← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

(عن رسول الله ﷺ ) (١) دخل حديث (٢) بعضهم في بعض وقالوا: قال رسول الله ﷺ : "لما كانت ليلة أسري بي وأنا بمكة بين النائم واليقظان جاءني جبريل ﵇ وقال (٣): يا محمد قم، فقمت، فإذا جبريل ومعه ميكائيل ﵉ فقال جبريل لميكائيل ﵉: ائتني بطست من ماء زمزم لكيما أطهر قلبه واشرح له صدره قال: فشق يطني فغسله ثلات مرات واختلف إليه ميكائيل ﵇ بثلاث طساس (٤) من ماء زمزم فشرح صدري ونزع ما كان فيه من غل وملأه حلمًا وعلما وإيمانًا وختم بين كتفي بخاتم النبوة، ثم أخذ جبريل ﵇ بيدي حتى انتهى بي إلى سقاية زمزم فقال للملك:

стр. 8507

ائتني بذنوب (١) من ماء زمزم ومن ماء الكوثر فقال: توضأ، فتوضأت، ثم قال لي: انطلق يا محمد، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى ربك ورب كل شيء، فأخذ بيدي وأخرجني من المسجد فإذا بالبراق وهي (٢) دابة فوق الحمار ودون البغل خده كخد الإنسان، وذنبه كذنب البعير، وعرفه كعرف الفرس، وقوائمه كقوائم الإبل، وأظلافه كأظلاف البقر، وصدره كأنه ياقوتة حمراء، وظهره كأنه درة بيضاء، وعليه رحل من رحائل الجنة، وله جناحان في فخذيه يمر مثل البرق خطوته (٣) مثتهى طرفه، فقال لي: أركب، وهي دابة إبراهيم ﵇ التي كان يزور عليها البيت الحرام، فلما وضعت يدي عليه (٤) تشامس واستصعب علي، فقال جبريل ﵇: مه يا براق، فقال البراق: يا جبريل مس صفراء، فقال جبريل ﵇: يا محمد هل

стр. 8508

مسست صفراء؟ قال (١): لا والله إلا (٢) أني مررت يومًا على إساف (٣) ونائلة فمسحت يدي على رؤوسهما، فقلتُ: إن قومًا يعبدونكما من فى ون الله ضلال، فقال جبريل ﵇: يا براق أما تستحي؟ فوالله ما ركبك منذ كنت قط نبي أكرم على الله من محمد ﷺ قال: فارتعش البراق وانصب عرقًا حياءً مني، ثم خفض لي حتى لزق بالأرض فركبته واستويت عليه فأم بي جبريل ﷺ نحو المسجد الأقصى يخطوه البراق مد البصر وجبريل إلى جنبي لا يفوتني ولا أفوته، فبينا أنا في مسيري إذ سمعت (٤) نداء عن يميني فقال: يا محمد على رسلك، يقولها ثلاثًا، فلم ألو عليه (حتى مضيت ثم مضيت حتى) (٥) جاوزته ثم سمعت نداء عن (شمالي كذلك و) (٦) قال لي: على رسلك يا محمد، (يقولها ثلاثًا) (٧) فلم ألو عليه (ثم مضيت حتى (٨) جاوزته فإذا أنا بامرأة عجوز رفعت لي عليها من كل زينة وبهجة تقول: يا محمد إلي، فلم ألتفت إليها، فلما

стр. 8509

جاوزتها قلت: يا جبريل، من هذا الذي ناداني عن يميني؟ قال: داعية اليهود، والذي نفسي بيده لو أجبته لتهودت أمتك من بعدك، والذي ناداك عن شمالك (١) داعية النصارى، والذي نفسي بيده لو أجبته لتنصرت أمتك من بعدك، وأما التي رفعت إليك (٢) بهجتها وزينتها فهي الدنيا ولو لويت إليها (٣) لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة، ثم أتيت بإناءين أحدهما لبن والآخر خمر فقيل لي: اشرب أيها شئت، فأخذت اللبن فشربته فقال جبريل ﵇: أصبت الفطرة أنت وأمتك (٤)، أما لو أخذت الخمر لغوت أمتك من بعدك، قال: ثم سار رسول الله ﷺ وسار (٥) معه جبريل ﵇ فأتى على قوم يزرعون ويحصدون في يوم واحد كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي ﷺ لجبريل ﵇: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٦) ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخرة

стр. 8510

كلما رضخت عادت كما كانت لا (يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: ) (١) من هؤلاء يا جبريل؟ ! قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكئوبة (٢). ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما ئسرح الأنعام على (٣) الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون (الصدقات من) (٤) أموالهم وما ظلمهم الله شيئًا (٥) وما كان (٦) الله بظلام للعبيد، تم أتي على قوم بين أيديهم لحم في قدر نضيج طيب (٧) ولحم آخر خبيث، فجعلوا يأكلون الخبيث ويدعون النضيج الطيب قلت (٨) ما هؤلاء يا جبريل؟ قال هذا الرجل من أمثك تكون عنده المرأة حلالًا طيبًا (٩) فيأتي امرأة خبيثة (ويبيت معها) (١٠) حتى يصبح، والمرأة

стр. 8511

تقوم من عند زوجها حلالًا طيبًا فتأتي (الرجل الخبيث) (١) فتبيت معه حى تصبح، ثم أتى على خشبة بالطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء آخر (٢) إلا خرقته، فقلت (٣): ما هذا يا جبريل؟ فقال: (هذا مثل قوم من) (٤) أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه. ثم تلا (٥) ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦) الآية (٧) ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها فقلت (٨): ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل (٩) من أمتك عليه (أمانات الناس) (١٠) لا يقدر على أدائها وهو يزيد عليها، ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت قلت (١١) من

