← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

أبو جهل عدو الله فأتاه فجلس إليه، فقال له كالمستهزئ به (١): هل استفدت (٢) من شيء؟ قال: "نعم، إنِّي أسري به الليلة"، قال: إِلَى أين؟ قال: "إِلَى بيت المقدس"، قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا (٣)؟ قال: "نعم"، فلم (٤) ير أبو جهل أن ينكر الحديث (٥) مخافة أن يجحد الحديث، قال: أتحدث قومك بما حدثتني؟ قال: "نعم"، قال أبو جهل: يَا معشر بني كعب بن لؤي! هلموا (٦) قال: فانقضت المجالس فجاءوا حتَّى جلسوا إليهما، فقال (٧): حدث قومك ما حدثتني به (٨)، قال: "نعم، إنِّي (٩) أسري بي الليلة"، قالوا: إِلَى أين؟ قال: "إِلَى بيت المقدس"، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا (١٠)؟ قال: "نعم"، قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده (١١) على رأسه متعجبًا للكذب (١٢)، وارتد ناس ممن كان

стр. 8542

آمن به وصدقه، وسعى رجال من المشركين إِلَى أبي بكر ﵁ فقالوا: هل لك فِي صاحبك يزعم أنَّه أسري به الليلة إِلَى بيت المقدس، قال: أو قد قال ذلك (١)؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: وتصدقه أنَّه ذهب إِلَى بيت المقدس فِي ليلة وجاء قبل أن يصبح؟ قال: إنِّي لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء يأتيه (٢) فِي غدوة (أو روحة) (٣)، فلذلك سمي أبو بكر الصديق. قال: وفي القوم من قد سافر (إِلَى هنالك) (٤)، ومن قد أتى المسجد، فقالوا: هل تستطيع أن تثبت لنا المسجد؟ قال: "نعم"، قال: "فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتَّى التبس علي (٥) "، فقال ﷺ : "فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتَّى وضع دون دار عقيل، فنعت المسجد وأنا انظر إليه"، فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب فيه (٦). ثم قالوا: (يَا محمَّد! فـ) (٧) أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا من قولك، هل لقيت منها شيئًا؟ قال: "نعم، مررت على عير بني

стр. 8543

فلان، وهي بالروحاء (١)، وقد أضلوا بعيرًا لهم وهم فِي طلبه، وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته وشربته، ثم وضعته كما كان فاسألوهم (٢) هل وجدوا الماء فِي القدح حين رجعوا إليه؟ " قالوا: هذِه آية، قال: "ومررت بعير بني فلان، وفلان وفلان راكبين (٣) قعودًا لهما بذي مر، فنفر بكرهما (فرمى بفلان) (٤) فانكسرت يده"، فسألوهما عن ذلك، قالوا: وهذِه آية أخرى (٥). قالوا: فأخبرنا عن عيرنا نحن، قال: "مررت بها بالتنعيم"، قالوا: فما عدتها وأحمالها وهيئتها؟ قال: "كنت فِي شغل عن ذلك"، ثم مثلت له مكانه بالحزورة (٦) بعدتها وأحمالها وهيئتها ومن

стр. 8544

فيها، فقال: "نعم (١) هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشَّمس"، قالوا: وهذِه آية أخرى (٢). ثم (خرج المشركون) (٣) يشتدون نحو الثنية وهم يقولون: والله لقد قص محمَّد أشياء وبيّنها (٤) حتَّى أتوا كداء (٥) فجلسوا عليه، فجعلوا ينتظرون متى تطلع الشَّمس فيكذبونه، إذ قال قائل منهم: والله هذِه الشَّمس (قد طلعت) (٦) وقال آخر (٧): هذِه والله الإبل قد طلعت، يقدمها بعير أورق، فيها فلان وفلان، كما قال لهم (٨) رسول الله ﷺ ، فلم يؤمنوا ولم يفلحوا، وقالوا: ما سمعنا (بمثل هذا) (٩) قط إن هذا إلَّا سحر مبين.

стр. 8545

آخر المعراج (بمن الله وعونه) (١). فإن قيل: إنما (٢) قال الله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ فلم قلتم أنَّه أسري به إِلَى السماء؟ فالجواب (أن يقال) (٣): إنما قال (الله تعالى) (٤): ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ لأن ابتداء أمر المعراج كان الإسراء (٥)، والإعراج كان بعد الإسراء، وقد (أخبر به الرسول ﷺ ) (٦)، وهو الصادق المصدوق. والحكمة فيه -والله أعلم- أنَّه لو أخبر ﷺ ابتداء بعروجه إِلَى السماء لاشتد إنكارهم وعظم ذلك فِي قلوبهم ولم يصدقوه، فأخبر ببيت المقدس بدءًا، فلما تمكن ذلك من قلوبهم وبأن لهم (٧) صدقه وقامت الحجة عليهم له أخبر بصعوده إِلَى السماء العليا (٨) وسدرة المنتهى وتقريبه حتَّى دنا فتدلى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ (٩) بقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾.

