← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

أصحابه وأرادوا الرجوع خرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت: أين (الأمير على الجند؟ ) (١) فأتي بها إليه، فقالت له (٢): إنه قد بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذِه المدينة؟ قال: نعم، قد طال مقامي، وجاع أصحابي، فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني، فقالت: أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك وتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف؟ قال لها: نعم. قالت: إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع، ثم أقم على كل زاوية ربعًا، ثم ارفعوا أيديكم إلى السماء ونادوا: يا الله! إنا نستفتحك بدم يحيى بن زكريا ﵉، فإنها سوف تتساقط، ففعلوا، فتساقطت المدينة، فدخلوا من جوانبها فقالت له (٣): كف يدك (واقتل على هذا الدم حتى يسكن فانطلقت به إلى دم يحيى بن زكريا) (٤) ﵉ وهو على تراب كثير، فقتل عليه حتى سكن، فقتل سبعين ألفًا، فلما سكن الدم قالت له: كف يدك، فإن الله تعالى -إذا قُتِل نبي- لم يرض حتى يقتل من قتله (٥)، ومن رضي قتله، وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته هذِه (٦) فكف عنه وعن أهل

стр. 8577

بيته (١)، وخرب بيت المقدس، وأمر به (٢) أن يطرح الجيف فيه، (وقال: من) (٣) طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة، وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا، فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسراتهم، وذهب بدانيال وقوم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت (٤)، فلما قدم أرض بابل فوجد صخابين (٥) قد مات، فملك مكانه، وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه، فحسدهم المجوس على ذلك، فوشوا بهم إليه وقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون ذبيحتك، فدعاهم وسألهم فقالوا: أجل، إن لنا ربًّا نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم، فأمر (أن يخدّ لهم) (٦) فخدّ لهم وألقوا

стр. 8578

فيه، وهم ستة وألقي معهم سبع ضار ليأكلهم، فقال: انطلقوا فلنأكل ولنشرب، فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم (جلوسًا والسبع مفترش ذراعيه بينهم ولم يخدش منهم أحدًا، ولم ينكأ منهم شيئًا، ووجدوا معهم رجلًا فعدوهم فوجدوهم) (١) سبعة، فقالوا: ما بال هذا السابع؟ إنما كانوا ستة، فخرج إليه (٢) السابع -وكان ملكًا من الملائكة فلطمه فصار في الوحش (٣) فمسخه الله تعالى سبع سنين، ثم إن بختنصر رأى رؤيا فعبرها له دانيال ﵇، وهو: [١٦٩٥] ما أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد (٤)، قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن (٥)، قال: حدثنا داود بن سليمان (٦)، قال: حدثنا عبد الحميد بن حميد (٧)، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم (٨)، قال: أخبرنا عبد الصمد بن معقل (٩)، أنه (١٠) سمع

стр. 8579

وهبًا (١) يقول: إن بختنصر رأى في آخر زمانه صنمًا رأسه من ذهب وصدره من فضة، وبطنه من نحاس، وفخذاه (٢) من حديد، وساقاه من فخار، ثم رأى حجرًا من السماء وقع عليه فدقه، ثم ربا الحجر حتى ملأ (٣) ما بين المشرق والمغرب، ورأى شجرة أصلها في الأرض وفرعها في السماء ورأى عليها رجلًا بيده فأس وسمع مناديًا ينادي: اضرب جذعها ليتفرق الطير من فروعها (٤) ويتفرق الدواب والسباع من تحتها واترك أصلها قائمًا، (فعبر له) (٥) دانيال ﵇ فقال: أما الصنم الذي رأيت (فأنت الرأس المذهب، وأنت أفضل الملوك، وأما الصدر الذي رأيت) (٦) من فضة فابنك يملك من بعدك، وأما البطن الذي رأيت من نحاس فملك يكون بعد ابنك، وأما (الفخذ الذي رأيت من الحديد فـ) (٧) يتفرق فرقتان (٨) في فارس تكون (٩) أشد الملك، وأما الفخار فآخر ملكهم يكون دون الحديد،