стр. 8512

هؤلاء يا جبريل؟ قال (١) هؤلاء خطباء (٢) الفتنة، ثم أتى على (٣) جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، قال: ما هذا (يا جبريل) (٤)؟ قال: هذا الرجل من أمتك يتكلم بالكلمة العظيمة (تم يندم عليها فـ) (٥) لا يستطيع أن يردها، فال: ثم أتى على واد فوجد ريحًا (طيبة ياردة) (٦) وصوتًا، (قال: ما هذِه الريح الطيبة؟ وما هذا الصوت؟ ) (٧) قال: هذا صوت الجنة تقول رب اتني (٨) ما وعدتني فقد كثرت (٩) غرفي وإستبرقي وسندسي (١٠) وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي (١١) وفواكهي وعسلي ولبني وخمري ومائي فأتني بما

стр. 8513

وعدتني (١) فقال: لك كل مؤمن ومؤمنة من آمن بي وبرسلي وعمل صالحًا ولم يشرك بي شيئًا (٢) ولم يتخذ من دوني أندادًا، ومن خشيني فهو آمن، ومَن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل عليَّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ إلى (٣) ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ (٤) قالت: رضيت، ثم أتى على واد فسمع منه صوتًا منكرًا ووجد ريحًا منتنة، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال هذا صوت جهنم تقول: رب آتني (٥) ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وضريعي وحميمي وغساقي وقد بعد قعري واشتد حري فأتني بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب قالت: قد رضيت ثم سار ومعه جبريل ﵇ وقال له جبريل ﵇: أنزل فصلّ قال (٦) فنزلت فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر إن شاء الله، ثم قال: أنزل فصل، فنزلت فصليت فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء، حيث كلم الله موسى ﵇، ثم قال: أنزل

стр. 8514

فصل، فنزلت فصليت فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ﵇ قال: ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس فلما أنتهيت إليه إذا أنا بملائكة نزلوا من السماء يتلقوني بالبشارة والكرامة من عثد رب العزة، يقولون لي السلام عليك يا أول يا آخر ويا حاشر! قال (١) قلت: يا جبريل: ما تحيتهم إياي؟ قال إنك أول من تنشق عنه القبر وعن أمتك وأول شافع وأول مشفع، وإنك آخر الأنبياء وإن الحشر بك بأمتك -يعني: حشر القيامة- ثم جاوزناهم ثم انتهينا إلى باب المسجد فأنزلني جبريل ﵇ وربط البراق بالحلقة التي كانت يربط بها الأنبياء ﵈ بخطام عليه من حرير الجنة، فلما دخلت الباب إذ أنا بالأنبياء والمرسلين ﵈ -وفي حديث أبي العالية- أرواح الأنبياء الذين بعثهم الله تعالى قبلي من لدن آدم (٢) إدريس، ونوح إلى عيسى ﵈، قد جمعهم الله ، فسلموا علي وحيوني بمثل تحية الملائكة قلت يا جبريل: من هؤلاء؟ قال: إخوتك الأنبياء ﵈. زعمت قريش أن لله شريكًا، واليهود والنصارى أن لله سبحانه ولدًا فسل هؤلاء المرسلين ﵈ هل كان لله سبحانه شريك؟ وذلك قوله ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ (٣) فأقروا بالربوبية لله جل

стр. 8515

ثناؤه. ثم جمعهم والملائكة صفوفًا، فقدمني وأمرني أن أصلي بهم، فصليت بهم ركعتين ثم إن الأنبياء ﵈ أثنوا على ربهم، فقال إبراهيم ﵇: الحمد لله الذي اتخذني خليلًا وأعطاني ملكًا عظيمًا، وجعلني أمة قانتًا يؤتم بي، وأنقذني من النار وجعلها على بردًا وسلامًا، ثم إن موسى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله رب العالمين الذي كلَّمَني تكليمًا، وجعل هلاك آل فرعون علي يديَّ ونجَّى بني إسرائيل على يديَّ، وجعل من (قومي أمة) (١) يهدون بالحق وبه يعدلون، ثم إن داود ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكًا عظيمًا وعلمني الزبور وألان لي الحديد، سخّر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب، ثم إن سليمان ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح وسخر لي جنود الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب (٢) وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلًا وآتاني ملكًا عظيمًا لاينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي ملكًا طيبًا ليس علي فيه حساب، ثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله رب العالمين الذي جعلني كلمة منه، وجعل مثلي مثل آدم خلقه

стр. 8516

من تراب ثم قال له كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أُبرِئُ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان علينا سبيل (١)، ثم إن محمدًا ﷺ قال: كلكم قد أثنى على ربه، (وأنا أثني) (٢) على ربي، فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمةً للعالمين وكافة للناس أجمعين (٣) بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليَّ الفرقان (٤) فيه تبيان كل شيء وجعل (٥) أُمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة (٦) وسطا، وجعل أمتي هم الأولون والاخرون، وشرح لي صدري ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحًا وخاتمًا، فقال إبراهيم ﵇ (بعد ذلك) (٧): بهذا فضلكم محمد ﷺ . ثم أتي بثلاثة آنية مغطاة أفواهها: إناء فيه ماء فقيل له: اشرب، فشرب منه يسيرًا، ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن فقيل له: آشرب، فشرب منه حتى روي، تم دفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له (٨):