стр. 8546

٢ - قوله : ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ كما أسرينا بمحمد ﷺ ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا﴾ يعني: بألا ﴿تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ ربًا وشريكًا وكفيلًا. قراءة العامة: ﴿تَتَّخِذُوا﴾ بالتاء، يعني: قلنا لهم: لا تتخذوا، وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو عمرو (١): بالياء، واختاره أبو عبيد، قال: لأنه خبر عنهم. ٣ - ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ أي (٢) يَا ذرية ﴿مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ فأنجيناهم من الطوفان ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ قال المفسرون: كان نوح ﵇ إذا لبس ثوبًا أو

стр. 8547

أكل طعامًا أو شرب شرابًا قال: الحمد لله، فسمي عبدًا شكورًا. [١٦٩٤] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (١) قال: أخبرنا أَحْمد بن شاذان (٢) قال: أخبرنا جيعويه (٣) قال: أخبرنا صالح بن محمَّد (٤)، عن الفرج بن فضالة (٥)، عن النضر بن شفي (٦)، عن عمران بن سليم (٧) قال: إنما سمي نوح ﵇ عبدًا شكورًا؛ لأنه كان إذا أكل طعامًا قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا هو (٨) شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد

стр. 8548

لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته (١) قال: الحمد لله الذي أخرج عني (الأذى، وعافاني) (٢) ولو شاء حبسه (٣). ٤ - قوله (٤) ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ ٥ - ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ ٦ - ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ ٧ - ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ ٨ - ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾. روى سفيان بن سعيد (٥)، عن منصور بن المعتمر (٦)، عن ربعي بن

стр. 8549

حراش (١)، عن حذيفة بن اليمان (٢) ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن بني إسرائيل لما اعتدوا وعلوا (٣) وقتلوا الأنبياء بعث الله عليهم ملك فارس بختنصر وكان الله تعالى ملّكه سبع مائة سنة (٤) فسار إليهم دخل (٥) بيت المقدس فحاصرها وفتحها وقتل على دم يحيى بن زكريا ﵉ سبعين ألفًا، ثم سبى أهلها وأولاد (٦) الأنبياء وسلب حلي بيت المقدس واستخرج منها سبعين ألفًا ومائة أَلْف عجلة من حلي". قال حذيفة ﵁: فقلت: يَا رسول الله! لقد كان بيت المقدس عظيمًا عند الله تعالى؟ قال: "أَجل، بناه سليمان بن داود ﵉ من ذهب وياقوت وزبرجد، وكان بلاطه بلاطة (٧) من ذهب، وبلاطة من فضة، وعمده ذهبًا، أعطاه الله سبحانه ذلك وسخر له الشياطين يأتونه بهذِه الأشياء فِي طرفة عين، فسار بختنصر بهذِه الأشياء حتَّى نزل بها بابل فأقام فِي يده (٨) مائة سنة يستعبدهم

стр. 8550

المجوس فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء، ثم إن الله تعالى رحمهم فأوحى إِلَى ملك من ملوك فارس يقال له: كورش (١) وكان مؤمنًا أن سِرْ إِلَى بقايا بني إسرائيل حتَّى تستنقذهم (٢)، فسار كورش ببني إسرائيل وحلي بيت المقدس حتَّى رده إليه، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله تعالى مائة سنة، ثم إنهم عادوا فِي المعاصي فسلط الله عليهم ملكًا يقال له أنطياحوس (٣) فغزا بني إسرائيل حتَّى أتاهم بيت المقدس فسبى أهله (٤) وأحرق بيت المقدس وقال لهم: يا بني إسرائيل! إن عدتم (فِي المعاصي) (٥) عدنا عليكم بالسبي (٦)، فعادوا (فِي المعاصي) (٧) فسلط الله عليهم (ملكًا وهو) (٨) ملك رومية يقال له: فاقس أستيانوس (٩)، فغزاهم فِي البر والبحر فسباهم وسبى حلي بيت المقدس، وأحرق بيت المقدس" فقال رسول الله ﷺ : "فهذا (١٠) من صفة حلي بيت المقدس، ويرده المهدي إِلَى بيت المقدس

стр. 8551

وهو (١) أَلْف سفينة وسبع مائة سفينة يرسى (٢) بها على يافا حتَّى تنقل إِلَى بيت المقدس، وبها يجمع الله الأولين والآخرين" (٣). وقال محمَّد بن إسحاق بن يسار (٤): وكان مما أنزل الله على موسى بن عمران ﵇ فِي خبره عن بني إسرائيل فِي أحداثهم ما (٥) هم فاعلون بعده فقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ إِلَى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ فكانت بنو إسرائيل وفيهم الإحداث والذنوب وكان الله تعالى فِي ذلك متجاوزًا عنهم منعطفًا عليهم محسنًا إليهم، فكان أول ما أنزل بهم بسبب ذنوبهم من (٦) تلك الوقائع كما أخبر على لسان موسى ﵇ أن ملكًا منهم كان يدعى صديقه، وكان الله تعالى إذا ملّك الملك (٧) عليهم بعث

стр. 8552

معه (١) نبيًا يسدده ويرشده ويكون فيما بينه وبين الله تعالى، يوحى (٢) إليه فِي (أمورهم ولا ينزل عليه) (٣) الكتب، إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها، وينهونهم (٤) عن المعصية ويدعونهم إِلَى ما تركوا من الطاعة، فلما ملك ذلك الملك بعث الله تعالى معه (٥) شعياء بن أمضيا (٦) ﵇ وكان (٧) ذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى ﵈، وشعياء هو الذي بشر بعيسى وبمحمد صلى الله عليهما وسلم فقال: (أبشري أوري شلم) (٨) الآن يأتيك راكب الحمار ومن بعده صاحب البعير. فملك ذلك الملك بني إسرائيل (ونزل بـ) (٩) بيت المقدس زمانًا طويلًا (١٠)، فلما انقضى ملكه عظمت فيهم الإحداث وشعياء ﵇ معه، بعث الله تعالى عليهم (١١) سنحاريب (١٢) ملك بابل معه ستمائة