стр. 8580

وأما الحجر الذي رأيت وقد ربا حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب، فنبي يبعثه الله تعالى في آخر الزمان (فيتفرق ملكهم) (١) كله، ويربو ملكه حتى يملأ ما بين المشرق والمغرب، وأما الشجرة التي رأيت والطير التي (٢) عليها، والسباع والدواب التي تحتها و (ما أمرت) (٣) بقطعها فيذهب ملكك، ويردك الله طائرًا، تكون نسرًا، ملك الطير ثم يردك الله ثورًا ملك الدواب، ثم يردك الله أسدًا، ملك السباع والوحوش سبع سنين، وكان مسخه كله سبع سنين-، وفي ذلك قلبك قلب إنسان حتى تعلم أن الله تعالى له ملك السماوات والأرض، وهو يقدر على الأرض ومن عليها، وكما رأيت أصلها قائمًا وإن (٤) ملكك قائم، فمسخ بختنصر نسرًا في الطير، وثورًا في الدواب،

стр. 8581

وأسدًا في السباع، ثم رد الله إليه ملكه فآمن ودعا الناس إلى الله، فسئل وهب: هل (١) كان مؤمنًا؟ فقال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه: فمنهم من قال: مات مؤمنًا، ومنهم من قال: أحرق بيت الله وكتبه، وقتل الأنبياء ﵈، وغضب الله عليه غضبًا (٢) فلم يقبل منه حينئذ توبة (٣). قال السدي: ثم إن بختنصر لما رجع إلى صورته بعد المسخ ورد الله تعالى إليه ملكه، وكان دانيال ﵇ وأصحابه أكرم الناس عليه، فحسدهم المجوس ووشوا بهم، إليه (ثانية، و) (٤) قال لبختنصر: إن دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول -وكان ذلك فيهم عارًا فجعل (بختنصر لهم) (٥) طعامًا، فأكلوا وشربوا، وقال (٦) للبواب: انظر أول من يخرج إليك (٧) ليبول فاضربه بالطبرزين، وإن قال: أنا بختنصر، فقل: كذبت، بختنصر أمرني بذلك (٨)، فحبس

стр. 8582

الله تعالى عن دانيال ﵇ البول، فكان أول من قام من القوم يريد البول: بختنصر، فقام مذللًا (١) وكان ذلك ليلًا، فقام (يسحب ثيابه) (٢) فلما رآه البواب شد عليه، فقال: أنا بختنصر، فقال: كذبت، بختنصر أمرني أن أقتل أول من يخرج، فضربه فقتله. وأما محمد بن إسحاق بن يسار فإنه قال في هلاك بختنصر (غير ما قاله) (٣) السدي، وذلك أنه قال بإسناده: لما أراد الله تعالى (أن يهلك) (٤) بختنصر، انبعث، فقال لمن كان في يده من بني إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذي خربت، وهؤلاء الناس (الذين قتلتهم) (٥) من هم، وما هذا البيت؟ قالوا: هذا (٦) بيت الله سبحانه ومسجد من مساجده، وهؤلاء أهله كانوا من ذراري الأنبياء، فظلموا وتعدوا وعصوا، فسُلطتَ عليهم بذنوبهم، وكان ربهم رب السماوات والأرض وربّ الخلق كلهم يكرمهم، ويمنعهم، ويعزهم (٧)، فلما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم غيرهم، قال: فأخبروني ما الذي يطلع بي في (٨) السماء العلياء لعلي أطلع إليها، فأقتل من فيها،

стр. 8583

وأتخذها ملكًا فإني قد فرغت من الأرض ومن فيها، قالوا: لا (١) يقدر عليه أحد من الخلائق، فقال: لتفعلُنَّ، أو لأقتلنكم (٢) عن آخركم، (فشكوا ذلك) (٣) إلى الله تعالى، وتضرعوا إليه، فبعث الله عليه (٤) بقدرته -ليريه ضعفه (٥)، وهوانه عليه- بعوضة، فدخلت في منخره، ثم ساغت في منخره حتى عضت بأم دماغه، فما كان يقر ولا يسكن حتى يوجأ (٦) إليه رأسه على أم دماغه. فلما عرف أنه الموت قال لخاصته من أهله: إذا مت فشقوا رأسي وانظروا ما هذا الذي قتلني؟ فلما مات شقوا (٧) رأسه فوجدوا البعوضة عاضة (في أمّ) (٨) دماغه، ليري الله (تعالى شأنه) (٩) العباد قدرته وسلطانه، ونجى الله تعالى من كان (١٠) بقي في يديه من بني إسرائيل ورحم (١١) عليهم،

стр. 8584

وردهم إلى إيلياء (١) والشأم (٢)، فبنوا فيه وربوا (٣) وكثروا، حتى كانوا (على أحسن) (٤) ما كانوا عليه، فيزعمون أن الله تعالى أحيا أولئك الموتى الذين قتلوا ولحقوا بهم، ثم إنهم لما رجعوا إلى الشام وقد أحرقت (٥) التوراة، وليس معهم عهد من الله تعالى، جدد (الله عز شأنه) (٦) توراتهم وردها عليهم على لسان عزير ﵇، وقد مضت القصة (٧).

