← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

وإنما خص عنقه دون سائر أعضائه؛ لأن العنق موضع السمات وموضع القلائد والأطواق وغير ذلك مما (يتزين به) (١) أو يشين، فجرى كلام العرب (مجرى نسبة) (٢) الأشياء اللازمة إلى الأعناق، فيقولون: هذا لك في عنقي حتى أخرج منه، وهذا الشيء ملازم (٣) صليف عنقه. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ قرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن، ويعقوب: (وَيَخْرُجُ لَهُ) (٤) بفتح الياء وضم الراء على معنى: ويخرج له الطائر (يوم القيامة كتابًا، ونصب الكتاب على الحال، ويحتمل أن يكون معناه: ويخرج له الطائر) (٥) فيصير كتابًا، وقرأ أبو جعفر (وَيُخْرَجُ) بضم الياء وفتح الراء، على غير تسمية الفاعل، ومجازه: ويخرج له الطائر كتابًا. وقرأ يحيى بن وثاب (٦): (وَيُخْرِجُ) (بضم الياء وكسر الراء، بمعنى) (٧): ويخرج الله (له كتابًا، بإيقاع الإخراج عليه) (٨)، وقرأ

стр. 8612

الباقون (١) (و ﴿نُخْرِجُ﴾ بضم النون) (٢) وكسر الراء على معنى ونحن نخرج له يوم القيامة كتابًا، ونصب كتابًا بإيقاع الإخراج عليه، واحتج أبو عمرو لهذِه القراءة بقوله تعالى: ﴿أَلْزَمْنَاهُ﴾. (يلقاه) قرأ ابن عامر وأبو جعفر (٣) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف بمعنى يلقّى الإنسان ذلك الكتاب، أي: يؤتاه، وقرأ الباقون بفتح الياء خفيفة اللام (٤) أي: يراه ﴿مَنْشُورًا﴾. [١٦٩٧] أخبرنا شعيب بن محمد (٥) قال: حدثنا مكي بن عبدان (٦) قال: حدثنا أحمد بن الأزهر (٧)، قال: حدثنا روح بن عبادة (٨) قال: حدثنا بسطام بن مسلم (٩) قال:

стр. 8613

سمعت أبا التياح (١) يقول: سمعت أبا السوار العدوي (٢) يقرأ هذِه الآية ثم قال: نشرتان وطيّة، أما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك منشورة، فأمل فيها ما شئت، ثم إذا متّ طويت، ثم إذا بعثت نشرت (٣). ١٤ - (قوله ) (٤): ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ يعني: فيقال له: اقرأ كتابك ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ محاسبًا مجازيًا، قال قتادة (٥): سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا في الدنيا. وقال الحسن (٦): لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك.

стр. 8614

١٥ - (قوله ) (١): ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لها ثوابه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾؛ لأن عليها عقابه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ولا تحمل حاملة حمل أخرى غيرها من الآثام ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ إقامة للحجة وقطعًا للعذر. ١٦ - قوله : ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ قرأ أبو عثمان النهدي، وأبو رجاء العطاردي، وأبو العالية الرياحي، والربيع ومجاهد (٢): (أَمَّرْنَا) (بتشديد الميم) (٣) أي سلَّطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم. قرأ الحسن وقتادة وأبو حيوة والشامي ويعقوب (٤) (آمرنا) (بمد الهمزة) (٥) أي: أكثرنا، وقرأ الباقون: ﴿أَمَرْنَا﴾ (٦) مقصورًا مخففًا، أي: أمرناهم بالطاعة

стр. 8615

فعصوا، ويحتمل أن يكون بمعنى: جعلناهم أمراء؛ لأن العرب تقول: أمير غير مأمور، أي: غير مؤمّر، ويجوز أن يكون بمعنى أكثرنا، يدل عليه قول النبي ﷺ : "خير المال مهرة مأمورة، وسكة مأبورة" (١)، أراد بالمأمورة كثيرة النسل، يقال للشيء الكثير: أمر، والفعل منه: أمر القوم يأمرون أمرًا (٢) إذا كثروا، قال لبيد: كل بني حرة مصيرهم ... قُلٌّ وإن أكثرت من العدد إن يغبطوا يهبطوا وإن أَمِرُوا ... يومًا يصيروا للهلك والنفد (٣)