стр. 8517

اشرب، فقال: لا أريده قد رويت، فقال له (١) جبريل: ﵇: قد أصبت، أما (أنها ستحرم) (٢) على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا القليل (٣)، ولو رويت من الماء لغرقت وغرقت أمتك. ثم أخذ (٤) جبريل بيدي فانطلق بي إلى الصخرة فصعدني عليها فإذا معراج (إلى السماء) (٥) لم أر مثله حسنًا وجما لًا، لم ير الناظرون إلى شيء قط أحسن منه، ومنه تعرج الملائكة، أصله على صخرة بيت المقدس ورأسه (ملصق في) (٦) السماء، إحدى عارضيته ياقوتة حمراء والأخرى زبرجدة خضراء، درجة من فضة ودرجة من ذهب ودرجة من زمرد، مكلل بالدر والياقوت، وهو المعراج الذي يبدو منه ملك الموت ﵇ لقبض الأرواح، إذا رأيتم ميتكم يشخص (٧) بصره فتنقطع عنه المعرفة إذا عاينه لحسنه، فاحتملني جبريل ﵇

стр. 8518

حتى وضعني على جناحه، ثم ارتفع بيَ إلى السماء الدنيا من ذلك المعراج فقرع الباب، فتكيل له (١): من ذا؟ قال: أنا جبريل، قال: ومن معك؟ قالَ: محمد، قال: أو قد بعث محمد (٢)؟ قال: نعم، قال له (٣): مرحبًا به حياه الله، من أخ ومن خليفة، فلنعم الأخ هو، ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ففتح الباب فدخلنا قال (٤): فبينا أنا أسير في السماء (٥) الدنيا إذ رأيت ديكًا له زغب أخضر ريشه (٦) أبيض (بياض ريشه كأشد البياض الذي) (٧) رأيته قط، وزغب أخضر تحت ريشه كأشد خضرة رأيتها قط فإذا رجلاه في تخوم الأرض السابعة السفلى ورأسه تحت العرش، مثني عنقه تحت العرش، له جناحان من منكبيه، إذا نشرهما جاوز المشرق والمغرب، فإذا كان في بعض الليل نشر جناحيه وخفق بهما وصرخ بالتسبيح لله ، يقول: سبحان الملك القدوس الكبير المتعال، لا إله إلا الله الحي القيوم، فإذا فعل ذلك سبحت ديوك (٨) الأرض كلها، وخفقت

стр. 8519

بأجنحتها وأخذت بالصراخ (١)، فإذا سكن ذلك الديك في السماء سكنت ديكة الأرض كلها، ثم إذا هاج بنحو فعله (في السماء) (٢) هاجت ديكة الأرض كلها (٣) جوابًا له بالتسبيح لله ، وبنحو قوله، قال رسول الله ﷺ : فلم أزل منذ رأيت ذلك الديك مشتاقًا إليه أن أراه ثانية. قال: ثم مررت بملك نصف جسده مما يلي رأسه نار، والنصف الآخر ثلج، وما بينهما رتق (٤)، فلا النار يذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار، وهو قائم ينادي بصوت له رفيع (٥) يقول: اللهم مؤلف ما بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين، فقلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: ملك من الملائكة يقال له: حبيب، وكله الله تعالى بأكتاف السماوات وأطراف الأرض، ما أنصحه لأهل الأرض، هذا قوله منذ خلق. ثم (٦) قال: ثم مررت بملك آخر جالس على كرسي قد جمع (٧) له

стр. 8520

الدنيا بين ركبتيه و (بين يديه) (١) لوح مكتوب من نور ينظر فيه ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، ينظر فيه كهيئة الحزين فقلت: من هذا يَا جبريل؟ قال: (٢) ما مررت بملك أنا أشد خوفًا منه مني من هذا، قال: وما يمنعك، كلنا بمنزلتك، هذا ملك الموت، دائب فِي قبض الأرواح، وهو من أشد الملائكة عملًا وأدأبهم، قلت: يَا جبريل، كل من مات ينظر إِلَى هذا؟ قال: نعم، قلت: كفى بالموت من طاقة، فقال: يَا محمَّد، وما بعد الموت أطم (من الموت) (٣) وأعظم، قلت: يَا جبريل، أدنيني من ملك الموت أسلم عليه، وأسأله، فأدناني منه فسلمت عليه فأومأ إِلَي، فقال له جبريل: هذا محمَّد نبي الرحمة ورسول (رب العزة) (٤)، فرحب بي وحياني وأحسن (بشارتي وإكرامي) (٥) وقال لي: أبشر يَا محمَّد، فإنِّي أرى الخير كله فيك وفي أمتك، فقلت: الحمد لله المنان بالنعم، ما هذا اللوح الذي بين يديك؟ قال: مكتوب فيه آجال الخلق (٦)، قلت: فأين أسماء من قبضت أرواحهم فِي الدهور الخالية؟ فقال: تلك الأرواح فِي لوح آخر قد أعلمت عليها، وكذلك أصنع بكل ذي روح إذا قبضت