стр. 8585

(وهذا الذي ذكرنا من جميع) (١) أمر بختنصر على ما جاء في التفسير (٢) "والمبتدأ" (٣) وأخبار الأنبياء، إلا أن رواية من روى أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا ﵉ غلط عند أهل السير والأخبار والعلم بالماضين من أهل الكتاب والمسلمين، وذلك أنهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم (شعيا ﵇، وفي عهد أرميا بن خلقيا ﵇) (٤) وهي الواقعة الأولى التي قال الله : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، يعني: بختنصر وجنوده، قالوا: ومن عهد أرميا ﵇ وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا ﵉ أربعمائة وإحدى وستون سنة، وذلك (٥) أنهم يعدون من لدن تخريب بيت المقدس إلى حين عمارته في عهد (كيرش بن أخشونوش أصبهبذ) (٦) بابل من قبل بهمن بن

стр. 8586

إسفنديار بن (كشتاسف، سبعين) (١) سنة، ومن بعد عمرانه إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس وحيازة ملكها إلى مملكته (ثمان وثمانون) (٢) سنة، و (٣) من بعد ملكه (٤) إلى مولد يحيى بن زكريا ﵉ (٥) ثلاثمائة سنة، و (ثلاث وستون) (٦) سنة. وإنما الصحيح من ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار قال: غيرت (٧) بنو إسرائيل بعد ما عمرت الشام وعادوا إليها بعد خراب (٨) بختنصر إياها، وسبيهم (٩) منها، فجعلوا بعد ذلك يحدثون الأحداث بعد مهلك عزير ﵇، ويعود الله تعالى عليهم بالرحمة (١٠) ويبعث

стр. 8587

(الأنبياء فيهم) (١) ففريقًا يكذبون، وفريقًا يقتلون، حتى كان آخر (٢) من بعث (الله تعالى) (٣) فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى ﵉، وكانوا من بيت آل داود، فمات زكريا ﵇، وقتل يحيى ﵇ بسبب نهيه الملك عن نكاح ابنته -في قول عبد الله بن الزبير ﵄ (٤) -، وابنة امرأته، في قول السدي، وابنة أخيه، في قول عبد الله بن عباس ﵄ -وهو الأصح إن شاء الله، لما روى الأعمش (٥) عن المنهال (٦)، عن سعيد بن جبير (٧)، عن ابن عباس ﵄ قال: بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكريا ﵈ في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس، فكان مما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ، و (كان) (٨) لملكهم ابنة أخ تعجبه، ويريد أن يتزوجها وكانت لها في كل يوم حاجة يقضيها، وذكر الحديث في مقتل يحيى ﵇ (٩).

стр. 8588

رجعنا إلى حديث ابن إسحاق قال: فلما رفع الله تعالى عيسى بن مريم ﵉ من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بن زكريا ﵉، - وبعض الناس يقول: قتلوا زكريا ﵇ ابتعث (١) الله تعالى عليهم ملكًا من ملوك بابل يقال له: خردوس، فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمّر عليهم (٢) رأسًا من رؤوس جنوده يدعى بيورزاذان (٣) صاحب القتل (٤) فقال له (٥): إني قد كنت حلفت بإلهي (٦) لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى يسيل دماؤهم في وسط عسكري، إلا ألا (٧) أجد أحدًا أقتله، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، وإن بيورزاذان دخل بيت المقدس (فقام على) (٨) البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد (٩) فيها دمًا يغلي فسألهم عنه فقالوا: هذا دم

стр. 8589

قربان قربناه، فلم يقبل منا، فلذلك هو (١) يغلي كما تراه، ولقد قربنا القربان منذ ثمان (٢) مائة سنة قربانات (٣) فتقبل منا إلا هذا القربان، قال: ما صدقتموني الخبر، قالوا له: لو كان كأول دمائنا (٤) تقبل منا، ولكنه قد (٥) أنقطع منا الملك والنبوة والوحي، فلذلك لم يقبل (منا القربان) (٦) فذبح منهم بيورزاذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين زوجًا (٧) من رؤوسهم، فلم يهدأ وأمر بسبعة آلاف من (سبيهم وأزواجهم فذبحوا) (٨) على الدم فلم يبرد، فلما رأى بيورزاذان أن الدم لا يهدأ قال لهم: ويلكم يا بني إسرائيل اصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما ملكتم في (٩) الأرض، تفعلون فيها ما شئتم، قبل ألا أترك نافخ نار ولا (١٠) أنثى ولا ذكرًا إلا قتلته، فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر، فقالوا: هذا دم نبي منا كانا ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله، فلو أطعناه فيها

