← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين قوم ولا دين لهم، وإن هذا القرآن تصبحون يومًا وما فيكم منه شيء، فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرحمن، وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نعلمه أبناءنا (ويعلمه أبناؤنا) (١) أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: يسرى به في ليلة فيذهب بما في المصاحف وبما في القلوب (فتصبح الناس كالبهائم) (٢) ثم قرأ عبد الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية (٣). وروى موسى بن عبيدة (٤)، عن صفوان بن سليم (٥)، عن ناجية بن

стр. 8787

عبد الله بن عتبة (١)، عن أبيه (٢)، (عن عبد الله (٣) ﵁) (٤) قال: أكثروا الطواف بالبيت قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه، وأكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع، قالوا: هذِه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: يسرى عليه ليلا فيصبحون منه فقراء، وينسون قول لا إله إلا الله، فيقعون في قول أهل الجاهلية وأشعارهم فذلك حين يقع عليهم القول (بما ظلموا) (٥) (٦). [١٧٥٠] وأخبرني الشيخ أبو الحسن محمد بن القاسم الفارسي (٧) ﵀ بقراءتي عليه، قال: حدثنا أبو زكريا (علي بن) (٨) يحيى بن محمد الفلجوذي (٩)، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الحسين بن

стр. 8788

الخليل (١)، قال: حدثنا داود بن الوسيم (٢)، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الزبيدي (٣)، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم (٤)، قال: حدثنا ابن لهيعة (٥)، قال: حدثني خالد بن يزيد (٦)، عن سعيد بن أبي هلال (٧) قال: حدثني ثابت بن عياض (٨)، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: لا تقوم الساعة حتى يرفع (٩) القرآن من حيث نزل، له دوي كدوي النحل، فيقول الرب : ما بالك؟ فيقول: يا رب!

стр. 8789

منك خرجت وإليك أعود، أتلى ولا يعمل بي (١). ٨٨ - قوله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لا يقدرون على ذلك، قال السدي (٢): لا يأتون بمثله؛ لأنه غير مخلوق، ولو كان مخلوقًا لأتوا بمثله ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ عونًا، نزلت هذِه الآية حين قال الكفار: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ فأكذبهم الله تعالى. ٨٩ - قوله : ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ جحودا. ٩٠ - قوله : ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ روى عكرمة، عن ابن عباس (٣) ﵄ أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا

стр. 8790

سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البختري بن هشام والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيها ومنبها ابني الحجاج اجتمعوا ومن اجتمع معهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعًا هو يظن أنه بدا لهم في أمره بدء، وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد! إنا بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله لا نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا (١) لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا أموالًا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا (الذي يأتيك رئيا) (٢) تراه قد غلب عليك -وكانوا يسمون التابع من الجن الذي يتبع الناس (رئيا، فربما) (٣)

стр. 8791

كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك (١) منه أو نعذر فيك، فقال رسول الله ﷺ : "ما بي ما تقولون، (ما جئت بما) (٢) جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل على كتابًا وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبِرُ لأمر الله حتى يحكم الله تعالى بيني وبينكم" فقالوا: يا محمد! فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلادًا ولا أقل مالًا ولا أشد عيشًا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذِه الجبال التي قد ضيقت علينا ويبسط لنا بلادنا وليجر لنا فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله وأنه بعثك رسولًا كما تقول، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" فقالوا: فإذ لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك،

стр. 8792

فسل ربك أن يبعث ملكًا يصدقك واسأله فيجعل لك جنانًا و (قصورًا وكنوزًا) (١) من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك، فإنك تقوم في الأسواق (كما نقوم) (٢) وتلتمس المعاش كما نلتمسه، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما أنا بالذي يسأل ربه، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله تعالى بعثني بشيرًا ونذيرًا" قالوا: فأسقط السماء (علينا كسفًا) (٣) كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "إن ذلك إلى الله إن شاء فعل ذلك"، فقالوا: إنه قد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا، وقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا، فلما قالوا ذلك، قام النبي ﷺ عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو ابن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال له: يا محمد! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله لا أؤمن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلمًا ثم ترقى فيه وأنا انظر

