب! أنا خليلك إبراهيم لا أسألك (٥) إلا نفسي، كان تصديق ذلك الذي أنزل عليكم ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ﴾ الآية (٦). وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ في هذِه الآية قال:

стр. 8460

تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى يخاصم الروح الجسد فيقول الروح: يا رب (الروح منك وأنت خلقته لم يكن في يد أبطش بها ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها) (١) ويقول الجسد: إنما خلقتني كالخشب (ليس في يد أبطش بها ولا عين أبصر بها ولا رجل أمشي بها) (٢) فجاء هذا كشعاع (النور فيه نطق) (٣) لساني وبه أبصرت عيني [وبطشت يدي] (٤) وبه مشت رجلي فجرد عليه العذاب قال: فيضرب الله لهما (٥) مثل أعمى ومقعد دخلا حائطًا فيه ثمار فالأعمى لا ينظر الثمر، والمقعد، [يرى] (٦) ولا يناله فنادى (٧) المقعد الأعمى:

стр. 8461

ائتني هنا حتى تحملني قال فدنا منه فحمله فأصابا من الثمر فعليهما العذاب (١). ١١٢ - قوله : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ يعني مكة ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾ لا يهاج فيها (٢) أهلها ولا يغار عليها ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال للانتجاع (٣) كما يحتاج إليه سائر العرب ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ يحمل إليها من البر والبحر، نظيره قوله : ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ جمع نعمة، وقيل: جمع نعم، وقيل: جمع نعماء مثل بأس وبؤس وأبؤس ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ فابتلاهم الله بالجوع سبع سنين وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله ﷺ حتى جهدوا (وأكلوا الجيف والعظام المحرقة) (٤) والكلاب الميتة والعهن وهو الوبر يعالج بالدم، ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله ﷺ

стр. 8462

حين جهدوا وقالوا: يا هذا عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟ فأذن رسول الله ﷺ للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون (١). ﴿وَالْخَوْفِ﴾ يعني بعوث رسول الله ﷺ وسراياه التي كانت تطيف بهم. وروى الخفاف والعباس عن أبي عمرو: والخوف بالنصب بإيقاع أذاقاها عليه ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. وروى (مشرح بن هاعان عن سليم بن عتر) (٢) قال: صدرنا من الحج مع حفصة زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها، وعثمان ﵁ محصور في المدينة وكانت تسأل عنه حتى رأت راكبين فأرسلت

стр. 8463

إليهما تسألهما فقالا: قُتِل عثمان (١) ﵁ فقالت حفصة ﵂: والذي نفسي بيده إنها تعني المدينة للقرية التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ إلى آخر الآية (٢). ١١٣ - قوله : ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ محمد ﴿مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. ١١٤ - ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾. ١١٥ - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾.

стр. 8464

١١٦ - قوله : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ قراءة العامة بفتح الكاف والباء (وكسر الذال على) (١) معنى ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيكون (ما) المصدر (٢) وقرأ ابن عباس ﵄ برفع الكاف والذال والباء على نعت الألسنة (٣). وقرأ الحسن: الكذب بخفض الباء بمعنى: ولا تقولوا الكذب الذي تصفه: (٤) ألسنتكم ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحاكم (٥) ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ فتقولوا (٦) إن الله حرم

стр. 8465

هذا وأمرنا بهذا (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ لا ينجون من عذاب الله. ١١٧ - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ يعني الذين هم فيه من الدنيا متاع قليل أو لهم متاع قليل (٢) في الدنيا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. ١١٨ - قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني في سورة الأنعام وهو قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بتحريم ذلك عليهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فجزيناهم ببغيهم.

стр. 8466

١١٩ - قوله : ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾ قيل: الهاء في قوله تعالى: من بعدها راجعة (١) إلى الجهالة. وقيل: إلى المعصية؛ لأن السوء بمعنى المعصية فرد الكناية إلى المعنى. وقيل: إلى الفعلة. ١٢٠ - قوله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ معلمًا للخير يأتم به أهل الدنيا، وقد اجتمع فيه من الخصال الحميدة والأخلاق الجميلة ما يجتمع في أمة ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾. روى الشعبي (٢) عن فروة بن نوفل الأشجعي (٣) قال، قال: ابن مسعود (٤) ﵁: إن معاذًا كان أمة قانتًا لله فقلت: إنما قال الله سبحانه ذلك في إبراهيم ﵇ ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ قال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، قال الأمة الذي يعلم الخير،

стр. 8467

والقانت المطيع لله وكذلك كان معاذ بن جبل ﵁ (١) كان يعلم الخير وكان مطيعًا لله ولرسوله ﷺ (٢). وقال مجاهد: كان مؤمنًا وحده والناس كلهم كفار (٣).