стр. 8616

واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة العامة، قال أبو عبيد: إنما اخترنا هذِه القراءة؛ لأن المعاني الثلاثة يجتمع فيها معنى الأمر، والإمارة والكثرة، ﴿مُتْرَفِيهَا﴾ أي: منعّميها وأغنياءها ورؤساءها. ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ فوجب عليها (١) العذاب ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ فخربناها تخريبا، وأهلكنا من فيها إهلاكًا، والدمار والتبار والبوار: الهلاك (بمعنى واحد) (٢). روى معمر عن الزهري قال: دخل رسول الله ﷺ يومًا على زينب ﵂ وهو يقول: "لا إله إلا الله، وبل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا" وحلق إبهامه والتي تليها، قالت زينب ﵂: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث" (٣).

стр. 8617

١٧ - قوله : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾ المكذبة ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ يخوف كفار مكة ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ وقد اختلفوا في مبلغ مدة القرن فقال عبد الله بن أبي أوفى ﵁: القرن عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله ﷺ في أول قرن (كان، و) (١) آخرهم يزيد بن معاوية (٢). وروى سلامة بن جواس (٣)، عن محمد بن القاسم (٤)، عن عبد الله

стр. 8618

ابن بسر (١) المازني ﵁ أن النبي ﷺ وضع يده على رأسه وقال: "سيعيش هذا الغلام قرنًا"، قلت (٢): كم القرن؟ قال: "مائة سنة"، قال محمد بن القاسم: ما زلنا نعدّ له حتى تمت له مائة سنة ثم مات (٣). وقال الكلبي (٤): القرن ثمانون سنة. وروي عن (عمر بن) (٥) شاكر عن ابن سيرين قال: قال رسول الله

стр. 8619

- ﷺ : "القرن أربعون سنة" (١). ١٨ - قوله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ يعني: الدنيا، فعبّر بالنعت عن الاسم، أراد الدار العاجلة ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ من البسط والتقتير ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ أن نفعل به ذلك أو إهلاكه ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة ﴿يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ مطرودًا مبعدًا. ١٩ - قوله : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ وعمل لها علمها ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ مقبولًا غير مكفور (٢). ٢٠ - قوله : ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ أي: نمد كلا الفريقين: من يريد العاجلة، ومن يريد الآخرة نرزقهما جميعًا ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ ثم يختلف بهما الحال في المآل ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ممنوعًا محبوسًا عن عباده. ٢١ - قوله : ﴿انْظُرْ﴾ يا محمد (٣) ﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الرزق والعمل،

стр. 8620

يعني: طالب العاجلة وطالب الآخرة ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. ٢٢ - ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به غيره ﴿فَتَقْعُدَ﴾ فتبقى ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾. ٢٣ - (قوله (١): ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ وأمر ربك، قاله ابن عباس ﵄ وقتادة (٢) والحسن (٣) رحمهما الله. قال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، فقال: إنك عصيت ربك وبانت منك امرأتك، فقال الرجل: قضى الله ذلك على، فقال الحسن -وكان فصيحًا-: ما قضى الله ذلك، أي ما أمر الله، وقرأ هذِه الآية ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ فقال الناس: تكلم الحسن في القدر (٤).

стр. 8621

وقال مجاهد (١) وابن زيد (٢): (وأوصى ربك)، ودليل هذا التأويل قراءة على وعبد الله (٣) وأُبي ﵃: (ووصّى ربُّك).

стр. 8622

وروى أبو إسحاق الكوفي (١)، عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأها: (ووصَّى (٢) ربك) وقال: إنهم ألصقوا الواو بالصاد، فصار قافًا (٣). وقال الربيع بن أنس: وأوجب ربك. ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي (٤): وأمر بالوالدين (٥) إحسانًا، برًّا بهما، وعطفًا عليهما ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ قرأ (٦) حمزة والكسائي وخلف (يَبْلُغَانَ) (٧) بالألف على التثنية، وعلى هذِه (٨) القراءة قوله: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ كلام

стр. 8623

مستأنف، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (وقرأ الباقون موحدًا) (١) ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فيه ثلاث لغات: بفتح الفاء حيث وقع، وهي قراءة أهل مكة والشام واختيار (٢) يعقوب وسهل. و ﴿أُفٍّ﴾ بالكسر والتنوين، وهي قراءة أهل المدينة (٣) وأيوب وحفص، و (أُفِّ) (مكسورة غير منونة) (٤) وهي قراءة الباقين (٥) من القراء، وكلها لغات معروفة، ومعناها واحد. قال ابن عباس (٦) ﵄: هي كلمة كراهة. وقال مقاتل (٧): الكلام الرديء الغليظ.