стр. 8793

حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك، ثم انصرف، وانصرف رسول الله ﷺ ، فقال أبو جهل حين قام رسول الله ﷺ : يا معشر قريش! إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وسب آلهتنا، وأني أعاهد الله لأجلس له غدًا بحجر قدر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت رأسه به (١)، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينًا لما فاته من متابعة قومه، ولما رأى من مباعدتهم فأنزل الله : ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾. قرأ أهل الكوفة: ﴿تَفْجُرَ﴾ خفيفة بفتح التاء وضم الجيم واختاره

стр. 8794

أبو حاتم؛ لأن الينبوع واحد، والباقون بالتشديد على التفعيل، واختاره أبو عبيد، ولم يختلفوا في الثانية أنها مشددة لأجل الأنهار؛ لأنها جمع، والتشديد يدل على التكثير ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: أرض مكة ﴿يَنْبُوعًا﴾ عيونًا، وهو يفعول من نبع الماء. ٩١ - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾ بستان ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا﴾ وسطها ﴿تَفْجِيرًا﴾ تشقيقا. ٩٢ - ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ قرأ أكثر أهل العراق (وهم: أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي) (١) بسكون السين، أي: قطعًا، جمع كسفة وهو جمع للكثير مثل تمرة وتمر، وسدرة وسدر، تقول العرب: أعطني كسفة من هذا الثوب، أي: قطعة، ويقال: جاءنا بثريد كسف، أي: قطع خبز، وقيل: أراد: جانبًا، وقرأ الباقون بفتح السين، وهو القطع أيضًا، جمع القليل للكسفة ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ قال ابن عباس (٢) ﵄: كفيلا.

стр. 8795

وقال الضحاك (١): ضامنًا. وقال مقاتل (٢): شهيدًا. وقال مجاهد (٣): هو جمع القبيلة، أي: بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة. وقال قتادة (٤): عيانًا. وقال الفراء (٥): هو من قول العرب: قُبُلًا وقِبَلا، أي: معاينة. ٩٣ - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ من ذهب. قال مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتى رأيت في قراءة ابن مسعود ﵁: بيت من ذهب ﴿أَوْ تَرْقَى﴾ تصعد ﴿فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ أي: من أجل رقيك أي: صعودك ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ يأمرنا (٦) فيه باتباعك ﴿قُلْ﴾ يا محمد! ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ وقرأ أهل مكة والشام: (قال سبحان ربي) يعني: محمدًا ﷺ ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وليس ما سألتم في طوق البشر ولا قدرة الرسل. * * *

стр. 8796

٩٤ - قوله : ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ جهلًا منهم ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ أن الأولى في محل نصب، والثانية في موضع الرفع، وفي الآية اختصار مجازها: هلا بعث الله ملكًا رسولا، فأجابهم الله : ٩٥ - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ مستوطنين مقيمين ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ٩٦ - لأن الملائكة إنما تبعث إلى الملائكة وتراهم الملائكة، وقال له ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أني رسوله إليكم ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. ٩٧ - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ يهدونهم ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [١٧٥١] أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد الحيري (١) -بالحيرة- قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم الأنباري (٢)، قال: حدثنا جعفر بن محمد الصائغ (٣)، قال: حدثنا حسين بن محمد (٤)، قال: حدثنا شيبان (٥)

стр. 8797

عن قتادة (١)، عن أنس ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال نبي الله ﷺ : "إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه" (٢). وروى حماد بن سلمة (٣) عن علي بن زيد (٤)، عن أوس بن خالد (٥)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنف مشاة وصنف ركبانا وصنف على وجوههم" قيل: يا رسول الله! وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك" (٦).