стр. 8553

أَلْف راية، فأقبل سائرًا حتَّى نزل حول بيت المقدس والملك مريض فِي ساقه قرحة، فجاء (النَّبِيّ شعياء) (١) ﵇ (إليه) (٢) فقال له: يَا ملك بني إسرائيل! إن (ملك بابل سنحاريب) (٣) قد نزل بك هو وجنوده (فِي ستمائة أَلْف) (٤) راية وقد هابهم النَّاس وفرقوا منهم فكبر ذلك على الملك فقال: يَا نبي الله! هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده؟ فقال له النَّبِيّ ﵇: لم يأتني وحي، فبينما هم كذلك (٥) أوحى الله تعالى إِلَى شعياء النَّبِيّ (٦) ﵇ أن ائت ملك بني إسرائيل فمره أن (٧) يوصي بوصيته ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته (فإنَّه ميت) (٨)، فأتى شعياء ﵇ صديقه (٩) فقال له (١٠): إن ربك أوحى إِلَى (أن آمرك) (١١) أن توصي وصيتك وتستخلف من شئت على ملكك من

стр. 8554

أهل بيتك فإنك ميت. فلما قال شعياء ﵇ ذلك لصديقه أقبل على القبلة فصلى ودعا وبكى فقال وهو يبكي ويتضرع إِلَى الله تعالى بقلب مخلص وتوكل وصبر وظن صادق فقال (١): اللهم ربَّ الأرباب وإله الآلهة قدوس المتقدسين (٢)، يَا رحمن يَا رحيم، يَا رؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم! اذكرني (بعملي وفعلي) (٣) وحسن قضائي على بني إسرائيل، وذلك كله كان منك، وأنت أعلم به مني بسري وعلانيتي لك. (وإن الرحمن) (٤) استجاب له، وكان عبدًا صالحًا، فأوحى الله تعالى (فِي أمره) (٥) إِلَى شعياء ﵇ وأمره أن يخبر صديقه الملك أن (الله تعالى) (٦) قد استجاب له (وقبل منه ورحمه وقد) (٧) أخر أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب ملك بابل وجنوده، فأتاه (٨) شعيا ﵇ (٩) فأخبره بذلك، فلما قال له ذلك ذهب عنه

стр. 8555

الوجع وانقطع عنه الشر والحزن، وخر ساجدًا وقال: يَا إلهي وإله آبائي! لك سجدت وسبحت وكبرت (١) وعظمت، أَنْتَ الذي تعطي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أَنْتَ الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين، أَنْتَ الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي، فلما رفع رأسه أوحى الله تعالى إِلَى شعيا ﵇ أن قل للملك صديقه فيأمر عبدًا من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحه فيشفى ويصبح و (قد برأ) (٢) ففعل ذلك فشفي، وقال الملك لشعيا ﵇: سل ربك أن يجعل لنا علمًا بما هو صانع بعدونا هذا. فقال الله تعالى لشعيا: قل له إنِّي قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم، وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلَّا سنحاريب وخمسة نفر من كتابه. فلما أصبح (٣) جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة: يَا ملك بني إسرائيل! إن الله قد كفاك أمر (٤) عدوك، فاخرج وإن سنحاريب ومن معه هلكوا. فلما خرج الملك التمس سنحاريب فِي الموتى فلم يوجد (٥)،

стр. 8556

فبعث الملك فِي طلبه فأدركه الطلب فِي مغارة ومعه (١) خمسة نفر من كتابه، أحدهم بختنصر فجعلوهم (٢) فِي الجوامع ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل، فلما رآهم خر ساجدًا من حين طلعت الشَّمس إِلَى العصر، ثم قال لسنحاريب: كيف ترى فعل ربنا (بكم أو) (٣) لم يقتلكم بحوله وقوته، ونحن وأنتم غافلون، فقال سنحاريب له (٤): قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي، فلم أطع مرشدًا، ولم يقلني فِي الشقوة إلَّا قلة عقلي، ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم ولكن الشقوة غلبت علي وعلى من معي. فقال صديقه (٥): الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء، إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة بك عليه، ولكنه إنما أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة فِي الدنيا، وعذابًا فِي الآخرة، ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا، ولدَمُك ودم من معك أهون على الله من دم (قرادة لو قتلت) (٦). ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير جيشه (أن يقذف) (٧) فِي رقابهم

стр. 8557

الجوامع (١) وطاف بهم سبعين يومًا حول بيت المقدس وإيلياء، وكان (٢) يرزقهم فِي كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم. فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل: القتل خير مما تفعل بنا فافعل ما أمرت، فأمر بهم الملك إِلَى سجن القتل، فأوحى الله سبحانه إِلَى شعيا النبي ﵇ أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم (حتَّى قدموا بابل) (٣) وليحملوا حتَّى يبلغوا بلادهم فبلغ (ذلك شعيا الملك) (٤) ففعل، فخرج سنحاريب ومن معه حتَّى قدموا بابل، فلما قدموا جمع النَّاس فأخبرهم كيف فعل الله تعالى بجنوده، فقال له (٥) كهنته وسحرته: يَا ملك بابل! قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم، ووحي الله تعالى إِلَى نبيهم فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم، وكان أمر سنحاريب مما خوفوا به ثم كفاهم الله تعالى إياه تذكرة وعبرة، ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين، ثم مات واستخلف بختنصر، ابن ابنه على ما كان عليه (٦) جده، يعمل عمله، ويقضي بقضائه