стр. 8624

وقال أبو عبيد: أصل الأف والتُّفِّ: الوسخ على الأصابع إذا فتلته. وفرَّق الآخرون بينهما فقالوا (١): الأف: ما يكون في المغابن من (العرف والوسخ) (٢)، والتف: ما يكودن في الأصابع، وقيل: الأف: وسخ (الأذن، والتف: وسخ الأظفار) (٣). وقيل: الأف: وسخ الظفر، والتف: ما رفعت (من الأرض بيدك) (٤) من شيء حقير. ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ ولا تزجرهما ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ حسنًا جميلًا، قال سعيد بن المسيب ﵀: كقول العبد المذنب للسيد الفظ (٥). وقال عطاء (٦): لا تسمهما ولا تكنهما، وقل لهما: يا أبتاه! ولا أمّاه!

стр. 8625

وقال مجاهد في هذِه الآية: إن بلغا عندك من (١) الكبر ما يبولان ويخرءان (٢) فلا تقذرهما، ولا تقل لهما أف حين ترى الأذى، وتميط عنهما الخلاء (٣) أو البول كما كانا يميطانه عنك صغيرًا، ولا تؤذهما (٤). ٢٤ - ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قال عروة بن الزبير: لِن لهما حتى لا (تمتنع من) (٥) شيء أحباه (٦). وقال مقاتل: (ألن لهما جناحك) (٧) واخضع لهما (٨)، وقرأ الحسن وسعيد بن جبير وعاصم الجحدري: (جناح الذِّلِّ) بكسر الذال، أي لا تستصعب معهما ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. قال ابن عباس (٩) ﵄: هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ

стр. 8626

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (١). [١٦٩٨] أخبرنا أبو علي (٢) الحسين بن محمد بن إبراهيم السراج، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان (٣)، قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب (٤)، قال: حدثنا الحسين بن الوليد (٥)، (قال: حدثنا) (٦) شعبة (٧)، عن يعلي بن عطاء (٨)، عن أبيه (٩)، عن عبد الله بن عمرو (١٠) قال: قال رسول الله ﷺ : "رِضَا اللهِ تعالى مع رضاء الوالدين، وسخط اللهِ تعالى مع سخط الوالدين" (١١).

стр. 8627

[١٦٩٩] وأخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي (١)، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد (٢) (قال: حدثنا أحمد بن محمد بن غالب (٣)، غلام الخليل، قال: حدثنا محمد بن

стр. 8628

سلام السلمي (١)، قال: حدثنا محمد بن السماك (٢)) (٣) الكوفي عن (عائذ (٤) بن شريح) (٥)، عن عطاء (٦)، عن عائشة (٧) ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يقال للعاق: اعمل ما شئت فإني لا أغفر لك، ويقال للبار: اعمل ما شئت فإني سأغفر لك" (٨).

стр. 8629

[١٧٠٠] وأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله المزكي (١)، قال: حدثنا البغوي (٢) ببغداد، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الناصح (٣)، قال: حدثنا شبابة بن سوار (٤)، قال: حدثنا المغيرة بن مسلم (٥)، عن عطاء (٦)، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أمسى مرضيًا لوالديه وأصبح، أصبح وله بابان مفتوحان من الجنة، وإن واحدًا فواحدًا (٧)، ومن أمسى مسخطًا لوالديه وأصبح، أصبح وله بابان مفتوحان من النار، وإن واحدًا فواحدًا (٨) "، فقال رجل: يا رسول الله! وإن ظلماه؟ قال: "وإن ظلماه"، قال: وإن ظلماه؟ قال: "وإن ظلماه" ثلاث مرات.

стр. 8630

[١٧٠١] وأخبرنا أبو عبد الله النصيري المزكي (١)، قال: أخبرنا أبو العباس السراج (٢) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد (٣) قال: حدثنا رشدين (٤) بن سعد، عن أبي هانئ (٥) الخولاني، عن (أبي عمر النصيبي (٦) قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله!