стр. 8798

﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ إن قيل: كيف وصف الله تعالى هؤلاء بأنهم يوم القيامة عمي وبكم وصم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ (١) وقال: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (٢) وقال: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (٣). فالجواب عنه ما قال ابن عباس ﵄: ﴿عُمْيًا﴾ لا يرون شيئًا يسرهم ﴿وَبُكْمًا﴾ لا ينطقون بحجة ﴿وَصُمًّا﴾ لا يسمعون شيئًا يسرهم. وقال الحسن: هذا حين تتوفاهم (٤) الملائكة وحين يساقون إلى الموقف عمي العيون وزرقها مسودة الوجوه إلى أن يدخلوا النار. وقال مقاتل (٥): هذا حين يقال لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فيصيرون بأجمعهم عميًا وبكمًا وصمًّا لا يرون ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك. وقيل: ﴿عُمْيًا﴾ لا يرون الهدى ﴿وَبُكْمًا﴾ لا ينقطون بخير

стр. 8799

﴿وَصُمًّا﴾ لا يسمعون الحق. ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾ قال ابن عباس ﵄: سكنت (١). وقال مجاهد: طفئت. وقال قتادة (٢): لانت وضعفت. ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ وقودا. ٩٨ - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾ فأجابهم الله تعالى. ٩٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ في عظمها وشدتها وكثرة أجزائها وقوتها ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في صغرهم وضعفهم، نظيره قوله تعالى ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (٣) وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ (٤) ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾ أي: وقتًا لعذابهم وهلاكهم ﴿لَا رَيْبَ

стр. 8800

فِيهِ﴾ (أنه آتيهم) (١). وقيل: إن هذا جواب لقولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾. وقيل: هو يوم القيامة. وقيل: هو الموت الذي يعاينوه ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾ جحودا. ١٠٠ - قوله : ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ أي: أملاك ربي وأمواله، وأراد بالرحمة هاهنا الرزق ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ﴾ بخلتم فحبستم ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ أي: لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفقر والإقتار. (وقال قتادة) (٢): ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ أي: خشية الفاقة. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ أي: بخيلا ممسكًا ضيقًا. ١٠١ - قوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس ﵄ والضحاك (٣): هي العصا، واليد البيضاء، والعقدة التي كانت بلسانه فحلها، وفلق البحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وقال عكرمة ومطر الوراق وقتادة ومجاهد والشعبي وعطاء ﵏: هي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، والسنون، ونقص من الثمرات.

стр. 8801

[١٧٥٢] وأخبرني الحسين بن فنجويه (١)، قال: حدثنا مخلد بن جعفر (٢)، قال: حدثنا الحسن بن علويه (٣)، قال: حدثنا إسماعيل ابن عيسى (٤)، قال: حدثنا إسحاق بن بشر (٥)، قال: أخبرني محمد ابن إسحاق (٦)، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي (٧) -وفي غير هذا الحديث: محمد بن إسحاق، عن بريدة (٨) بن (٩) سفيان، عن القرظي- قال: سألني عمر بن عبد العزيز، عن الآيات التسع

стр. 8802

فقلت: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم -آيات مفصلات (١) - وعصا موسى ويده ﵇ والطمس والبحر، فقال عمر ﵀: وأنا أعرف أن الطمس إحداهن، قال محمد بن كعب: إن الرجل منهم كان مع أهله في فراشه، وقد صارا حجرين، وإن المرأة منهم قائمة تختبز وقد صارت حجرًا، وإن المرأة منهم لفي الحمام و (قد صارت حجرًا) (٢)، فقال عمر: كيف يكون الفقه إلا هكذا، ثم دعا بخريطة (٣) فيها أشياء مما كانت أصيبت لعبد العزيز بن مروان بمصر (حين كان عليها -من بقايا آل فرعون) (٤) فأخرج منها البيضة مشقوقة بنصفين، وإنها لحجر، وأخرج الجوزة مشقوقة وإنها لحجر، وأخرج أشباه (٥) ذلك من الفواكه وإنها لحجر، وأخرج دراهم ودنانير وفلوسًا وإنها لحجارة (٦).

стр. 8803

فعلى هذِه الأقوال تكون الآيات بمعنى الدلالات والمعجزات، وقال بعضهم: هي بمعنى آيات الكتاب (١). [١٧٥٣] وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الثقفي (٢)، قال: حدثنا أحمد بن الحسين بن ماجه القزويني (٣)، قال: حدثنا محمد بن أيوب الرازي (٤) قال: أخبرنا أبو الوليد الطيالسي (٥) (ح). [١٧٥٤] وأخبرنا هارون بن محمد بن هارون العطار (٦) -واللفظ له- قال: حدثنا يوسف بن عبد الله بن ماهان (٧)، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي (٨)، قال: حدثنا شعبة (٩)، عن عمرو بن مرة (١٠)، عن عبد الله ابن سلمة (١١)، عن صفوان بن عسال المرادي (١٢) ﵁ أن يهوديًّا قال لصاحبه: تعال نسأل هذا النبي، فقال الآخر: لا تقل نبي فإنه لو سمع