стр. 8468

وقال قتادة: ليس من أهل دين ولا ملة إلا يتولَّونه (١) ويرضونه (٢). وقال شهر بن حوشب: لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتخرج بركتها إلا زمن إبراهيم ﵇ فإنه كان وحده قانتًا لله (٣). ﴿حَنِيفًا﴾ مسلمًا مستقيمًا على دين الإسلام ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ١٢١ - ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ١٢٢ - ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يعني: الرسالة والخلة والثناء الحسن. وقال مقاتل بن حيان (٤): يعني الصلوات في قول هذِه الأمة: اللهم

стр. 8469

صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. وقيل: أولاد أبرار (١) على الكبر. وقيل: القبول العام في جميع الأمم ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في الجنة (مع آبائه الصالحين) (٢) وفي الآية تقديم وتأخير مجازها: وآتيناه في الدنيا والآخرة حسنة وإنه لمن الصالحين مع آبائه الصالحين. ١٢٣ - قوله : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد! ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ حاجًا مسلمًا ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. [١٦٧٠] أنبأني عبد الله بن حامد (٣)، قال: أخبرنا حامد بن محمد الهروي (٤)، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن علي الخرّاز (٥)، قال: حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى (٦)، قال: حدثني أبي (٧)، قال:

стр. 8470

حدثني ابن أبي ليلى (١) عن ابن أبي مليكة (٢)، عن (عبد الله بن) (٣) عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "جاء جبريل ﵇ إلى إبراهيم ﵇ فراح به إلى منى فصلى به الصلوات جميعًا: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا به إلى عرفات فصلى به الصلاتين جمعًا: الظهر والعصر، ثم راح به فوقف به حتى إذا غابت الشمس أفاض به إلى جمع فصلى به الصلاتين جمعًا: المغرب والعشاء ثم بات به حتى إذا كان كأعجل ما يصلي به أحد من من المسلمين فصلى به الفجر ثم وقف به حتى كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين أفاض به إلى منى فرمى الجمرة وذبح وحلق ثم أفاض بِه إلى البيت فطاف به، فأوحى الله تعالى إلى محمد ﷺ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤).

стр. 8471

١٢٤ - قوله : ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يقول: ما فرض الله تعالى تعظيم السبت وتحريمه إلا على الذين اختلفوا فيه ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. قال بعضهم: هو أعظم الأيام لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة ثم سبت (١) يوم السبت، وقال الآخرون: بل أعظم الأيام يوم الأحد، لأنه اليوم الذي ابتدأ الله به تعالى فيه خلق الأشياء فاختاروا تعظيم غير ما فرض الله تعظيمه عليهم وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فرض الله تعالى عليهم تعظيمه واستحلوه. وقال الكلبي: أمرهم موسى ﵇ بالجمعة فقال: تفرغوا لله تعالى في كل سبعة أيام يومًا واحدًا فاعبدوه يوم الجمعة ولا تعملوا فيه صناعتكم (٢) وستة أيام لصناعتكم فأبوا أن يقبلوا (٣) ذلك اليوم (٤) وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله تعالى فيه من الخلق يوم السبت فجعل ذلك عليهم وشدد عليهم فيه، فلما جاءهم عيسى بن مريم ﵉ بالجمعة بعد فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم

стр. 8472

بعد عيدنا (يعنون اليهود فاتخذوا) (١) الأحد، فقال الله تعالى ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. قال قتادة: الذين اختلفوا فيه، يعني اليهود استحله بعضهم وحرمه بعضهم (٢). [١٦٧١] أخبرنا أبو سعيد محمد بن حمدون (٣)، قال: أخبرنا أبو حامد ابن الشرقي (٤)، قال: حدثنا محمد بن يحيى (٥) وعبد الرحمن بن بشر (٦) وأحمد بن يوسف (٧) وأحمد بن الأزهر (٨)، قالوا: أخبرنا عبد الرزاق (٩)، قال: حدثنا معمر (١٠)،

стр. 8473

عن همام بن منبه (١)، قال: هذا ما حدثنا (٢) أبو هريرة ﵁ عن محمد رسول الله ﷺ قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا (٣) الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه (٤) تبع، اليهود غدًا والنصارى بعد غد" (٥). [١٦٧٢] وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٦)، أخبرنا أحمد بن شاذان (٧)، قال: حدثنا جيعويه (٨) بن محمد، قال: حدثنا صالح بن محمد (٩)، قال: حدثنا المسيب (١٠)، عن أبي سنان (١١)، عن

стр. 8474

مكحول الشامي (١) قال: كان لعمر بن الخطاب ﵁ على يهودي حق (٢) فلقيه عمر ﵁ فقال: والذي اصطفى أبا القاسم على البشر لا تفارقني وأنا (أطالبك بشيء) (٣) فقال اليهودي: ما اصطفى الله أبا القاسم على البشر، فرفع عمر ﵁ يده (فلطم عينه) (٤) فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم فأتُوا النبي ﷺ فقال اليهودي: إن عمر زعم أن الله تعالى اصطفاك على البشر، وإني زعمت أن الله تعالى لم يصطفك على البشر، فرفع يده فلطمني فقال: "أما أنت يا عمر فأرضه من لطمته، بلى (٥) يا يهودي: آدم صفي الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله، وعيسى روح الله، وأنا حبيب الله، بلى يا يهودي: اسمان من أسماء الله سمي بهما أمتي: سمى نفسه السلاء وسمى أمتي المسلمين، وسمى نفسه المؤمن وسمى أمتي المؤمنين، يلى يا يهوي! طلبتم يومًا ذخرًا (٦) لنا -يعني: يوم الجمعة-، فاليوم لنا وغداً لكم وبعد غد للنصارى، بلى يا يهودي! أنتم الأولون ونحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بلى يا يهودي! إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها أنا وإنها محرمة على الأمم

стр. 8475

حتى يدخلها أمتي" (١). ١٢٥ - قوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَة﴾ يعني: القرآن (٢) ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ يعني: موعظة (٣) القرآن ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن. قال المفسرون (٤): أعرض عن أذاهم ولا تقصر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى (الحق سبحانه) (٥) نسختها آية القتال (٦) ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
следующие страницы →