стр. 8631

(صلى الله عليك) (١) دلني على عمل أعمله يقربني إلى الله تعالى، قال: "هل لك (والد و) (٢) ووالدة؟ " قال: نعم، قال: "يكفيك مع البر بالوالدين العمل اليسير" (٣).

стр. 8632

٢٥ - قوله : ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من بر الوالدين وعقوقهما ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ أبرارًا ومطيعين فيما أمركم الله به بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين وغير ذلك من فرائض الله تعالى ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ للرجاعين (١) بعد المعصية والهفوة ﴿غَفُورًا﴾ قال سعيد بن جبير (٢) في هذِه الآية: هو (٣) الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير فإنه لا يؤاخذ به. واختلف المفسرون في معنى (الأوابين): قال سعيد بن المسيب (٤): هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقال سعيد بن جبير (٥): الراجعين إلى الخير. وروى (٦) مجاهد عن عبيد ابن عمير: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله تعالى منها، وروى (٧) عمرو بن دينار عنه: الذي يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا (٨).

стр. 8633

وقال ابن عباس (١) ﵄: هو الراجع إلى الله فيما يحزنه بذنوبه (٢). والأواب فعال من قولهم آب إذا رجع، قال عبيد بن الأبرص: وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب (٣) وقال عمرو بن شرحبيل (٤): هم المسبحون، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (٥) ﵄، دليله قوله : ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي

стр. 8634

مَعَهُ﴾ (١) (أي: سبحي. وقال) (٢) الوالبي (٣) عنه: المطيعين المخبتين. وقال قتادة (٤): المصلين. وقال عون (٥) العقيلي: هم الذين يصلون صلاة (٦) الضحى. وقال ابن المنكدر (٧): الصلاة بين المغرب والعشاء الأخيرة (٨)

стр. 8635

[١٧٠٢] وأخبرنا عبد الخالق بن علي (١)، قال: أخبرنا أبو بكر بن خنب (٢)، قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري (٣)، قال: حدثنا زكريا بن عدي (٤)، قال: حدثنا ابن إدريس (٥)، عن أبيه (٦)، عن سعيد بن جبير (٧) قال: الأوابين الدعّائين (٨). ٢٦ - قوله : ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ يعني: صلة الرحم، وقال بعضهم: عنى بذلك قرابة رسول الله ﷺ ، وروى السدي عن أبي الديلم (٩) قال: قال علي بن الحسين ﵄ لرجل من أهل (١٠) الشام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فما قرأت في بني إسرائيل ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾؟ قال:

стр. 8636

وإنكم (للقرابة) (١) التي أمر الله أن يؤتى حقه؟ قال: نعم. ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ولا تنفق مالك في المعصية (٢). وروى سلمة بن كهيل (٣)، عن أبي عبيد ين الضرير (٤) أنه سأل ابن مسعود (٥) ﵁ ما التبذير؟ قال: إنفاق المال في غير حقه. وقال شعبة: كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة، فأتى على دار تبنى (٦) بجص (وآجر، فـ) (٧) قال: التبذير في قول عبد الله ﵁: إنفاق المال في غير حقه. وقال مجاهد (٨): لو أنفق إنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرًا، ولو أنفق مُدًّا في باطل كان تبذيرًا. ٢٧ - ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أولياؤهم وأعوانهم، والعرب تقول لكل (من لازم) (٩) سنة قوم

стр. 8637

وتابع أمرهم: هو أخوهم ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ جحودا لنعمه. ٢٨ - (قوله (١): ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ الآية التي نزلت في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب ﵃، كانوا يسألون النبي ﷺ في الأحايين ما كانوا يحتاجون إليه ولا يجد لهم متسعًا فيعرض عنهم حياء منهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾ يعني: وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم حقوقهم عند مسألتهم إياك ما لا تجد إليه سبيلا حياء منهم ابتغاء رحمة ﴿مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ انتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ ليّنا، وعدهم وعدًا جميلًا. ٢٩ - (قوله (٢): ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ قال جابر (٣) بن عبد الله ﵄: بينا رسول الله ﷺ (قاعدًا فيما) (٤) بين أصحابه أتاه صبي فقال: يا رسول الله! إن أمي تستكسيك درعًا، ولم يكن عند رسول الله ﷺ إلا قميصه، فقال للصبي: "من ساعة إلى ساعة يظهر، فعد وقتًا آخر"، فعاد إلى أمه فقالت له: قل له: إن أمي تستكسيك الدرع (٥) الذي عليك، فدخل رسول الله ﷺ داره ونزع