стр. 8804

صارت له أربع أعين، فأتياه فسألاه عن هذِه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فقال: "لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تسحروا، ولا تشموا بالبريء إلى السلطان ليقتله، ولا تسرقوا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة اليهود ألا تعدوا في السبت" فقبلوا يده، وقالوا: نشهد أنك نبي، قال: "فما يمنعكم أن تتبعوني؟ " قالوا: إن داود ﵇ دعا ربه ألا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف أن اتبعناك أن يقتلنا يهود (١). ﴿فَاسْأَلْ﴾ يا محمد ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ هذه قراءة العامة. [١٧٥٥] أخبرنا (٢) ابن فنجويه (٣)، قال: حدثنا أبو علي بن حبش

стр. 8805

المقرئ (١)، قال: أخبرنا محمد بن الفضل بن حاتم الطبري (٢) قال: حدثنا أبو هشام (٣) الرفاعي قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق (٤)، عن أبي عبيد (٥)، عن حنظلة (٦)، عن شهر بن حوشب (٧) عن ابن عباس ﵁ (ح). [١٧٥٦] وأخبرنا محمد بن نعيم (٨)، قال: أخبرنا الحسين بن أيوب (٩)، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز (١٠)، قال: أخبرنا القاسم ابن سلام (١١)، قال: حدثنا حجاج (١٢)،

стр. 8806

عن هارون (١)، عن حنظلة السدوسي (٢)، عن شهر بن حوشب (٣)، عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ: (فسأل بني إسرائيل إذ جاءهم) على الخبر، وقال: سأل موسى ﵇ فرعون بني إسرائيل أن يخلي سبيلهم ويرسلهم معه (٤) ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ أي: مطبوبًا سحروك. قاله الكلبي، وقال ابن عباس (٥) ﵄: مخدوعًا. وقال محمد بن جرير (٦): تتعاطى علم السحر، فهذِه العجائب التي

стр. 8807

تفعلها من سحرك، وقال الفراء (١) وأبو عبيدة (٢): ساحرًا فوضع المفعول موضع الفاعل، كما يقال: (هو ميمون، ومشؤوم، أي: يامن وشائم) (٣)، وقيل: معناه: وإني لأظنك: لأعلمك يا موسى بشرًا ذا سحر، أي: رئة. ١٠٢ - ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ قراءة العامة بفتح التاء خطابًا لفرعون، وقرأ الكسائي بضم التاء، وهي قراءة علي ﵁ (٤). [١٧٥٧] وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ (٥)، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين (٦) بن الحسن الطوسي، قال: أخبرنا على ابن عبد العزيز (٧)، قال أخبرنا أبو عبيد (٨)، قال: حدثنا (عبد الرحمن ابن سفيان (٩) وحجاج (١٠)،

стр. 8808

عن هارون (١)، عن شعبة (٢) (٣)، كلاهما عن أبي إسحاق (٤)، عن رجل من مراد، عن علي بن أبي طالب ﵁-أنه قرأ: (لقد علمتُ) برفع التاء، وقال: والله ما أعلم عدو الله، ولكن موسى هو الذي علم، قال: فبلغت ابن عباس ﵄ فقال: إنها: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ هو تصديقًا لقول الله : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٥) (٦). قال أبو عبيد: والمأخوذ به عندنا: نصب التاء، وهو أصح في المعني الذي احتج به ابن عباس ﵄؛ ولأن موسى ﵇ لا يحتج بأن يقول: علمت أنا وهو الرسول الداعي. ولو كان مع هذا كله تصح تلك (٧) القراءة عن علي ﵁-لكانت حجة، ولكنها لم (٨) تثبت عنه، إنما هي عن (كلثوم المرادي،