стр. 8521

روحه، حلقت (عليه، فـ) (١) قلت: يَا ملك الموت، سبحان الله، كيف تقدر على قبض أرواح جميع أهل الأرض وأنت فِي مكانك هذا لا تبرح؟ قال: ألا ترى أن الدنيا كلها بين ركبتي، وجميع الخلائق بين عيني، ويداي تبلغان المشرق والمغرب وخلفهما، فإذا نفد أَجل عبد من عباد الله نظرت إليه وإلى أعواني، فإذانظر (إِلَي أعواني من الملائكة أني) (٢) نظرت إليه عرفوا أنَّه مقبوض فعمدوا إليه يعالجون نزع (٣) روحه، فإذا بلغ الروح الحلقوم علمت ذلك ولا يخفى علي شيء من أمري فمددت إليه يدي فقبضته فلا يلي قبضه غيري، فذلك أمري وأمر ذي الأرواح من عباد الله، قال: فكاني حديثه وأنا عنده. ثم جاوزنا فمررت (٤) بملك آخر فما رأيت من الملائكة خلقًا مثله، عابس كالح الوجه كريه المنظر شديد البطش ظاهر الغضب، فلما نظرت إليه رعبت منه جدًّا، فقلت: يَا جبريل من هذا؟ فإنِّي رعبت منه رعبًا شديدًا، قال: فلا تعجب أن ترعب منه، كلنا بمنزلتك فِي الرعب منه، هذا مالك خازن النَّار (٥) لم يبتسم قط ولم يزل منذ ولاه الله تعالى جهنم يزداد كل يوم غضبًا وغيظًا على أعداء الله وأهل معصيته لينتقم منهم، قلت: ادنني منه، فأدناني منه فسلم عليه

стр. 8522

جبريل ﵇ فلم يرفع رأسه فقال جبريل ﵇: يَا مالك، هذا محمَّد رسول الله ﷺ رسول العرب، فنظر إِلَي وحياني وبشرني بالخير (١)، فقلت: منذ كم وأنت واقد على جهنم؟ فقال: منذ خلقت حتَّى الآن، وكذلك حتَّى تقوم (٢) الساعة، فقلت: يَا جبريل، مره فليرني طبقًا (٣) من النَّار، قال: فأمره ففعل فخرج منه لهب ساطع أسود معه دخان كدر مظلم امتلأ منه الآفاق فرأيت (هولًا عظيمًا وأمرًا فظيعًا) (٤) أعجز عن وصفه (٥) لكم فغشي علي (وكادت تذهب) (٦) نفسي، فضمني جبريل ﵇ إليه وأمره أن يرد النَّار فردها فجاوزنا (٧)، فمررنا بملائكة كثيرة لا يحصي عددهم (٨) إلَّا الله ، الملك الواحد منهم له وجوه بين كتفيه ووجوه فِي صدره، فِي كل وجه أفواه وألسن فهو يحمد الله تعالى ويمجده (٩) ويسبحه بتلك الألسن، ورأيت من (أجسادهم و) (١٠) خلقهم وعباداتهم أمرًا عظيمًا.

стр. 8523

ثم جاوزنا (١) فإذا رجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من خلقة (٢) النَّاس، عن يمينه باب تخرج منه روائح (٣) طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إِلَى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر إِلَى الباب عن شماله (٤) بكى وحزن، فقلت: يَا جبريل من هذا؟ وما هذان البابان؟ قال: هذا أبوك آدَمَ ﵇، وهذا الباب عن يمينه باب الجنة، إذا نظر إِلَى من يدخل الجنة من ذريته ضحك واستبشر، (وإذانظر إِلَى الباب الذي عن يسار، وهو باب جهنم ومن يدخل فيه من ذريته) (٥) بكى وحزن. قال (٦): ثم صعدنا إِلَى السماء الثَّانية واستفتح جبريل ﵇ فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، ونعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، فدخلنا فإذا بشابين، فقلت: يَا جبريل، من هذان الشابان؟ قال: هذان (٧) عيسى بن مريم

стр. 8524

ويحيى بن زكريا ابنا (١) الخالة ﵉. قال (٢): ثم صعدنا إِلَى السماء الثالثة فاستفتح جبريل ﵇ فقالوا: من هذا؟ قال؟ جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قالوا: أو قد أرسل إليه (٣)؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، فدخلنا (٤) فإذا برجل قد فضل على النَّاس بالحسن والجمال (٥) كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب فقلت: من هذا (يَا أخي) (٦) جبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف ﵇. قال: (ثم صعدنا إِلَى) (٧) السماء الرابعة فاستفتح فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمَّد، قالوا: أو قد أرسل محمَّد؟ قال: نعم، قالوا (٨): حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، فدخلنا فإذا برجل، فقلت: من هذا (يَا جبريل) (٩)؟ قال: إدريس ﵇، رفعه الله مكانًا عليًا،

стр. 8525

وهو مسند ظهره إِلَى دواوين الخلائق التي فيها أمورهم. قال: ثم صعد بي السماء الخامسة فاستفتح فقالوا: من هذا؟ قال جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمَّد، قالوا؟ أو قد أرسل محمَّد؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال (١): ثم دخلنا فإذا برجل جالس وحوله قوم يقص عليهم، فقلت: يَا جبريل، من هذا ومن هؤلاء الذين حوله؟ قال: هذا هارون ﵇ المحبب فِي قومه، وهؤلاء الذين حوله بنو إسرائيل. قال: ثم صعدنا إِلَى السماء السادسة فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمَّد، قالوا: أو قد أرسل محمَّد؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، فـ (٢) دخلنا فإذا برجل جالس فجاوزنا (٣) فبكى الرَّجل: فقلت: يَا جبريل، من هذا؟ قال: هذا موسى ﵇، قلت: (فما باله) (٤) يبكي؟ قال: قال: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدَمَ على الله تعالى، وهذا رجل من بني آدَمَ قد خلفني فِي دنياه (٥) وأنا فِي آخرتي، فلو أنَّه بنفسه لم أبال، ولكن

стр. 8526

مع كل نبي أمته (١). قال: ثم صعد بي إِلَى السماء السابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، فقيل: ومن معك؟ قال محمَّد، قالوا: أو قد أرسل محمَّد؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، ثم دخلنا فإذا برجل أشمط جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم فِي ألوانهم شيء، فقام الذين فِي ألوانهم شيء فدخلوا نهرًا فاغتسلوا فيه فخرجوا منه (٢) وقد خلص (من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرًا آخر فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرًا آخر فخرجوا وقد خلصت) (٣) ألوانهم وصارت مثل ألوان أصحابهم فجاءوا وجلسوا إِلَى أصحابهم، فقلت: (يَا أخي) (٤) يَا جبريل، من هذا الأشمط ومن هؤلاء وما هذِه الأنهار؟ قال: هذا أبوك إبراهيم ﵇، أول من شمط (٥) على الأرض، وأما