стр. 8590

لكان (١) أرشد لنا، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه، فقتلناه فهذا دمه، فقال لهم بيورزاذان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا، قال: الآن قد (٢) صدقتموني، لمثل هذا ينتقم منكم ربكم، فلما رأى بيورزاذان أنهم صدقوه خر ساجدًا، وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان هاهنا من جيش (٣) خردوس، وخلا في بني إسرائيل ثم قال: يا يحيى بن زكريا! قد علم ربي وربك ما قد (٤) أصاب قومك من أجلك، وما قتل منهم من أجلك، فاهدأ بإذن الله، قبل أن لا أبقي (من قومك أحدًا) (٥) فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله تعالى، ورفع بيورزاذان عنهم القتل وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وصدقت به وأيقنت أنه لا رب غيره، فأوحى الله إلى رأس من رؤوس بقية الأنبياء أن (قل لـ) (٦) بيورزاذان: (حبور صدوق، وحبور (٧) بالعبرانية: حديث (٨) الإيمان، ثم (٩) إن

стр. 8591

بيورزاذان قال (١) لبني إسرائيل (يا بني إسرائيل! ) (٢) إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم في (٣) وسط عسكره، وإني لست أستطيع أن أعصيه، قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم (أن يحفروا خندقًا) (٤) فحفروها وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم فذبحها، حتى سال دمها (٥) في العسكر وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا (٦) قبل ذلك فطرحوها (٧) على ما قتل من مواشيهم حتى كانوا فوقهم فلم يظن خردوس (إلا أن) (٨) ما كان في الخندق (من الدم) (٩) من دماء (١٠) بني إسرائيل، فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى بيورزاذان: ارفع عنهم القتل فقد بلغني دماؤهم، ثم انصرف عنهم إلى بابل، وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد. وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل في قوله:

стр. 8592

﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ الآيات (١)، فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده، ثم رد الله سبحانه لهم (٢) الكرة عليهم، وكانت الأخيرة خردوش وجنوده، فلم يقم لهم بعد ذلك راية، وانتقل الملك (في الشام) (٣) ونواحيها إلى الروم اليونانية إلا أن بقايا بني إسرائيل كثروا وانتشروا بعد ذلك، وكانت لهم الديانة والرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك، وكانوا في نعمة و (منعة وعزة) (٤) إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث، واستحلوا المحارم وضيعوا الحدود، فسلط الله عليهم (ططوس بن إستيانوس) (٥) الرومي فأخرب بلادهم وطردهم عنها ونزع الله عز شأنه عنهم الملك والرياسة، وضرب عليهم الذل، وليسوا في أمة من الأمم إلا وعليهم الذل والصغار والجزية، والملك في غيرهم،

стр. 8593

وبقي ببيت المقدس خرابًا إلى أيام عمر بن الخطاب ﵁، فعمره المسلمون بأمره. وروى أبو عوانة (١)، عن أبي بشر (٢) قال: سألت سعيد بن جبير (٣) ﵀ عن (قول الله) (٤) تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ الآيات (٥)، فقال: أما الذين جاسوا خلال الديار فكان صيحان (٦) الجزري شعث من الديار وتبّر، ثم قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ (٧) إلى قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ إلى قوله: ﴿تَتْبِيرًا﴾ (٨)، قال: هذا بختنصر الذي خرب بيت المقدس، ثم قال لهم بعد هذا: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بعد هذا ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ (٩) قال: فعادوا فعيد عليهم، فبعث الله تعالى