стр. 8558

فلبث سبع عشرة سنة ثم قبض الله تعالى ملك بني إسرائيل صديقه، فمرج أمر بني إسرائيل وتنازعوا (١) وتنافسوا فِي (٢) الملك، حتَّى قتل بعضهم بعضًا، ونبيهم شعيا معهم (لا يذعنون إليه) (٣) ولا يقبلون منه، فلما فعلوا ذلك قال الله تعالى لشعيا ﵇: قم فِي قومك، أوح على لسانك، فلما قام النَّبِيّ ﵇ أنطق الله لسانه بالوحي فقال: يَا سماء استمعي (٤) ويا أرض أنصتي، فإن الله تعالى يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته واصطنعهم لنفسه وخصهم بكرامته وفضلهم على كثير من عباده، واستقبلهم بالكرامة وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها فآوى شاردها وجمع ضالتها وجبر كسيرها وداوى مريضها وأسمن مهزولها وحفظ سمينها، فلما فعل ذلك (تقاطعت وبغت) (٥) وبطرت، فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضًا، حتَّى لم يبق منها (٦) عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير، فويل لهذِه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون (من أين) (٧) جاءهم الخير (٨).

стр. 8559

إن البعير ربما (١) يذكر وطنه فينتابه (٢)، وإن الحمار ربما (٣) يذكر الأرى الذي شبع عليه فيراجعه، وإن الثور ربما (٤) يذكر المرج الذي يسمن فيه فينتابه، وإن هؤلاء القوم لا يدرون من حيث جاءهم الخير، وهم أولو الألباب والعقول، ليسوا ببقر ولا حمير، إنِّي ضارب لهم مثلًا فليستمعوه. قل لهم كيف ترون فِي أرض (٥) كانت خرابًا (٦) زمانًا خربة مواتًا لا عمران فيها، وكان لها رب حكيم قوي فأقبل عليها بالعمارة وكره أن تخرب أرضه فأحاط عليها جدارًا وشيد فيها قصرًا وأنبط نهرًا، وصنف (٧) فيها غراسًا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها، وولّى ذلك واستحفظه ذا رأي وهِمّة حفيظًا قويًا أمينًا فانتظرها، فلما أُطلعت جاء طلعها خروبًا، قالوا: بئست (٨) الأرض هذِه، نرى أن نهدم جدارها وقصرها، وندفن (٩) نهرها ونقبض قيّمها ونحرق غرسها حتَّى تصير كما كانت أول مرة خرابًا مواتًا لا عمران فيها.

стр. 8560

قال الله تعالى: قل (١) لهم فإن الجدار ديني، وإن القصر شريعتي، وإن النهر كتابي، وإن القيم نبيي، وإن الغراس هم، وإن الخروب الذي أطلع (من الغراس) (٢) أعمالهم الخبيثة، وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، وإنه مثل ضربه الله لهم يتقربون إِلَي بذبح البقر والغنم، وليس ينالني اللحم ولا آكله، ويدعون أن يتقربوا إِلَى بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها، فأيديهم مخضوبة منها، وثيابهم متزملة بدمائها، يشيدون لي البيوت مساجد، ويطهرون أجوافها، وينسجون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها (٣)، فأي حاجة لي إِلَى تشييد البيوت ولست أسكنها، وأي حاجة لي بتزويق المساجد ولست أدخلها، إنما أمرت برفعها لأذكر فيها وأسبح ولتكون (٤) معلمًا لمن أراد أن يصلي فيها، يقولون: لو كان الله تعالى يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها، ولو كان الله تعالى يقدر على أن (يفقه قلوبنا لأفقهها) (٥)، فاعمد إِلَى عودين يابسين ثم ائت بهما (فِي ناديهم) (٦) فِي أجمع ما يكونون فقل للعودين: إن الله

стр. 8561

تعالى يأمركما أن تكونا عودًا واحدًا، فلما قال لهما ذلك، اختلطا فصارا واحدًا. فقال الله تعالى: قل (١) لهم: إن قدرت على أن أفقه (العيدان اليابسة) (٢) وعلى أن أؤلف بينهما فكيف لا أقدر على أن أجمع ألفتهم إن شئت، أم كيف لا أقدر على أن أفقه قلوبهم وأنا الذي صورتها. يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا، وصلينا فلم تنور صلاتنا، وتصدقنا (٣) فلم تزك صدقاتنا، ودعونا بمثل (٤) حنين الحمام، وبكينا بمثل عواء (٥) الذئب، فِي كل ذلك لا يسمع ولا يستجاب لنا. قال الله تعالى: فاسألهم (٦) ما الذي يمنعني من (٧) أن أستجيب لهم؟ ألست أسمع السامعين وأبصر الناظرين، وأقرب المجيبين، وأرحم الراحمين؟ أو لأن ذات يدي قلّت، فكيف ويداي مبسوطتان بالخير، أنفق كيف أشاء، ومفاتيح الخزائن عندي لا يفتحها غيري، أو لأن