стр. 8809

وهو) (١) رجل مجهول (لا يعرف) (٢)، ولا نعلم أحدًا من القراء تمسك بها غير الكسائي. ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ الآيات التسع ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ السبع (٣) ﴿وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ جمع بصيرة ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قال ابن عباس (٤) ﵄: يعني: ملعونًا، وقال مجاهد: هالكًا، وقال قتادة: مهلكًا. [١٧٥٨] أخبرنا محمد بن حمدويه (٥) وعبد الله بن حامد (٦)، قالا: أخبرنا محمد بن يعقوب (٧)، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان (٨)، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى (٩)، (قال: أخبرنا عيسى بن موسى) (١٠)،

стр. 8810

عن عطية العوفي (١) في قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قال: مبدلًا (٢). وقال ابن زيد: مخبولًا، لا عقل لك، وقال مقاتل (٣): مغلوبًا، وقال ابن كيسان: بعيدًا عن الخيرات. [١٧٥٩] وأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه (٤)، قال: حدثنا أبو علي ابن حبش المقرئ (٥)، قال: حدثنا أبو بكر ابن أبي داود (٦)، قال: حدثنا جعفر بن محمد العبدي (٧)، قال: حدثنا جمهور بن

стр. 8811

منصور (١)، عن محمد بن الحجاج (٢)، عن سفيان بن الحسين (٣)، عن الحسن (٤) ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قال: سلّاحًا في القطيفة (٥). قال مجاهد: دخل موسى ﵇ على فرعون في يوم شاتٍ وعليه قطيفة له، فألقى موسى ﵇ عصاه، فرأى فرعون جانبي البيت بين فقميها، ففزع فرعون وأحدث في قطيفته. [١٧٦٠] وأخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم (٦) وأبو القاسم عروة بن محمد بن عروة (٧)، قالا: حدثنا أبو صالح محمد ابن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن الضبي (٨)، قال: حدثنا أبو عبد

стр. 8812

الله الحسين بن عبد الله بن الخصيب الأبراري (١) قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري (٢) قال: كنت قائمًا على رأس المأمون (٣) وهو يناظر رجلًا فسمعته يقول له: يا مثبور! ثم أقبل على فقال: يا إبراهيم! ما معنى يا مثبور؟ قلت: لا أدري، فقال: حدثني الرشيد قال: حدثني أمير المؤمنين المهدي (٤) قال: كنت جالسًا عند أمير المؤمنين المنصور (٥) فسمعته يقول لرجل: يا مثبور! فقلت: يا أمير المؤمنين! ما معنى مثبور؟ فقال: قال ميمون بن مهران: قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ فقال: ناقص العقل (٦). قال الفراء (٧): يعني: مصروفًا ممنوعًا من الخير، والعرب تقول:

стр. 8813

ما ثبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما منعك منه وصرفك عنه، وثبره الله (١) ويثبره لغتان، قال (عبد الله) (٢) بن الزبعرى: إذا أجاري الشيطان في سنن الغي ... ومن مال ميله مثبور ١٠٣ - قوله : ﴿فَأَرَادَ﴾ فرعون ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ يعني: موسى وبني إسرائيل يخرجهم ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ أرض مصر ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾. (قال وهب: كانوا ألفي ألف وستمائة ألف) (٣) ونجينا موسى وقومه جميعا. ١٠٤ - ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: بعد هلاك فرعون وقومه ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ يعني: أرض مصر والشام ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ (وهي موعد قيام) (٤) الساعة ﴿جِئْنَا بِكُمْ﴾ يعني: من قبوركم إلى موقف القيامة ﴿لَفِيفًا﴾ مختلطين قد التف بعضهم ببعض لا يتعارفون ولا ينحاز أحد منهم

стр. 8814

إلى قبيلته وحيّه، وهو من قول العرب: لفت الجيوش، إذا اختلطوا، وكذلك كل شيء اختلط بشيء فقد لف والتف، وقال مجاهد والضحاك (١) لفيفا أي: جميعًا، ووحد اللفيف، وهو خبر عن الجمع؛ لأنه بمعنى المصدر (كقول القائل) (٢): لففته لفًا ولفيفا. وقال الكلبي (٣): ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ يعني: مجيء عيسى (بن مريم ﵉ (٤) من السماء جئنا بكم لفيفا، واللفيف المجتمع الأنواع من كل قوم من هاهنا وههنا لفوا جميعا. وهذِه (٥) القصة تعزية لنبينا ﷺ وتقوية لقلبه يقول الله تعالى: كما أنزلت عليك القرآن فكذبك كفار قومك من أهل مكة كذلك أعطيت موسى التوراة فكذبه فرعون وقومه، وكما أراد أهل مكة أن يستفزوك منها كذلك أراد فرعون أن يستفز موسى وبني إسرائيل من الأرض فأنجيتهم وأظهرتهم عليه فكذلك أظهرك على أعدائك وأتم نعمتي عليك وعلى من اتبعك بنصرة الدين ولو كره الكافرون، فأنجز الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، فلله الحمد والمنة. * * *