стр. 8594

عليهم ملك الروم، ثم عادوا أيضًا فعيد عليهم، فبعث الله تعالى رزم أوزن ملك الري، ثم عادوا أيضًا فعيد عليهم، فبعث الله تعالى عليهم سابور [وهو] (١): ذو الأكتاف. وقال قتادة (٢) في هذِه الآية: قضى قضاء (٣) على القوم كما تسمعون، فبعث الله عليهم في الأولى جالوت فسبى وقتل وخرب (بيت المقدس) (٤) وجاسوا خلال الديار ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾ يعني: لبني إسرائيل عليهم، وذلك في زمان داود ﵇، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ آخر الكرّتين، بعث الله عليهم بختنصر، أبغض خلق الله إليه، فسبى وقتل (٥) وخرب بيت المقدس وسامهم سوء العذاب، ثم (٦) قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ فعاد الله تعالى عليهم برحمته، ثم عاد القوم بشر ما بحضرتهم، فبعث الله سبحانه عليهم ما شاء أن يبعث من (نقمته وعقوبته) (٧)، ثم بعث الله تعالى عليهم هذا الحي من العرب كما قال الله تعالى (٨): ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ

стр. 8595

لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (١) فهم منهم في عذاب الله إلى يوم القيامة، فذلك كقوله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ أي: أخبرناهم وأعلمناهم فيما آتيناهم من الكتب. وقال ابن عباس ﵄ وقتادة (٢): يعني: وقضينا عليهم، وعلى هذا التأويل يكون ﴿إِلَى﴾ بمعنى على، والمعني: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ اللوح المحفوظ، ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ قيل: هو لام القسم، مجازه: والله لتفسدن، ﴿فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ بالمعاصي (٣)، ﴿وَلَتَعْلُنَّ﴾ ولتستكبرنّ ولتظلمنّ الناس ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ يعني: أولى المرتين، واختلفوا فيها: فعلى قول قتادة: إفسادهم في المرة الأولى (ما خالفوا) (٤) من أحكام التوراة وعصوا ربهم ولم يحفظوا أمر نبيهم موسى ﵇، وركبوا المحارم، وتعدوا على الناس. وقال السدي (٥) في خبر ذكره عن أبي مالك (٦)، وأبي صالح (٧)،

стр. 8596

عن ابن عباس ﵄، وعن مرّة الهمداني (١)، عن ابن مسعود (٢) ﵁ ﵁ أن أول (الفسادين: قتل زكريا ﵇، وقال ابن إسحاق) (٣) الفساد من إفسادهم في المرة الأولى: قتلهم (لشعيا بن إمضيا نبي الله) (٤) ﵇ بين الشجرة، وذكر ابن إسحاق (قتل زكريا ﵇. وقال ابن إسحاق) (٥): إن بعض أهل العلم أخبره أن زكريا ﵇ مات موتًا، ولم يقتل، و (أن المقتول إنما) (٦) هو شعيا ﵇ ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ﴾ يعني جالوت الجزري (٧) وجنوده، وهو الذي قتله داود ﵇، قاله قتادة (٨)، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ﵄.

стр. 8597

وقال أبو المعلى (١)، ويعلى (٢)، عن سعيد بن جبير: هو (٣) سنحاريب من أهل نينوى (٤)، (وهي فوق الموصل) (٥)، و (روى) (٦) أبو بشر عنه: صيحان (٧) الجزري، وقال ابن إسحاق (٨): بختنصر البابلي وأصحابه.

стр. 8598

﴿أُولِي بَأْسٍ﴾ ذوي بطش في الحرب ﴿شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ أي: فطافوا، وداروا. وقال ابن عباس ﵄: مشوا. وقال الفراء (١): قتلوكم (٢) بين بيوتكم، وأنشد لحسان بن ثابت (٣) ﵁: ومنا الذي لاقى بسيف محمد ... فجاس به الأعداء عرض العساكر وقال (أبو عبيدة) (٤): طلبوا من فيها كما يجوس الأخبار، وقال القتيبي: عاثوا وأفسدوا، وقال ابن جرير (٥): طافوا بين الديار يطلبونهم ذاهبين وجائين، فجمع التأويلات. وقرأ ابن عباس ﵄: (فحاسوا) (٦) بالحاء، ومعناهما واحد.