стр. 8562

رحمتي ضاقت، فكيف ورحمتي وسعت كل شيء؟ إنما يتراحم الرحمون بفضلها، أو لأن البخل يعتريني، ألست أكرم الأكرمين والفتاح (١) للخيرات، أجود من أعطى، وأكرم من سئل؟ لو أن هؤلاء القوم نظروا لأنفسهم بالحكمة التي نورت فِي قلوبهم فنبذوها واشتروا بها الدنيا، إذن لأبصروا من حيث أتوا (٢) وإذن لأيقنوا أن أنفسهم هي أعدى (٣) العداة لهم. فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور، ويتقوون عليه بطعمة (٤) الحرام، وكيف أنور (٥) صلاتهم وقلوبهم صاغية إِلَى من يحاربني وينتهك محارمي، أم كيف تزكو عندي (٦) صدقاتهم وهم يتصدقون بأموال غيرهم؟ (وإنما أجازي) (٧) عليها أهلها المغصوبين، أم كيف أستجيب دعاءهم، وإنما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد، إنما استجيب للداعي (٨) اللين، وإنما أستمع قول المستضعف (٩) المسكين، وإن من علامة رضائي رضا

стр. 8563

المساكين، فلو رحموا المساكين، وقربوا "الضعفاء" وأنصفوا المظلوم ونصروا المغصوب، وعدلوا للغائب، وأدوا إِلَى اليتيم وإلى (١) الأرملة والمسكين وكل ذي حق حقه ثم لو كان ينبغي لي (٢) أن أكلم البشر (إذن لكلمتهم، وإذن) (٣) لكنت نور أبصارهم وسمع آذانهم ومعقول قلوبهم، وإذن لدعمت أركانهم، فكنت قوة أيديهم وأرجلهم، وإذن لثبت (٤) ألسنتهم وعقولهم. يقولون لما سمعوا كلامي وبلغتهم رسالتي: إنها أقاويل منقولة، وأحاديث متوارثة، وتأليف مما يؤلف السحرة والكهنة، وزعموا أنَّهم لو شاءوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا، وأن أطلعوا على علم الغيب لما يوحى إليهم الشياطين أطلعوا، وكلهم يستخفي بالذي يقول ويسر، وهم يعلمون أني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما (يبدون وما يكتمون) (٥) وإني (قد) (٦) قضيت يوم خلقت السماوات (٧) والأرض قضاء أثبته على نفسي وجعلت دونه أجلًا مؤجلًا لا بد له (٨) أنَّه واقع، فإن صدقوا بما ينتحلون من علم الغيب

стр. 8564

فليخبروك متى العدة (١) وفي أي زمان يكون؟ فإن كانوا يقدرون على أن (يأتوا بما يشاءون فليأتوا) (٢) بمثل القدرة التي بها أمضي، فإنِّي مظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإن كانوا يقدرون على أن يؤلفوا ما يشاءون فليؤلفوا مثل هذِه الحكمة التي (أدبر بها أمر ذلك) (٣) القضاء إن كانوا صادقين، فإنِّي قد (٤) قضيت يوم خلقت السماوات والأرض أن أجعل النبوة فِي الأجراء، وأن أجعل الملك فِي الرعاء، والعزة (٥) فِي الأزلاء، والقوة فِي "الضعفاء" والغنى فِي الفقراء، والثروة فِي الأقلاء، والمدائن فِي الفلوات، والآجام (٦) فِي المفاوز، والثرى فِي الغيطان (٧)، والعلم فِي الجهلة، والحكم (٨) فِي الأميين، (فاسألهم متى) (٩) هذا، ومن القيم بهذا، وعلى يدي من أسببه ومن

стр. 8565

أعوان هذا الأمر وأنصاره (إن كانوا يعملون)؟ (١) فإنِّي باعث لذلك (٢) نبيًا أميًا، ليس (٣) أعمى من عميان، ولا (٤) ضالًّا من ضالين، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب (٥) فِي الأسواق، ولا متزين بالفحش، وقوال بالخنا، أسدده بكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، أجعل السكينة (٦) لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره (٧)، والحكمة معقوله (٨)، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإِسلام ملته. و(اسمه أَحْمد) (٩) وأهدي به بعد الضلالة، و (أعلم به) (١٠) بعد الجهالة، وأرفع به (١١) بعد الحمالة، وأشهر به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به

стр. 8566

قلوبًا مختلفة، وأهواء (١) متشتة، وأممًا متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للنَّاس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، إيمانًا بي وتوحيدًا لي وإخلاصًا لي، يصلون قيامًا وقعودًا، و (ركعًا وسجدًا) (٢) ويقاتلون فِي سبيلي صفوفًا وزحوفًا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي، ألهمهم (٣) التكبير والتوحيد والتهليل والتسبيح والتحميد لي فِي مجالسهم ومسيرتهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، ويكبرون ويهللون ويقدسون على رءوس الأشراف (٤) ويطهرون لي الوجوه والأطراف ويعقدون الثياب إِلَى (٥) الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم (٦) صدورهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. فلما فرغ نبيهم شعياء ﵇ إليهم من مقالته عدوًا عليه ليقتلوه فهرب منهم فلقيته شجرة فانفلقت له فدخل فيها، فأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه، فأراهم إياها، فوضعوا المنشار فِي وسطها فنشروها حتَّى (فلقوها وقطعوها بنصفين) (٧) فقطعوه فِي وسطها، فاستخلف الله