стр. 8815

١٠٥ - قوله : ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ يعني: القرآن ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. ١٠٦ - ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ قرأ ابن عباس (١) ﵄: (فرَّقناه) بالتشديد، قال: لأنه لم ينزل مرة واحدة، وإنما نزل نجومًا في (ثلاث و) (٢) عشرين سنة، وتصديقه قراءة أُبيّ بن كعب ﵁: (وقرانا فرَّقناه عليك)، وقرأ الباقون بالتخفيف، لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ (٣). قال ابن عباس (٤) ﵄: فصلناه، وقال الحسن (٥): فرق الله به بين الحق والباطل، وقال الآخرون: بيناه ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ أي: تؤده وترسل في ثلاث وعشرين سنة ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. ١٠٧ - قوله : ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ أمر وعيد (٦) وتهديد ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل نزول القرآن و (خروج) (٧) محمد ﷺ ، وهم مؤمنو أهل الكتاب ﴿إِذَا يُتْلَى

стр. 8816

عَلَيْهِمْ﴾ يعني: القرآن ﴿يَخِرُّونَ﴾ يسقطون ﴿لِلْأَذْقَانِ﴾ يعني (١) على الأذقان، وهي جمع ذقن، وهو مجتمع اللحيين، قال ابن عباس (٢) ﵄: أراد الوجوه. ﴿سُجَّدًا﴾. ١٠٨ - ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ﴾ قد كان ﴿وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ قال مجاهد (٣): هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد ﷺ سجدًا وقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (أي: وعده بإنزال القرآن وبعث محمد ﷺ ) (٤). ١٠٩ - ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ (كرر القول لتكرار الفعل منهم) (٥) ﴿يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ﴾ نزول القرآن ﴿خُشُوعًا﴾ خضوعًا وتواضعًا لربهم. قال عبد الأعلى التيمي (٦): من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق

стр. 8817

أن لا يكون أوتي علمًا ينفعه وتلا هذِه الآية، نظيرها قوله : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١). ١١٠ - قوله : ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ قال ابن عباس (٢) ﵄: تهجد رسول الله ﷺ ذات ليلة بمكة، فجعل يقول في سجوده: " (يا الله) (٣) يا رحمن يا رحيم! " فقال المشركون: كان محمد يدعو إلهًا واحدًا وهو الآن يدعو إلهين اثنين الله والرحمن، ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٤).

стр. 8818

وقال ميمون بن مهران (١): كان رسول الله ﷺ في أول ما أوحي إليه يكتب باسمك اللهم حتى نزلت هذِه الآية: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقال مشركو العرب (٢): هذا الرحيم نعرفه فماذا الرحمن؟ فأنزل الله تعالى هذِه الآية. وقال الضحاك (٣): قال أهل الكتاب لرسول الله ﷺ : إنك لتُقِل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فأنزل الله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ من هذِه الاسمين (ومن جميع) (٤) ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ و (ما) صلة، مجازه أيًّا مَّا تدعوا كقوله : ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ (٥) ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ (٦). ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال ابن عباس (٧) ﵄: كان

стр. 8819

رسول الله ﷺ إذا صلى بأصحابه رفع (١) صوته بالقرآن فإذا (سمع ذلك) (٢) المشركون سبّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، ورموا رسول الله ﷺ بالخبث ولغوا، فربما صفقوا وربما صفروا ولغطوا (٣) ليغلطوا النبي ﷺ ويخلطوا عليه فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ بقراءتك في الصلاة فيسمع المشركون فيؤذوك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا تُسمع أصحابك، حتى يأخذوا عنك. وقال سعيد بن جبير (٤) ﵀: كان النبي ﷺ يجهر بقراءة