стр. 8599

﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ قضاء كائنًا (لا محالة و) (١) لا خلف فيه. قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾ الرجعة والدولة ﴿عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ عددًا، قال القتيبي: وأصله مَن ينفر (مع الرجل مِن) (٢) عشيرته وأهل بيته، يدل عليه قول مجاهد: أكثر رجالًا، والنفير والنافر واحد، كالقدير والقادر. قوله : ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾ يا بني إسرائيل ﴿أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ لها ثوابها ونفعها، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ كقوله تعالى ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ (٣) أي عليك، وقال محمد بن جرير (٤): فإليها كما قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ (٥) أي: إليها. وقيل: فلها الجزاء والعقاب، وقال الحسين بن الفضل: يعني (٦) فلها ربٌّ يغفر الإساءة. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: المرة الآخرة من إفسادكم، وذلك قصدهم قتل عيسى بن مريم ﵉ حين رفع، وقتلهم (٧)

стр. 8600

يحيى بن زكريا ﵉ فسلط الله تعالى عليهم الفرس (١) والروم: خردوش (٢) وططوس حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم وأخذوا بلادهم وأموالهم، فذلك قوله ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: تحزن، واختلف القراء فيه، فقرأ الكسائي: (لنسوء) بالنون وفتح الهمزة على التعظيم، اعتبارًا بقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا﴾ (٣) و ﴿بَعَثَنَا﴾ (٤) و ﴿رَدَدْنَا﴾ و ﴿أمددنا﴾ و ﴿جَعَلْنَا﴾ (٥)، وروي ذلك عن علي (٦) ﵁، وتصديق هذِه القراءة قراءة أُبي بن كعب ﵁: لِنَسُوءنْ (وجوهكم) (٧) بالنون، وحرف التأكيد، وقد قرأ سائر قراء أهل (٨) الكوفة (غير حفص وابن عامر) (٩) بالياء على التوحيد، ولها

стр. 8601

وجهان: أحدهما: ليسوء الله وجوهكم، والثاني: ليسوء الوعد وجوهكم. وقرأ الباقون (١) لِيَسُوءُوا (٢) بالياء وضم الهمزة على الجمع، بمعنى: ليسوء العباد أولوا البأس الشديد وجوهكم، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ يعني: بيت المقدس ونواحيه ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا﴾ وليهلكوا وليدمروا ﴿مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ﴾ لعل ربكم يا بني إسرائيل ﴿أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بعد انتقامه منكم ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ قال ابن عباس (٣) ﵄: وإن عدتم إلى المعصية عدنا إلى العقوبة، قال قتادة: فبعث الله محمدًا ﷺ ، فهم (٤) يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ سجنًا ومحسبًا من الحصر وهو الحبس، والعرب تسمي البخيل حصورا،

стр. 8602

والملك حصيرا؛ لأنه (محبوس محجوب) (١) عن الناس، وقال لبيد: ومقامة غلب الرقاب كأنهم ... جنّ لدى باب الحصير قيام (٢) أي باب الملك، (فهو من الحصر) (٣) في الكلام، إذا احتبس عليه وأعياه، والرجل الحصور عن النساء، وحصر (٤) الغائط. وقال الحسن (٥): ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أي: فراشًا ومهادًا، ذهب إلى الحصير الذي يبسط، ويفرش (٦)، وذلك أن العرب تسمي البساط الصغير حصيرا، وهو وجه حسن وتأويل صحيح. ٩ - قوله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي: للطريقة (٧) التي هي (أصح و) أصوب ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ

стр. 8603

يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ﴾ أي: بأن لهم ﴿أَجْرًا كَبِيرًا﴾ وهو (١) الجنة. ١٠ - قوله ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ وهو النار. ١١ - (قوله ) (٢): ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ حذف (٣) الواو منها في اللفظ والخط، ولم يحذف في المعنى؛ لأنها في (٤) موضع رفع، فكان حذفها باستقبالها اللام الساكنة، كقوله تعالى ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ (٥)، و ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ (٦)، و ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) و ﴿يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ (٨) و ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (٩). ومعنى الآية: ويدع الإنسان على ماله وإنفسه وولده) (١٠) ﴿بِالشَّرِّ﴾ فيقول عند الضجر والغضب: اللهم العنه، اللهم أهلكه، ونحوها ﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ أي: كدعائه ربه بأن يهب له العافية والنعمة، ويرزقه السلامة في نفسه وماله وولده، فلو استجاب الله

стр. 8604

تعالى له في دعائه على نفسه وماله وولده بالشر لهلك، ولكن الله تعالى بفضله لا يستجيب له في ذلك، نظيره قوله تعالى ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ (١). ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ عجلا بالدعاء على ما يكره أن يستجاب له فيه، قاله مجاهد (٢) وجماعة من المفسرين (٣). وقال ابن عباس (٤) ﵄: ضجرًا لا صبر له على سراء ولا ضراء. وقال قوم من المفسرين (٥): أراد بالإنسان آدم ﵇، قال سلمان الفارسي (٦) ﵁: أول ما خلق الله من آدم ﵇ رأسه، فجعل