стр. 8567

تعالى على بني إسرائيل بعد قتلهم شعياء رجلًا منهم يقال له: ناشية (١) ابن أموص، وبعث إليهم الخضر ﵇ نبيًّا، واسم الخضر: أرمياء بن خلقيًا، وكان من سبط هارون (بن عمران ﵇ (٢)، وإنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء عنها (٣) وهي تهتز خضراء، فقال الله تعالى لأرمياء حين بعثه نبيًّا إِلَى بني إسرائيل: يَا أرمياء! (اخترتك من قبل أن أخلقك) (٤)، ومن قبل أن أصورك فِي بطن أمك قدستك، ومن قبل أن أخرجك (٥) من (ظهر أبيك) (٦) طهرتك وذكر الحديث بطوله فِي (٧) خطبة أرمياء ﵇ لقومه وفتياه (التي أفتى بها) (٨) ودخول بختنصر وجنوده بيت المقدس، كما ذكرنا فِي سورة البقرة. قالوا: فلما رأى أرمياء ﵇ ذلك طار حتَّى خالط الوحوش ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس، (ووطأ الشَّام وقتل بني إسرائيل حتَّى أفناهم وخرب بيت المقدس) (٩) ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل

стр. 8568

منهم ترسه ترابًا ثم يقذفه فِي بيت المقدس، فقذفوا فيه التُّراب حتَّى ملؤوه (١) ثم انصرف راجعًا إِلَى أرض (٢) بابل، واحتمل معه سبايا بني إسرائيل، وأمرهم أن يجمعوا من كان فِي بيت المقدس كلهم، فجمعوا عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل، فاختار منهم سبعين أَلْف صبي، فلما خرجت غنائم جنده وأمر (٣) أن يقسم فيهم قال له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك! لك غنائمنا كلها، فاقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل، ففعل، فأصاب كل رجل منهم أربعة آلاف (٤) غلمة، وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا، و (عزرائيل وميشائيل) (٥) وسبعة آلاف من أهل بيت داود ﵇، واحد عشر ألفًا من سبط يوسف بن يعقوب ﵉، وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط أشير (٦) بن يعقوب، وأربعة عشر ألفًا من سبط زبالون (٧) بن يعقوب، ونفتالي (٨) بن يعقوب

стр. 8569

عليهم السلام، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب ﵉، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي ابني يعقوب ﵉، ومن بقي من بني إسرائيل (١)، وجعلهم بختنصر ثلاث فرق: فثلثا أقر بالشَّام، وثلثا سبى، وثلثا قتل، وذهب بآنية بيت المقدس (حتَّى أقدمها بابل) (٢)، وذهب بالصبيان (٣) السبعين ألفًا حتَّى أقدمهم بابل وكانت هذِه الوقعة الأولى التي أنزل الله تعالى ببني إسرائيل بإحداثهم وظلمهم، وذلك قوله : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيد﴾ يعني بختنصر وأصحابه. وكان بدء بختنصر ما روى حجاج (٤)، عن ابن جريج (٥)، عن يعلى ابن مسلم (٦)، عن سعيد بن جبير (٧) قال: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ حتَّى إذا بلغ ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ بكى وفاضت عيناه، ثم أطبق المصحف وقال: يَا رب! أرني هذا الرَّجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه، فأري فِي المنام مسكينًا (من

стр. 8570

مساكين بابل) (١) يقال له: بختنصر، فانطلق بمالٍ أو أعبدٍ له، وكان رجلًا موسرًا فقيل له: أين تريد؟ قال: أريد التجارة. حتى نزل دارًا ببابل فاستكراها، ليس فيها أحد غيره، فجعل يدعو المساكين، ويلطف بهم حتى (لا يأتيه) (٢) أحد فقال: هل بقي مسكين غيرهم؟ قالوا: نعم، مسكين بفج آل فلان مريض، يقال له: بختنصر، فقال لغلمته: انطلقوا، حتى أتاه فقال: ما اسمك؟ قال: بختنصر، فقال لغلمته احتملوه. فنقله (٣) إليه فمرضه حتى برأ وكساه وأعطاه نفقة ثم أذن الإسرائيلي بالرحيل، فبكى بختنصر فقال له الإسرائيلي: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأنك فعلت بي ما فعلت، وأنا (٤) لا أجد شيئًا أجزيك به (٥)، قال: بلى شيئًا يسيرًا، إن ملكت أطعتني، فجعل بختنصر يتبعه، ويقول: أتستهتزئ بي، ولا يمنعه أن يعطيه ما سأله إلا أنه يرى أنه يستهزئ به، فبكى الإسرائيلي وقال: لقد (٦) علمت ما يمنعك أن تعطيني ما سألتك إلا أن الله تعالى يريد أن ينفذ ما قضاه (٧) وكتب في كتابه،