стр. 8820

القرآن في المسجد الحرام فقالت قريش: لا تجهر بالقرآن فتؤذي آلهتنا فنهجو ربك، (فأنزل الله هذِه الآية) (١). وقال مقاتل: كان رسول الله ﷺ في دار أبي سفيان بن الحارث ﵁ عند الصفا يجهر بقراءته، فمر به أبو جهل فقال: لا تفتر على الله، فخفض النبي ﷺ صوته، فقال أبو جهل: ألا ترون ما فعلت بابن أبي كبشة؟ (٢) رددته عن قراءته، فأنزل الله هذِه الآية (٣). [١٧٦١] أخبرنا عبد الله بن حامد (٤)، قال: أخبرنا محمد بن جعفر (٥)، قال: حدثنا علي بن حرب (٦)، قال: حدثنا ابن فضيل (٧)

стр. 8821

قال: حدثنا أشعث (١) عن ابن سيرين (٢) في قوله تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: كان أبو بكر ﵁ يخافت بالقراءة في الصلاة ويقول: أناجي ربي، وقد علم حاجتي، وكان عمر ﵁ يجهر بالقراءة في الصلاة ويرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان أوقظ الوسنان، فأمر أبو بكر ﵁ حين نزلت هذِه الآية (أن يرفع) (٣) صوته شيئًا، وأمر عمر ﵁ أن يخفض صوته شيئًا (٤). وقالت عائشة (٥) ﵂: نزلت هذِه الآية في التشهد، وكان الأعرابي يجهر فيقول: التحيات لله والصلوات ويرفع بها صوته، فنزلت هذِه الآية. وقال الحسن: (يقول الله) (٦) لا ترائي بصلاتك في العلانية، ولا

стр. 8822

تسئها في السر (١). وروى الوالبي عن ابن عباس ﵄: (لا تصل مراءاة) (٢) الناس ولا تدعها مخافة الناس. وقال ابن زيد: كان أهل الكتاب يخافتون في (٣) الصلاة، ثم يجهر أحدهم (٤) بالحرف فيصيح ويصيح من وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيحون، ويخافت كما يخافتون، والسبيل الَّذي بين ذلك الَّذي بيّن له جبريل من الصلاة. وقال علي ﵁ والنخعي ومكحول: هي في الدعاء، وهي رواية عروة عن عائشة ﵂، وعطية عن ابن عباس ﵄ (٥). وقال عبد الله بن شداد: كان أعراب بني تميم (٦) إذا سلم النبي ﷺ

стр. 8823

قالوا؛ اللهم ارزقنا مالًا وولدًا (١) يجهرون بذلك (٢)، فأنزل الله هذِه الآية. وروى ابن وهب (٣) عن عمرو بن الحارث (٤)، عن دراج أبي (٥) السمح أن شيخًا من أصحاب النبي ﷺ قال في هذِه الآية: إنما نزلت في الدعاء، يقول: لا ترفع صوتك بالدعاء عند استغفارك وذكر ذنوبك فيسمع منك فتعيّر بها (٦).

стр. 8824

والمخافتة: خفض الصوت والسكون، ويقال للميت إذا برد: خَفَت. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين الجهر والإخفات ﴿سَبِيلًا﴾. ١١١ - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ قال الحسين بن الفضل: يعني الَّذي عرّفني أنَّه لم يتخذ ولدا ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ قال مجاهد: لم يذل فيحتاج إلى ولي يتعزز به ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ وعظمه عن (١) أن يكون له شريك أو ولي. قال عمر بن الخطاب: قول العبد: الله أكبر، خير من الدنيا وما فيها (٢). [١٧٦٢] أنبأني عبد الله بن حامد (٣)، أخبرنا أحمد بن عبد الله (٤)، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان (٥)،

стр. 8825

حدثنا محمد بن العلاء (١)، حدثنا رشدين (٢) بن سعد، عن (زبان بن فائد) (٣)، عن سهل بن معاذ (٤)، عن أبيه (٥) قال: قال ﷺ : "آية العز: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ " الآية (٦). [١٧٦٣] وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري (٧)، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني (٨)، قال: حدثنا أبو محمد بن زيدان البجلي (٩)، حدثنا سفيان بن وكيع (١٠)، حدثنا
следующие страницы →