стр. 8605

ينظر وهو يخلق جسده، فلما كان عند (١) العصر بقيت رجلاه لم ينفخ فيهما الروح (فجعل يقول) (٢): يا رب! عجل قبل الليل، فذلك قوله : ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. وروى الضحاك (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: لما انتهت النفخة إلى سرة آدم ﵇ نظر إلى جسده فأعجبه فذهب لينتهض (٤) فلم يقدر، فهو قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. ١٢ - قوله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ دلالتين وعلامتين على وجودنا ووحدانيتنا وكمال علمنا وقدرتنا ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾. قال أبو الطفيل ﵁: سأل ابن الكواء (٥) عليًّا ﵁ (٦)

стр. 8606

عن السواد الذي (١) في القمر، فقال: ذاك (٢) آية الليل محيت، (فهو أثر المحو) (٣). وقال ابن عباس (٤) ﵄: جعل الله تعالى نور الشمس سبعين جزءًا، ونور القمر سبعين جزءًا، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءًا، فجعلها مع نور الشمس، فـ (صار) (٥) الشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزءًا، والقمر على جزء واحد، ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (مضيئة منيرة) (٦). قال أبو عمرو بن العلاء: يعني: يبصر بها، وقال الكسائي: هو من قول العرب: أبصر النهار إذا أضاء وصار بحالة يبصر بها، وقال بعضهم (٧): هو كقولهم: رجل مخبث إذا كان أصحابه خبثاء، ورجل مضعف إذا كان دوابه ضعفاء وكذلك النهار مبصر (٨) إذا كان أهله بصراء. ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ بيّنّاه تبينا.

стр. 8607

[١٦٩٦] أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون (١) -الثقة الأمين ﵀ قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن بن الشرقي (٢)، قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي (٣)، قال: حدثنا نعيم بن حماد (٤) قال: حدثنا أبو عصمة نوح بن أبي مريم (٥)، حدثنا مقاتل بن حيان (٦)، عن عكرمة (٧)، عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى لما أبرم خلقه فلم يبق من خلقه غير آدم ﵇ خلق شمسين من نور عرشه، فأما ما كان في سابق علم الله تعالى أن يدعها شمسًا فإنه خلقها مثل الدنيا، ما بين مشارقها ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها ويحولها قمرًا، فإنه خلقها دون الشمس في العظم، ولكن إنما يرى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدهما من الأرض، فلو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولا كان يدري الأجير إلى متى يعمل ومتى يأخذ أجرته (٨)، ولا يدري الصائم إلى متى يصوم، ومتى يفطر؟ و (لا كانت المرأة

стр. 8608

تدري) (١) كيف تعتد؟ ولا يدري المسلمون متى وقت صلاتهم (ومتى وقت صومهم) (٢) ومتى وقت حجهم؟ ولا يدري الديان متى يحل دينهم؟ ولا يدري الئاس متى يبذرون (٣) ويزرعون لمعايشهم؟ ومتى يسكنون (للراحة لأبدانهم؟ ) (٤) فكان الرب سبحانه انظر لعباده وأرحم بهم، فأرسل جبريل ﵇ فأمرّ جناحه على وجه القمر -وهو يومئذ شمس- ثلاث مرات، فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور، فذلك قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ فالسواد الذي ترونه في جوف القمر شبه الخطوط فهو أثر المحو" (٥).

стр. 8609

١٣ - قوله : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قال ابن عباس (١) ﵄: عمله وما قدر (له، و) (٢) عليه، فهو ملازمه (٣) أينما كان. وقال الكلبي ومقاتل: خيره وشره معه، لا يفارقه حتى يحاسب به. وقال الحسن (٤) ﵀: يمنه وشؤمه، ثم قال: يا ابن آدم! بُسطت لك صحيفة و (وكِّل) (٥) بك ملكان، أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك، فإذا بعثت قلدتهما في عنقك.