стр. 8571

وضرب الدهر من ضربة دهره (١). قال صيحون -وهو ملك فارس ببابل-: لو أنا بعثنا طليعة إلى الشام، قالوا: وما ضرك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا؟ فلان، فبعث رجلًا وأعطاه مائة ألف وخرج بختنصر في (٢) مطبخه، لا يخرج إلا ليأكل من مطبخه، فلما قدم (٣) الشام رأى صاحب الطليعة أكثر أرض الله فرسانًا (٤) ورجلًا جلدًا كسر ذلك في ذرعه، فلم يسأل، قال: فجعل بختنصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول: ما يمنعكم أن تغزوا بابل؟ فلو غزوتموها ما دون بيت ما لها شيء، قالوا: لا نحسن القتال، قال: فلو (أنهم غزوكم؟ ) (٥) قالوا: لا نحسن القتال ولا نقاتل، حتى افتقد (٦) مجالس أهل الشام ثم رجع، فأخبر الطليعة ملكهم ما رأى، وجعل بختنصر يقول لفوارس الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبره به فلان، فرفع ذلك

стр. 8572

إليه فدعاه، فأخبر الخبر وقال: إن فلانًا لما رأى أكثر أرض الله كراعًا ورجلًا وجلدًا كسر ذلك في ذرعه، فلم يسألهم عن شيء، وإني لم أر (١) أدع مجلسًا (في الشام) (٢) إلا جالست أهله فقلت لهم (كذا وكذا، فقالوا لي كذا وكذا) (٣). قال سعيد بن جبير: فقال الطليعة لبختنصر: فضحتني، لك مائة ألف وتنزع عما قلت، فقال: لو أعطيتني بيت مال بابل ما نزعت، فضرب الدهر (من ضربة) (٤)، قال الملك: لو بعثنا جريدة خيل إلى الشام، فإن وجدوا مساغًا ساغوا، وإلا امتشوا (٥) ما قدروا عليه؟ قالوا: ما ضرك لو فعلت، قال: فمن ترون؟ قالوا: فلانًا (٦)، قال: بل (٧) الرجل الذي أخبرني بما أخبرني، فدعا بختنصر، وأرسله وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار فسبوا ما شاء الله، ولم يخربوا ولم يقتلوا، ومات صيحون، فقالوا: استخلفوا رجلًا، قالوا: على رسلكم، حتى يأتي أصحابكم فإنهم فرسانكم، فأمهلوا حتى جاء بختنصر بالسبي وما معه فقسمه بين الناس، فقالوا: ما رأينا أحدًا أحق بالملك من هذا فملكوه.

стр. 8573

وقال السدي -بإسناده (١) -: أن رجلًا من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت المقدس وهلاك بني إسرائيل على يدي يتيم، ابن أرملة من أهل بابل، يدعى بختنصر، -وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم-، فأقبل يسأل عنه حتى نزل على أمه، وهو يحتطب (٢)، فلما جاء وعلى رأسه حزمة من حطب ألقاها، ثم قعد في جانب من البيت، فكلمه، ثم أعطاه ثلاثة دراهم، وقال: اشتر بهذا طعامًا وشرابًا، فاشترى بدرهم (خبزًا، وبدرهم لحمًا) (٣)، وبدرهم خمرًا، فأكلوا وشربوا، حتى إذا كان اليوم الثاني، فعل به ذلك، حتى إذا كان اليوم الثالث، فعل به (٤) ذلك، ثم (٥) قال: إني أحب أن تكتب لي أمانًا إن أنت (٦) ملكت يومًا من الدهر! فقال: أتسخر مني؟ قال: إني لا أسخر منك (٧)، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا، فكلمته أمه وقالت: ما عليك إن كان، وإلا لم ينقصك شيئًا، فكتب له أمانًا، فقال: أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني

стр. 8574

وبينك؟ فاجعل لي آية تعرفني بها، قال: ترفع صحيفتك هذِه (١) على قصبة فأعرفك بها، (فكتب له) (٢) وأعطاه. ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا ﵉، فيدني من (٣) مجلسه ويسشيره (في أمره) (٤) ولا يقطع أمرًا دونه، وإنه هوى أن يتزوج بنت امرأة له فسأله عن ذلك، فنهاه عن نكاحها، وقال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك أمها، فحقدت على يحيى (بن زكريا ﵉ (٥) حين نهاه أن يتزوج ابنتها، فعمدت أم (٦) الجارية حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابًا رقاقًا حمراء وطيبتها وألبستها من الحلي والحلل (٧) وألبستها فوق ذلك كساء أسود وأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه وأن تتعرض له، فإن راودها عن نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته أن تؤتي برأس يحيى بن زكريا في طست، ففعلت ذلك (٨)، فجعلت تسقيه وتتعرض (٩) له، فلما أخذ منها الشراب راودها عن نفسها،

стр. 8575

فقالت: لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك (١)، قال: وما تسأليني؟ قالت: أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكريا، فيؤتى برأسه في هذا الطست، فقال (الملك لها) (٢): ويحك، سليني غير هذا، قالت: ما أريد إلا هذا، فلما أبت عليه بعث إليه فأتي برأسه والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه، وهو يقول له (٣): لا تحل لك، فلما أصبح فإذا دمه يغلي، فأمر بتراب فألقي عليه، فرقى الدم فوق التراب يغلي، فألقى عليه أيضًا، فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يلقي عليه من التراب حتى بلغ سور المدينة، وهو مع (٤) ذلك يغلي، فبلغ صخابين (٥) فنادى في الناس، وأراد أن يبعث إليهم جيشًا ويؤمر عليهم رجلًا فأتاه بختنصر فكلمه وقال: إن الذي كنت (أرسلته في تلك المرة) (٦) ضعيف، وإني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهلها، فابعثني، فبعثه، فسار بختنصر حتى إذا بلغ (٧) ذلك المكان تحصنوا منه في مداينهم فلم يطقهم، فلما اشتد عليه المقام وجاع