стр. 8527

هؤلاء البيض الوجوه فهم (١) قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين فِي ألوانهم شيء فقدم (٢) خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار الثلاثة: فأدناها رحمة الله، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شرابًا طهورًا، قال (٣): وإذا إبراهيم ﵇ مستند (٤) إِلَى بيت فسألت جبريل ﵇ عنه (٥) فقال: هذا البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون أَلْف ملك، فإذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم. قال: فأتي جبريل بي (٦) حتَّى انتهينا إِلَى سدرة المنتهى، فإذا أنا بشجرة لها أوراق، الواحدة منها مغطية الدنيا بما فيها، وإذا نبقها مثل قلال هجر (٧)، يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فسألت عنها جبريل ﵇، فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران (٨) فالنيل والفرات، ويخرج أَيضًا من أصلها

стр. 8528

أربعة (١) أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي على حد السماء السابعة مما يلي الجنة وعرفها (٢) وأغصانها تحت الكرسي، قال رسول الله ﷺ : انتهيت إِلَى سدرة المنتهى وأنا أعرف أنها سدرة، أعرف ورقها وثمرها، فغشيها من نور الله سبحانه (٣) ما غشيها، وغشيها الملائكة كأنهم (٤) جراد من ذهب من خشية الله، فلما غشيها ما غشيها تحولت حتَّى ما يستطيع أحد أن (٥) ينعتها. وقال: وفيها ملائكة لا يعلم عددها إلَّا الله ومقام جبريل ﵇ فِي وسطها، فلما انتهيت إليها قال لي جبريل ﵇: يَا محمَّد! عليك السلام) (٦)، تقدم، فقلت: يَا جبريل! بل (٧) تقدم أَنْتَ (٨)، فقال: بل تقدم يَا محمَّد، فإنك أكرم على الله مني، فتقدمت وجبريل ﵇ على إثري حتَّى انتهى بي إِلَى (٩) حجاب فراش الذهب، فحرك الحجاب فقيل: من ذا؟ فقال: أنا جبريل ومعي محمَّد، فقال

стр. 8529

الملك: الله أكبر وأخرج يده من تحت الحجاب فاحتملني وتخلف جبريل ﵇ فقلت له (١): إِلَى أين؟ فقال: يَا محمَّد، وما منا إلَّا له مقام معلوم، إن هذا منتهى الخلائق، وإنما أذن لي فِي الدنو من الحجاب لاحترامك وإجلالك، قال: (٢) فانطلق بي الملك فِي أسرع من طرفة عين إِلَى حجاب اللؤلؤ فحرك الحجاب فقال الملك من وراء الحجاب: من هذا؟ قال: أنا صاحب فراش الذهب وهذا محمَّد رسول العرب معي، فقال الملك: الله أكبر، فأخرج يده من تحت الحجاب فاحتملني حتَّى وضعني بين يديه، فلم أزل كذلك من حجاب إِلَى حجاب حتَّى (جازوا بي) (٣) سبعين حجابًا، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، وما بين (حجاب إِلَى حجاب مسيرة) (٤) خمسمائة عام، ثم دلى إِلَي (٥) رفرف أخضر، يغلب ضوؤه ضوء الشَّمس فالتمع بصري ووضعت على ذلك الرفرف، ثم احتملني حتَّى وصل بي إِلَى العرش، فلما رأيت العرش اتضح أمر كل شيء عند العرش، وقدمني (٦) -تعالى الله- إِلَى مسند العرش وتدلى لي قطرة من العرش فوقعت على لساني، فما ذاق الذائقون

стр. 8530

شيئًا قط أحلى منها، فأنبأني الله تعالى بها (١) نبأ الأولين والآخرين، وأطلق الله لساني بعد ما كَلَّ من هيبة (٢) الرحمن، فقلت: التحيات لله والصلوات والطيبات، فقال الله جل ثناؤه: السلام (٣) عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته، فقلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال الله تعالى: يَا محمَّد، هل تعلم فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت يَا رب! أَنْتَ أعلم بذلك وبكل شيء وأنت علام الغيوب، قال: اختلفوا فِي الدرجات والحسنات، فهل تدري يَا محمَّد ما الدرجات وما الحسنات؟ قال (٤): قلت: أَنْتَ أعلم (يَا رب) (٥) قال: الدرجات إسباغ الوضوء فِي المكروهات، والمشي على الأقدام إِلَى الجماعات وانتظار (الصلوات بعد الصلوات، و) (٦) الحسنات: قال (٧): إفشاء السلام وإطعام الطعام والتهجد بالليل والناس نيام. ثم قال لي (٨): يَا محمَّد! آمن الرسول (بما أنزل إليه من ربه؟ ) (٩)