стр. 8610

وقال مجاهد (١): عمله ورزقه. وقال الحكم (٢) عنه: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها: شقي أو سعيد. وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضي عليه أنه فاعله وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة، وإنما عبر عنه بالطائر على عادة العرب فيما كانت تتفاءل به (٣) وتتشاءم به (٤) من سوانح الطير (٥) وبوارحها وتزجر به. وقال أبو عبيدة والقتيبي: أراد بالطائر حظه من الخير والشر، من قولهم: طار سهم فلان بكذا، وجرى له الطائر بكذا. وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء (٦): طيره في عنقه بغير ألف،

стр. 8611

وإنما خص عنقه دون سائر أعضائه؛ لأن العنق موضع السمات وموضع القلائد والأطواق وغير ذلك مما (يتزين به) (١) أو يشين، فجرى كلام العرب (مجرى نسبة) (٢) الأشياء اللازمة إلى الأعناق، فيقولون: هذا لك في عنقي حتى أخرج منه، وهذا الشيء ملازم (٣) صليف عنقه. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ قرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن، ويعقوب: (وَيَخْرُجُ لَهُ) (٤) بفتح الياء وضم الراء على معنى: ويخرج له الطائر (يوم القيامة كتابًا، ونصب الكتاب على الحال، ويحتمل أن يكون معناه: ويخرج له الطائر) (٥) فيصير كتابًا، وقرأ أبو جعفر (وَيُخْرَجُ) بضم الياء وفتح الراء، على غير تسمية الفاعل، ومجازه: ويخرج له الطائر كتابًا. وقرأ يحيى بن وثاب (٦): (وَيُخْرِجُ) (بضم الياء وكسر الراء، بمعنى) (٧): ويخرج الله (له كتابًا، بإيقاع الإخراج عليه) (٨)، وقرأ

стр. 8612

الباقون (١) (و ﴿نُخْرِجُ﴾ بضم النون) (٢) وكسر الراء على معنى ونحن نخرج له يوم القيامة كتابًا، ونصب كتابًا بإيقاع الإخراج عليه، واحتج أبو عمرو لهذِه القراءة بقوله تعالى: ﴿أَلْزَمْنَاهُ﴾. (يلقاه) قرأ ابن عامر وأبو جعفر (٣) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف بمعنى يلقّى الإنسان ذلك الكتاب، أي: يؤتاه، وقرأ الباقون بفتح الياء خفيفة اللام (٤) أي: يراه ﴿مَنْشُورًا﴾. [١٦٩٧] أخبرنا شعيب بن محمد (٥) قال: حدثنا مكي بن عبدان (٦) قال: حدثنا أحمد بن الأزهر (٧)، قال: حدثنا روح بن عبادة (٨) قال: حدثنا بسطام بن مسلم (٩) قال:

стр. 8613

سمعت أبا التياح (١) يقول: سمعت أبا السوار العدوي (٢) يقرأ هذِه الآية ثم قال: نشرتان وطيّة، أما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك منشورة، فأمل فيها ما شئت، ثم إذا متّ طويت، ثم إذا بعثت نشرت (٣). ١٤ - (قوله ) (٤): ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ يعني: فيقال له: اقرأ كتابك ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ محاسبًا مجازيًا، قال قتادة (٥): سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا في الدنيا. وقال الحسن (٦): لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك.

стр. 8614

١٥ - (قوله ) (١): ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لها ثوابه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾؛ لأن عليها عقابه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ولا تحمل حاملة حمل أخرى غيرها من الآثام ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ إقامة للحجة وقطعًا للعذر. ١٦ - قوله : ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ قرأ أبو عثمان النهدي، وأبو رجاء العطاردي، وأبو العالية الرياحي، والربيع ومجاهد (٢): (أَمَّرْنَا) (بتشديد الميم) (٣) أي سلَّطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم. قرأ الحسن وقتادة وأبو حيوة والشامي ويعقوب (٤) (آمرنا) (بمد الهمزة) (٥) أي: أكثرنا، وقرأ الباقون: ﴿أَمَرْنَا﴾ (٦) مقصورًا مخففًا، أي: أمرناهم بالطاعة

стр. 8615

فعصوا، ويحتمل أن يكون بمعنى: جعلناهم أمراء؛ لأن العرب تقول: أمير غير مأمور، أي: غير مؤمّر، ويجوز أن يكون بمعنى أكثرنا، يدل عليه قول النبي ﷺ : "خير المال مهرة مأمورة، وسكة مأبورة" (١)، أراد بالمأمورة كثيرة النسل، يقال للشيء الكثير: أمر، والفعل منه: أمر القوم يأمرون أمرًا (٢) إذا كثروا، قال لبيد: كل بني حرة مصيرهم ... قُلٌّ وإن أكثرت من العدد إن يغبطوا يهبطوا وإن أَمِرُوا ... يومًا يصيروا للهلك والنفد (٣)
следующие страницы →