стр. 8638

قميصه وأعطاه وقعد عريانًا، فأذّن (١) بلال ﵁ للصلاة فانتظروه فلم يخرج، فشغل قلوب الصحابة ﵃ فدخل عليهم بعضهم فرآه عريانًا، فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ يعني لا تمسك يدك عن النفقة في الحق كالمشدودة يده إلى عنقه فلا يقدر على مدّها (٢) والإعطاء بها ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتعطي جميع ما عندك ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ يلومك سائلوك إذا لم تعطهم ﴿مَحْسُورًا﴾ منقطعًا بك لا شيء عندك تنفقه، يقال: حسرته بالمسألة، إذا (ألحفت عليه) (٣)، ودابة حسراء إذا كانت كالّة رازحة، وحسر البصر، إذا كلّ؛ قال الله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ

стр. 8639

حَسِيرٌ﴾ (١) قال قتادة (٢): محسورًا نادمًا على ما فرط منك. ٣٠ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ﴾ يوسع ﴿الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يقتر ويضيق ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ نظيرها (٣) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) الآية (٥). ٣١ - قوله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٦)

стр. 8640

فقر وإقتار ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يئدون (١) بناتهم خشية إملاق، والإملاق الفاقة، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأخبرهم أن رزقهم ورزق أولادهم على الله تعالى. ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (اختلف القراء فيه، فـ) (٢) قرأ أبو جعفر وابن عامر (برواية ابن ذكوان) (٣) بفتح الخاء والطاء مقصورًا، وقرأ ابن كثير بكسر الخاء ممدودًا، وقرأ الآخرون (٤) بكسر الخاء وجزم الطاء، وكلها لغات (معناها واحد) (٥)، ويكون اسمًا

стр. 8641

ومصدرًا (١). ٣٢ - (قوله (٢) ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾. ٣٣ - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قتلها ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وحقها ما روى حميد، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" قيل: وما حقها (يا رسول الله؟ ) (٣) قال: "زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس فيقتل بها ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ قوة وولاية على قاتل وليه (٤)، فإن شاء استقاد منه فقتله، وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا عنه، ﴿فَلَا

стр. 8642

يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف (١): (فلا تسرف) بالتاء أي: فلا تسرف أيها القاتل، ويجوز أن يكون الخطاب (لرسول الله) (٢) ﷺ ، والمراد به الأمة من بعده، ومن قرأ بالياء رجع إلى الولي. واختلفوا في هذا الإسراف ما هو؟ فقال ابن عباس (٣) ﵄: لا يقتل غير قاتله. وقال الحسن وابن زيد (٤): كانت العرب في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل لم يرضوا أن يقتلوا قاتل صاحبهم حتى يقتلوا أشرف من الذي قتله، فيعمد ولي المقتول إلى الشريف من قبيلة القاتل فيقتله بوليه، ويترك القاتل، فنهى الله عن ذلك، وقال رسول الله ﷺ : "إن من أعتى الناس على الله تعالى ثلاثة: رجل قتل غير قاتله، أو قتل

стр. 8643

بذحول الجاهلية، أو قتل في حرم الله" (١). وقال الضحاك (٢): كان هذا بمكة ونبي الله ﷺ بها، وهو أول شيء نزل من القرآن في (٣) شأن القتل، كان المشركون من أهل مكة يقتلون أصحاب (النبي ﷺ ورضي عنهم) (٤) فقال الله : من قتلكم من المشركين فلا يحملنكم قتله إياكم على أن تقتلوا له أبًا، أو أخًا، أو أحدًا من عشيرته وإن كانوا مشركين، (فلا تقتلوا إلا قاتلكم) (٥) وهذا من قبل أن تنزل سورة (٦) براءة، وقبل أن يؤمروا بقتال المشركين. وقال سعيد بن جبير (٧): لا تقتل اثنين (٨) بواحد، وقال قتادة وطلق