стр. 8531

قلت: نعم، أي رب، قال: ومن؟ قلت: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله كما فرقت اليهود والنصارى، فقال: وماذا قالوا: (يعني: المُؤْمنين) (١) قلت: قالوا: سمعنا قولك وأطعنا أمرك، قال: صدقت، فسل تعط، قال: فقلت: غفرانك ربنا وإليك المصير، قال: قد غفرت لك ولأمتك، سل تعط، قلت: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، قال: قد (رفعت الخطأ والنسيان عنك) (٢) وعن أمتك وما استكرهوا عليه، قلت: ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا، يعني اليهود، قال: ذلك لك ولأمتك، قلت: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، قال: قد فعلت ذلك بك وبأمتك، قلت: ربنا) (٣) واعف عنا من الخسف، واغفر لنا من القذف، وارحمنا من المسخ، أَنْتَ مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، قال: قد فعلت ذلك بك وبأمتك. ثم قال (٤) لي: سل تعط (٥)، فقلت: يَا رب، إنك اتخذت إبراهيم خليلًا وكلمت موسى تكليمًا، ورفعت إدريس مكانًا عليًا، وآتيت سليمان ملكًا عظيمًا، وآتيت داود زبورا، فما لي يَا رب؟ فقال

стр. 8532

ربي (١) : يَا محمَّد، اتخذتك حبيبًا كما اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمتك كما كلمت موسى تكليمًا، وأعطيتك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، وكانا من كنوز عرشي، ولم أعطهما (٢) نبيًا قبلك، وأرسلتك إِلَى أهل الأرض جميعًا أبيضهم وأسودهم وإنسهم وجنهم، ولم أرسل إِلَى جماعتهم نبيًّا قبلك، وجعلت الأرض كلها برها وبحرها طهورًا ومسجدًا لك ولأمتك، وأطعمت أمتك الفيء ولم أطعمه أمة قبلهم، ونصرتك بالرعب على عدوك مسيرة شهر، وأنزلت عليك سيد الكتب كلها ومهيمنًا عليها قرآنًا فرقناه، ورفعت لك ذكرك حتَّى تذكر كما ذكرت من شرائع ديني، وأعطيتك مكان التوراة المثاني، ومكان الإنجيل المئين، ومكان الزبور الحواميم، وفضلتك بالمفصل، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للنَّاس، وجعلتهم أمة وسطا (ليكونوا شهداء على النَّاس) (٣) وجعلتهم الأولين وهم الآخرون، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، ثم أفضى إِلَي بعدها أمورًا لم يؤذن لي أن أخبركم (٤) بها، ثم (٥) فرضت علي وعلى أمتي فِي كل يوم وليلة خمسون صلاة، فلما عهد إِلَي بعهده وتركني عنده ما شاء

стр. 8533

الله (١) قال لي (٢): ارجع إِلَى قومك فبلغهم عني، فحملني الرفرف الأخضر الذي كنت عليه يخفضني ويرفعني حتَّى أهوى بي إِلَى سدرة المنتهى فإذا أنا بجبريل ﵇ أبصره خلفي بقلبي كما أبصره بعيني أمامي، فقال لي جبريل ﵇: أبشر يَا محمَّد، فإنك خير خلق الله وصفوته من النبيين، حياك الله بما لم يحي به أحدًا من خلقه لا ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، ولقد بلغك الله (٣) مكانًا لم يصل إليه أحد من أهل السماوات والأرض، فهنأك الله تعالى كرامته وما (حباك به) (٤) من المنزلة الأثيرة والكرامة الفائقة فخذ ذلك بشكر فإن الله منعم (سمى من شكره) (٥) يحب الشاكرين، فحمدت الله تعالى على ذلك. ثم قال لي جيريل ﵇: انطلق يَا محمَّد إِلَى الجنة حتَّى أريك ما لك فيها فتزداد بذلك فِي الدنيا زهادة إِلَى زهادتك، وفي الآخرة رغبة إِلَى رغبتك، فسرنا بهوى منقضين أسرع من السهم والريح حتَّى وصلنا بإذن الله تعالى إِلَى (٦) الجنة فهدأت نفسي وثاب إِلَي فؤادي، وأنشأت أسأل جبريل عما كنت رأيت فِي عليين من البحور والنار والنور

стр. 8534

وغيرها، فقال: سبحان الله، تلك سرادقات عرش (١) رب العزة التي أحاطت بعرشه (فهي سترة الخلائق من نور الحجب ونور العرش و) (٢) لولا ذلك لأحرق (٣) نور العرش نور الحجب مَن تحت العرش مِن خلق الله، وما لم تره أكثر وأعجب، قلت: سبحان الله العظيم ما أكثر عجائب خلقه، قلت: يَا جبريل، ومن الملائكة الذين رأيتهم فِي تلك البحور الصفوف بعد الصفوف كأنهم بنيان مرصوص؟ قال: يَا رسول الله! هم الروحانيون الذين يقول الله : ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ (٤) ومنهم الروح الأعظم، ثم إسرافيل ﵉ بعد ذلك، قلت: يَا جبريل! ومَن الصف الواحد الذي (٥) فِي البحر الأعلى فوق الصفوف كلها قد أحاطوا بالعرش؟ قال: هم الكروبيون، أشراف الملائكة وعظماؤهم وما يجترئ أحد من الملائكة أن (٦) ينظر إلى ملك (٧) عن الكروبيين، وهم أعظم شأنًا من أن أطيق وصفهم (٨) لك، وكفى بما رأيت منهم.

стр. 8535

ثم طاف بي جبريل ﵇ فِي الجنة بإذن الله فما ترك فيها (١) مكانًا إلَّا رأيته وأخبرني عنه، فرأيت القصور من الدر والياقوت والزبرجد، ورأيت الأشجار من الذهب الأحمر قضبانهن اللؤلؤ وعروقهن الفضة راسخة فِي المسك، فلأنا أعرف بكل درجة وقصر وبيت وغرفة وخيمة وثمر فِي الجنة (٢) مني بما فِي مسجدي هذا، ورأيت نهرًا يخرج من أصله ماء أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل على رضراض در وياقوت ومسك أذفر، فقال جبريل ﵇: هذا الكوثر الذي أعطاكه (٣) الله ، وهو التسنيم يخرج من تحت العرش إِلَى دورهم وقصورهم وبيوتهم وغرفهم يمزجون بها أشربتهم من العسل واللبن والخمر، وذلك قوله : ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ (٤).