стр. 8576

أصحابه وأرادوا الرجوع خرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت: أين (الأمير على الجند؟ ) (١) فأتي بها إليه، فقالت له (٢): إنه قد بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذِه المدينة؟ قال: نعم، قد طال مقامي، وجاع أصحابي، فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني، فقالت: أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك وتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف؟ قال لها: نعم. قالت: إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع، ثم أقم على كل زاوية ربعًا، ثم ارفعوا أيديكم إلى السماء ونادوا: يا الله! إنا نستفتحك بدم يحيى بن زكريا ﵉، فإنها سوف تتساقط، ففعلوا، فتساقطت المدينة، فدخلوا من جوانبها فقالت له (٣): كف يدك (واقتل على هذا الدم حتى يسكن فانطلقت به إلى دم يحيى بن زكريا) (٤) ﵉ وهو على تراب كثير، فقتل عليه حتى سكن، فقتل سبعين ألفًا، فلما سكن الدم قالت له: كف يدك، فإن الله تعالى -إذا قُتِل نبي- لم يرض حتى يقتل من قتله (٥)، ومن رضي قتله، وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته هذِه (٦) فكف عنه وعن أهل

стр. 8577

بيته (١)، وخرب بيت المقدس، وأمر به (٢) أن يطرح الجيف فيه، (وقال: من) (٣) طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة، وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا، فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسراتهم، وذهب بدانيال وقوم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت (٤)، فلما قدم أرض بابل فوجد صخابين (٥) قد مات، فملك مكانه، وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه، فحسدهم المجوس على ذلك، فوشوا بهم إليه وقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون ذبيحتك، فدعاهم وسألهم فقالوا: أجل، إن لنا ربًّا نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم، فأمر (أن يخدّ لهم) (٦) فخدّ لهم وألقوا

стр. 8578

فيه، وهم ستة وألقي معهم سبع ضار ليأكلهم، فقال: انطلقوا فلنأكل ولنشرب، فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم (جلوسًا والسبع مفترش ذراعيه بينهم ولم يخدش منهم أحدًا، ولم ينكأ منهم شيئًا، ووجدوا معهم رجلًا فعدوهم فوجدوهم) (١) سبعة، فقالوا: ما بال هذا السابع؟ إنما كانوا ستة، فخرج إليه (٢) السابع -وكان ملكًا من الملائكة فلطمه فصار في الوحش (٣) فمسخه الله تعالى سبع سنين، ثم إن بختنصر رأى رؤيا فعبرها له دانيال ﵇، وهو: [١٦٩٥] ما أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد (٤)، قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن (٥)، قال: حدثنا داود بن سليمان (٦)، قال: حدثنا عبد الحميد بن حميد (٧)، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم (٨)، قال: أخبرنا عبد الصمد بن معقل (٩)، أنه (١٠) سمع

стр. 8579

وهبًا (١) يقول: إن بختنصر رأى في آخر زمانه صنمًا رأسه من ذهب وصدره من فضة، وبطنه من نحاس، وفخذاه (٢) من حديد، وساقاه من فخار، ثم رأى حجرًا من السماء وقع عليه فدقه، ثم ربا الحجر حتى ملأ (٣) ما بين المشرق والمغرب، ورأى شجرة أصلها في الأرض وفرعها في السماء ورأى عليها رجلًا بيده فأس وسمع مناديًا ينادي: اضرب جذعها ليتفرق الطير من فروعها (٤) ويتفرق الدواب والسباع من تحتها واترك أصلها قائمًا، (فعبر له) (٥) دانيال ﵇ فقال: أما الصنم الذي رأيت (فأنت الرأس المذهب، وأنت أفضل الملوك، وأما الصدر الذي رأيت) (٦) من فضة فابنك يملك من بعدك، وأما البطن الذي رأيت من نحاس فملك يكون بعد ابنك، وأما (الفخذ الذي رأيت من الحديد فـ) (٧) يتفرق فرقتان (٨) في فارس تكون (٩) أشد الملك، وأما الفخار فآخر ملكهم يكون دون الحديد،

стр. 8580

وأما الحجر الذي رأيت وقد ربا حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب، فنبي يبعثه الله تعالى في آخر الزمان (فيتفرق ملكهم) (١) كله، ويربو ملكه حتى يملأ ما بين المشرق والمغرب، وأما الشجرة التي رأيت والطير التي (٢) عليها، والسباع والدواب التي تحتها و (ما أمرت) (٣) بقطعها فيذهب ملكك، ويردك الله طائرًا، تكون نسرًا، ملك الطير ثم يردك الله ثورًا ملك الدواب، ثم يردك الله أسدًا، ملك السباع والوحوش سبع سنين، وكان مسخه كله سبع سنين-، وفي ذلك قلبك قلب إنسان حتى تعلم أن الله تعالى له ملك السماوات والأرض، وهو يقدر على الأرض ومن عليها، وكما رأيت أصلها قائمًا وإن (٤) ملكك قائم، فمسخ بختنصر نسرًا في الطير، وثورًا في الدواب،
следующие страницы →