стр. 8644

ابن حبيب (١) وابن كيسان: لا تمثل به ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ واختلفوا في هذِه الكناية، فقال بعضهم: هي عائدة إلى (٢) ولي المقتول وهو المنصور على القاتل، يدفع الإمام إليه القاتل، فإن شاء قتل، وإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذ الدية، وهذا قول قتادة (٣). وقال آخرون: هي راجعة إلى المقتول ظلمًا (٤) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ يعني أن المقتول منصور في الدنيا بالقصاص، وفي الآخرة بالثواب، وهو قول مجاهد (٥).

стр. 8645

٣٤ - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ عنه، وقيل معناه: كان (١) مطلوبًا. ٣٥ - (قوله (٢) ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ قرأ أهل الكوفة (٣) - (إلا أبا بكر) (٤) بكسر القاف (هنا وفي الشعراء) (٥) والباقون (٦): بضمه، وهما لغتان مثل قِرطاس والقُرطاس، معناهما الميزان الصغير والكبير، قال مجاهد (٧): هو

стр. 8646

العدل بالرومية، وقال الحسن (١): هو القبّان ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي (٢): عاقبة. قال قتادة (٣): ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: "لا يقدر رجل (٤) على حرام ثم يدعه، ليس به إلا مخافة الله إلا أبدله الله تعالى في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك". ٣٦ - قوله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ قال قتادة (٥): لا تقل: رأيت، ولم تره، وسمعت، ولم تسمعه، وعلمت، ولم تعلمه.

стр. 8647

وهذِه رواية علي بن أبي طلحة (١)، عن ابن عباس ﵄. وقال مجاهد (٢): لا ترم أحدًا بما ليس لك به علم، وهي رواية عطية (٣)، عن ابن عباس ﵄. وقال ابن الحنفية: هي شهادة الزور. وقال القتيبي: (لا تتبعه بالحدس) (٤) والظنون. وكلها متقاربة. وأصل القفو: البهت والقذف بالباطل، ومنه قول النبي ﷺ : "نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا، ولا ننتفي من أبينا" (٥). قال النابغة:

стр. 8648

ومثل الدمى (١) شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا أي: التقاذف، وقال الكميت: فلا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفوا الحواضن إن قفينا قال القتيبي: هو مأخوذ من القفا، كأنه (٢) يقفو الأمور، أي: يكون في أقفائها يتعقبها ويتتبعها (٣) ويتعرفها، ويقال: قفوت أثره، على وزن دعوت، والنهي منه لا تقف، مثل لا تدع. وحكى الفراء (٤) عن بعضهم: أن أصله من القيافة (وهي إتباع

стр. 8649

للأثر) (١) وإذا كان كذلك وجب أن يكون (٢) لا تقف مثل لا تقل؛ لأن (٣) العرب تقول: قفوت أثره وقفيت، مثل قولهم (٤) قاع الفحل الناقة وقعاها (إذا ركبها) (٥)، وعاث و (عثى من الفساد) (٦)، واعتام واعتمى و (اجتاح) (٧) ماله و (اجتحى) (٨). قال الشاعر: ولو أني رأيتك (٩) من بعيد ... لعاقك عن دعاء (النيب عاقي) (١٠) أي عائق. ﴿وَإِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ أي كل هذِه الجوارح والأعضاء، ولم يقل: تلك، كقول (١١) الشاعر:

стр. 8650

ذم (١) المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام (٢) ويجوز أن يكون راجعًا إلى أصحابها وأربابها. ٣٧ - (قوله (٣): ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي بطرًا وكبرًا وفخرًا وخيلاء، وهو تفسير المشي لا نعته، فلذلك أخرجه على (٤) المصدر ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها، يقال: فلان أخرق الأرض من فلان إذا كان أكثر أسفارًا، وقال رؤبة: وقاتم (٥) الأعماق خاوي المخترق أي: المقطع (٦). ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ أي: لن (٧) تساويها وتحاذيها بكبرك، فنهي الله سبحانه عباده عن الكبر والفخر و (البطر والأشر) (٨) وأخبر أن صاحبه لا ينال له شيئًا يقصر (٩) عنه غيره.
следующие страницы →