стр. 8536

ثم انطلق بي نطوف فِي الجنة حتَّى انتهينا إِلَى شجرة لم أر فِي الجنة مثلها، فلما وقفت تحتها رفعت رأسي فإذا أنا لا أدري شيئًا من خلق ربي غيرها لعظمها وتفرق أغصانها، ووجدت فيها ريحًا طيبة لم أشم فِي الجنة ريحًا أطيب منها فقلبت بصري فيها، فإذا ورقها حلل (١) طرايف من ثياب الجنة من (٢) بين أبيض وأحمر وأصفر وأخضر، وثمارها أمثال القلال العظام من (٣) كل ثمر (٤) خلق الله فِي السماوات والأرض من ألوان شتى وطعوم (٥) شتى وريح شتى، فعجبت من تلك الشجرة وما رأيت من حسنها، قلت: يَا جبريل، ما هذِه الشجرة؟ قال: هذِه الشجرة (٦) التي ذكرها الله سبحانه (٧) ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (٨)، ولكثير من أمتك ورهطك فِي ظلها حسن مقيل، ونعيم طويل. ورأيت فِي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر

стр. 8537

على قلب بشر، كل ذلك مفروغ منه معد، إنما ينتظر به أصحابه (١) من أولياء الله فتعاظمني الذي رأيت، وقلت: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم عرض علي النَّار حتَّى نظرت إِلَى أغلالها وسلاسلها وحيّاتها وعقاربها وغساقها و (حميمها، و) (٢) يحمومها فنظرت فإذا أنا (٣) بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وكل بهم (٤) من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل فِي أفواههم صخرًا من نار يخرج من أسافلهم فقلت: يَا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى (٥) ظلمًا، ثم انطلقت فإذا (أنا بقوم) (٦) لهم بطون كأنها البيوت وهم على سابلة (٧) آل فرعون، فإذا مر بهم آل فرعون ثاروا فيميل (٨) بأحدهم بطنه فيقع فيتوطؤهم (٩) آل فرعون بأرجلهم وهم يعرضون على النَّار غدوًّا وعشيا، قلت: من هؤلاء يَا جبريل؟ قال: هم أكلة الربا،

стр. 8538

فمثلهم كمثل الذي يتخبطه الشيطان من المس، ثم انطلقنا (١) فإذا بنساء معلقات بثديهن منكسات بأرجلهن، قلت: من هؤلاء يَا جبريل؟ قال: هن اللواتي (٢) يزنين ويقتلن أولادهن. ثم (خرجنا من النَّار) (٣) فمررنا بالسماوات منحدرين من سماء إِلَى سماء حتَّى (٤) أتيت على موسى ﵇ فقال لي: ماذا فرض الله عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، فقال موسى ﵇: أنا أعلم بالنَّاس منك، وإني بلوت بني إسرائيل وعالجتهم أشد المعالجة، وإن أمتك أضعف الأمم فارجع إِلَى ربك فاسأله التَّخفيف (لك و) (٥) لأمتك، فإن أمتك لا (٦) تطيق ذلك، فرجعت إِلَى ربي وفي بعض الأخبار: فرجعت فأتيت سدرة المنتهى- فخررت ساجدًا، قلت: يَا رب، فرضت علي وعلي أمتي خمسين صلاة ولن أستطيع أن أقوم بها أنا (٧) ولا أمتي (فخفف عني) (٨)، فخفف عني عشرًا، فرجعت إِلَى موسى ﵇ فسألني فقلت: قد (٩) خفف عني عشرًا، قال: ارجع إِلَى ربك فاسأله

стр. 8539

التَّخفيف وإن أمتك أضعف الأمم (وإني قد لقيت من بني إسرائيل) (١) شدة، قال: فرجعت فردها (٢) إِلَى ثلاثين، قال (٣): فما زلت بين ربي وبين موسى ﵇ حتَّى جعلها خمس صلوات، فأتيت إِلَى (٤) موسى ﵇ فقال: ارجع إِلَى ربك فاسأله التَّخفيف، فقلت: إنِّي قد (٥) رجعت إِلَى ربي حتَّى استحييت منه (٦)، وما أنا براجع إليه (٧) فمْوديت: إنِّي يوم خلقت السماوات والأرض فرضت (٨) عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فلا يبدل القول لدي، فخمس (٩) بخمسين فقم بها أَنْتَ وأمتك، إنِّي قد أمضيت فريضتي (١٠) وخففت عن عبادي، وأجازي (١١) بالحسنة عشر أمثالها بكل صلاة عشر صلوات، قال: فرضي محمَّد ﷺ كل الرضا، وكان موسى ﵇ من أشدهم عليه حين مر به، وخيرهم له حين رجع إليه.

стр. 8540

ثم انصرفت مع صاحبي وأخي جبريل ﵇ لا يفوتني ولا أفوته حتَّى انصرف بي إِلَى مضجعي، وكان كل (١) ذلك فِي ليلة واحدة من لياليكم هذِه، فأنا سيد ولد آدَمَ ولا فخر، وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وإلي مفتاح (٢) الجنة يوم القيامة ولا فخر، وأنا مقبوض عن قريب بعد الذي رأيت من آيات الله (٣) الكبرى ما رأيت، وقد أحببت اللحوق بربي ولقائه (٤) ولقاء من رأيت من إخواني، وما رأيت من ثواب الله تعالى لأوليائه، وما عند الله خير وأبقى". قالوا: فلما رجع رسول الله ﷺ ليلة أُسري به وكان بذي طوى، قال: "يَا جبريل إن قومي لا يصدوقونني" قال: يصدقك أبو بكر، وهو الصديق ﵁ (٥). قال ابن عباس (٦) وعائشة ﵄: (قال رسول الله ﷺ ) (٧): "لما كانت ليلة أسري بي وأصبحت بمكة فضقت (٨) بأمري وعرفت أن النَّاس مكذبي"، قال: فقعد رسول الله ﷺ معتزلًا حزينًا، فمر به

стр. 8541

أبو جهل عدو الله فأتاه فجلس إليه، فقال له كالمستهزئ به (١): هل استفدت (٢) من شيء؟ قال: "نعم، إنِّي أسري به الليلة"، قال: إِلَى أين؟ قال: "إِلَى بيت المقدس"، قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا (٣)؟ قال: "نعم"، فلم (٤) ير أبو جهل أن ينكر الحديث (٥) مخافة أن يجحد الحديث، قال: أتحدث قومك بما حدثتني؟ قال: "نعم"، قال أبو جهل: يَا معشر بني كعب بن لؤي! هلموا (٦) قال: فانقضت المجالس فجاءوا حتَّى جلسوا إليهما، فقال (٧): حدث قومك ما حدثتني به (٨)، قال: "نعم، إنِّي (٩) أسري بي الليلة"، قالوا: إِلَى أين؟ قال: "إِلَى بيت المقدس"، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا (١٠)؟ قال: "نعم"، قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده (١١) على رأسه متعجبًا للكذب (١٢)، وارتد ناس ممن كان

стр. 8542

آمن به وصدقه، وسعى رجال من المشركين إِلَى أبي بكر ﵁ فقالوا: هل لك فِي صاحبك يزعم أنَّه أسري به الليلة إِلَى بيت المقدس، قال: أو قد قال ذلك (١)؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: وتصدقه أنَّه ذهب إِلَى بيت المقدس فِي ليلة وجاء قبل أن يصبح؟ قال: إنِّي لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء يأتيه (٢) فِي غدوة (أو روحة) (٣)، فلذلك سمي أبو بكر الصديق. قال: وفي القوم من قد سافر (إِلَى هنالك) (٤)، ومن قد أتى المسجد، فقالوا: هل تستطيع أن تثبت لنا المسجد؟ قال: "نعم"، قال: "فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتَّى التبس علي (٥) "، فقال ﷺ : "فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتَّى وضع دون دار عقيل، فنعت المسجد وأنا انظر إليه"، فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب فيه (٦). ثم قالوا: (يَا محمَّد! فـ) (٧) أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا من قولك، هل لقيت منها شيئًا؟ قال: "نعم، مررت على عير بني

стр. 8543

فلان، وهي بالروحاء (١)، وقد أضلوا بعيرًا لهم وهم فِي طلبه، وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته وشربته، ثم وضعته كما كان فاسألوهم (٢) هل وجدوا الماء فِي القدح حين رجعوا إليه؟ " قالوا: هذِه آية، قال: "ومررت بعير بني فلان، وفلان وفلان راكبين (٣) قعودًا لهما بذي مر، فنفر بكرهما (فرمى بفلان) (٤) فانكسرت يده"، فسألوهما عن ذلك، قالوا: وهذِه آية أخرى (٥). قالوا: فأخبرنا عن عيرنا نحن، قال: "مررت بها بالتنعيم"، قالوا: فما عدتها وأحمالها وهيئتها؟ قال: "كنت فِي شغل عن ذلك"، ثم مثلت له مكانه بالحزورة (٦) بعدتها وأحمالها وهيئتها ومن

стр. 8544

فيها، فقال: "نعم (١) هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشَّمس"، قالوا: وهذِه آية أخرى (٢). ثم (خرج المشركون) (٣) يشتدون نحو الثنية وهم يقولون: والله لقد قص محمَّد أشياء وبيّنها (٤) حتَّى أتوا كداء (٥) فجلسوا عليه، فجعلوا ينتظرون متى تطلع الشَّمس فيكذبونه، إذ قال قائل منهم: والله هذِه الشَّمس (قد طلعت) (٦) وقال آخر (٧): هذِه والله الإبل قد طلعت، يقدمها بعير أورق، فيها فلان وفلان، كما قال لهم (٨) رسول الله ﷺ ، فلم يؤمنوا ولم يفلحوا، وقالوا: ما سمعنا (بمثل هذا) (٩) قط إن هذا إلَّا سحر مبين.

стр. 8545

آخر المعراج (بمن الله وعونه) (١). فإن قيل: إنما (٢) قال الله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ فلم قلتم أنَّه أسري به إِلَى السماء؟ فالجواب (أن يقال) (٣): إنما قال (الله تعالى) (٤): ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ لأن ابتداء أمر المعراج كان الإسراء (٥)، والإعراج كان بعد الإسراء، وقد (أخبر به الرسول ﷺ ) (٦)، وهو الصادق المصدوق. والحكمة فيه -والله أعلم- أنَّه لو أخبر ﷺ ابتداء بعروجه إِلَى السماء لاشتد إنكارهم وعظم ذلك فِي قلوبهم ولم يصدقوه، فأخبر ببيت المقدس بدءًا، فلما تمكن ذلك من قلوبهم وبأن لهم (٧) صدقه وقامت الحجة عليهم له أخبر بصعوده إِلَى السماء العليا (٨) وسدرة المنتهى وتقريبه حتَّى دنا فتدلى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ (٩) بقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾.
следующие страницы →